عون يستنزف عهده بـ«حكومات تصريف الأعمال»

على رغم تفاقم أزمة الحكم في لبنان

عون يستنزف عهده بـ«حكومات تصريف الأعمال»
TT

عون يستنزف عهده بـ«حكومات تصريف الأعمال»

عون يستنزف عهده بـ«حكومات تصريف الأعمال»

دخل عهد الرئيس اللبناني ميشال عون ثلثه الأخير، من دون تحقيق الوعود التي أغدقها على اللبنانيين في خطاب القسم، فلم يقرن أقواله بأفعال يفترض إسقاطها على حامل صفة «العهد القوي»، و«الرئيس الأكثر تمثيلاً»، مقارنة مع الرؤساء الذين تعاقبوا على رأس الدولة... أقله منذ «اتفاق الطائف» في العام 1989 حتى الآن.
لا خلاف على أن الكوارث التي يعيشها اللبنانيون، بدءاً من الانهيار الاقتصادي والمالي، ثم الأزمة الصحية التي عمقتها جائحة «كوفيد 19»، مروراً بالغلاء الفاحش وغير المسبوق، وصولاً إلى ظهور مؤشرات المجاعة التي تقض مضاجع الناس، لا يتحمل عون وحده مسؤوليتها، فثمة اعتراف بأن النكبات المتلاحقة هي نتاج تراكمات من الإخفاق في إدارة السلطة منذ سنوات. لكن الثابت الذي لا ينكره أحد، أن «الرئيس القوي» لم يبادر يوماً إلى اتخاذ قرار حاسم بوضع حد للانهيارات المتلاحقة، بل إن عهد عون على ما يؤكد معارضوه «ظل أسير تحالفه مع ميليشيات مسلحة (حزب الله)، ورهين خيارات صهره جبران باسيل، وطموحاته الرئاسية التي كان سبباً مباشراً في دفع البلد إلى الهاوية».
انتعشت الآمال بانتقال لبنان من حال الركود إلى مرحلة النهوض، بعد عامين ونيف من الفراغ في رئاسة الجمهورية، الذي كرسه «حزب الله» على قاعدة «إما ميشال عون وإما الفراغ»، وكان ثمة مَن يعتقد بأن التسوية القائمة على توازنات دقيقة، ستحقق إنجازات مهمة تحت سقف التفاهم الضمني ببقاء سعد الحريري رئيساً للحكومة طيلة عهد برئاسة قائد الجيش الأسبق.
وحقاً، كانت الآمال كبيرة عندما أبرم عون ما يُعرف بـ«التسوية الرئاسية» مع رئيس تيار «المستقبل» الرئيس المكلف سعد الحريري في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2016. كما «اتفاق معراب» بين «التيار الوطني الحر» (برئاسة عون) وحزب «القوات اللبنانية» بقيادة سمير جعجع، والتي جاءت في لحظة تقاطعات إقليمية ودولية، وفي ظل انشغال أميركي بالانتخابات الرئاسية.
غير أن الممارسة داخل الحكومة وفي المؤسسات، وبفعل استمرار «حزب الله» في لعب أدوار سياسية وأمنية، أمعنت في ضرب علاقات لبنان مع الدول العربية، وخصوصاً دول الخليج العربي، وقوضت التسوية وضربت التوازنات الدقيقة، وجعلت من جبران باسيل – صهر الرئيس وخلفه في رئاسة «تياره» - الحاكم شبه المطلق وصاحب اليد الطولى في مجلس الوزراء. وهو في هذا إنما كان يستمد سطوته من نفوذ «حميه» الرئيس وحليفه الأقوى في لبنان... أي «حزب الله». وهكذا غرق «العهد القوي» وأغرق لبنان بفراغ السلطة التنفيذية، وترك إدارة البلاد لحكومات تصريف الأعمال.
