عمرو موسى: دول غربية خانت التفويض العربي لمجلس الأمن بحماية المدنيين الليبيين

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (الأخيرة)

عمرو موسى متوسطاً القذافي وشلقم
عمرو موسى متوسطاً القذافي وشلقم
TT

عمرو موسى: دول غربية خانت التفويض العربي لمجلس الأمن بحماية المدنيين الليبيين

عمرو موسى متوسطاً القذافي وشلقم
عمرو موسى متوسطاً القذافي وشلقم

في هذه الحلقة السابعة والأخيرة من كتاب الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى «سنوات الجامعة العربية»، الذي سيصدر قريباً عن «دار الشروق»، نستكمل رواية موسى عن أحداث الثورة الليبية التي اندلعت في فبراير (شباط) 2011، والتي خصص لها فصلين على مساحة 50 صفحة. وتركز هذه الحلقة على ما جاء في الفصل الثاني، الذي أورده تحت عنوان: «الخروج على التفويض العربي بحماية المدنيين الليبيين»، والذي يكشف فيه كيف تعرض العرب للخديعة من عدد من الدول الغربية فيما يخص هذا الموضوع. وأوضح أنه قال لكل الأطراف في باريس إن «قرار مجلس الأمن هدفه حماية المدنيين الليبيين لا غزو أو احتلال ليبيا»، وأنه هاجم هجوم التحالف على أهداف ليبية و«قلت إنه بدلاً من حماية المدنيين يوقع ضحايا».
أخذ التخوف من استغلال بعض القوى فرض الحظر الجوي على ليبيا، بهدف حماية المدنيين من عنف القذافي لضرب ليبيا، قسطاً كبيراً من المناقشات خلال اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب الطارئ في 12 مارس (آذار) 2011. ومن يراجع نص الفقرة رقم (1) بعد الديباجة في القرار الصادر عن ذلك الاجتماع سيجدها تنص على:
الطلب من مجلس الأمن تحمل مسؤولياته إزاء تدهور الأوضاع في ليبيا، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بفرض منطقة حظر جوي على حركة الطيران العسكري الليبي فورياً، وإقامة مناطق آمنة في الأماكن المتعرضة للقصف، كإجراءات وقائية تسمح بتوفير الحماية لأبناء الشعب الليبي والمقيمين في ليبيا من مختلف الجنسيات، مع مراعاة السيادة والسلامة الإقليمية لدول الجوار.
أدعو للتوقف في هذا النص أمام عبارة «كإجراءات وقائية»، التي اقترحها الدكتور نبيل العربي، وزير خارجية مصر، خلال المناقشات، وكانت دوافعه في ذلك ما قاله في المناقشات المرتبطة بصياغة القرار كما يلي:
بالنظر إلى القرار المعروض أمامنا الآن، نجد أن فلسفته تقضي إيجاد نوع من التوازن، وأنا أعتقد لكي يحدث هذا التوازن أن نضيف في الفقرة الأولى بعد عبارة (فرض منطقة حظر جوي) عبارة (كإجراء وقائي)، نحن لا نطالب بضرب منشآت حكومية أو قواعد مدافع أو أي شيء من هذا القبيل، لكننا نقول (كإجراء وقائي). أنا أعتقد أن هذا يحدث التوازن للقرار، ويتفق مع الهدف الذي نرمي إليه جميعاً، وهو ليس استخدام القوة ضد ليبيا، ولكن التحقق من أن الطيران الليبي لن يتمكن من ضرب الشعب والاستمرار في سفك الدماء، فأنا لا أعتقد أن هناك من سيتضايق من عبارة (كإجراء وقائي)، لأنها ستضبط الاتزان للقرار.
