ليالٍ صامتة قاتمة: ألمانيا بلا أسواق أعياد الميلاد

TT

ليالٍ صامتة قاتمة: ألمانيا بلا أسواق أعياد الميلاد

لا تبدو الأجواء في ألمانيا في شهر ديسمبر (كانون الأول) الحالي على ما يرام -كما هو معتاد؛ تلاشت مجموعات الأصدقاء الذين يمسكون بأكواب المشروبات الساخنة اللذيذة التي تفوح منها روائح القرفة والقرنفل وهم يخوضون ضمن جموع المتسوقين في ساحة سوق روتنبيرغ القديمة التي تعود إلى عصور القرون الوسطى، أو بالقرب من عتبات كاتدرائية كولونيا الكبيرة وأبراجها الشاهقة. ولا وجود للفرق الموسيقية النحاسية التي تعزف مختلف الترانيم الهادئة أمام قصر شارلوتنبيرغ في برلين. كما اختفت النجوم المتلألئة المتدلية من أفاريز الأكواخ الخشبية في بلدة سايفين القديمة.
ولم تنشر شخصية «كرايست كايند» السحرية أجنحتها الذهبية -كما هو معتاد حال ترحيبها بالعالم في سوق عيد الميلاد السنوي في نورمبيرغ. ولم تشرق أنوارها على ساحة المدينة المظلمة، حيث كانت تلك الشخصية تتلو ترانيمها الرقيقة التي تقول: «بلدة صغيرة في مدينة كبيرة، ملابسها من القماش، ومبانيها من الخشب، تعبر الآفاق في بهائها، وهي باقية دائماً على مر العصور».
تسبب فيروس «كورونا المستجد» في توقف مظاهر الاحتفال بأعياد الميلاد في إرجاء العالم كافة. بيد أن غياب مظاهر الفرح الموسمية والبهجة الكبيرة العامة كانت ظاهرة واضحة بصورة موجعة للغاية في أسواق وميادين ألمانيا، تلك التي تكون إلى حد كبير من مظاهر التسوق السنوية المألوفة، بسبب الوباء.
يقول أوليفر بوتش، المؤلف الألماني البالغ من العمر 50 عاماً، ويستمد أفكار رواياته من تراث عائلته البافاري العريق: «عندما تسير بين شوارع ميونيخ أو نورمبيرغ في هذه الأيام، في غياب الأضواء الساطعة والمباهج المفرحة، فإنك تفتقد لكل شيء محبوب».
وقد احتشد المواطنون الألمان في الأسواق الخارجية خلال الأسابيع السابقة على أعياد الميلاد، في تقاليد ترجع إلى القرن الرابع عشر الميلادي، عندما شرع البائعون في بناء الأكواخ الخشبية للمرة الأولى في مراكز المدن من أجل بيع بضائعهم للأشخاص القادمين لزيارة الكنيسة. وهم يقدمون مجموعة متنوعة من الأطعمة، والهدايا المصنعة يدوياً، وغير ذلك من البضائع الأخرى الخاصة بالاحتفالات المقبلة وشهور الشتاء الطويلة.
وينتشر السائحون من أرجاء العالم كافة بين عشرات الأسواق التي تخدم مختلف الأذواق، وتغطي مختلف الطلبات، مثل أعياد الميلاد ذات النكهة الاسكندنافية أو أعياد الميلاد المستدامة، وذلك في المدن الكبرى، مثل: برلين، وكولونيا، وميونيخ.
ومع ذلك، ينجذب السكان المحليون إلى المهرجانات الأكثر تفضيلاً وخصوصية في البلدات والقرى المتناثرة عبر أرجاء البلاد كافة، لا سيما في المناطق التي شهدت نشأتهم الأولى.
تقول السيدة مارغوت كاسمان (63 عاماً)، وهي الأسقف الأسبق للكنيسة اللوثرية في ألمانيا: «كانت تلك الأسواق تعد من أبرز أماكن التجمع والالتقاء الدائمة لدينا. وما تزال أسواق أعياد الميلاد من الأماكن ذات السمة الاجتماعية الغالبة، حيث يتلاقى الأصدقاء وأفراد العائلات. وحتى الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم ينطلقون إلى تلك الأماكن من أجل الاستمتاع بالأضواء والروائح وأصوات الموسيقى التي تبعث الارتياح في أنفسهم».