- دور جبران باسيل
ثمة من يجد في أداء الرئيس عون وفريقه السياسي، أسباباً موجبة لبلوغ البلاد هذا الدرك من الانهيار، ويحمله مسؤولية كبرى، وإن لم يكن المسؤول الوحيد عما آلت إليه الأمور. ويلفت نائب رئيس تيار «المستقبل» النائب السابق الدكتور مصطفى علوش، إلى أن عون «وصل إلى السلطة بعناوين وشعارات كبيرة وفضفاضة، لكن سرعان ما برهن أن هاجسه تمكين صهره جبران باسيل من الإمساك بالسلطة، وغياب السلطة الفعلية للدولة لحساب سلطة سلاح (حزب الله)». ويرى علوش في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «الانهيار الذي يعيشه لبنان اليوم نتيجة موضوعية للإخفاق التراكمي الممتد لسنوات طويلة، لكن عهد عون سرع انزلاق البلد إلى الكارثة». وتابع علوش أنه «لو كان الرئيس عون جاداً بوقف الانهيار، لانصرف إلى إصلاح ملف الكهرباء الذي تسلمه صهره جبران باسيل وتياره منذ 11 سنة، ولكان وفر على البلد 25 مليار دولار»، معتبراً أن «الفراغ الحكومي المتمادي في عهد عون هو ترجمة حقيقية أن الرئيس يقدم مصالح فريقه ومصالح صهره على مصلحة لبنان واللبنانيين».
الحقيقة أن الخلافات التي انفجرت بين أطراف التسوية بعد أشهر قليلة على إبرامها، شكلت صدمة لدى اللبنانيين، الذين أدركوا أن هذه القوى تتفق على تقاسم السلطة، وتتصارع على المكاسب والمغانم، فيما عزا بعض أطراف التسوية أسباب انهيارها السريع إلى «توسع هيمنة باسيل داخل السلطة التنفيذية؛ حيث باتت قرارات السلطة التنفيذية رهن إرادة صهر الرئيس وولي عهده». وغالباً ما تحدث هؤلاء عن «سطوة باسيل المطلقة على قرارات الحكومة، في التعيينات الإدارية والقضائية والأمنية والدبلوماسية، وانقلابه على روحية تفاهم معراب، المتضمن اتفاقاً على تقاسم الحصص الوزارية المسيحية مناصفة بين طرفيه؛ التيار الوطني الحر، والقوات اللبنانية، وتعيينات الفئة الأولى». وهم يعتبرون أن «أداء صهر الرئيس يتماهى إلى أقصى الحدود مع سياسة (حزب الله)، ويكفي أن أداءه وزيراً للخارجية، وضع لبنان في قطيعة مع العالم العربي، كما أن مواقفه في اجتماعات وزراء خارجية الدول العربية، جعلت لبنان خارج الإجماع العربي».
من جانبه، لا يرى النائب السابق الدكتور فارس سُعيد، منسق «الأمانة العامة لقوى 14 آذار»، أن «المشكلة ليست في النظام اللبناني، بل في العقلية التي تدير هذا النظام». وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعضلة الحقيقية التي تشل البلاد وتقوض سلطة القانون، وتجعل الدولة بتصرف حكومات تصريف الأعمال، تكمن في سلاح (حزب الله) الذي ينشئ دولة تتوافق مع مصلحة إيران وليس مع مصلحة لبنان واللبنانيين». هذا، وكرس التحالف المستمر بين عون و«حزب الله» مصلحة الفريقين منذ 6 فبراير (شباط) 2006، عندما وقع عون وأمين عام «حزب الله» حسن نصر الله، ورقة التفاهم بينهما داخل كنيسة مار مخايل في ضاحية بيروت الجنوبية. ويشير سُعيد إلى أن عون «حقق عبر هذا التحالف طموحه التاريخي بالوصول إلى قصر بعبدا (رئاسة الجمهورية)، وظن أنه سيكون على مسافة واحدة من الجميع، وأعتقد أن علاقته بـ(حزب الله) ستمكنه من رسم الحدود بين الدولة التي ترعى مصلحة اللبنانيين وبين (حزب الله). لكن بدل أن يرسم عون هذه الحدود بين الدولة والميليشيات، أزال ما تبقى من حدود بينهما، ولذلك بدأ العالم ينظر إلى لبنان على أنه يعيش في كنف الجمهورية الإيرانية». وأردف أنه «لا حدود اليوم بين مصلحة اللبنانيين ومصلحة الحزب».
