ليالٍ صامتة قاتمة: ألمانيا بلا أسواق أعياد الميلاد

TT

ليالٍ صامتة قاتمة: ألمانيا بلا أسواق أعياد الميلاد

لا تبدو الأجواء في ألمانيا في شهر ديسمبر (كانون الأول) الحالي على ما يرام -كما هو معتاد؛ تلاشت مجموعات الأصدقاء الذين يمسكون بأكواب المشروبات الساخنة اللذيذة التي تفوح منها روائح القرفة والقرنفل وهم يخوضون ضمن جموع المتسوقين في ساحة سوق روتنبيرغ القديمة التي تعود إلى عصور القرون الوسطى، أو بالقرب من عتبات كاتدرائية كولونيا الكبيرة وأبراجها الشاهقة. ولا وجود للفرق الموسيقية النحاسية التي تعزف مختلف الترانيم الهادئة أمام قصر شارلوتنبيرغ في برلين. كما اختفت النجوم المتلألئة المتدلية من أفاريز الأكواخ الخشبية في بلدة سايفين القديمة.
ولم تنشر شخصية «كرايست كايند» السحرية أجنحتها الذهبية -كما هو معتاد حال ترحيبها بالعالم في سوق عيد الميلاد السنوي في نورمبيرغ. ولم تشرق أنوارها على ساحة المدينة المظلمة، حيث كانت تلك الشخصية تتلو ترانيمها الرقيقة التي تقول: «بلدة صغيرة في مدينة كبيرة، ملابسها من القماش، ومبانيها من الخشب، تعبر الآفاق في بهائها، وهي باقية دائماً على مر العصور».
تسبب فيروس «كورونا المستجد» في توقف مظاهر الاحتفال بأعياد الميلاد في إرجاء العالم كافة. بيد أن غياب مظاهر الفرح الموسمية والبهجة الكبيرة العامة كانت ظاهرة واضحة بصورة موجعة للغاية في أسواق وميادين ألمانيا، تلك التي تكون إلى حد كبير من مظاهر التسوق السنوية المألوفة، بسبب الوباء.
يقول أوليفر بوتش، المؤلف الألماني البالغ من العمر 50 عاماً، ويستمد أفكار رواياته من تراث عائلته البافاري العريق: «عندما تسير بين شوارع ميونيخ أو نورمبيرغ في هذه الأيام، في غياب الأضواء الساطعة والمباهج المفرحة، فإنك تفتقد لكل شيء محبوب».
وقد احتشد المواطنون الألمان في الأسواق الخارجية خلال الأسابيع السابقة على أعياد الميلاد، في تقاليد ترجع إلى القرن الرابع عشر الميلادي، عندما شرع البائعون في بناء الأكواخ الخشبية للمرة الأولى في مراكز المدن من أجل بيع بضائعهم للأشخاص القادمين لزيارة الكنيسة. وهم يقدمون مجموعة متنوعة من الأطعمة، والهدايا المصنعة يدوياً، وغير ذلك من البضائع الأخرى الخاصة بالاحتفالات المقبلة وشهور الشتاء الطويلة.
وينتشر السائحون من أرجاء العالم كافة بين عشرات الأسواق التي تخدم مختلف الأذواق، وتغطي مختلف الطلبات، مثل أعياد الميلاد ذات النكهة الاسكندنافية أو أعياد الميلاد المستدامة، وذلك في المدن الكبرى، مثل: برلين، وكولونيا، وميونيخ.
ومع ذلك، ينجذب السكان المحليون إلى المهرجانات الأكثر تفضيلاً وخصوصية في البلدات والقرى المتناثرة عبر أرجاء البلاد كافة، لا سيما في المناطق التي شهدت نشأتهم الأولى.
تقول السيدة مارغوت كاسمان (63 عاماً)، وهي الأسقف الأسبق للكنيسة اللوثرية في ألمانيا: «كانت تلك الأسواق تعد من أبرز أماكن التجمع والالتقاء الدائمة لدينا. وما تزال أسواق أعياد الميلاد من الأماكن ذات السمة الاجتماعية الغالبة، حيث يتلاقى الأصدقاء وأفراد العائلات. وحتى الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم ينطلقون إلى تلك الأماكن من أجل الاستمتاع بالأضواء والروائح وأصوات الموسيقى التي تبعث الارتياح في أنفسهم».
