ليالٍ صامتة قاتمة: ألمانيا بلا أسواق أعياد الميلاد

TT

ليالٍ صامتة قاتمة: ألمانيا بلا أسواق أعياد الميلاد

لا تبدو الأجواء في ألمانيا في شهر ديسمبر (كانون الأول) الحالي على ما يرام -كما هو معتاد؛ تلاشت مجموعات الأصدقاء الذين يمسكون بأكواب المشروبات الساخنة اللذيذة التي تفوح منها روائح القرفة والقرنفل وهم يخوضون ضمن جموع المتسوقين في ساحة سوق روتنبيرغ القديمة التي تعود إلى عصور القرون الوسطى، أو بالقرب من عتبات كاتدرائية كولونيا الكبيرة وأبراجها الشاهقة. ولا وجود للفرق الموسيقية النحاسية التي تعزف مختلف الترانيم الهادئة أمام قصر شارلوتنبيرغ في برلين. كما اختفت النجوم المتلألئة المتدلية من أفاريز الأكواخ الخشبية في بلدة سايفين القديمة.
ولم تنشر شخصية «كرايست كايند» السحرية أجنحتها الذهبية -كما هو معتاد حال ترحيبها بالعالم في سوق عيد الميلاد السنوي في نورمبيرغ. ولم تشرق أنوارها على ساحة المدينة المظلمة، حيث كانت تلك الشخصية تتلو ترانيمها الرقيقة التي تقول: «بلدة صغيرة في مدينة كبيرة، ملابسها من القماش، ومبانيها من الخشب، تعبر الآفاق في بهائها، وهي باقية دائماً على مر العصور».
تسبب فيروس «كورونا المستجد» في توقف مظاهر الاحتفال بأعياد الميلاد في إرجاء العالم كافة. بيد أن غياب مظاهر الفرح الموسمية والبهجة الكبيرة العامة كانت ظاهرة واضحة بصورة موجعة للغاية في أسواق وميادين ألمانيا، تلك التي تكون إلى حد كبير من مظاهر التسوق السنوية المألوفة، بسبب الوباء.
يقول أوليفر بوتش، المؤلف الألماني البالغ من العمر 50 عاماً، ويستمد أفكار رواياته من تراث عائلته البافاري العريق: «عندما تسير بين شوارع ميونيخ أو نورمبيرغ في هذه الأيام، في غياب الأضواء الساطعة والمباهج المفرحة، فإنك تفتقد لكل شيء محبوب».
وقد احتشد المواطنون الألمان في الأسواق الخارجية خلال الأسابيع السابقة على أعياد الميلاد، في تقاليد ترجع إلى القرن الرابع عشر الميلادي، عندما شرع البائعون في بناء الأكواخ الخشبية للمرة الأولى في مراكز المدن من أجل بيع بضائعهم للأشخاص القادمين لزيارة الكنيسة. وهم يقدمون مجموعة متنوعة من الأطعمة، والهدايا المصنعة يدوياً، وغير ذلك من البضائع الأخرى الخاصة بالاحتفالات المقبلة وشهور الشتاء الطويلة.
وينتشر السائحون من أرجاء العالم كافة بين عشرات الأسواق التي تخدم مختلف الأذواق، وتغطي مختلف الطلبات، مثل أعياد الميلاد ذات النكهة الاسكندنافية أو أعياد الميلاد المستدامة، وذلك في المدن الكبرى، مثل: برلين، وكولونيا، وميونيخ.
ومع ذلك، ينجذب السكان المحليون إلى المهرجانات الأكثر تفضيلاً وخصوصية في البلدات والقرى المتناثرة عبر أرجاء البلاد كافة، لا سيما في المناطق التي شهدت نشأتهم الأولى.
تقول السيدة مارغوت كاسمان (63 عاماً)، وهي الأسقف الأسبق للكنيسة اللوثرية في ألمانيا: «كانت تلك الأسواق تعد من أبرز أماكن التجمع والالتقاء الدائمة لدينا. وما تزال أسواق أعياد الميلاد من الأماكن ذات السمة الاجتماعية الغالبة، حيث يتلاقى الأصدقاء وأفراد العائلات. وحتى الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم ينطلقون إلى تلك الأماكن من أجل الاستمتاع بالأضواء والروائح وأصوات الموسيقى التي تبعث الارتياح في أنفسهم».
وتعد أسواق أعياد الميلاد في ألمانيا التي يبلغ عددها نحو 3 آلاف سوق من الفعاليات المهمة اقتصادياً لدى كثير من المجتمعات الألمانية، التي تجلب ما يقرب من 3.5 مليار دولار في أرباح العام الماضي، وفقاً للجمعية الألمانية لموظفي أرض المعارض. كما تعتمد المطاعم، والمخابز المحلية، والحرفيون المحليون كذلك، على معارض العطلات السنوية في تأمين قدر كبير من دخلهم السنوي.
وقد ظلت السيدة نينا أنجيل تبيع المنتجات والحلي الزجاجية في سوق أعياد الميلاد في ساحة «غيندارمين ماركت» في برلين على مدى سنوات. ولكن مع حلول شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام الحالي، وارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد في البلاد بمعدلات خطيرة، لحقت العاصمة الألمانية بغيرها من المدن في البلاد التي ألغت تنظيم الأسواق والمعارض السنوية، رغم الوعود التي سبق التعهد بها في أوقات ماضية من العام الحالي ببذل الجهود الممكنة كافة للمحافظة على تلك الأسواق والمعارض في موسم أعياد الميلاد.
وتبقى ساحة «غيندارمين ماركت» الأنيقة في العاصمة الألمانية مفتوحة لاستقبال صقيع الشتاء من دون مارة أو متسوقين خلال العام الحالي. فلن يتدفق عشاق الموسيقى من درجات قاعة «كونزرثاوس» للاحتفالات، وصولاً إلى قرية الخيام البيضاء المؤقتة التي تتألق بالنجوم الذهبية فوق قممها، مع الضحكات التي تبعث الحياة والدفء بين جنباتها، ضمن مجموعة متنوعة متألقة من الهدايا والحرف اليدوية الرائعة.
وفي هذا العام، سمحت المدينة لعدد قليل من الباعة بإقامة منصات متناثرة عبر زوايا الشارع أو في الساحات الفارغة، في محاولة منها لتعويض بعض التكاليف المتكبدة، وبث روح أعياد الميلاد المفتقدة.