- «حزب الله»... الحاكم الآمر الناهي
كذلك ذكّر الدكتور سُعيد بأنه «عندما تساكن لبنان مع سلاح (أبو عمار)، (منظمة التحرير الفلسطينية)، رسم لبنان تلك الحدود عبر (اتفاق القاهرة)، كما أن رفيق الحريري (رئيس الحكومة الراحل) رسم الحدود لاحقاً بين اقتصاد لبنان ومشروعات الإعمار، وبين نفوذ الوصاية السورية. لكن بعد اغتياله وخروج الجيش السوري، بات لبنان في كنف النفوذ الإيراني ولم تعد هناك أي حدود بينهما، لأن (حزب الله) أضحى الحاكم الفعلي والآمر الناهي في البلد».
والصحيح أن الفراغ الحكومي ليس وليد إرادة عون، بل نتيجة شراكة فعلية مع «حزب الله» الذي يفرض خياراته على كل الأطراف بفعل وهج سلاحه المتحكم بالتوازنات الداخلية. وهنا يقرّ الدكتور مصطفى علوش بأن «سلاح (حزب الله) موجود قبل وصول عون إلى السلطة، لكن رئيس الجمهورية أوهم اللبنانيين أنه قادر على الحد من هيمنة السلاح على الدولة. أما في الممارسة فهو من أمّن الغطاء السياسي لهذا السلاح، ولذلك نجد في الفراغ الحكومي تقاطع مصالح بين قيادة (حزب الله) والرئيس القوي». ويعبر علوش عن أسفه لأن «عهد الرئيس عون ساهم في ضرب العلاقة مع الدول العربية، التي تبقى أهم من أميركا وأوروبا، وهذه الدول هي التي مكنت الاقتصاد اللبناني من الصمود». ويكشف أن «ثلث الناتج القومي يأتي عبر تحويلات من الخارج، وأكثرية هذه التحويلات كانت تأتي من دول الخليج العربي». أيضاً يشير علوش إلى أن «الرئيس عون ليس السبب الوحيد للوصول بلبنان إلى الحالة المأساوية، إلا أن عهده كان عهد الفشل الذريع على مستوى ممارسة السلطة، والتواطؤ المريع مع سلاح (حزب الله)... ولقد حاولت البحث عن إنجاز واحد في عهد عون، لكني لم أجد إلا الويلات التي عاشها اللبنانيون؛ خصوصاً في السنتين الأخيرتين».
من ناحية أخرى، لا يقتصر الفراغ الحكومي وإطالة عمر حكومات تصريف الأعمال على عهد عون، إذ حصل ذلك في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان... غير أن إطالة أمد الفراغ كان سببه عون شخصياً، ولا سيما إمعانه في اقتناص حصة وزارية وازنة داخل الحكومة، واشتراطه أن يكون صهره جبران باسيل أبرز وزراء «التيار الوطني الحر» في الحكومة. وهنا يلفت فارس سُعيد إلى أن «فرض عون شروطه على السلطة التنفيذية لم يأتِ من نفوذ الرئيس القوي وتياره فحسب، بل ثمرة الدعم المطلق من (حزب الله)». ويرى أنه «عند كل استحقاق دستوري، سواء بتأليف الحكومة أو بانتخابات برلمانية أو رئاسية، كان (حزب الله) يستغل هذه الاستحقاقات لترتيب أوراق إيران». ويؤكد سُعيد أن «تعقيدات تشكيل الحكومة العتيدة في لبنان، ستبقى رهن المرحلة الفاصلة عن تسلم جو بايدن مقاليد السلطة في الولايات المتحدة الأميركية... ولو فاز دونالد ترمب بالانتخابات الرئاسية، لكانت الحكومة اللبنانية تشكلت بسرعة، لأن إيران كانت مضطرة إلى تقديم تنازلات، لكن بعد فوز بايدن، لا تبدو طهران مستعجلة لأن الإدارة الأميركية الجديدة غير مستعجلة للتفاوض معها وحل أزماتها».
- الشق الدستوري
في سياق متصل، كلما أظهرت القيادات اللبنانية عجزها عن احترام الاستحقاقات الدستورية، تعود بعض الأطراف السياسية والحزبية إلى المطالبة بتعديلات دستورية تعالج الثغرات التي تضع حداً للفراغ الرئاسي أو الحكومي أو تأجيل الانتخابات البرلمانية. ولا ينكر الخبير الدستوري المحامي سعيد مالك في تصريح لـ«الشرق الأوسط» وجود «ثغرات في الدستور يجب معالجتها في المستقبل»، لكنه يشدد على أن «المشكل الأساس يكمن في رجال السلطة الذين يسيئون تطبيق الدستور. فالمشترع عندما وضع بنود الدستور لم يتوقع أن هناك طبقة سياسية ستستفيد من الثغرات لتعطيل الاستحقاقات... وما حصل أن القادة السياسيين استفادوا من بعض الثغرات لمآرب شخصية ضيقة».
