«عالم كورونا» يحتاج إلى سياسات مالية جديدة

يرى خبير الاقتصاد البريطاني ميرفين كينغ أن العالم بحاجة ماسة لسياسات جديدة للتعامل في زمن ما بعد «كورونا» (رويترز)
يرى خبير الاقتصاد البريطاني ميرفين كينغ أن العالم بحاجة ماسة لسياسات جديدة للتعامل في زمن ما بعد «كورونا» (رويترز)
TT

«عالم كورونا» يحتاج إلى سياسات مالية جديدة

يرى خبير الاقتصاد البريطاني ميرفين كينغ أن العالم بحاجة ماسة لسياسات جديدة للتعامل في زمن ما بعد «كورونا» (رويترز)
يرى خبير الاقتصاد البريطاني ميرفين كينغ أن العالم بحاجة ماسة لسياسات جديدة للتعامل في زمن ما بعد «كورونا» (رويترز)

التراجعات الاقتصادية الحالية تختلف عن أي ركود أو كساد شهده العالم في السابق. وإذا كان فيروس «كورونا» المستجد نفسه جديداً، فإن سبب انهيار الناتج الاقتصادي في كثير من مناطق العالم، ليس الفيروس نفسه على سبيل المثال، ولكنه انهار بسبب انسحاب الناس من النشاط الاقتصادي المعتاد، سواء بسبب قرارات الإغلاق الحكومية أو بمبادرة شخصية منهم وبقائهم في المنازل.
ويرى أستاذ الاقتصاد البريطاني ميرفين كينغ، أن استخدام اللغة الاقتصادية التقليدية في وصف التراجع الاقتصادي الحالي، سيؤدي إلى الارتباك والغموض بشأن اختيار السياسات المناسبة للتعامل مع الأزمة، بحسب وكالة الأنباء الألمانية.
ويرى كينغ الذي عمل ويعمل أستاذاً للاقتصاد في جامعات «كمبردج» و«برمنغهام» في بريطانيا، و«هارفارد» ومعهد «ماساتشوستس للتكنولوجيا» في الولايات المتحدة، أنه إذا كانت الحكومات قد اضطرت إلى إغلاق عديد من الأنشطة الاقتصادية لأسباب صحية في ظل جائحة «كورونا»، فمن غير المنطقي أن يتم تحفيز الإنفاق ببساطة لسد الفجوة الاقتصادية. فالمستهلكون ربما يريدون الإنفاق أكثر على الترفيه وفي المطاعم والرحلات السياحية؛ لكنهم لا يستطيعون ذلك.
ويقول كينغ في تقرير نشرته وكالة «بلومبرغ»، إن الطلب الاستهلاكي المكبوت حالياً سينطلق عندما تنحسر جائحة «كورونا»، إذا ما استمر الدعم الحكومي لدخل المستهلكين خلال فترة القيود الحالية. ولذلك فالمطلوب ليس إطلاق إجراءات تحفيز عامة لتشجيع الطلب في الوقت الحالي، وإنما دعم الشركات بما في ذلك المشروعات متناهية الصغر والصغيرة حتى تستطيع عبور الأزمة الحالية. وعندما تعود آليات اقتصاد السوق إلى العمل بعد انتهاء الجائحة، ستحدد ما هي الشركات التي ستستمر وتلك التي ستختفي. كما أن العدالة البسيطة تدعو إلى مثل هذا النوع من الدعم المؤقت. والسؤال الآن هو: لماذا يجب أن يعاني أصحاب المطاعم والموسيقيون في ظروف الجائحة، بينما تحقق شركة التجارة الإلكترونية «أمازون» أرباحاً هائلة؟
ومن خلال منع انهيار الشركات التي ستكون إعادة هيكلتها مكلفة، سيساعد هذا الدعم الحكومي في حماية الوظائف، سواء على المدى القريب أو البعيد.
وحاولت وزيرة الرعاية الاجتماعية البريطانية هيلين وتيلي تبرير إنهاء البرنامج الحكومي لدعم أجور العاملين في القطاع الخاص في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بالقول: «ليس من المنطقي استمرار دعم الوظائف في حين لا يوجد عمل في الوقت الراهن».
ويرى كينغ أن الوزيرة البريطانية فشلت في إدراك أن هذه الوظائف لا تعمل بسبب القيود التي فرضتها حكوماتها. وبعد وقت قصير ومع تفشي الموجة الثانية من جائحة «كورونا» في بريطانيا، تراجع وزير الخزانة البريطاني ريشي سوناك، وقرر تمديد برنامج دعم الأجور حتى مارس (آذار) 2021؛ وهو قرار صائب.
ويرى كينغ الذي زامل بن برنانكي رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي الأميركي) السابق في التدريس في معهد «ماساتشوستس للتكنولوجيا» أنه عند رفع القيود المفروضة حالياً للحد من انتشار «كورونا»، ستظهر أنماط جديدة من الإنفاق، وستحتاج الشركات إلى بعض الوقت لكي تعرف هذه الأنماط وتتوافق معها. وستكون هناك حاجة مؤكدة إلى إعادة النظر في توزيع الموارد؛ لكن من المستحيل تقدير حجم هذه التحولات اليوم.
لذلك لا يجب أن تعرقل الحكومات هذه التحولات المنتظرة؛ سواء بالإبقاء على الدعم لفترات أطول مما يجب، أو بترك شركات يمكن أن تكون لها قيمتها في المستقبل لكي تنهار تحت وطأة الظروف الراهنة، لأن الحكومة قررت سحب دعمها لهذه الشركات قبل الوقت المناسب. ولأن هذا الكلام سهل لكن تنفيذه صعب، فإنه يجب الإبقاء على كل الخيارات متاحة، وسحب الدعم الحكومي بطريقة حذرة، حتى تتضح الشركات التي يمكنها البقاء والنمو في المستقبل، والشركات التي لم تعد لديها أي فرص للبقاء.
ويعني هذا في الوقت الحالي زيادة كبيرة في عجز الميزانية، وارتفاعاً في معدل الدين العام. وقد يرى البعض أنه ستكون هناك ضرورة لزيادات كبيرة في الضرائب لتعزيز المالية العامة فيما بعد، وأن وزارة الخزانة البريطانية تخطط لاتخاذ إجراءات صارمة في المستقبل لضبط المالية العامة. ولكن كينغ يرى أن ضرورة اتخاذ مثل هذه الإجراءات المشددة فيما بعد ليست محسومة؛ لأن الأمور ستتوقف تماماً على الظروف في تلك الفترة المقبلة.
وأخيراً يرى كينغ أن هناك عاملين أساسيين سيحددان الموقف بشأن التعامل مع عجز الميزانية ومعدل الدين بعد انتهاء الجائحة: الأول هو معدل عجز الميزانية عند انتهاء جائحة «كورونا»، وعودة الاقتصاد إلى ما يشبه الأوضاع الطبيعية، والثاني هو أسعار الفائدة التي يمكن أن تقترض بها الحكومة. والحقيقة أن الأوضاع بالنسبة لهذين العاملين تغيرت تماماً مقارنة بما كانت عليه الحال أثناء الأزمة المالية السابقة قبل عشر سنوات؛ وهو ما يعني أنه يجب البحث عن سياسات مالية جديدة للتعامل مع أوضاع ما بعد جائحة «كورونا».