السبب الحقيقي الذي يجعل مصر - وإنني أتكلم بكل صراحة - تقول هذا الكلام، أن الصحف الأجنبية ووسائل الإعلام تتكلم حالياً عن دراسات تتم - أياً كان المكان الذي تتم فيه - على ضربات محددة على مواقع محددة، نحن جميعاً دول عربية ولا يصح أن نقوم بشيء يشتم منه أننا نريد ضربات، ولكن نحن نريد أن نخيف القذافي بحيث يتوقف، هذا ما نأمله، وآخر شيء يقال إننا طالبنا به هو ضرب مواقع في ليبيا، نحن لا نطالب بذلك، لا أظن أن أي دولة عربية هنا تطالب بضرب مواقع في ليبيا أو أن يصدر عنا قرار بضرب مواقع في ليبيا، نحن لا نطالب بضرب ليبيا، وبالتالي أرى النص على عبارة «كإجراء وقائي».
لم تعترض أي دولة عربية على تضمين عبارة «كإجراء وقائي» للقرار، ومن جانبي أيدت بقوة هذا المقترح، قلت إن «النص على تلك العبارة من شأنه ضبط الصياغة وإقامة الحد القانوني وطمأنة الرأي العام؛ فنحن لا نتعامل الآن ليس فقط مع مجلس الأمن أو مع السلطات الليبية، وإنما أيضاً مع الرأي العام، فيجب أن تكون الأمور واضحة».
هذا المفهوم العربي لحظر الطيران على ليبيا هو ما شرحناه لمجلس الأمن وللقوى الغربية، فأكدوا تفهمهم لذلك، لكن الحقيقة أننا خدعنا، وفور صدور القرار ضربوا مواقع في ليبيا وسقط ضحايا مدنيون جراء ذلك، واستهدفوا أنظمة الدفاع الجوي لديها، وهو ما استفز روسيا أيضاً؛ لأن أنظمة الدفاع الجوي كانت روسية. كان الروس بشكل عام لديهم اعتراضات كبيرة على ضرب أهداف أرضية في ليبيا.
اتضح فيما بعد أن الجانب الأميركي كانت لديه قائمة من الأهداف الليبية أصر على ضربها، واعتبر أن الحظر الجوي خطوة رمزية، وأنه يجب توفير دعم الأمم المتحدة لعمل عسكري أكثر قوة إذا لزم الأمر، وفي هذا السياق تقول هيلاري كلينتون في مذكراتها:
قرر الرئيس (أوباما) السير فى عملية التدخل (في ليبيا) ووضع خطط عسكرية وتوفير صدور قرار من مجلس الأمن الدولي، ولكن بشرطين أساسيين: أولاً، بما أن البنتاغون أكد لنا أن منطقة الحظر الجوي فى حد ذاتها ليست أكثر من خطوة رمزية، يجب توفير دعم الأمم المتحدة لعمل عسكري أكثر قوة إذا لزم الأمر: سلطة استخدام «كل التدابير الممكنة» من أجل حماية المدنيين.
والواقع أن الأجواء كانت تواترت من أكثر من مصدر دبلوماسي وسياسي وإعلامي أن بعض الدول العربية سوف تنضم إلى أي جهد عسكري غربي (أوروبي بالذات في تلك المرحلة) لتأكيد الحظر الجوي الذي أمر به مجلس الأمن.
وفي هذا حضرت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأميركية للقائي، وقالت في مذكراتها: «طرت صباح 15 مارس من باريس إلى القاهرة كي أقابل عمرو موسى، والتشديد على أهمية دور الجامعة العربية في دعم التدخل العسكري والمشاركة فيه» باعتبار أن ذلك يقع في مصلحة ليبيا وليس مصلحة الغرب.
من جانبي، شرحت في لقائي مع هيلاري المفهوم العربي لفرض حظر جوي على ليبيا، الذي لا يتم بمقتضاه التعرض لأهداف أرضية أياً كان نوعها عسكرية أو مدنية، بالمعنى الذي طرح في الاجتماع الوزاري العربي، وبمقتضى عبارة «كإجراء وقائي». وأشرت إلى أن الإمارات وقطر أعلنتا مشاركتهما في فرض الحظر الجوي، لم يكن ذلك سراً، صحفهما نشرت هذا الكلام. كان المهم أن الجامعة العربية لم يصدر عنها أي قرار يسمح بالمشاركة.
وفي اجتماعاتي التشاورية مع خبراء الأمانة العامة المتابعين بدقة لتطورات الموضوع وبعض المستشارين القانونيين والسياسيين، كان الرأي عدم معارضة هذه الخطوة العربية الجزئية بالمشاركة في فرض الحظر الجوي على ليبيا علانية لأسباب تبلورت في:
1- أنها قرارات سيادية من دولتين أو ثلاث.