وتعد أسواق أعياد الميلاد في ألمانيا التي يبلغ عددها نحو 3 آلاف سوق من الفعاليات المهمة اقتصادياً لدى كثير من المجتمعات الألمانية، التي تجلب ما يقرب من 3.5 مليار دولار في أرباح العام الماضي، وفقاً للجمعية الألمانية لموظفي أرض المعارض. كما تعتمد المطاعم، والمخابز المحلية، والحرفيون المحليون كذلك، على معارض العطلات السنوية في تأمين قدر كبير من دخلهم السنوي.
وقد ظلت السيدة نينا أنجيل تبيع المنتجات والحلي الزجاجية في سوق أعياد الميلاد في ساحة «غيندارمين ماركت» في برلين على مدى سنوات. ولكن مع حلول شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام الحالي، وارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد في البلاد بمعدلات خطيرة، لحقت العاصمة الألمانية بغيرها من المدن في البلاد التي ألغت تنظيم الأسواق والمعارض السنوية، رغم الوعود التي سبق التعهد بها في أوقات ماضية من العام الحالي ببذل الجهود الممكنة كافة للمحافظة على تلك الأسواق والمعارض في موسم أعياد الميلاد.
وتبقى ساحة «غيندارمين ماركت» الأنيقة في العاصمة الألمانية مفتوحة لاستقبال صقيع الشتاء من دون مارة أو متسوقين خلال العام الحالي. فلن يتدفق عشاق الموسيقى من درجات قاعة «كونزرثاوس» للاحتفالات، وصولاً إلى قرية الخيام البيضاء المؤقتة التي تتألق بالنجوم الذهبية فوق قممها، مع الضحكات التي تبعث الحياة والدفء بين جنباتها، ضمن مجموعة متنوعة متألقة من الهدايا والحرف اليدوية الرائعة.
وفي هذا العام، سمحت المدينة لعدد قليل من الباعة بإقامة منصات متناثرة عبر زوايا الشارع أو في الساحات الفارغة، في محاولة منها لتعويض بعض التكاليف المتكبدة، وبث روح أعياد الميلاد المفتقدة.
تقول السيدة أنجيل، وهي تشير إلى صف من الطيور الطنانة الزجاجية والمخللات وشرائح البيتزا وتماثيل سانتا ورجال الثلج، جنباً إلى جنب مصابيح الألوان الفضية والذهبية والحمراء المعلقة على الكشك خاصتها في منطقة المارة والمتسوقين في شارع «فريدريكشتراس» التجاري في المنطقة: «يتعين علينا سداد ثمن كل شيء مقدماً، وكل ما ترونه هو سلع وبضائع موسمية، ونحن هنا نحاول بيع عدد قليل منها قدر الإمكان، وهذا أفضل من عدم بيع أي شيء على الإطلاق».
ولقد سمحت بعض المدن الألمانية الأخرى للباعة بفتح عدد محدود من أكشاك البيع من أجل مساعدة الباعة، وللمحافظة على قدر بسيط من مباهج أعياد الميلاد -ولكن على مسافات تحترم اللوائح الاجتماعية التي تلزم الأفراد بالوجود على مسافة 6 أقدام بعضهم من بعض في كل الأوقات. ويقدم أصحاب المطاعم المحلية المشروبات الساخنة من درجات سلالم المطاعم المغلقة للزوار الذين يبحثون عن رشفة دافئة من المشروبات الموسمية اللذيذة التي تضاعف الإحساس بالدفء في تلك الأجواء الباردة للغاية، طالما ظل الكوب الذي تمسك به ممتلئاً.
هذا ويحاول الآخرون إعادة الإحساس بأسواق أعياد الميلاد داخل المنازل، حيث يقومون بتزيين النوافذ بالأضواء الملونة المبهجة، وتماثيل سانتا كلوز ورجال الثلج العمالقة -تلك العروض الجميلة التي يعرفها كثير من المواطنين الألمان عبر مشاهدتها في إعلانات المشروبات الغازية وأفلام هوليوود الأميركية.
يقول السيد بوتش الذي ابتاع مدفأة خارجية وبعض البطانيات الإضافية، مع سلسلة من فروع الأضواء الزاهية، من أجل إقامة مكان للاحتفال على شرفته يحترم فيه معايير التباعد الاجتماعي المعروفة: «لاحظت أن الناس يزينون منازلهم بالأضواء الكبيرة على غرار المنازل الأميركية، مع سانتا كلوز الذي يتدلى من شرفاتهم».