تقول السيدة أنجيل، وهي تشير إلى صف من الطيور الطنانة الزجاجية والمخللات وشرائح البيتزا وتماثيل سانتا ورجال الثلج، جنباً إلى جنب مصابيح الألوان الفضية والذهبية والحمراء المعلقة على الكشك خاصتها في منطقة المارة والمتسوقين في شارع «فريدريكشتراس» التجاري في المنطقة: «يتعين علينا سداد ثمن كل شيء مقدماً، وكل ما ترونه هو سلع وبضائع موسمية، ونحن هنا نحاول بيع عدد قليل منها قدر الإمكان، وهذا أفضل من عدم بيع أي شيء على الإطلاق».
ولقد سمحت بعض المدن الألمانية الأخرى للباعة بفتح عدد محدود من أكشاك البيع من أجل مساعدة الباعة، وللمحافظة على قدر بسيط من مباهج أعياد الميلاد -ولكن على مسافات تحترم اللوائح الاجتماعية التي تلزم الأفراد بالوجود على مسافة 6 أقدام بعضهم من بعض في كل الأوقات. ويقدم أصحاب المطاعم المحلية المشروبات الساخنة من درجات سلالم المطاعم المغلقة للزوار الذين يبحثون عن رشفة دافئة من المشروبات الموسمية اللذيذة التي تضاعف الإحساس بالدفء في تلك الأجواء الباردة للغاية، طالما ظل الكوب الذي تمسك به ممتلئاً.
هذا ويحاول الآخرون إعادة الإحساس بأسواق أعياد الميلاد داخل المنازل، حيث يقومون بتزيين النوافذ بالأضواء الملونة المبهجة، وتماثيل سانتا كلوز ورجال الثلج العمالقة -تلك العروض الجميلة التي يعرفها كثير من المواطنين الألمان عبر مشاهدتها في إعلانات المشروبات الغازية وأفلام هوليوود الأميركية.
يقول السيد بوتش الذي ابتاع مدفأة خارجية وبعض البطانيات الإضافية، مع سلسلة من فروع الأضواء الزاهية، من أجل إقامة مكان للاحتفال على شرفته يحترم فيه معايير التباعد الاجتماعي المعروفة: «لاحظت أن الناس يزينون منازلهم بالأضواء الكبيرة على غرار المنازل الأميركية، مع سانتا كلوز الذي يتدلى من شرفاتهم».
وفي العام الذي شهد انتقال الحفلات الموسيقية والمسرحيات والفصول الدراسية إلى شبكة الإنترنت، حاول بعض من منظمي أسواق أعياد الميلاد إعادة خلق هذه الروح بمعناها الافتراضي قدر الإمكان. ولقد أنشأت بلدة سايفين القديمة، وهي موطن فناني الحلي الخشبية في ألمانيا، وأهرامات الشموع، والألعاب الأخرى، سوقاً افتراضية لأعياد الميلاد خلال العام الحالي، واستكملته بأنغام الموسيقى التقليدية الرائعة، وصور السماء الليلية المفعمة بالثلوج والرسوم البانورامية، وكل ذلك من أجل الترويج لأعمال الباعة المحليين الذين يعتادون عرض منتجات الحرف اليدوية على الزوار في الأسواق في أرجاء البلاد كافة.
وفي مدينة نورمبيرغ، تقوم بيناينا مونسي (18 عاماً) بأداء شخصية «كرايست كايند» للعام الثاني على التوالي -وهي وفقاً للتقاليد المحلية تتخذ هيئة المرأة الشابة ذات الشعر الأشقر الطويل المجعد، وتعتمر التاج الكبير، مع الأكمام الموشاة بالذهب الأشبه بجناحي الملائكة، وهي سفيرة العطلات الرسمية عن المدينة، وراعية أسواق أعياد الميلاد.
أما بالنسبة إلى السيدة مونسي، فإن الأسبوع الأول من ديسمبر (كانون الأول) عادة كان مفعماً بالزيارات إلى المستشفيات المحلية وملاجئ المشردين ودور رعاية كبار السن، وقضاء الساعات الطويلة في تحية الزوار والمتسوقين في الأسواق، أو في قراءة القصص المشوقة للأطفال الذين يفدون إلى هناك رفقة ذويهم.
وقالت السيد مونسي في مقابلة عبر الهاتف: «حيثما ذهبت في شخصية (كرايست كايند)، كنت أجد الناس في انتظاري. وسواء كانوا صغاراً أو كباراً، فإنهم دوماً سعداء للغاية عندما يجدونني أدخل عليهم في أي مكان. وإنني حزينة للغاية لأنني لن أتمكن من الوجود هناك من أجل الناس في أعياد العام الحالي».
إنها تظهر بصفة يومية في فعالية مسجلة مسبقاً عبر الإنترنت، بدلاً من الوجود الفعلي بين الناس، وذلك مرتين في الأسبوع، حيث تتلقى المكالمات الهاتفية من أي شخص يرغب في التواصل مع شخصية «كرايست كايند». وأغلب المتصلين يكونون من الأطفال الذين يطلبون منها قوائم رغباتهم الخاصة في أعياد الميلاد، وهناك من يتواصل معها من البالغين أيضاً، ممن يملكون كثيراً من الذكريات لمشاركتها.
تقول السيدة مونسي عن ذلك: «نظراً لأننا لم نعد نتمكن من الالتقاء وجهاً لوجه، أعتقد أن الذكريات القديمة ربما تحمل معاني جديدة، وتصير أكثر قيمة لدى بعض الناس». ولقد ذكرت كيف أن امرأة اتصلت بها ذات يوم لتشكرها على لفتة طيبة منها خلال العام الماضي، وذلك عندما توقفت السيدة مونسي لتسأل تلك السيدة عن سبب بكائها، وظلت رفقتها حتى اطمأنت عليها تماماً.
وتتابع السيدة مونسي: «قالت لي السيدة في الهاتف إن هذه اللفتة الطيبة تعني لها الكثير، حتى أنها غالباً ما كانت تفكر في ذلك اللقاء عندما تكون محبطة، وكيف أنها منحتها القوة على الصمود والمواصلة طوال العام».
ظلت السيدة مونسي تعمل على تشجيع وتعزيز معنويات الناس، وأهمية التواصل مع العائلة والأصدقاء الذين لا يمكن زيارتهم، ولو برسالة نصية أو مكالمة هاتفية -مع تذكر أن روح أعياد الميلاد لا تعيش داخل الأسواق، وإنما بين الأشخاص الذين عادة ما يحتشدون ويجتمعون هناك للاحتفال.
وتقول السيدة مونسي أخيراً: «لا تسمح للظروف بأن تسبب لك الإحباط أو الاستسلام، حتى في العالم المنهك بسبب الوباء الفتاك، وقرارات الإغلاق التي لا نهاية لها في الأفق القريب، يمكن على الدوام البحث عن -والعثور على- أشياء جميلة في حياتنا».
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