2- هذه الخطوة لا يساندها قرار من الجامعة العربية.
3- إن هذه الدول التي اتخذت هذه الخطوة تعمل في إطار مجلس الأمن وقراره.
4- أنهم على الأغلب سوف يرفضون المشاركة في قذف أي أهداف ليبية احتراماً لقرارات الجامعة العربية، وربما يكون لهذا تأثيره على مسلك الآخرين.
5- ضرورة الابتعاد بالكامل عن العمل العسكري الأوروبي بصرف النظر عن أنه يتعلق في ظاهره بتنفيذ قرار مجلس الأمن، لخطورة إمكانية انحرافه عن الأهداف المباشرة في حماية المدنيين، وأن يبادر الأمين العام باتخاذ موقف صريح إزاء مثل هذا الانحراف.
- قرار مجلس الأمن رقم 1973
أعود فأقول إنه في مواجهة هذه الأحداث واستجابة للتهديدات المتواصلة ضد المدنيين التي ارتكبها القذافي، انعقد مجلس الأمن لمناقشة مشروع قرار تقدمت به بريطانيا وفرنسا ولبنان (العضو العربي في مجلس الأمن) والولايات المتحدة يقضي بفرض منطقة حظر جوي على الأراضي الليبية لحماية المدنيين. عقدت أول جلسه لمناقشته يوم 15 مارس، ثم جلسة أخرى في اليوم التالي، لكن بسبب حدوث انقسامٍ في المجلس بشأن مشروع القرار فقد انفضت كلتا الجلستين دون التوصل إلى شيء.
في النهاية أكد مجلس الأمن في قراره 1973 مسؤولية السلطات الليبية عن حماية الشعب الليبي وأدان الانتهاك الجسيم والمنتظم لحقوق الإنسان. وأذن المجلس للدول اﻷﻋﻀﺎء ﺑﺎﺗﺨﺎذ «ﺟﻤﻴﻊ التداﺑﻴﺮ اﻟﻼزمة» ﻟﺤﻤﺎﻳﺔ اﻟﻤدنيين والمناطق الآهلة ﺑﺎﻟﺴكان المدنيين المعرضين لخطر الهجمات في ليبيا بما فيها بنغازي، مع استبعاد أي قوة احتلال أجنبية أياً كان شكلها وعلى أي جزء من الأراضي الليبية.
كانت عبارة «اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية المدنيين» رغم أنها ذات مظهر سليم وصياغة معتادة فإنها مثلت فخاً كبيراً استغله عدد من الدول ذات المصالح فى ليبيا و(أو) لحسابات تريد تصفيتها مع النظام الليبي، ولأسباب تتصل بعلاقاتها بليبيا وبالنظام الليبي خارج إطار الجامعة.
توقفت كثيراً أمام تلك العبارة اللغم، التي تنص على «اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية المدنيين» في أثناء متابعتي لمجريات الأمور في مجلس الأمن، وعبر اتصالاتي المستمرة مع المندوب الدائم لليبيا لدى الأمم المتحدة عبد الرحمن شلقم. وهنا سأعرض ما ذكره شلقم في كتابه الذي يحمل عنوان «نهاية القذافي... ثورة 17 فبراير يوميات وأسرار وشهادات»، إذ قال بالنص ما يلي:
«كان هناك شخصان أحدهما حاضر وفاعل معنا هنا في نيويورك، هو السفير نواف سلام مندوب لبنان، وعضو مجلس الأمن، والممثل العربي بالمجلس، كان شبه مقيم معنا في مقر البعثة الليبية، نناقش كل فقرة في مشروع القرار 1973 بمشاركة السفير إبراهيم الدباشي، بل كنا نناقش كل كلمة تقريباً.