وتعد أسواق أعياد الميلاد في ألمانيا التي يبلغ عددها نحو 3 آلاف سوق من الفعاليات المهمة اقتصادياً لدى كثير من المجتمعات الألمانية، التي تجلب ما يقرب من 3.5 مليار دولار في أرباح العام الماضي، وفقاً للجمعية الألمانية لموظفي أرض المعارض. كما تعتمد المطاعم، والمخابز المحلية، والحرفيون المحليون كذلك، على معارض العطلات السنوية في تأمين قدر كبير من دخلهم السنوي.
وقد ظلت السيدة نينا أنجيل تبيع المنتجات والحلي الزجاجية في سوق أعياد الميلاد في ساحة «غيندارمين ماركت» في برلين على مدى سنوات. ولكن مع حلول شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام الحالي، وارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد في البلاد بمعدلات خطيرة، لحقت العاصمة الألمانية بغيرها من المدن في البلاد التي ألغت تنظيم الأسواق والمعارض السنوية، رغم الوعود التي سبق التعهد بها في أوقات ماضية من العام الحالي ببذل الجهود الممكنة كافة للمحافظة على تلك الأسواق والمعارض في موسم أعياد الميلاد.
وتبقى ساحة «غيندارمين ماركت» الأنيقة في العاصمة الألمانية مفتوحة لاستقبال صقيع الشتاء من دون مارة أو متسوقين خلال العام الحالي. فلن يتدفق عشاق الموسيقى من درجات قاعة «كونزرثاوس» للاحتفالات، وصولاً إلى قرية الخيام البيضاء المؤقتة التي تتألق بالنجوم الذهبية فوق قممها، مع الضحكات التي تبعث الحياة والدفء بين جنباتها، ضمن مجموعة متنوعة متألقة من الهدايا والحرف اليدوية الرائعة.
وفي هذا العام، سمحت المدينة لعدد قليل من الباعة بإقامة منصات متناثرة عبر زوايا الشارع أو في الساحات الفارغة، في محاولة منها لتعويض بعض التكاليف المتكبدة، وبث روح أعياد الميلاد المفتقدة.
تقول السيدة أنجيل، وهي تشير إلى صف من الطيور الطنانة الزجاجية والمخللات وشرائح البيتزا وتماثيل سانتا ورجال الثلج، جنباً إلى جنب مصابيح الألوان الفضية والذهبية والحمراء المعلقة على الكشك خاصتها في منطقة المارة والمتسوقين في شارع «فريدريكشتراس» التجاري في المنطقة: «يتعين علينا سداد ثمن كل شيء مقدماً، وكل ما ترونه هو سلع وبضائع موسمية، ونحن هنا نحاول بيع عدد قليل منها قدر الإمكان، وهذا أفضل من عدم بيع أي شيء على الإطلاق».
ولقد سمحت بعض المدن الألمانية الأخرى للباعة بفتح عدد محدود من أكشاك البيع من أجل مساعدة الباعة، وللمحافظة على قدر بسيط من مباهج أعياد الميلاد -ولكن على مسافات تحترم اللوائح الاجتماعية التي تلزم الأفراد بالوجود على مسافة 6 أقدام بعضهم من بعض في كل الأوقات. ويقدم أصحاب المطاعم المحلية المشروبات الساخنة من درجات سلالم المطاعم المغلقة للزوار الذين يبحثون عن رشفة دافئة من المشروبات الموسمية اللذيذة التي تضاعف الإحساس بالدفء في تلك الأجواء الباردة للغاية، طالما ظل الكوب الذي تمسك به ممتلئاً.
هذا ويحاول الآخرون إعادة الإحساس بأسواق أعياد الميلاد داخل المنازل، حيث يقومون بتزيين النوافذ بالأضواء الملونة المبهجة، وتماثيل سانتا كلوز ورجال الثلج العمالقة -تلك العروض الجميلة التي يعرفها كثير من المواطنين الألمان عبر مشاهدتها في إعلانات المشروبات الغازية وأفلام هوليوود الأميركية.
يقول السيد بوتش الذي ابتاع مدفأة خارجية وبعض البطانيات الإضافية، مع سلسلة من فروع الأضواء الزاهية، من أجل إقامة مكان للاحتفال على شرفته يحترم فيه معايير التباعد الاجتماعي المعروفة: «لاحظت أن الناس يزينون منازلهم بالأضواء الكبيرة على غرار المنازل الأميركية، مع سانتا كلوز الذي يتدلى من شرفاتهم».