إمبولو يلحق بتشاكا خارج قائمة سويسرا في دوري الأمم

رياضة عالمية بريل إمبولو خارج قائمة سويسرا بدوري الأمم (أ.ف.ب)

إمبولو يلحق بتشاكا خارج قائمة سويسرا في دوري الأمم

فقد منتخب سويسرا، الذي بلغ دور الثمانية في بطولة كأس العالم لكرة القدم، لاعباً ثانياً من قائمته في دوري أمم أوروبا بسبب قضايا تعود إلى سنوات مضت.

«الشرق الأوسط» (برن (سويسرا))
صحتك رجل يتلقى لقاحاً (رويترز)

عدالة توزيع اللقاحات قد تنقذ حياة 3 ملايين شخص في الوباء المقبل

خلصت دراسة جديدة إلى أنه يمكن إنقاذ حياة نحو 3 ملايين شخص في الجائحة المقبلة إذا تقاسمت الدول اللقاحات بطريقة عادلة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك  الفيروسات المسببة لنزلات البرد تزداد نشاطاً خلال الأشهر الباردة (رويترز)

عادات يومية قد تساعد في الوقاية من نزلات البرد والإنفلونزا

مع بداية شهر سبتمبر من كل عام، غالبا ما تنتشر الفيروسات المسببة لنزلات البرد الشائعة بكثافة، وفيروسات الإنفلونزا، وكورونا، والفيروس المخلوي التنفسي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك أطباء وممرضات يرتدون معدات الوقاية الشخصية يقومون برعاية مريض على جهاز التنفس الصناعي بوحدة العناية المركزة بمستشفى سانت لازلو الذي يعالج مرضى كورونا في بودابست 13 ديسمبر 2021 (أ.ب)

أبرز أطباء أميركا يقدّمون توصيات بشأن تطعيمات الإنفلونزا وكورونا

حثت أبرز المؤسسات الطبية في الولايات المتحدة السكان على الحصول على اللقاحات المحدَّثة ضد الإنفلونزا وكورونا، الخريف المقبل.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك اكتسب العمل عن بُعد زخماً منذ جائحة «كورونا» (أرشيفية-رويترز)

دراسة: العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية للموظفين

أشارت دراسة جمعت إجابات من عاملين عن بُعد إلى أن العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية، بل وقد يرتبط ببقاء الموظفين مع جهة عملهم لفترة أطول.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«مجوهرات ضخمة» يُسدل الستار على فعاليات مهرجان «إيزيس» بمصر

قدم العرض مع ترجمة للغة العربية للمرة الأولى في مصر (إدارة المهرجان)
قدم العرض مع ترجمة للغة العربية للمرة الأولى في مصر (إدارة المهرجان)
TT

«مجوهرات ضخمة» يُسدل الستار على فعاليات مهرجان «إيزيس» بمصر

قدم العرض مع ترجمة للغة العربية للمرة الأولى في مصر (إدارة المهرجان)
قدم العرض مع ترجمة للغة العربية للمرة الأولى في مصر (إدارة المهرجان)

أسدل مهرجان «إيزيس الدولي لمسرح المرأة» الستار على دورته الرابعة خلال حفل ختام أقيم على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية مساء الجمعة، بعد ثمانية أيام من الفعاليات التي حملت اسم الفنانة الراحلة سناء جميل، وشملت تقديم 13 عرضاً مسرحياً من مصر، وعدد من الدول العربية، والأجنبية، إلى جانب ورش، وندوات، وفعاليات فكرية، وحوارية.