الشخص الغائب الحاضر هو السيد عمرو موسى، الأمين العام لجامعة الدول الدول العربية، الذي كان نصيراً عنيداً لثورة الشعب الليبي منذ انطلاقها، نراجع معه كل فقرات مشروع القرار، لقد وقفنا طويلاً عند الفقرة رقم 4 التي أصررنا عليها أنا والسيد إبراهيم الدباشي، ووافقنا عليها مندوب لبنان السفير نواف سلام، واستطعنا أن نقنع بها سوزان رايس المندوبة الأميركية.
تقول الفقرة الرابعة في مشروع القرار: يأذن للدول الأعضاء التي أخطرت الأمين العام، وهي تتصرف على الصعيد الوطني أو عن طريق منظمات أو ترتيبات إقليمية، وبالتعاون مع الأمين العام، باتخاذ جميع التدابير اللازمة، رغم أحكام الفقرة 9 من القرار 1970 لسنة 2011 لحماية المدنيين والمناطق الآهلة بالسكان المعرضين لخطر الهجمات في الجماهيرية العربية الليبية، بما فيها بنغازي، مع استبعاد أي قوة احتلال أجنبية أياً كان شكلها، وعلى أي جزء من الأراضي الليبية.
لقد أخذت هذه الفقرة الرابعة نقاشاً طويلاً مع عمرو موسى، الذي كان يعارض في البداية وبشدة عبارة - اتخاذ جميع التدابير - متعللاً بأنها تفتح الباب للتدخل الأجنبي، وقف طويلاً عند كلمة (جميع) التي تسبق كلمة (التدابير)، كنت أنا والدباشي نرى هاتين الكلمتين (جميع التدابير) هما طريق الإنقاذ والنجاة للشعب الليبي.
كنا ندرك أننا نسابق الوقت، بل نصارعه، لم تعد نوايا القذافي بالتوجه نحو بنغازي وتدميرها هواجس، أصبحت علنية، يتحدث بها القذافي وابنه سيف... بعد نقاش عصبي تعالت فيه أصواتنا عبر الهاتف، تم الاتفاق مع عمرو موسى على أن نضيف فقرة (مع استبعاد أي قوة احتلال أجنبية أياً كان شكلها، وعلى أي جزء من الأراضي الليبية).
هذه الفقرة الأخيرة هدأت من روع أمين عام الجامعة العربية، وكذلك مندوب روسيا، من طرفنا أصررنا على ذكر بنغازي تحديداً بالاسم؛ لأن تحرك القذافي نحو بنغازي كان معلناً».
كنا فى الجامعة العربية ننشد حماية المدنيين ونعمل على تحقيق ذلك بواسطة الأمم المتحدة، وقرار من مجلس الأمن يقر إقامة منطقة حظر جوي، وهو ما اقترحه رسمياً عدد من الدول العربية ومنها دول خليجية، نمنع الطيران الليبي من قذف المدن الليبية والمدنيين، وهو ما كنت أراه أمراً مشروعاً وضرورياً، بينما كانت الدول الكبرى المحركة للقرار تهتم بالحصول على تصريح باتخاذ «جميع التدابير اللازمة» لذلك، لتعطيها التفسير الذى تراه وحتى تتمكن استخدامها بالشكل الذي تراه.
- اجتماع باريس
الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي كان من أشد المدافعين عن اللجوء للخيار العسكري في ضرب قوات معمر القذافي متذرعاً بحماية المدنيين، كما أثبتت الأيام التالية ذلك؛ ففي 10 مارس 2011 كانت باريس أول عاصمة تعترف بالمجلس الوطني الانتقالي (NTC) الذي شكله قادة الثوار في بنغازي يوم 27 فبراير (شباط) من العام ذاته، باعتباره، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الليبي.
كما كانت تحركات الرئيس الفرنسي لافتة في محاولة الحشد للتصويت على قرار من مجلس الأمن يجيز استخدام القوة ضد قوات معمر القذافي، بعد أن رأى أن الفرصة سانحة أمامه لإبراز فرنسا قوة كبرى في العالم، كما أنه كان يريد التخلص من القذافي بسبب سياسة القذافي التي بدأت تجد لها موطئ قدم في عدد من الدول الأفريقية الفرنكفونية. فضلاً عن أن سيف الإسلام القذافى طالبه برد الأموال التي تقاضاها من ليبيا في تمويل حملته في انتخابات الرئاسة الفرنسية، وهدده بعرض التفاصيل والوثائق.