وفي العام الذي شهد انتقال الحفلات الموسيقية والمسرحيات والفصول الدراسية إلى شبكة الإنترنت، حاول بعض من منظمي أسواق أعياد الميلاد إعادة خلق هذه الروح بمعناها الافتراضي قدر الإمكان. ولقد أنشأت بلدة سايفين القديمة، وهي موطن فناني الحلي الخشبية في ألمانيا، وأهرامات الشموع، والألعاب الأخرى، سوقاً افتراضية لأعياد الميلاد خلال العام الحالي، واستكملته بأنغام الموسيقى التقليدية الرائعة، وصور السماء الليلية المفعمة بالثلوج والرسوم البانورامية، وكل ذلك من أجل الترويج لأعمال الباعة المحليين الذين يعتادون عرض منتجات الحرف اليدوية على الزوار في الأسواق في أرجاء البلاد كافة.
وفي مدينة نورمبيرغ، تقوم بيناينا مونسي (18 عاماً) بأداء شخصية «كرايست كايند» للعام الثاني على التوالي -وهي وفقاً للتقاليد المحلية تتخذ هيئة المرأة الشابة ذات الشعر الأشقر الطويل المجعد، وتعتمر التاج الكبير، مع الأكمام الموشاة بالذهب الأشبه بجناحي الملائكة، وهي سفيرة العطلات الرسمية عن المدينة، وراعية أسواق أعياد الميلاد.
أما بالنسبة إلى السيدة مونسي، فإن الأسبوع الأول من ديسمبر (كانون الأول) عادة كان مفعماً بالزيارات إلى المستشفيات المحلية وملاجئ المشردين ودور رعاية كبار السن، وقضاء الساعات الطويلة في تحية الزوار والمتسوقين في الأسواق، أو في قراءة القصص المشوقة للأطفال الذين يفدون إلى هناك رفقة ذويهم.
وقالت السيد مونسي في مقابلة عبر الهاتف: «حيثما ذهبت في شخصية (كرايست كايند)، كنت أجد الناس في انتظاري. وسواء كانوا صغاراً أو كباراً، فإنهم دوماً سعداء للغاية عندما يجدونني أدخل عليهم في أي مكان. وإنني حزينة للغاية لأنني لن أتمكن من الوجود هناك من أجل الناس في أعياد العام الحالي».
إنها تظهر بصفة يومية في فعالية مسجلة مسبقاً عبر الإنترنت، بدلاً من الوجود الفعلي بين الناس، وذلك مرتين في الأسبوع، حيث تتلقى المكالمات الهاتفية من أي شخص يرغب في التواصل مع شخصية «كرايست كايند». وأغلب المتصلين يكونون من الأطفال الذين يطلبون منها قوائم رغباتهم الخاصة في أعياد الميلاد، وهناك من يتواصل معها من البالغين أيضاً، ممن يملكون كثيراً من الذكريات لمشاركتها.
تقول السيدة مونسي عن ذلك: «نظراً لأننا لم نعد نتمكن من الالتقاء وجهاً لوجه، أعتقد أن الذكريات القديمة ربما تحمل معاني جديدة، وتصير أكثر قيمة لدى بعض الناس». ولقد ذكرت كيف أن امرأة اتصلت بها ذات يوم لتشكرها على لفتة طيبة منها خلال العام الماضي، وذلك عندما توقفت السيدة مونسي لتسأل تلك السيدة عن سبب بكائها، وظلت رفقتها حتى اطمأنت عليها تماماً.
وتتابع السيدة مونسي: «قالت لي السيدة في الهاتف إن هذه اللفتة الطيبة تعني لها الكثير، حتى أنها غالباً ما كانت تفكر في ذلك اللقاء عندما تكون محبطة، وكيف أنها منحتها القوة على الصمود والمواصلة طوال العام».
ظلت السيدة مونسي تعمل على تشجيع وتعزيز معنويات الناس، وأهمية التواصل مع العائلة والأصدقاء الذين لا يمكن زيارتهم، ولو برسالة نصية أو مكالمة هاتفية -مع تذكر أن روح أعياد الميلاد لا تعيش داخل الأسواق، وإنما بين الأشخاص الذين عادة ما يحتشدون ويجتمعون هناك للاحتفال.
وتقول السيدة مونسي أخيراً: «لا تسمح للظروف بأن تسبب لك الإحباط أو الاستسلام، حتى في العالم المنهك بسبب الوباء الفتاك، وقرارات الإغلاق التي لا نهاية لها في الأفق القريب، يمكن على الدوام البحث عن -والعثور على- أشياء جميلة في حياتنا».
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