وشهدت فعاليات الختام العرض المسرحي البريطاني «مجوهرات ضخمة»، إلى جانب الإعلان عن الفائزين في مسابقة «فتحية العسال» للنصوص المسرحية، التي ينظمها المهرجان بالتعاون مع دار «ريشة للنشر» للعام الثاني، وبلغ عدد النصوص المشاركة 54 نصاً، تنافست في مسارين؛ الأول للمحترفين من الكاتبات، والكُتّاب، والثاني للمبتدئات من النساء.

وفاز في مسار المحترفين نص «حفرة» لإسلام فرغلي، و«هي وما جرى لها» لمجدي مصطفى القوصي، وهو نص مونودراما، و«نساء القمر» لداليا بسيوني. وفي مسار المبتدئات، ذهبت النتائج إلى «خضاب روح» لسمر المليجي، و«القشة» لنور الهدى طاهر محمد الصغير، و«كانيلوني» لسارة قاسم، ومن المقرر أن تجمع النصوص الفائزة في كتاب يصدر عن دار «ريشة للنشر»، ويُطرح ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب.

شهد حفل الختام إعلان أسماء الفائزين بجوائز الكتابة (إدارة المهرجان)

وقالت رئيسة المهرجان، عبير لطفي، إن الدورة الرابعة لم تقتصر على تقديم العروض، وإنما فتحت مساحات للإبداع، والتعلم، وتطوير التجارب الجديدة، عبر حاضنة «نهاد صليحة» التي ساعدت عروضاً على الخروج للنور، بالإضافة إلى الورش، والندوات، ومسابقة «فتحية العسال» للتأليف المسرحي في إطار مواصلة المهرجان دعم الكتابة المسرحية، وطرح تجارب النساء في الفن.

وشهد ختام المهرجان تقديم العرض البريطاني «مجوهرات ضخمة» (Chunky Jewellery) والذي يعيد النظر في الطريقة التي نعيش بها، والأحداث التي يصعب تجاوزها، عبر عام واحد في حياة امرأتين، يحمل ولادتين، وموتاً، ومرضاً، وانفصالاً، وأسئلة عن الأمومة، والفقد، لتتحول خشبة المسرح إلى مساحة تتجاور فيها المواقف الصغيرة مع اللحظات التي تقلب حياة الإنسان، من دون فصل واضح بين ما هو مؤلم وما هو ساخر، أو بين الانهيار ومحاولة مواصلة اليوم التالي.

العمل الذي ينطلق من تجارب حقيقية عاشتها بطلتاه، ومن جلسات جمعتهما حول موائد مطبخهما في «غلاسكو» البريطانية، جرى تحويله إلى مادة مسرحية تسمح للجمهور بالدخول إلى تفاصيل شديدة الحميمية، من أعياد الميلاد، والوجبات، والمواقف العائلية، وصولاً إلى المرض، والوداع.

ويشارك في ابتكار وأداء العرض الثنائي جود ويليامز وناتاشا غيلمور، فيما يتولى بن ديوك الإخراج، والمشاركة في الابتكار، واختار صناع العرض ألا يضعوا هذه التجارب تحت ثقل الدراما وحدها، فمن خلال الرقص، والحكي، والكوميديا، والأغاني تضمن العرض طرقاً مختلفة لاستعادة ما حدث، وأحياناً للهروب منه.

تناول العرض جانباً حقيقياً من حياة بطلتيه (إدارة المهرجان)

وقالت بطلة العرض والمشاركة في ابتكاره ناتاشا غيلمور لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة العمل بدأت بشكل عفوي بينها وبين صديقتها جود ويليامز، بعدما حصلت في عيد ميلادها على قلادة كبيرة الحجم، ما دفعهما إلى المزاح حول تقديم عرض يحمل اسم «مجوهرات ضخمة» تطور لاحقاً إلى رغبة في تقديم حكايات عن نساء في مرحلة عمرية لا تحظى بالمساحة نفسها في القصص، بعيداً عن صورة البطلة الشابة ذات الحكاية الرومانسية.

وأوضحت غيلمور أن «العرض نشأ من رغبة في الاحتفاء بالصداقة، والحب الذي ينشأ بين الأصدقاء، وليس فقط الحب الرومانسي»، مشيرة إلى أن العمل يتناول مرحلة من الحياة تصبح فيها التجارب أكثر تعقيداً، مع التعامل مع وفاة الوالدين، والأطفال الصغار، والعمل، وغيرها من المسؤوليات. لافتة إلى أن قوة الصداقة بينهما كانت جزءاً أساسياً من الحكاية، وأرادتا الاحتفاء بهذا النوع من العلاقات التي توفر للنساء الدعم في مراحل صعبة من حياتهن.