كذلك مع دخول أعراف جديدة على آلية تشكيل الحكومات في لبنان، وإجراء رئيس الجمهورية «استشارات جانبية» تسبق الاستشارات النيابة الملزمة لتكليف رئيس الحكومة، قال مالك: «لم يكن المشترع يتوقع أن تتأخر الاستشارات النيابية الملزمة لتشكيل الحكومة، ولم يتخيل أن تستغرق مفاوضات تأليف الحكومة أشهراً طويلة». وجزم بأن «ممارسات الطاقم الحاكم هي التي قوضت عهد الرئيس ميشال عون»، متابعاً القول: «لا سبيل للخروج من المأزق الذي يعانيه لبنان إلا بانتخابات نيابية مبكرة لإعادة تكوين السلطة وتشكيل حكومة منتجة وقادرة». وعن إمكانية الدخول في فراغ رئاسي جديد بعد انتهاء ولاية عون، يطمئن مالك على أنه «لا خوف على الانتخابات الرئاسية التي ستسبقها انتخابات برلمانية في ربيع العام 2020. لأن مجلس النواب المنتخب هو مَن ينتخب رئيساً للبلاد».
مع هذا، يتخوف اللبنانيون من التمديد للمجلس النيابي الحالي، الذي يمتلك فيه «حزب الله» أكثرية نيابية، ما يجعل الحزب وحليفه «التيار الوطني الحر» متحكمين بالانتخابات الرئاسية، وهنا يحذر مالك من «الذهاب إلى هذا السيناريو، وإلا يسمح للبرلمان الحالي بانتخاب رئيس للجمهورية خلفاً للرئيس عون»، معتبراً أن مثل هذا الخيار سيشعل الشارع مجدداً، ويدفع إلى ثورة جديدة وعصيان في الشارع.
- حكومات تصريف الأعمال والعمر المديد
> عاشت حكومات تصريف الأعمال أعماراً مديدة، وفي مراحل عدة عمرت أكثر من الحكومة الشرعية، ويبدو أن الفراغ الحكومي كان أكثر استدامة في عهد الرئيس ميشال عون، إذ استغرق تشكيل الحكومة الأولى لعهده 50 يوماً، رغم أنها أعقبت التسوية الرئاسية، وكانت معظم القوى السياسية متفاهمة ومنسجمة ومتفقة مسبقاً على حصصها داخل السلطة التنفيذية.
الخلافات المستحكمة طفت على السطح مع مخاض تأليف حكومة العهد الثانية، التي شكلها سعد الحريري، واستغرق مخاض مشاوراتها واتصالاتها 9 أشهر. وما أن سمت الأكثرية النيابية رئيس تيار «المستقبل» بتشكيل الحكومة غداة الانتخابات النيابية التي حصلت يوم 6 مايو (أيار) 2018 - وكان الحريري حينها رئيساً لحكومة تصريف الأعمال أيضاً - لم يتمكن الأخير من تشكيل حكومته قبل 31 يناير (كانون الثاني) 2019. وما زاد من تعقيدات ولادتها، الصراع على الحصص داخلها؛ خصوصاً إصرار «التيار الوطني الحر» برئاسة جبران باسيل على امتلاك الثلث المعطل فيها، وإمعان «حزب الله» وحركة «أمل» بالاتفاق مع عون وباسيل، على الاستئثار بأكثرية الثلثين داخل الحكومة، وذلك ترجمة لنتائج الانتخابات النيابية التي أعطت الأكثرية لـ«حزب الله» وحلفائه.
وفي ترجمة واقعية لإمساك عون وفريقه بقرارات الحكومة، تمكن باسيل من انتزاع تواقيع وزرائه العشرة على كتب الاستقالة من الحكومة، لاستخدام هذه الاستقالة عند الاقتضاء، والإطاحة بالحكومة. غير أنه بعد يومين فقط من خطاب باسيل الذي هدد فيه بـ«قلب الطاولة على رأس الجميع، وتفجير (تسونامي) كفيل بجرف الخصوم»، باغته الانتفاضة الشعبية التي انطلقت في 17 أكتوبر 2019. وأطاحت بالجميع وأسقطت تلك الحكومة في الشارع.