وفي العام الذي شهد انتقال الحفلات الموسيقية والمسرحيات والفصول الدراسية إلى شبكة الإنترنت، حاول بعض من منظمي أسواق أعياد الميلاد إعادة خلق هذه الروح بمعناها الافتراضي قدر الإمكان. ولقد أنشأت بلدة سايفين القديمة، وهي موطن فناني الحلي الخشبية في ألمانيا، وأهرامات الشموع، والألعاب الأخرى، سوقاً افتراضية لأعياد الميلاد خلال العام الحالي، واستكملته بأنغام الموسيقى التقليدية الرائعة، وصور السماء الليلية المفعمة بالثلوج والرسوم البانورامية، وكل ذلك من أجل الترويج لأعمال الباعة المحليين الذين يعتادون عرض منتجات الحرف اليدوية على الزوار في الأسواق في أرجاء البلاد كافة.
وفي مدينة نورمبيرغ، تقوم بيناينا مونسي (18 عاماً) بأداء شخصية «كرايست كايند» للعام الثاني على التوالي -وهي وفقاً للتقاليد المحلية تتخذ هيئة المرأة الشابة ذات الشعر الأشقر الطويل المجعد، وتعتمر التاج الكبير، مع الأكمام الموشاة بالذهب الأشبه بجناحي الملائكة، وهي سفيرة العطلات الرسمية عن المدينة، وراعية أسواق أعياد الميلاد.
أما بالنسبة إلى السيدة مونسي، فإن الأسبوع الأول من ديسمبر (كانون الأول) عادة كان مفعماً بالزيارات إلى المستشفيات المحلية وملاجئ المشردين ودور رعاية كبار السن، وقضاء الساعات الطويلة في تحية الزوار والمتسوقين في الأسواق، أو في قراءة القصص المشوقة للأطفال الذين يفدون إلى هناك رفقة ذويهم.
وقالت السيد مونسي في مقابلة عبر الهاتف: «حيثما ذهبت في شخصية (كرايست كايند)، كنت أجد الناس في انتظاري. وسواء كانوا صغاراً أو كباراً، فإنهم دوماً سعداء للغاية عندما يجدونني أدخل عليهم في أي مكان. وإنني حزينة للغاية لأنني لن أتمكن من الوجود هناك من أجل الناس في أعياد العام الحالي».
إنها تظهر بصفة يومية في فعالية مسجلة مسبقاً عبر الإنترنت، بدلاً من الوجود الفعلي بين الناس، وذلك مرتين في الأسبوع، حيث تتلقى المكالمات الهاتفية من أي شخص يرغب في التواصل مع شخصية «كرايست كايند». وأغلب المتصلين يكونون من الأطفال الذين يطلبون منها قوائم رغباتهم الخاصة في أعياد الميلاد، وهناك من يتواصل معها من البالغين أيضاً، ممن يملكون كثيراً من الذكريات لمشاركتها.
تقول السيدة مونسي عن ذلك: «نظراً لأننا لم نعد نتمكن من الالتقاء وجهاً لوجه، أعتقد أن الذكريات القديمة ربما تحمل معاني جديدة، وتصير أكثر قيمة لدى بعض الناس». ولقد ذكرت كيف أن امرأة اتصلت بها ذات يوم لتشكرها على لفتة طيبة منها خلال العام الماضي، وذلك عندما توقفت السيدة مونسي لتسأل تلك السيدة عن سبب بكائها، وظلت رفقتها حتى اطمأنت عليها تماماً.
وتتابع السيدة مونسي: «قالت لي السيدة في الهاتف إن هذه اللفتة الطيبة تعني لها الكثير، حتى أنها غالباً ما كانت تفكر في ذلك اللقاء عندما تكون محبطة، وكيف أنها منحتها القوة على الصمود والمواصلة طوال العام».
ظلت السيدة مونسي تعمل على تشجيع وتعزيز معنويات الناس، وأهمية التواصل مع العائلة والأصدقاء الذين لا يمكن زيارتهم، ولو برسالة نصية أو مكالمة هاتفية -مع تذكر أن روح أعياد الميلاد لا تعيش داخل الأسواق، وإنما بين الأشخاص الذين عادة ما يحتشدون ويجتمعون هناك للاحتفال.
وتقول السيدة مونسي أخيراً: «لا تسمح للظروف بأن تسبب لك الإحباط أو الاستسلام، حتى في العالم المنهك بسبب الوباء الفتاك، وقرارات الإغلاق التي لا نهاية لها في الأفق القريب، يمكن على الدوام البحث عن -والعثور على- أشياء جميلة في حياتنا».
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