وأكدت أن العرض لم يكتب بالطريقة التقليدية، إذ عملت مع جود ويليامز والمخرج بن ديوك على مجموعة من الارتجالات والتجارب لفترة طويلة، قبل أن يبدأ النص في التشكل تدريجياً، مشيرة إلى أن المخرج ساعدهما في العثور على البناء المناسب لمجموعة القصص التي أرادتا تقديمها، بينما جرى تنقيح النص مرة بعد أخرى انطلاقاً من الارتجالات، حتى أصبح للعرض هيكله النهائي.

العرض البريطاني قدم في نهاية المهرجان (إدارة المهرجان)

ولفتت غيلمور إلى أن «اختيار الممثلين لم يكن مطروحاً بالطريقة المعتادة، لأن العرض يقوم على قصتهما الحقيقية، وجود صديقتين بالفعل، وأن كلاً منهما كانت حاضرة في محطات أساسية من حياة الأخرى»، إذ حضرت جود ولادة طفلها، بينما كانت هي موجودة في جنازة والدة جود.

وأضافت أن هذه التجارب المشتركة أصبحت جزءاً من النص، وأن تقديمها بقدر كبير من الصدق جعلها، في رأيها، أكثر قدرة على الوصول إلى جمهور مختلف، لأن التفاصيل الشخصية يمكن أن تقود إلى مشاعر وتجارب إنسانية مشتركة، مؤكدة أن الحفاظ على صدق التجربة لم يعنِ نقل كل شيء كما حدث، إذ جرى اختيار بعض التفاصيل من أجل التأثير الكوميدي، أو ضبط الإيقاع، إلى جانب المبالغة في بعض المواقف، بينما قررتا عدم تضمين أشياء أخرى لحماية أشخاص في حياتهما.

وتطرقت غيلمور إلى المزج بين المسرح، والرقص، والكوميديا، والموسيقى، موضحة أن اختلاف خلفيتها عن خلفية جود ويليامز كان أحد أسباب هذا التنوع؛ فهي تنتمي إلى عالم الرقص المسرحي، بينما جود مغنية جاز، وتلقت تدريباً في المسرح الغنائي.


مخرج «الهدف»: تحمستُ للمسلسل لأن تداعيات حرب العراق ما زالت حاضرة

ركز المسلسل على تناول جوانب في شخصية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين - (واتش إت)
ركز المسلسل على تناول جوانب في شخصية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين - (واتش إت)
TT

مخرج «الهدف»: تحمستُ للمسلسل لأن تداعيات حرب العراق ما زالت حاضرة

ركز المسلسل على تناول جوانب في شخصية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين - (واتش إت)
ركز المسلسل على تناول جوانب في شخصية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين - (واتش إت)

قال المخرج الأميركي ليزلي غرايف إن اختياره تقديم مسلسل «الهدف» (High Value Target) انطلق من اهتمامه بالتاريخ، ورغبته في تناول قصص وشخصيات وأحداث يمكن من خلالها فهم الماضي وتأثيره في الحاضر. وأشار إلى أن قصة العمل لا تقف عند حدود الولايات المتحدة، إذ تمتد تداعياتها إلى الشرق الأوسط والعالم، وهو ما منحه إحساساً بأن هذه الحكاية تستحق أن تُروى، خصوصاً مع عودة كثير من الأسئلة المرتبطة بالحرب على العراق إلى الواجهة خلال السنوات الأخيرة.

وأضاف ليزلي غرايف في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أن طموحه كان منذ البداية تقديم عمل عالمي من حيث المستوى، بحيث لا يشعر المشاهد بأن ما يراه يقل في قيمته الإنتاجية عن أي مسلسل يُصوَّر في أوروبا أو الولايات المتحدة، رغم محدودية الوقت والميزانية، موضحاً أن هذه الرغبة رفعت سقف التحديات، خصوصاً مع طبيعة المسلسل التي تتطلب الحركة والانتقال بين أجواء وشخصيات ولغات مختلفة، لكنه رأى أن الضغط نفسه دفع الفريق إلى مضاعفة الجهد، بدلاً من التنازل عن المستوى الذي كان يستهدفه.

وكان التصوير في القاهرة جزءاً لافتاً من تلك التجربة، بعدما حصل فريق العمل على تصريح للتصوير في شوارع المدينة، من بينها منطقة شبرا التي احتضنت أحد مشاهد الحركة الكبيرة، وذكر غرايف أن سكان المنطقة تعاملوا مع فريق التصوير بصورة ودية ومتعاونة، وهو ما أتاح تنفيذ مشاهد لم يكن من السهل نقلها إلى الاستوديوهات، كما استفاد العمل من مواقع في القاهرة وسقارة ومناطق أخرى جرى اختيارها بعناية لتؤدي دور أماكن عراقية، مع بناء ديكورات إضافية عندما لم تكن المواقع الطبيعية كافية لتحقيق الصورة المطلوبة.