سحب دراسة مثيرة للجدل حول الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»

صحتك ممرض يحضِّر جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

سحب دراسة مثيرة للجدل حول الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»

سُحبت دراسة مثيرة للجدل كانت تحلل الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»، وكانت قد قوبلت بانتقادات واسعة النطاق؛ كونها عززت الشكوك بشأن اللقاحات.

«الشرق الأوسط» (باريس)
صحتك سيدة مصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (رويترز)

«كوفيد طويل الأمد» قد يؤثر في إنتاج الدوبامين بالدماغ

أظهرت دراسة جديدة أن مرضى «كوفيد - 19» ذوي الأعراض طويلة الأمد يعانون نقصاً بنسبة 18 في المائة في النهايات العصبية الدوبامينية.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
يوميات الشرق تشير نتائج الدراسة إلى أن تأثير العمل عن بُعد قد يختلف باختلاف الأشخاص وظروفهم (بيكسلز)

بعد سنوات من انتشاره... دراسة جديدة تكشف الوجه الآخر للعمل عن بُعد

دراسة أميركية حديثة كشفت أن العمل عن بُعد قد يحمل آثاراً غير متوقعة على الصحة النفسية مع مرور الوقت

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

بعد عقد على «بريكست»، تتباين التقييمات بين استعادة بريطانيا جزءاً من سيادتها، وتزايدت الأدلة على أن تكلفة الانفصال الاقتصادية والسياسية تجاوزت مكاسبه حتى الآن.

شادي عبد الساتر (بيروت)
صحتك ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

دراسة جديدة تكشف عن فائدة غير متوقعة للقاح «كوفيد-19»

في ظل الجدل المستمر حول لقاحات «كوفيد-19» منذ ظهورها خلال ذروة الجائحة، تتوالى الدراسات العلمية التي تسعى إلى تقييم آثارها على المدى البعيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

نجا من الإعدام 8 مرات... وفاة أقدم سجين أميركي بعمر 101 عام

فرانسيس كليفورد سميث (إدارة الإصلاحيات في ولاية كونيتيكت)
فرانسيس كليفورد سميث (إدارة الإصلاحيات في ولاية كونيتيكت)
TT

نجا من الإعدام 8 مرات... وفاة أقدم سجين أميركي بعمر 101 عام

فرانسيس كليفورد سميث (إدارة الإصلاحيات في ولاية كونيتيكت)
فرانسيس كليفورد سميث (إدارة الإصلاحيات في ولاية كونيتيكت)

في رقم فريد، حصل فرانسيس كليفورد سميث على وجبته الأخيرة قبل الإعدام ثماني مرات، ولكن بعد أن نجا من الإعدام في كل مرة، أصبح سميث السجين الأقدم في الولايات المتحدة، قبل أن يموت في يونيو الماضي عن عمر 101 عام، وفق ما ذكرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

وأدين سميث بارتكاب جريمة قتل عام 1950 عندما كان عمره 25 عاماً، وكان دائماً يتمسك ببراءته، حسبما قال أولئك الذين عرفوه لـ«بي بي سي».ويروي أندريوس بانفيسيوس، مسؤول الإعلام في إدارة الإصلاح بولاية كونيتيكت، كيف اعتاد سميث على إطعام الطيور أثناء وجوده في سجن «أوزبورن»، مما أكسبه لقب «رجل الطيور في أوزبورن».