أعاد مشاهد العزل والقلق للأذهان... هل علينا القلق من فيروس «هانتا»؟

صحتك إجلاء مرضى من السفينة السياحية "إم في هوندوس" إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر - الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب) p-circle

أعاد مشاهد العزل والقلق للأذهان... هل علينا القلق من فيروس «هانتا»؟

في وقت لم يتعافَ فيه العالم بالكامل من آثار جائحة "كورونا"، عاد القلق العالمي مجدداً مع تفشي فيروس "هانتا" على متن السفينة السياحية "إم في هونديوس".

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم حافلة تقل رعايا بريطانيين أُعيدوا من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» لدى وصولها إلى مستشفى آرو بارك في بريطانيا الأحد (رويترز) p-circle

إجلاء 94 راكباً من «سفينة هانتا»... وثبوت إصابة أميركي وفرنسية بالفيروس

أُجلي، أمس (الأحد)، نحو مائة من ركاب وأفراد طاقم إم في هونديوس التي رُصدت عليها إصابات بفيروس «هانتا»، على أن تستكمل عمليات الإجلاء اليوم.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
آسيا جانب من حفل تأبيني للجنود المقتولين أُقيم في متحف المآثر القتالية التابع لقيادة العمليات العسكرية الخارجية في بيونغ يانغ (أ.ف.ب)

تقرير: الإعدامات تضاعفت في كوريا الشمالية خلال زمن «كوفيد»

أظهر تقرير نشرته «مجموعة العمل من أجل العدالة الانتقالية» الحقوقية أن كوريا الشمالية زادت تنفيذ أحكام الإعدام في زمن انتشار وباء «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (سيول)
صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)

السعودية تدشن جناحها ضيف شرف «معرض كوالالمبور للكتاب 2026»

تجسّد مشاركة السعودية في المعرض مكانتها المتنامية على الساحة الثقافية الدولية (هيئة الأدب)
تجسّد مشاركة السعودية في المعرض مكانتها المتنامية على الساحة الثقافية الدولية (هيئة الأدب)
TT

السعودية تدشن جناحها ضيف شرف «معرض كوالالمبور للكتاب 2026»

تجسّد مشاركة السعودية في المعرض مكانتها المتنامية على الساحة الثقافية الدولية (هيئة الأدب)
تجسّد مشاركة السعودية في المعرض مكانتها المتنامية على الساحة الثقافية الدولية (هيئة الأدب)

دشَّنت «هيئة الأدب والنشر والترجمة» السعودية، الجمعة، جناح المملكة ضيف شرف «معرض كوالالمبور الدولي للكتاب 2026»، الذي يقام بمركز التجارة العالمي في العاصمة الماليزية خلال الفترة من 29 مايو (أيار) إلى 7 يونيو (حزيران)، في حضور استثنائي يُجسّد المكانة المتنامية للسعودية على الساحة الثقافية الدولية.