ؤ

ولم تتوقف الاستفادة من الإمكانات المصرية عند التصوير، إذ امتدت إلى المؤثرات البصرية وما بعد الإنتاج، بحسب المخرج الأميركي الذي أكد أن تنفيذ هذا الجانب كان يتم عادةً بالنسبة إلى فريقه في دول مثل الهند أو كندا أو الولايات المتحدة أو كوريا الجنوبية، لكن شركة «أروما ستوديو» (Aroma Studios) قدمت تصوراً لإنتاج المؤثرات داخل مصر، وبعد الاطلاع على مستوى العمل، اتُّخذ القرار بمنحها الفرصة، لتنتهي التجربة بتنفيذ المؤثرات البصرية كاملة في مصر، إلى جانب جزء كبير من أعمال المونتاج، بما جعل المشروع يتجاوز فكرة تصوير عمل أجنبي داخل البلاد.

ولفت غرايف إلى أن حساسية موضوع المسلسل فرضت تحدياً مختلفاً، يتعلق بتقديم القصة من دون الانحياز إلى موقف سياسي محدد، فيما كان الهدف النهائي الوصول إلى معالجة متوازنة لا تضع العمل في موقع الدفاع عن طرف أو الهجوم على طرف آخر، مؤكداً أن الفريق كان مدركاً في الوقت نفسه أن «الهدف» عمل درامي وليس وثائقياً، لذلك كان لا بد من اختصار بعض الوقائع ودمج شخصيات وضغط الزمن للحفاظ على البناء الدرامي.

وكشف غرايف أن «مشروع المسلسل بدأ في الأساس باعتباره فيلماً، قبل أن يتحول لاحقاً إلى مسلسل قصير بعد انضمامه إلى المشروع»، موضحاً أن «مرحلة التحضير اعتمدت بدرجة كبيرة على استعادة التجربة من أصحابها الحقيقيين، خصوصاً جويل كينامان الذي يؤدي شخصية (جون نيكسون)، والذي أمضى وقتاً طويلاً مع نيكسون لفهم طريقة تفكيره وسلوكه كضابط في الـCIA»، فيما استعان الفريق أيضاً باللواء محمد شنشل، مدير المكتب الخاص للرئيس العراقي صدام حسين، لتقديم وجهة النظر العراقية ومراجعة التفاصيل المتعلقة بهذا الجانب. وأكد أن الجمع بين المصدرين ساعده في الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الواقعية، مع إبقاء العمل داخل حدود الدراما السياسية ذات العناصر الحركية.

مخرج المسلسل ليزلي غرايف (الشرق الأوسط)

واستعاد غرايف واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في تجربته، عندما شاهد جون نيكسون بعض المشاهد المصورة في واشنطن. وقال إن نيكسون تأثر بما رأى إلى درجة جعلته يشعر بأنه عاد إلى تلك الفترة، وربط هذا الإحساس تحديداً بالإضاءة والمزاج البصري للمشاهد، موضحاً أن تلك اللحظة اكتسبت بالنسبة إليه قيمة خاصة لأنها جاءت من شخص عاش الأحداث بالفعل، ومنحته مؤشراً على أن العمل لم يكتف بإعادة بناء الوقائع، إنما استطاع أيضاً الاقتراب من الأثر النفسي الذي تركته التجربة لدى أصحابها.

وحول اختيار الممثل وليد زعيتر لتجسيد صدام حسين، كشف غرايف أن فريق العمل أجرى بحثاً واسعاً عن الممثل المناسب حول العالم، قبل الاستقرار عليه، لافتاً إلى أن زعيتر لم يتعامل مع الشخصية باعتبارها دوراً تقليدياً، وإنما خضع لتحضير طويل شمل دراسة حركات صدام من خلال تسجيلاته والاستعانة بمدرب للحركة، إلى جانب العمل اليومي مع مدرب للهجة العراقية لأن الهدف كان الوصول إلى أداء يلتقط أكثر من جانب في الشخصية، بدلاً من تقديم صورة أحادية عنها.

وأشار غرايف إلى أن اختيار الممثلين المصريين اعتمد على تجارب الأداء إلى جانب معرفته السابقة بعدد من الفنانين، موضحاً أن الممثلة المصرية نيللي كريم كانت من الأسماء التي ساعدت في ترشيح ممثلين للمشروع.

وتطرق غرايف إلى علاقته بمصر التي تمتد لأكثر من 20 عاماً، موضحاً أنها بدأت من خلال عمله في مشروعات تناولت الاكتشافات الأثرية بالتعاون مع وزير الآثار المصري الأسبق زاهي حواس، مؤكداً أنه صوّر خلال تلك الفترة في الواحات البحرية وسقارة والجيزة ومنطقة الأهرامات، كما عمل في إنتاجات لصالح «نتفيلكس» و«ديسكفري»، وهو ما أتاح له التعرف على طبيعة العمل في مصر وبناء علاقات واسعة مع فنانين وفنيين وجهات إنتاجية وحكومية.

ركز المسلسل على تناول جوانب في شخصية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين - (واتش إت)

ولفت إلى أن «اختيار مصر لم يكن مرتبطاً بالمواقع فقط، إنما أيضاً بدرجة الثقة التي تكونت لديه عبر سنوات العمل فيها»، موضحاً أن قرار التصوير جاء في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة إلى المنطقة، بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول)، مع وجود مخاوف لدى بعض المشاركين من أوروبا وأميركا وكندا بشأن العمل في الشرق الأوسط، لكن تجربته السابقة مع مصر منحته شعوراً بالاطمئنان، وتمكن من نقل هذا الشعور إلى أعضاء الفريق القادمين من الخارج، قبل أن تتحول الفكرة لاحقاً إلى تجربة إنتاجية كاملة داخل البلاد.


ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر

ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر
TT

ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر

ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر

في منطقة ترسانة بإسطنبول، وعلى امتداد ساحل القرن الذهبي حيث كانت تُبنى السفن العثمانية، يشعر الزائر بأنه يقف عند تقاطع بين التاريخ والحاضر؛ بين المستودعات الحجرية الضخمة وأشرعة السفن من جهة، والأسواق والمطاعم ومساحات الترفيه من جهة أخرى. ومن الطبيعي أن تستقطب هذه المنطقة الفنون أيضاً، وهو ما تجسد في معرض «كونتمبوراري إسطنبول» الذي أقيم بين 23 و27 سبتمبر.

واصل المعرض نموه هذا العام، إذ ارتفع عدد الصالات المشاركة إلى 70 صالة مقارنة بـ52 صالة في الدورة السابقة، بمشاركة 736 فناناً عرضوا 1372 عملاً فنياً. كما تجاوز عدد الزوار 38 ألفاً، وفق وكالة الأناضول.

وفي اليوم الأول استعرض علي غورلي مدير المعرض مسيرة «كونتمبراري إسطنبول» الممتدة على مدار 21 عاماً، ومكانة إسطنبول في عالم الفن الدولي مشيرا إلى أن المعرض أصبح يمثل حلقة تربط بين تركيا وسوق الفن العالمية قبل أن يضيف بتفاؤل حذر: » يجب أن نضع في الحسبان الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة والتي أثرت بشكل سلبي على العالم الفني». خلال حديثه، قدّم عرضاً لأبرز المستجدات في دورة هذا العام، ومنها قسم المنحوتات الضخمة المنتشرة خارج القاعات الرئيسية ومنها أول منحوتة للفنان العالمي جوني دب وعمل تركيبي للفنان البحريني راشد آل خليفة، ويشير إلى أنها من الجوانب التي تفتقدها تركيا.

ننطلق في جولة على قاعات العرض ال 70 وهي مهمة ليست سهلة، ولكنها ممتعة جدا، نتوقف عند بعض الأعمال اللافتة ونعرف تفاصيل أكثر عنها ولكن في النهاية يصعب الحديث عن كل القاعات بشكل وافي، ولكن ما يبقى في الذاكرة بعد التجول بينها هي أعمال متفردة يصعب نسيانها نستعرض هنا بعضا منها.

ساعات الفنان ألفريدو جار (الشرق الأوسط)

ساعات الكارثة

في غاليري «فرانسيسكو فينو» من لشبونة بالبرتغال: ثلاث ساعات حائط متجاورة كل منها مثبتة على وقت معين، في البداية لا نعرف رمزية الساعات الثلاث ولا الأوقات لكن بالنظر لبطاقة العمل نقرأ أنها العمل للفنان ألفريدو جار وعنوانه «هيروشيما، ناغازاكي، فوكوشيما (2019)، يظهر لنا شريط معدني مثبت داخل الساعة التاريخ الذي توقفت عنده العقارب، وهو يوم سقوط القنابل النووية على هيروشيما وناغازاكي في عام 1945 (يومي 6 و9 من شهر يونيو عام 1945) واليوم الذي حدثت فيه كارثة فوكوشيما النووية في 11 مارس 2011.

أسراب الحمام فوق المخيم

في غاليري «كارلييه غيباور» من برلين نرى عمل بعنوان «تحليق-الجلزون» للفنان الأميركي نيدا سينيكروت. في الصورة الملتقطة ليلا نرى أسرابا من الحمام الأبيض يحلق فوق بيوت مخيم الجلزون في الضفة الغربية بفلسطين، ثبت الفنان أضواء LED في أرجل الحمام نري تأثيرها في خطوط الضوء التي تسجل تحليق الحمام في دوائر «تحاكي أنماط الهجرة سواء كانت قسرية أو طبيعية» بحسب بيان العمل.

«تحليق - الجلزون» للفنان الأميركي نيدا سينيكروت (غاليري «كارلييه غيباور»)

الخبيزة

من فلسطين أيضاً نرى لوحتين معلقتين تحملان طبعة نباتات باهتة للمصوّر دور غويز، وهو مقيم في القدس من أصول مسيحية يهودية فلسطينية. يحمل العمل عنوان «خبيزة». تعلق دليلة المعرض أن الفنان استخدم نبات الخبيزة واسع الانتشار في فلسطين، لأنه غذاء أساسي يلجأ له الفلسطينيون حين يندر الغذاء: «أخذ الفنان سيقاناً من نبات الخبيزة، وطبعها على الورق للوصول لهذه النتيجة».

«خبيزة» للمصور دور غويز (الشرق الأوسط)

زهرة الغامدي

في غاليري «بيرل لام بروجيكتس»، نرى سلسة من أعمال الفنانة السعودية زهرة الغامدي، بعنوان «نبض واحد وحيوات متعددة» تستخدم فيه الخيط الأسود على القماش. وبحسب الغاليري، تستلهم الغامدي عملها من «الممارسات الحرفية التقليدية والمناظر الطبيعية في جنوب غربي المملكة العربية السعودية. وتستكشف سلسلة (نبض - حيوات متعددة) العلاقات المتغيرة بين الجسد البشري والمناظر الطبيعية والذاكرة والانتماء».