وقال بانفيسيوس: «كان يحشو أكبر قدر ممكن من الخبز... في ملابسه»، مضيفاً: «لقد غض الجميع الطرف عنه لأنهم كانوا يعلمون أنه كان يطعم الطيور فقط».

شكوك... وتخفيف حُكم

ووفق «بي بي سي»، كان سميث «مجرماً شاباً» عندما اتُهم في عام 1949 بقتل جروفر هارت، وهو حارس ليلي في نادي لليخوت بولاية كونيتيكت. وكان سميث أحد الرجلين اللذين تم القبض عليهما بسبب جريمة القتل، لكن الآخر وافق على صفقة الإقرار بالذنب وقدم أدلة ضد سميث، الذي أدين لاحقاً بارتكاب جريمة قتل من الدرجة الأولى.

ولقد تم التشكيك في إدانة سميث والأدلة التي أدين على أساسها على مر السنين، وخاصة بعد أن تراجع الشهود عن أقوالهم. كما اعترف سجين آخر فيما بعد بارتكاب جريمة القتل.

ولاحقاً، شهد أحد الضباط الذين استجوبوا سميث بعد اعتقاله أنه يعتقد أن الأخير بريء. وقال الرائد ليو كارول: «لست متأكداً حتى من أنه كان حاضراً في جريمة القتل»، وفقاً لصحيفة «بوسطن غلوب».

وأكسبته هذه الشكوك إرجاء تنفيذ عمليات الإعدام العديدة المقررة. وفي عام 1954، تم تخفيف حكم الإعدام الصادر بحقه إلى السجن مدى الحياة.

3 فترات قصيرة من الحرية

قضى سميث أكثر من 70 عاماً خلف القضبان، باستثناء ثلاث فترات قصيرة من الحرية، حيث هرب من السجن عام 1967 لكن تم القبض عليه مرة أخرى بعد 12 يوماً. وقال بانفيسيوس: «وفي عام 1974، عاد إلى منزله عشية عيد الميلاد وعاد للسجن في اليوم التالي».

ثم، في عام 1975، حصل على إطلاق سراح مشروط وبقي خارج السجن لمدة 10 أشهر تقريباً، ولكن سرعان ما تم القبض عليه بتهمة السرقة وحيازة سلاح، وهو ما كان يعد انتهاكاً لإطلاق السراح المشروط، وفقا لصحيفة «بوسطن غلوب».

بعدها، رفض سميث عدة محاولات للعودة إلى الإفراج المشروط حتى عام 2020، عندما تم منحه إطلاق سراح مشروط تحت الإشراف ونقله إلى دار رعاية لكبار السن تابع لمنظومة العدالة الأميركية.


«الست لما»... مغامرة سينمائية جديدة ليسرا تجلب انتقادات بمصر

يسرا تتوسط البطلات دُرة وياسمين رئيس ودنيا سامي في لقطة من الفيلم (الشركة المنتجة)
يسرا تتوسط البطلات دُرة وياسمين رئيس ودنيا سامي في لقطة من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«الست لما»... مغامرة سينمائية جديدة ليسرا تجلب انتقادات بمصر

يسرا تتوسط البطلات دُرة وياسمين رئيس ودنيا سامي في لقطة من الفيلم (الشركة المنتجة)
يسرا تتوسط البطلات دُرة وياسمين رئيس ودنيا سامي في لقطة من الفيلم (الشركة المنتجة)

تقود الفنانة المصرية يسرا مغامرة سينمائية جديدة من خلال أحدث أفلامها «الست لما»، الذي تؤدي فيه دور ناشطة حقوقية تُدعى «دينا الكردي»، تدير مركزاً لتمكين المرأة والدفاع عن النساء المعنَّفات من قِبل الرجال. وترفع «الفيتو» في وجه التحرش والخيانة، كما تقود حملة لمقاطعة الأزواج لمدة شهر، بمساعدة 3 نساء تؤدي أدوارهن الفنانات درة وياسمين رئيس ودنيا سامي.

ويشارك في بطولة الفيلم عمرو عبد الجليل، ومحمود البزاوي، ورانيا منصور، وهو من تأليف مصطفى بدوي وكيرو أيمن، وإخراج خالد أبو غريب، وإنتاج رنا وراندا السبكي.