ويُعزِّز الجناح الحضور الثقافي السعودي في قارة آسيا، ويُعرّف بالمملكة بوصفها نموذجاً حضارياً يُجسد تحولات «رؤية 2030»، عبر محتوى أدبي، وثقافي، وتراثي متنوع، يسهم في مدّ جسور التفاهم الثقافي.

وافتُتح جناح السعودية ضيف شرف المعرض، بحضور رئيس الوزراء الماليزي داتوء سري أنور بن إبراهيم، وأسامة الأحمدي السفير السعودي في كوالالمبور، والدكتور عبد اللطيف الواصل الرئيس التنفيذي للهيئة، ووزير التعليم الماليزي فاضلينا صديق.

حضر افتتاح جناح السعودية ضيف شرف المعرض رئيس الوزراء الماليزي داتوء سري أنور بن إبراهيم (هيئة الأدب)

وأكد الدكتور الواصل أن اختيار السعودية ضيف شرف للمعرض، الذي يُعد من الفعاليات الثقافية البارزة في القارة، يأتي تتويجاً للعلاقات الثقافية المتينة بين البلدين، وتقديراً لحضور المملكة الفاعل في المشهد الثقافي الإقليمي، والدولي، وهو ما يتيح فرصة استثنائية لتعريف الجمهور الماليزي والآسيوي بتنوع الثقافة السعودية وعراقتها.

وعبَّر الرئيس التنفيذي للهيئة عن شكره للأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة، على دعمه المتواصل للقطاعات الثقافية، وتمكينها من أداء دورها الريادي في رسم ملامح المشهد الثقافي السعودي المعاصر، بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية 2030»، مشيراً إلى أن الترحاب الماليزي يُبرز عمق الاحترام المتبادل، ويجسد روح التعاون الثقافي التي تجمع الشعبين.

وتقود الهيئة جناح السعودية بمشاركة وفد ثقافي وأدبي موسع، يضم عدة هيئات من منظومة الثقافة، وهي: «التراث، الموسيقى، الأفلام، فنون الطهي، الأزياء»، وجهات وطنية بارزة تشمل وزارتَي «الشؤون الإسلامية والعدل»، ومَجمعَي «الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، والملك سلمان العالمي للغة العربية»، ومكتبتَي «الملك فهد الوطنية، والملك عبد العزيز العامة»، وشركة «ناشر للنشر والتوزيع»، بهدف فتح نافذة سعودية شاملة أمام جمهور المعرض.

يستعرض الجناح التجارب السعودية في تطوير القطاع الثقافي وتعزيز حضوره عالمياً (واس)

ويستعرض الجناح ملامح التنوع الإبداعي، والهوية الثقافية للسعودية، عبر برنامج ثقافي متكامل تنظمه الهيئة يشمل ندوات، وأمسيات شعرية بمشاركة نخبة من الأدباء السعوديين، ويشمل كذلك عروضاً للفنون الأدائية السعودية داخل المعرض وخارجه في الحدائق، والساحات العامة تشمل فنون «الخطوة، والسامري، والخبيتي»، فضلاً عن معرض يبرز عدداً من أهم المخطوطات التاريخية في المملكة.

كما يضم أركاناً خاصة بـ«الإصدارات السعودية»، و«الحرف اليدوية» ويُقدّم عروضاً حية للصناعات الحرفية، و«المستنسخات التراثية» ويستعرض مستنسخات لأهم القطع الأثرية في البلاد، و«الآلات الموسيقية السعودية»، و«الأزياء السعودية»، و«الأفلام» ويُتيح عروضاً تشويقية لمجموعة من الأفلام السعودية، إضافة إلى «المجلس» لاستقبال الزوار، وركن الضيافة، في لوحة تجمع روح الأصالة، وحفاوة الاستقبال.