مقالات ذات صلة

الصراع في الشرق الأوسط يعيد صياغة النظام الاقتصادي العالمي

الاقتصاد حاويات شحن مكدسة في ميناء لونغ بيتش، لونغ بيتش، كاليفورنيا (إ.ب.أ)

الصراع في الشرق الأوسط يعيد صياغة النظام الاقتصادي العالمي

بينما تتوالى أنباء الصراع من مضيق هرمز، لا يتوقف الضجيج عند حدود أسعار النفط المتقلبة؛ فخلف الستار، يخوض العالم معركة اقتصادية صامتة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)

خام برنت يتجاوز الـ90 دولاراً مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط

ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ يوم الجمعة بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «الاستسلام غير المشروط» لإيران هو السبيل الوحيد لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد يظهر شعار شركة «غولدمان ساكس» في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

«غولدمان ساكس»: النفط عند 100 دولار قد يبطئ النمو العالمي ويزيد التضخم

توقَّع محللو «غولدمان ساكس»، يوم الخميس، أن يؤدي ارتفاع مؤقت في أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل إلى تباطؤ النمو العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت (رويترز)

«المركزي الأوروبي» يقيّم تداعيات الحرب على المصارف: خطر «غير مباشر» يهدد الاستقرار

سلّط أحد كبار مسؤولي الرقابة المصرفية في البنك المركزي الأوروبي بيدرو ماتشادو الضوء على المخاطر التي تواجه بنوك منطقة اليورو في ظل تصاعد الصراع.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد متداول عملات أمام شاشة إلكترونية تعرض مؤشر «كوسبي» في غرفة تداول العملات الأجنبية بمقر بنك هانا في سيول (أ.ف.ب)

الأسهم الآسيوية تنتفض... ارتداد حاد يعوّض خسائر أيام الصراع

شهدت أسواق الأسهم الناشئة في آسيا انتعاشاً قوياً يوم الخميس، بقيادة بورصتي كوريا الجنوبية وتايوان.