يعلق المشرف على المعرض أن الفنانة تعبّر عن رهافة العلاقات الإنسانية عبر استخدام الخيط، وأنها «تتعامل مع تقاطع العلاقات الثقافية والشخصية والاجتماعية»، مضيفاً أن الغامدي «تميل بشدة إلى التفاعل الحسي المباشر»، وأن طابع أعمالها «يفيض بصلة وثيقة بالأرض».

عمل للفنانة السعودية زهرة الغامدي (الشرق الأوسط)

إسطنبول بين الشعر والحديد

في غاليري «فيلا ديل آرتي» من برشلونة نرى عملاً يتوسط القاعة للفنان لويس سيرا، بعنوان «إسطنبول»، وهو عبارة عن عمود من الحديد والرخام وفي وسطه عقدة تضم طرفيه في تشكيل جميل، يحمل الجزء الأسفل، وهو مصنوع من الرخام الإيراني النحاسي اللون، كتابات متعددة يقول عنها الفنان إنها مأخوذة من قصيدة لشاعر تركي معروف، ويشير إلى الجزء الثاني من العمود المصنوع من الحديد بأنه يعبر عن أوروبا، وكأن العمل يقدم إسطنبول المليئة بالشعر والثقافة والجمال على أنها الرابط مع أوروبا الحديثة المعتمدة على الصناعة.

خفة رغم الكتلة

من الأعمال التي توقف عندها الزوار تمثال بديع للفنان بهادر براوتر نرى عدة نسخ منه حول المعرض وخارجه، بعنوان «السمينات». البعض قال إنه يصوّر راقصات بالية ممتلئات الجسم يرقصن غير عابئات بمن حولهن وترتسم على أوجههن ابتسامة لطيفة، أياً ما كانت الشخصية التي يصورها العمل؛ فهو يظل من الأعمال التي أمتعت الزوار، ورسمت الابتسامة على وجوههم؛ فما بين الكتلة الضخمة للتمثال ورشاقة الحركة هناك كثير من المعاني والمتعة.

شراع الضوء

في مدخل المعرض نرى منسوجة بيضاء عملاقة للفنانة تشيساتو ماتسوموتو تمثل كائناً أسطورياً ربما. المنسوجة دقيقة التفاصيل ومصنوعة باليد، تصيح إحدى الحاضرات عند الاقتراب من العمل قائلة: «هناك حركة!». وبالنظر، نرى أطراف العمل وهي تتحرك بطريقة ميكانيكية وكأن أصابعَ خفية تتحرك تحت القماش الأبيض الممتد.

بحسب بيان غاليري بيرل لام، فالعمل صممته الفنانة خصيصاً للموقع، وتم نقله من هيروشيما في اليابان إلى منطقة ترسانة إسطنبول التاريخية. استخدمت الفنانة قماش «شيبوري» (shibori) المربوط يدوياً عبر المساحة باستخدام الحبال والبكرات، لتشكل هياكل عضوية تذكرنا بالأشرعة أو الأجنحة؛ إذ يوحي تراكم هذه الأشكال بالحركة المستمرة للسفن وتجمّع الناس في الميناء قبل الانطلاق مجدداً في رحلاتهم حول العالم.

من معرض «كونتمبوراري إسطنبول» (الشرق الأوسط)

بعد ساعات من التجول بين القاعات والمنحوتات المنتشرة على ضفاف القرن الذهبي، تتوارى أسماء الفنانين وتبقى الانطباعات. خيوط، وأشرعة، وطيور، وساعات متوقفة، وهياكل من الحديد والضوء؛ أعمال مختلفة في أشكالها ولغاتها، لكنها تلتقي عند أسئلة مشتركة عن الذاكرة والهوية والحركة والحدود.

راشد آل خليفة و«الصندوق المأهول - متعدد الألوان»

ضمن الأعمال التركيبية الموزَّعة على أرض المعرض يقف مربع من الحديد الملوَّن مطلاً على القرن الذهبي. موقعه في منطقة الترسانة بماضيها في بناء السفن يعيدنا للبحرين وعلاقتها بالتجارة البحرية عبر الأزمنة، فيبدو وكأن العمل الضخم يدخل في حوار مع موقع ترسانة، بكل أصداء ماضيه.

«الصندوق المأهول-متعدد الألوان للفنان البحريني راشد آل خليفة (كيهان كايغوسوز)

يبدو العمل كشبكة ضخمة من الفولاذ تتألف من شبكات متقاطعة، وهي بنية تدعو الزوار إلى التجول داخلها بدلاً من الاكتفاء بمشاهدتها من الخارج.

بحسب الفنان، فإن العمل في تصميمه الهندسي ورؤيته يؤكد على مفهوم الشفافية؛ فهو يسمح للناظر بالرؤية كاملة من الداخل والخارج، ويبدو بالفعل وكأنه كائن شفاف ملوَّن من بعيد. وعند دخوله والمشي فيه يرى الزائر ما حوله بنفس الشفافية، وإن كان من منظور مختلف. في الداخل نشعر بأننا في مكانين في الوقت ذاته، رغم الحدود الفاصلة المصنوعة من الحديد المجلفن، ولكن بحكم التصميم واستخدام الألوان اللطيفة على العين (لا توحي بالقسوة بحسب تعبير الفنان) ينتابنا شعور بتلاشي الحدود الفاصلة بيننا وبين العالم الخارجي.

يشير الفنان إلى نقطة مهمة، وهي أن الدخول والمشي داخل المربع في ممرات صغيرة تشبه المتاهة «جزء من العمل».