يضم الجناح أركاناً للحرف اليدوية التقليدية والأزياء السعودية والآلات الموسيقية الشعبية (هيئة الأدب)

من جانب آخر، تجوّل السفير أسامة الأحمدي في الجناح، مُطّلعاً على ما يضمه من محتوى يبرز ثراء المشهد الثقافي السعودي، وتنوعه، وما يقدمه من فعاليات تسلط الضوء على الحراك الأدبي والإبداعي الذي تشهده البلاد في ظل «رؤية 2030».

واستمع الأحمدي خلال الزيارة إلى شرحٍ عن البرنامج الثقافي المصاحب، والذي يشتمل على ندوات، وجلسات حوارية، بمشاركة نخبة من المثقفين، والأدباء، والمتخصصين من السعودية، لمناقشة موضوعات تتصل بالأدب، والترجمة، والنشر، وصناعة المحتوى الثقافي، واستعراض التجارب السعودية في تطوير القطاع الثقافي، وتعزيز حضوره عالمياً.

كما اطّلع على ما يحتويه الجناح من مخطوطات نادرة، وقطع تراثية، وحرف يدوية، وأزياء تقليدية، وفنون بصرية، تُجسد العمق الحضاري للمملكة، وتنوعها الثقافي، والإبداعي الممتد عبر مختلف مناطقها، مؤكداً أن هذه المشاركة تعمّق العلاقات بين البلدين، وتصب في الحضور المتنامي للثقافة السعودية على الساحة الدولية.

يتيح الجناح محتويات تُجسد العمق الحضاري للسعودية وتنوعها الثقافي والإبداعي (واس)

يُشار إلى أن «معرض كوالالمبور الدولي للكتاب» يُعدّ من أعرق الفعاليات الثقافية، وأكثرها تأثيراً في جنوب شرقي آسيا؛ إذ انطلقت دورته الأولى في عام 1981م بتنظيم من وزارة التعليم الماليزية، واستطاع على مدى أكثر من أربعة عقود أن يرسّخ مكانته بوصفه تظاهرة معرفية كبرى، ومنصة إقليمية وعالمية رائدة لصناعة النشر.


«سفن دوغز» يتصدر شباك التذاكر العربي بإيرادات تتخطى 4 ملايين دولار

حقَّق فيلم «سفن دوغز» حضوراً واسعاً في مختلف الأسواق العربية خلال فترة وجيزة (هيئة الترفيه السعودية)
حقَّق فيلم «سفن دوغز» حضوراً واسعاً في مختلف الأسواق العربية خلال فترة وجيزة (هيئة الترفيه السعودية)
TT

«سفن دوغز» يتصدر شباك التذاكر العربي بإيرادات تتخطى 4 ملايين دولار

حقَّق فيلم «سفن دوغز» حضوراً واسعاً في مختلف الأسواق العربية خلال فترة وجيزة (هيئة الترفيه السعودية)
حقَّق فيلم «سفن دوغز» حضوراً واسعاً في مختلف الأسواق العربية خلال فترة وجيزة (هيئة الترفيه السعودية)

واصل فيلم الأكشن العربي والعالمي «سفن دوغز» تحقيق نتائج استثنائية في شباك التذاكر، بعد أن تجاوزت إيراداته 4 ملايين دولار خلال أول يومين من عرضه، بينما بلغ إجمالي التذاكر المبيعة نحو 600 ألف تذكرة على مستوى العالم العربي، ليواصل تصدره قائمة الأفلام الأكثر مشاهدة.