«الشرق الأوسط» (سيول)

البيت الأبيض لاتخاذ إجراءات أكثر جرأة بشأن أسعار النفط

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة إكسون خلف العلم الأميركي في نيوجيرسي (رويترز)
أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة إكسون خلف العلم الأميركي في نيوجيرسي (رويترز)
TT

البيت الأبيض لاتخاذ إجراءات أكثر جرأة بشأن أسعار النفط

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة إكسون خلف العلم الأميركي في نيوجيرسي (رويترز)
أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة إكسون خلف العلم الأميركي في نيوجيرسي (رويترز)

طلب البيت الأبيض من الوكالات الاتحادية تكثيف الجهود لمعالجة ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الصراع مع إيران، مما يشير إلى قلق من أن الخطوات المتخذة حتى الآن قد لا تكون كافية. حسبما نقلت وكالة «رويترز» عن مصدرين مطلعين.

وذكر أحد المصدرين، أن مسؤولين من وزارات الطاقة والنقل والمالية ووكالة حماية البيئة طلبوا تقديم المزيد من الخيارات السياسية، مع التركيز على التدابير التي يمكن للرئيس دونالد ترمب تنفيذها دون موافقة الكونغرس.

وتشير هذه الطلبات إلى أن البيت الأبيض يستعد لاحتمال اتخاذ إجراءات أكثر جرأة إذا استمرت أسعار النفط والغاز في الارتفاع. ويقول محللون سياسيون إن ارتفاع أسعار البنزين قد يضر بترمب وحزبه الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني)، عندما تكون السيطرة على الكونغرس على المحك.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض تايلور روجرز في بيان: «من الواضح أن البيت الأبيض ينسق مع الوكالات المعنية بشأن هذه القضية المهمة، ولو لم نفعل ذلك، لكانت هناك مشكلة. وضع الرئيس ترمب وفريقه المعني بالطاقة خطة قوية للحفاظ على استقرار أسعار النفط قبل بدء عملية ملحمة الغضب بوقت طويل، وسيواصلون مراجعة جميع الخيارات الموثوقة وتنفيذها عند الاقتضاء».

الخام الأميركي أعلى من 90 دولاراً

وارتفعت أسعار العقود الآجلة للنفط الخام الأميركي والعالمي إلى فوق 90 دولاراً للبرميل مساء الجمعة، مع ارتفاع الأسعار الأميركية بأكثر من 12 في المائة، في ظل محدودية الإمدادات من الشرق الأوسط بسبب الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز وسط توسع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ونتيجة لذلك، ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة، لتصل إلى مستويات لم تشهدها منذ أواخر عام 2024. وارتفع متوسط سعر البنزين العادي الخالي من الرصاص إلى ما يزيد عن 3.30 دولار للغالون، بينما ارتفع سعر الديزل إلى 4.26 دولار للغالون.

نهج حَذِر

واتخذ البيت الأبيض نهجاً حذراً في التدخل في أسواق الطاقة، خشية أن تؤدي استراتيجية مفرطة في التشدد إلى نتائج عكسية.

ويقول المسؤولون إن أي تدابير واسعة النطاق يجب أن يتم تقييمها بعناية، مشيرين إلى أن الخطوات الصارمة التي تفشل في خفض أسعار البنزين أو النفط الخام قد تزعزع استقرار الأسواق وتقوض الثقة وتؤدي إلى رد فعل سياسي عنيف.

حفارة نفط تعمل قرب محطة توربينية لتوليد الغاز في حقل نفط حوض بيرميان خارج أوديسا بولاية تكساس الأميركية (رويترز)

في غضون ذلك، عبَّر محللون عن شكوكهم بشأن مدى قدرة البيت الأبيض على كبح الأسعار.