وانطلق العرض التجاري للفيلم في مصر، الأربعاء، ليخوض منافسات موسم الصيف، في حين تبدأ عروضه في الدول العربية في 27 أغسطس (آب) الحالي.

وأُقيم عرض خاص للفيلم، مساء الثلاثاء، شهد مفارقة لافتة تمثلت في غياب جميع أبطاله؛ إذ لم يحضر منهم أحد، بينما حضر مؤلفا الفيلم ومخرجه ومنتجتاه وعدد من ممثلي الأدوار المساعدة، مما أثار تساؤلات وتكهنات بشأن أسباب هذا الغياب.

وكانت يسرا قد سافرت لقضاء إجازة خارج مصر قبل تحديد موعد عرض الفيلم، ولم تتمكن من العودة في الوقت المناسب. وأعربت، في بيان صحافي، عن سعادتها بالعودة إلى السينما من خلال شركة إنتاج حققت معها كثيراً من النجاحات، مشيرة إلى أن فريق العمل حرص على خروج الفيلم في أفضل صورة.

ووجّهت يسرا الشكر إلى نجوم الفيلم على إسهامهم في تقديمه بهذه الصورة، مشيدة بتجربتها مع المخرج الواعد خالد أبو غريب، في أول أفلامه.

وتردَّد أن الفنانة التونسية درة تقضي إجازة في إسبانيا، في حين ترتبط ياسمين رئيس ودنيا سامي بتصوير أعمال أخرى.

يسرا ومخرج الفيلم في كواليس التصوير (حساب المخرج على إنستغرام)

وتبدأ أحداث الفيلم بتعرّض «وفاء»، التي تجسِّد دورها ياسمين رئيس، للتحرش من سائق سيارة أجرة، فتنهار وتلجأ إلى دينا الكردي، التي تصطحبها إلى مقر صحيفة يرأس تحريرها (شريف)، ويؤدي دوره محمود البزاوي. ويلقي (شريف) باللوم على ملابسها، عادّاً أنها تُحرّض على التحرش بها، فتتصدى له (دينا) بسبب دفاعه عن الرجال. وتكشف الأحداث تدريجياً أزمات 4 سيدات، لكل منهن معاناة مختلفة مع أحد الرجال.

وتطلّ الإعلاميتان هالة سرحان ولميس الحديدي ضيفتي شرف في الفيلم، من خلال متابعتهما حملة «فيتو»، التي تتفاعل عبر برامج «التوك شو»، وتنضم إليها سيدات من دول عربية وأفريقية. في المقابل، يواجه الرجال تمرّد زوجاتهم بتنظيم مظاهرات يقودها (المعلم طاهر)، الذي يجسّد دوره عمرو عبد الجليل.

ويشارك في الفيلم عدد من النجوم ضيوفَ شرف، من بينهم كريم فهمي، وكندة علوش، وماجد المصري، وشيماء سيف، وحمدي الميرغني، وكريم عفيفي، وأحمد صيام، وحمدي الوزير.

ووصف الناقد محمد عبد الرحمن الفيلم بأنه «تجربة مخيِّبة للآمال»، على الرغم من تناوله مشكلة اجتماعية ملحّة تتمثَّل في انتقاص حقوق المرأة، لافتاً إلى أنه لم يستفد من النجوم المشاركين فيه، سواء في الأدوار الرئيسية أو بوصفهم ضيوف شرف.

وأكد عبد الرحمن، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «الفيلم عانى كثيراً من ضعف الإمكانات الإنتاجية والإخراج، مما أدى إلى خروجه بصورة أقل كثيراً من التوقعات».

وأشار الناقد المصري إلى أن «نقطة الضعف الرئيسية في الفيلم تكمن في التكرار؛ إذ سبقه فيلم (الاتحاد النسائي) ومسلسل (النساء قادمون) إلى تناول الفكرة نفسها، فضلاً عن تقليدية كتابة الشخصيات وتقديمها بصورة أحادية، خصوصاً الشخصيات الرجالية، إلى جانب ضعف الحبكة الدرامية».