وتعكس هذه الأرقام حجم الإقبال الجماهيري الكبير الذي يحظى به الفيلم منذ انطلاق عرضه الرسمي في دور السينما؛ إذ تمكَّن خلال فترة وجيزة من تحقيق حضور واسع في مختلف الأسواق العربية، مدفوعاً بالاهتمام الكبير الذي سبق إطلاقه، إلى جانب ما يضمه من أسماء بارزة على مستوى التمثيل والإخراج والإنتاج.

ويعدّ «سفن دوغز» من أضخم الإنتاجات العربية السينمائية العربية، ويجمع بين الأكشن والتشويق والإنتاج البصري الضخم، ضمن قصة تدور حول ضابط الإنتربول «خالد العزازي» الذي يدخل في مهمة سرية مع أحد أخطر المجرمين السابقين لكشف منظمة إجرامية عالمية تُعرف باسم «سفن دوغز»، في رحلة تمتد عبر عدة مدن وعواصم حول العالم.

ويبرز الفيلم من خلال حجمه الإنتاجي الكبير، واعتماده على تصوير مشاهد رئيسية داخل استوديوهات «الحصن Big Time» في الرياض، إلى جانب استخدام مواقع متعددة من بينها بوليفارد سيتي، والاستعانة بفريق عالمي متخصص في التصوير والمؤثرات البصرية والمشاهد الخطرة؛ ما يمنحه جودة بصرية وحركية تضاهي كبرى إنتاجات أفلام الأكشن العالمية.

ويجمع العمل بين كريم عبد العزيز وأحمد عز، إلى جانب نخبة من النجوم العرب والعالميين، ومن إخراج الثنائي العالمي عادل العربي وبلال فلاح، في تجربة سينمائية تعكس الطموح المتصاعد لصناعة السينما العربية، وقدرتها على الوصول إلى جمهور واسع داخل المنطقة وخارجها.

ودخل الفيلم موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية بتحقيق رقمين عالميين بمجال المؤثرات السينمائية، شملت أكبر انفجار سينمائي في تاريخ الأفلام، وأكبر كمية متفجرات عالية الشدة يتم تفجيرها في مشهد واحد، ويعكس الإنجاز حجم الإمكانات الإنتاجية الضخمة التي وفَّرها العمل.


حجاج ومعتمرون مصريون يزيّنون بيوتهم برسم «الكعبة المشرفة»

مصريون يزيِّنون بيوتهم بصور الكعبة المشرفة (الشرق الأوسط)
مصريون يزيِّنون بيوتهم بصور الكعبة المشرفة (الشرق الأوسط)
TT

حجاج ومعتمرون مصريون يزيّنون بيوتهم برسم «الكعبة المشرفة»

مصريون يزيِّنون بيوتهم بصور الكعبة المشرفة (الشرق الأوسط)
مصريون يزيِّنون بيوتهم بصور الكعبة المشرفة (الشرق الأوسط)

في طقس راسخ يعبِّر عن البهجة، يحرص كثير من المصريين، خصوصاً في القرى الريفية والأحياء الشعبية، على توثيق رحلاتهم إلى البيت العتيق برسم الكعبة المشرفة والطائرات والبواخر على واجهات بيوتهم، إذ يعدّونها «ختماً توثيقياً» لزيارة الأراضي المقدسة.

الفنان التشكيلي إبراهيم البريدي الذي صوَّر رحلات الحج في كثير من لوحاته، يقول لـ«الشرق الأوسط» إنَّ هذه الرحلات ترسَّخت في مخيلته منذ صغره عبر حكايات والدته، موضحاً أنه قبل اتجاهه لعالم الفن التشكيلي، وإقامة المعارض كان يشارك بريشته في رسم واجهات البيوت في مدينته، طنطا، بمحافظة الغربية (دلتا مصر).