وناقش المسؤولون مجموعة واسعة من الخيارات، بما في ذلك إعفاء البنزين من الضرائب الاتحادية وتخفيف اللوائح البيئية المتعلقة ببنزين الصيف، مما سيسمح بخلط كميات أكبر من الإيثانول، حسبما أفادت «رويترز» سابقاً.

العقود الآجلة

وذكرت «رويترز» أن وزارة الخزانة تدرس خطة تنطوي على استخدام سوق العقود الآجلة للنفط، لكن لا توجد خطة فورية للإعلان عن هذه الخطوة.

وأمر ترمب يوم الثلاثاء بأن توفر مؤسسة التمويل الدولية للتنمية الأميركية تأميناً ضد الخسائر الناجمة عن عدم الاستقرار السياسي أو الصراع في التجارة البحرية في الخليج. وجاءت هذه الخطوة بعد توقف عبور ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال في مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لنحو 20 في المائة من إمدادات النفط اليومية في العالم.

استقبلت الأسواق هذه الخطوة ببعض الشك. ويتساءل المحللون عما إذا كانت الضمانات المالية وحدها قادرة على تعويض المخاطر التشغيلية والأمنية الناجمة عن تصاعد التوتر في المنطقة.

وأعلنت الإدارة الأميركية، الخميس، أنها ستوفر إعادة تأمين ضد الخسائر تصل إلى 20 مليار دولار في منطقة الخليج لتعزيز ثقة شركات شحن النفط والغاز خلال الحرب مع إيران.


التضخم في فنزويلا يصل إلى 475 % في 2025

صورة توضح مقدار العملة الفنزويلية اللازمة لشراء كيلوغرام واحد من الطماطم قبل التوقف عن نشر بيانات التضخم (رويترز)
صورة توضح مقدار العملة الفنزويلية اللازمة لشراء كيلوغرام واحد من الطماطم قبل التوقف عن نشر بيانات التضخم (رويترز)
TT

التضخم في فنزويلا يصل إلى 475 % في 2025

صورة توضح مقدار العملة الفنزويلية اللازمة لشراء كيلوغرام واحد من الطماطم قبل التوقف عن نشر بيانات التضخم (رويترز)
صورة توضح مقدار العملة الفنزويلية اللازمة لشراء كيلوغرام واحد من الطماطم قبل التوقف عن نشر بيانات التضخم (رويترز)

كشف البنك المركزي الفنزويلي في إحصائياته المتعلقة بالتضخم، بعد أكثر من عام من الانقطاع، عن ارتفاع كبير في الأسعار التي زادت بنسبة 475 في المائة خلال سنة 2025، وفقاً لبيانات رسمية.

ويمثِّل هذا العودة الأولى لأرقام مؤشر أسعار الاستهلاك منذ شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وهو التاريخ الذي توقَّفت فيه المؤسسة عن النشر المنتظم لمؤشراتها الاقتصادية.

وتظهر البيانات الرسمية أن التضخم السنوي تسارع بقوة خلال العام الماضي، منتقلاً من 48 في المائة في سنة 2024 إلى 475 في المائة في سنة 2025.

وتشير الإحصاءات الشهرية إلى تباطؤ التضخم في بداية العام الجاري 2026، فقد بلغ ارتفاع الأسعار 32.6 في المائة خلال شهر يناير (كانون الثاني)، وهو أعلى مستوى له منذ يناير 2023، قبل أن يتباطأ إلى 14.6 في المائة خلال شهر فبراير (شباط)، وفقاً للبنك المركزي.


الصراع في الشرق الأوسط يعيد صياغة النظام الاقتصادي العالمي

حاويات شحن مكدسة في ميناء لونغ بيتش، لونغ بيتش، كاليفورنيا (إ.ب.أ)
حاويات شحن مكدسة في ميناء لونغ بيتش، لونغ بيتش، كاليفورنيا (إ.ب.أ)
TT

الصراع في الشرق الأوسط يعيد صياغة النظام الاقتصادي العالمي

حاويات شحن مكدسة في ميناء لونغ بيتش، لونغ بيتش، كاليفورنيا (إ.ب.أ)
حاويات شحن مكدسة في ميناء لونغ بيتش، لونغ بيتش، كاليفورنيا (إ.ب.أ)

بينما تتوالى أنباء الصراع من مضيق هرمز، لا يتوقف الضجيج عند حدود أسعار النفط المتقلبة؛ فخلف الستار، يخوض العالم معركة اقتصادية صامتة تضع صنّاع السياسات النقدية أمام أكبر اختبار منذ عقود؛ إذ إن البنوك المركزية الكبرى تجد نفسها اليوم، مرة جديدة، في مواجهة صدمة إمدادات جديدة تفرض عليها خيارات بالغة الصعوبة بين كبح التضخم الجامح وحماية نمو اقتصادي بدأ يترنح.