دنيا سامي ومحمد أنور في أحد مشاهد فيلم «الست لما»

ولفت عبد الرحمن إلى أن غياب أبطال الفيلم عن العرض الخاص أمر يصعب تقبّله، لا سيما في ظل عدم صدور بيان رسمي عن الشركة المنتجة لتفسيره، إلى درجة أن البعض بدأ يعتقد أن الغياب جرى بالاتفاق مع النجوم لإحداث نوع من الدعاية العكسية للفيلم. وإن صحَّ ذلك، فإنه يدل على عدم ثقة صُنَّاعه به، واعتمادهم على إثارة الجدل خارجه لا على ما يقدِّمه على الشاشة.

من جانبها، رصدت الناقدة مها متبولي أخطاء عدّة في الفيلم، قائلة، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «سيناريو الفيلم عبارة عن مجموعة من الاسكتشات، وهناك مشاهد شعرت بأنها كُتبت على الهواء. كما استغرقت الأغنيتان والاستعراضات وقتاً طويلاً، واستخدم المخرج الموسيقى التصويرية أكثر مما ينبغي. ولم أشعر بأنني أشاهد فيلماً سينمائياً، بل عملاً يشبه برنامجاً تلفزيونياً؛ لأن الأداء كان مباشراً. كما أن الأداء الصوتي للممثلين غير منضبط، وجميعهم يصرخون».

ملصق الفيلم الذي يجمع أبطاله وضيوف الشرف (الشركة المنتجة)

وحمَّلت مها متبولي المؤلفين والمخرج مسؤولية ضعف المستوى الفني للفيلم، لكنها، في الوقت نفسه، لم تُعفِ بطلته يسرا من مسؤولية قبولها سيناريو مهلهلاً بهذا الشكل، وفق تعبيرها.

وأضافت أن «الفيلم لم يقدِّم أي عمق في تناوله قضيته؛ بل إن فيلم (بنات حواء)، لمديحة يسري ومحمد فوزي، الذي أُنتج في خمسينات القرن الماضي، تناول قضية المرأة والرجل بصورة أفضل وأكثر عمقاً».

ولفتت مها إلى أن دنيا سامي كانت الممثلة الوحيدة التي أعجبها أداؤها في الفيلم.


بيع رؤوس وأدمغة بشرية من مشرحة «هارفارد»... تفاصيل قضية تنتهي بتسوية قيمتها 53 مليون دولار

طلاب يمرون أمام مكتبة في جامعة هارفارد في كامبريدج بماساتشوستس الأميركية (رويترز)
طلاب يمرون أمام مكتبة في جامعة هارفارد في كامبريدج بماساتشوستس الأميركية (رويترز)
TT

بيع رؤوس وأدمغة بشرية من مشرحة «هارفارد»... تفاصيل قضية تنتهي بتسوية قيمتها 53 مليون دولار

طلاب يمرون أمام مكتبة في جامعة هارفارد في كامبريدج بماساتشوستس الأميركية (رويترز)
طلاب يمرون أمام مكتبة في جامعة هارفارد في كامبريدج بماساتشوستس الأميركية (رويترز)

وافقت جامعة «هارفارد» مبدئياً على دفع 53 مليون دولار لتسوية دعوى قضائية جماعية أثارت صدمة واسعة، بعدما اتهمت عائلات الجامعة بالإخفاق في حماية جثث أحبائهم الذين تبرعوا بها لكلية الطب لأغراض التعليم والبحث الطبي. وتتمحور الدعوى حول مدير سابق لمشرحة كلية الطب، تقول العائلات إنه أساء التعامل مع الجثث المتبرع بها، بل سرق أجزاءً منها وباعها في السوق السوداء.

وتأتي هذه القضية في أعقاب اعتقال سيدريك لودج، المدير السابق لمشرحة كلية الطب بجامعة «هارفارد»، عام 2023، في قضية كشفت عن عمليات سرقة وبيع لأجزاء من جثث كان من المفترض أن تُستخدم لأغراض طبية وعلمية، وفقاً لصحيفة «نيويورك بوست».

ووافق قاضٍ في محكمة ولاية بوسطن، الثلاثاء، مبدئياً على التسوية، التي تبلغ قيمتها 53 مليون دولار، في الدعوى الجماعية التي نشأت على خلفية قضية لودج.