ومع إخفاق أحزاب السلطة وأصحاب الأكثرية النيابية في إقناع الحريري بالعودة إلى ترؤس حكومة «تكنو سياسية»، تتعارض مع مطالب الحراك الشعبي الداعي إلى تشكيل حكومة من خارج المنظومة الحاكمة، ذهبت هذه الأكثرية إلى تسمية حسان دياب الذي شكل حكومة اللون الواحد بعد 35 يوماً، والتي واجهتها الدول العربية والغربية بمقاطعة واضحة. إلا أن هذه الحكومة سرعان ما انفرط عقدها على إثر انفجار مرفأ بيروت، واستقالة وزرائها الواحد تلو الآخر، قبل أن يستقيل رئيسها حسان دياب في 12 أغسطس (آب)، أي بعد أسبوع واحد على الانفجار. وهي لا تزال تمارس تصريف الأعمال، رغم مرور 40 يوماً على تكليف الحريري، الذي أعقب اعتذار الرئيس المكلف مصطفى أديب، الذي آثر إعفاء نفسه من مناكفات أحزاب السلطة، بعد شهر من تكليفه، وسارع إلى الاعتذار عن تشكيل حكومة تخالف مضمون المبادرة الفرنسية.
- بصمات عون في الفراغ الحكومي سبقت عهده
> لم يكن عهد الرئيس ميشال عون وحده الشاهد على الفراغ الحكومي، بل بدأت هذه الظاهرة مع العهود التي سبقته، ومنها عهد الرئيس إميل لحود وعهد الرئيس ميشال سليمان، غير أن هذا الفراغ ليس بعيداً عن تأثير عون على مسارات تشكيل الحكومات آنذاك.
ولا ينسى اللبنانيون أن المناكفات بدأت مع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى التي جاءت بعد انتخابات العام 2005، عندما حازت فيها قوى «14 آذار» على الأكثرية النيابية. وكانت تلك الحكومة الأخيرة في عهد الرئيس الأسبق إميل لحود، واستغرق تشكيلها شهرين، بعد جهود كبيرة بذلها السنيورة مع عون للانخراط في هذه الحكومة، لكن الأخير اشترط الحصول على غالبية الوزراء المسيحيين أو البقاء في ضفة المعارضة. أما حكومة السنيورة الثانية، والتي كانت وليدة «اتفاق الدوحة» الذي فرض جراء اجتياح «حزب الله» للعاصمة بيروت بقوة السلاح، فقد استغرقت 55 يوماً، والسبب في التأخير ناجم عن الضغوط التي مارسها عون كرئيس لـ«التيار الوطني الحر»، من أجل توزير صهره جبران باسيل، والحصول على الحقائب الأساسية في التركيبة الوزارية.
وبعد انتخابات العام 2009، التي جددت الثقة بقوى «14 آذار»، ومنحتها الغالبية النيابية مجدداً، سُمي سعد الحريري رئيساً للحكومة للمرة الأولى. ولكن بعد شهرين من المشاورات رفضت قوى «8 آذار» - التي كانت تشكل المعارضة ومعها تيار عون - الصيغة الحكومية التي قدمها الحريري، فأعلن الأخير في سبتمبر (أيلول)، أي بعد 3 أشهر على التكليف، اعتذاره عن عدم تشكيل الحكومة. وغداة هذا الاعتذار، جددت الأكثرية النيابية تسميته لرئاسة الحكومة مرة جديدة، وحينها استطاع الحريري تشكيل حكومته الأولى في نوفمبر (تشرين الثاني) 2009. ومن الأسباب التي أخرت تأليف الحكومة حينها، رفض فريق «14 آذار» توزير باسيل الذي خسر معركة انتخابه نائباً عن منطقة البترون (شمال لبنان)، لكن عون أسقط تلك المعادلة، وأطلق شعاره الشهير «كرمى لعيون صهر الجنرال، ما تتشكل حكومة». ولم تعمر حكومة الحريري الأولى أكثر من سنة، إذ أسقطها تحالف «حزب الله» وحركة «أمل» والتيار الوطني الحر، باستقالة وزرائهم من داخل منزل عون، ما أدى إلى فقدان الحكومة النصاب الدستوري.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.