وهنا يبرز التساؤل الجوهري: هل تنجح البنوك المركزية في احتواء هذه الموجة؟ أم أننا أمام صدمة ستغير قواعد اللعبة الاقتصادية للأبد؟ لم يعد التحدي مجرد تقلبات لحظية في أسعار النفط أو أرقام التضخم؛ بل في كيفية تأقلم الاقتصاد العالمي مع واقعٍ جديد تتفكك فيه سلاسل الإمداد.

بين التضخم والركود

تجد البنوك المركزية الكبرى حول العالم نفسها اليوم، أمام مأزق أكثر تعقيداً مما كانت عليه الحال في الأزمات السابقة؛ إذ يراود صناع القرار شبح «الركود التضخمي»، وهو السيناريو الأكثر رعباً في علم الاقتصاد، حيث تجتمع ضغوط ارتفاع الأسعار الناتجة عن صدمة إمدادات الطاقة، مع ضعف في الطلب الاستهلاكي الناتج عن تآكل القوة الشرائية.

وفي ظل هذا الضغط، تتباين الاستراتيجيات؛ فبينما تحاول بنوك مركزية كبرى الحفاظ على مساراتها المتشددة لمواجهة الضغوط التضخمية، تميل مؤسسات مثل «الاحتياطي الفيدرالي»، إلى تبني نهج حذر يتسم بالانتظار والترقب، متأثرة بمسارها التاريخي في التعامل مع الصدمات الجيوسياسية.

هذا النهج يهدف بشكل أساسي، إلى تفضيل تجاهل الارتفاعات المؤقتة والمفاجئة في تضخم أسعار الطاقة، وذلك لتجنب الإضرار المباشر بسوق العمل التي بدأت تظهر عليها علامات الإنهاك في القطاعات غير الطاقية، خوفاً من أن يؤدي رفع الفائدة في توقيت خاطئ، إلى تعميق التباطؤ الاقتصادي بدلاً من كبح التضخم.

الناس يصطفون في طوابير أمام محطة وقود في إسطنبول (أ.ف.ب)

ولا تتوقف هذه المعضلة عند الإجراءات الفنية؛ بل تمتد لتشمل التوقعات المستقبلية والتحولات في هيكلية القيادة النقدية؛ إذ يراقب المستثمرون والأسواق المالية باهتمام بالغ، التغيرات المرتقبة في هرم القيادة لعدد من البنوك المركزية؛ وعلى رأسها التغييرات المتوقعة في «الاحتياطي الفيدرالي» بحلول مايو (أيار) المقبل.

وهناك رهان متزايد في الأسواق بأن القيادات الجديدة قد لا تلتزم بالضرورة بـ«إرث» التشدد السابق؛ بل قد تميل نحو «تحيز تيسيري» يعتمد على رؤية استراتيجية مفادها أن صدمات الطاقة، وإن كانت قاسية، تظل مؤقتة بطبيعتها. هذه الرؤية قد تدفع البنوك المركزية إلى «النظر عبر» تقلبات الأسعار قصيرة المدى، والتركيز بدلاً من ذلك على استدامة النمو الاقتصادي بوصفه هدفاً أسمى.

هذا التوجه يضع البنوك المركزية في مواجهة مباشرة مع الأسواق التي قد ترفض هذا التراخي؛ ففي الوقت الذي قد تسعى فيه هذه البنوك لخفض أسعار الفائدة لضمان عدم انزلاق الاقتصاد نحو الركود، قد تؤدي هذه الخطوة إلى تأجيج توقعات التضخم لدى المستثمرين، مما يخلق فجوة ثقة بين صانع القرار والأسواق المالية.

وبذلك، تصبح البنوك المركزية مقيدة بحلقة مفرغة: فرفع الفائدة يهدد بزيادة البطالة والركود، وخفضها يهدد بترسيخ التضخم بوصف ذلك حالة هيكلية دائمة، مما يجعل كل قرار نقدي في هذه الفترة يمثل مجازفة كبرى في مسار الاقتصاد العالمي ككل.