سرقة أجزاء من الجثث وبيعها

عمل لودج في مشرحة جامعة «هارفارد» لما يقارب 30 عاماً، قبل أن يُعتقل عام 2023. وحُكم عليه في نهاية المطاف بالسجن لمدة ثماني سنوات، بعد إدانته بتهمة سرقة وبيع أعضاء وأجزاء من جثث تبرع أصحابها بها للجامعة لأغراض البحث الطبي.

وذكر المدعون أن لودج بدأ سرقة أجزاء من الجثث منذ عام 2018، وأن المسروقات شملت «رؤوساً ووجوهاً وأدمغة وجلوداً وأيدي». وبحسب الادعاءات، كان ينقل هذه الأجزاء إلى منزله في ولاية نيو هامبشاير، ثم يبيعها بمساعدة زوجته، قبل شحنها إلى مشترين في ولاية بنسلفانيا ومناطق أخرى.

وكشفت المحاكمة عن تفاصيل مروعة بشأن الطريقة التي جرى بها التعامل مع بعض الأجزاء المسروقة. ففي إحدى الحالات التي نوقشت أمام المحكمة، قدّم لودج جلداً لأحد المشترين بهدف دبغه واستخدامه في تجليد كتاب.

ووصفت أليسان مارتن، مساعدة المدعي العام الأميركي، هذه الواقعة في ملف قُدم إلى المحكمة بأنها «واقعٌ مروعٌ للغاية».

وقالت مارتن: «في حالةٍ أخرى، باع سيدريك ودنيز لودج وجه رجل - ربما ليُحفظ على رف، وربما ليُستخدم في شيءٍ أكثر إثارةً للاشمئزاز».

وحُكم على زوجة لودج، دنيز، بالسجن لأكثر من عام بقليل، بعد إدانتها بمساعدته في هذه الأنشطة.

العائلات تتهم «هارفارد» بالإهمال

اتهم عشرات من أفراد العائلات المشاركين في الدعوى جامعة «هارفارد» بالإهمال، وقالوا إنها كانت على علم بالأنشطة غير القانونية التي كان لودج يمارسها خارج نطاق عمله، لكنها لم تتخذ الإجراءات اللازمة لإيقافها قبل توجيه الاتهام إليه عام 2023.

وكانت الدعاوى قد رُفضت في البداية من أحد القضاة، إلا أن المحكمة العليا في ماساتشوستس أعادت فتح القضية في أكتوبر (تشرين الأول)، معتبرةً أن ادعاءات العائلات كافية للإشارة إلى احتمال أن تكون الجامعة قد تصرفت بسوء نية في تعاملها مع الجثث المتبرع بها.

وأشارت المحكمة إلى أن الجثث تعرضت، وفق الادعاءات، لـ«معاملة مروعة وغير كريمة» على مدى سنوات.

«خيانة صارخة لقيمنا»

وفي رسالة وجهها عميد كلية الطب بجامعة «هارفارد»، جورج دالي، وعميد التعليم الطبي في الكلية، برنارد تشانغ، إلى مجتمع الجامعة، الاثنين، وصف المسؤولان تصرفات لودج بأنها «حقيرة، ومقيتة، وخيانة صارخة لقيمنا كمجتمع طبي».

وتأتي التسوية المقترحة في الوقت الذي تسعى فيه الجامعة إلى معالجة تداعيات القضية، ليس فقط من خلال التعويض المالي للعائلات، وإنما أيضاً عبر إجراءات تهدف إلى تكريم الأشخاص الذين تبرعوا بأجسادهم لخدمة التعليم والبحث الطبي.

وبموجب التسوية، سيُطلب من كلية الطب بجامعة «هارفارد» تقديم بيان إلى العائلات المتضررة عبر ندوة إلكترونية، تؤكد فيه أن أفعال لودج الإجرامية «مستنكرة أخلاقياً».

كما ستنشئ الكلية منحة دراسية سنوية لكليات الطب تكريماً للأشخاص الذين تبرعوا بأجسادهم دعماً لأبحاثها، على أن يبدأ تقديم المنحة اعتباراً من العام الدراسي 2027 - 2028.

وبذلك لا تقتصر التسوية على التعويض المالي، بل تتضمن أيضاً خطوات رمزية وتعليمية تهدف إلى تكريم المتبرعين بأجسادهم، والتأكيد على أهمية احترام كرامة المتوفين وأسرهم.