رسم الكعبة على واجهات بيوت الحجيج والمعتمرين طقس مصري راسخ (الشرق الأوسط)

ويؤكد أنَّه مع «عودة الحجيج أو المعتمرين من الأراضي المقدسة، خصوصاً في موسم الحج، كان وما زال عدد كبير من أقارب الحجيج يحرصون على طلاء واجهات البيوت لتأخذ حُلةً جديدةً، وكأن لسان حالهم يقول إنَّ المنازل تبدأ حياةً جديدةً مثل أصحابها بعد عودتهم من الحج مغفوري الذنوب، وكانوا يدعونني بعد أن عرفوا موهبتي لرسم الواجهات، فقد صورت لوحات كثيرة، أظن أنَّ بعضها موجود حتى الآن. كانت مكة والسفن والطائرات وعبارات الدعاء والتهاني أهم عناصرها».

ويضيف: «كنت أكتب بخط كبير العبارة الأثيرة لدى كل حاج، (حج مبرور وذنب مغفور)، وكذلك (ألف مبروك يا حاج). كنت وقتها شاباً، وكنت ألبي دعوات كثير من الأهالي للمشارَكة في احتفالاتهم بتأدية أحد أفراد أسرهم فريضة الحج، فقد زينت كثيراً من حوائط البيوت بالزخارف والنخيل، والجِمال، ومكة، والسفن مضيفاً إليها بعض الأدعية والكلمات».

ويرى البريدي أن «رسم واجهات البيوت وتزيينها بتلك الصور يشيران إلى أنَّ هناك مَن أكمل أركان الإسلام الخمسة، بالإضافة إلى البهجة المصاحبة لتلك الزيارة المحببة إلى قلوب المصريين. من هنا يمكن النظر إلى معاني توثيقها على واجهات المنازل بوصفها أجمل ما قام به الرجل أو المرأة في حياته، وهو موروث ثقافي يحمله المصريون في وجدانهم رغم تغيُّرات الحياة وما يحدث من تطورات تهدِّد استمرار كثير من المظاهر الاحتفالية، والتقاليد القديمة في شمال مصر وجنوبها».

رسومات الكعبة وعبارات التلبية دليل على زيارة البيت العتيق (الشرق الأوسط)

طقس رسم واجهات البيوت وتزيينها لاستقبال الحجيج يُعدُّ أساسياً لدى عائلة محمد عبد السلام، وهو رجل «ستيني» تاجر مواد غذائية بمنطقة المنيب (غرب القاهرة) يتذكَّر عندما قام لأول مرة بزيارة مكة وأداء فريضة الحج، وداعَه بالأناشيد والطبول. ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أكثر ما أسعدني عند عودتي مشاهدتي واجهة بيتي وهي مطلية ومزخرفة ومرسومة، وهي لوحة جميلة تبهجني كلما مررت بها، وتجعلني أستعيد الأيام التي قضيتها في مكة، وما مررت به من ذكريات مبهجة».

اللوحات المرسومة على واجهات البيوت تقاوم الزمن، وتظلُّ آمنة حال كانت مرسومة بألوان جيدة مثل قطعة فنية، وهي أبقى، وفق عبد السلام، من الإشارات التي توثِّق لرحلة الحج على مواقع التواصل الاجتماعي، هذه يمكن أن تختفي بكبسة زر، لكن واجهات المنازل تظلُّ قادرةً على البقاء ما لم تمتد إليها الأيادي.

أحد البيوت بمحافظة الدقهلية (الشرق الأوسط)

وعدَّ عمرو حسين، وهو جزار أربعيني بمنطقة الطالبية بالجيزة (غرب القاهرة) رسم واجهة بيته، الذي يشير إلى تأديته فريضة الحج، فرحةً غامرةً وعادةً حافظ عليها كل أفراد عائلته الذين سبقوه جميعاً إلى زيارة الكعبة. يقول لـ«لشرق الأوسط» إنَّه عندما يستيقظ في الصباح وينظر لصورة الكعبة يشعر بفرح كبير، ويتذكَّر مشاعره وهو يستقل الطائرة في رحلتَي الذهاب والعودة. أما عن كتابة التعليقات والصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي فلا تمنحه الشعور بالسعادة بالقدر الذي يصل إليه كلما نظر لواجهة بيته ورأى صور الكعبة والطائرة، وعبارات الدعاء.