شريان الطاقة العالمي

يمثل مضيق هرمز القلب النابض لتدفقات الطاقة العالمية، حيث يمر عبره خُمس الإنتاج اليومي من النفط والغاز المسال. إن شبه التوقف في حركة السفن التجارية عبر هذا المعبر، تسبب في قفزات حادة بأسعار الطاقة العالمية، مما يفرض ضغوطاً تصاعدية على ميزانيات الدول والمستهلكين الأفراد على حد سواء.

وفي حين تحاول أوروبا التعامل مع هذه الضغوط عبر تكثيف الجهود لإعادة ملء المخزونات بتكلفة متزايدة، تظل الاقتصادات الآسيوية هي الأكثر انكشافاً للمخاطر، نظراً لاعتمادها المكثف على واردات الطاقة عبر المضيق.

وإذا استمر هذا الاضطراب لفترة طويلة، فمن المحتمل أن تتحول الضغوط التضخمية من حالة مؤقتة إلى حالة هيكلية مستدامة، مما قد يؤدي إلى تآكل جزء ملموس من نسب النمو الاقتصادي العالمي المتوقعة لهذا العام.

منظر جوي لجزيرة قشم المفصولة عن البر الإيراني الرئيسي بمضيق كلارنس في مضيق هرمز (رويترز)

الضغوط المالية والديون السيادية

لا تقتصر تداعيات النزاع على أسواق السلع، بل تمتد لتلقي بظلالها على المالية العامة للدول؛ ففي الولايات المتحدة، أدى تضافر القرارات القضائية التي أبطلت بعض الرسوم الجمركية، مع تزايد الحاجة للإنفاق الحكومي في بيئة غير مستقرة، إلى تفاقم أزمة العجز المالي. وقد أدى بيع المستثمرين المكثف للسندات الحكومية، مدفوعاً بمخاوف التضخم، إلى رفع عوائد السندات، وهو ما أدى بدوره إلى «تشديد غير مباشر» للظروف المالية، مما رفع تكلفة الاقتراض على الشركات والحكومات، وقلص الحيز المالي المتاح لدعم الانتعاش الاقتصادي.

سلاسل الإمداد والأمن الغذائي

تتجاوز تأثيرات الأزمة قطاع الطاقة، لتصل إلى سلاسل توريد الغذاء العالمية والمواد الخام الحيوية. ويعدّ تعطل الملاحة تهديداً للأمن الغذائي الدولي، نظراً لأن المضيق يمثل ممراً رئيسياً لصادرات اليوريا والأسمدة التي يعتمد عليها نصف الإنتاج الزراعي العالمي. بالإضافة إلى ذلك، تواجه السلع عالية القيمة، مثل الإلكترونيات والرقائق الدقيقة، تأخيرات لوجيستية ناتجة عن تقييد المجالات الجوية واضطرابات الشحن البحري، مما يجبر الشركات العالمية على التخلي عن استراتيجيات «التوريد في الوقت المناسب»، والتوجه نحو استراتيجيات «التوريد الوقائي». وعلى الرغم من أن هذا التحول يمنح الشركات حماية ضد النقص المفاجئ، فإنه يترجم في نهاية المطاف، إلى تكاليف مخزون أعلى وأسعار نهائية مرتفعة للمستهلك.

ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة (رويترز)

التبعات الهيكلية على العولمة

يشهد العالم في هذا العقد، مرحلة مفصلية يمكن وصفها بـ«عقد صدمات الإمداد»، حيث أثبتت الحرب الحالية هشاشة الترابط المفرط للأسواق العالمية. ومع استمرار هذه الاضطرابات، ستجد الحكومات والشركات نفسها مضطرة لإعادة توطين الصناعات الحيوية، وتقليل الاعتماد على المسارات اللوجيستية التي تعبرها مناطق النزاع، وذلك حتى لو جاء هذا التوجه على حساب الكفاءة الاقتصادية القصوى. وسيظل المدى الزمني لهذا النزاع هو المتغير الحاسم في هذه المعادلة، فبينما تحاول الأسواق استيعاب الصدمات اللحظية، يظل الخوف الحقيقي في تحول هذه الاضطرابات إلى واقع هيكلي، يفرض قيوداً جديدة على مسارات النمو العالمي.