دعا ساركوزي الى اجتماع في باريس يوم 19 مارس 2011 سماه القمة الأوروبية - العربية - الأفريقية بحضور شخصيات دولية كبيرة، أذكر منها: الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ورئيسة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون، ورئيس الوزراء الإسباني خوسيه لويس ثاباتيرو، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم، ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، ووزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، ووزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، ووزير الخارجية الأردني ناصر جودة، ووزير الخارجية المغربي الطيب الفاسي الفهري، وهوشيار زيباري وزير خارجية العراق، وآخرين.
تم تخصيص هذه القمة التي استمرت ساعات قليلة لمناقشة كيفية التعامل مع الوضع فى ليبيا فى ضوء قرار مجلس الأمن 1973 القاضي بفرض منطقة حظر الطيران فوق ليبيا حماية للمدنيين الليبيين.
لقد رأيت مقاطعة هذا الاجتماع، إذ بدأت تساورني الشكوك فيما يخص نوايا الدول الغربية وعلى رأسهم صاحب الدعوة، فجاءني عبد الإله الخطيب - وزير الخارجية الأردني الأسبق وكان قد تم تعيينه ممثلاً للأمم المتحدة في ليبيا اعتباراً من 7 مارس 2011 - ليطلب مني حضور ذلك الاجتماع، وكنا في اليوم السابق على استفتاء تعديل دستور 1971 الذي أجري يوم 19 مارس 2011 في مصر.
قال لي الخطيب: هذا اجتماع مهم ويجب أن تكون موجوداً فيه؛ لأن الأمم المتحدة ستكون موجودة، والاتحاد الأوروبي سيكون موجوداً، وبإمكانك تسجيل موقفك أمام هذه القوى الدولية. وافقت على الحضور بعد نقاش طويل استمر إلى ساعة متأخرة من المساء؛ فأجرى الخطيب اتصالاته، وأبلغني أن فرنسا سترسل طائرة خاصة لتقلني إلى باريس وتعيدني إلى القاهرة في اليوم ذاته.
قلت له: غداً سأدلي بصوتي في الاستفتاء على تعديل الدستور وسأصوت بـ«لا».
قال: الطائرة ستكون موجودة في مطار القاهرة الساعة التاسعة صباحاً.
أدليت بصوتي في مدرسة بشارع قصر العيني في الساعة الثامنة، ومنها توجهت إلى المطار متوجهاً إلى باريس. وصلت مقر الاجتماع وأخذت مقعدي بعد أن سلمت على الجميع الذين كانوا وقوفاً يتسامرون، بدأ ساركوزي إلقاء كلمته التي من ضمن ما جاء فيها:
«ستعارض القوات الجوية الفرنسية أي اعتداء من قبل طائرات القذافي ضد سكان بنغازي. وبالفعل طائراتنا تمنع الهجمات الجوية على هذه المدينة. وهناك طائرات فرنسية أخرى مستعدة للتدخل ضد العربات المدرعة التي تهدد المدنيين العزل... اليوم، نحن نعمل في ليبيا تحت ولاية مجلس الأمن مع شركائنا، بما في ذلك شركاؤنا العرب. ونقوم بذلك من أجل حماية السكان المدنيين من جنون النظام القاتل الذي فقد شرعيته كاملة عن طريق قتل شعبه... نتدخل للسماح للشعب الليبي لتحديد مصيره».
استفزتني كلمة ساركوزي لأبعد حد؛ لأنه تحدث صراحة عن تجاوز مسألة فرض حظر جوي على قوات القذافي الذي أقره قرار مجلس الأمن رقم 1973؛ ذلك أنه تحدث بشكل صريح عن استعداد قواته الجوية لضرب قوات القذافي على الأرض عندما تحدث عن العربات المدرعة، بالإضافة إلى أنه أعلن صراحة عن نيته بالعمل على تغيير نظام القذافي الذي وصفه بأنه «فقد شرعيته كاملة»، وهو أمر لم يشمله قرار مجلس الأمن المشار إليه، فهذا شأن يقرره الشعب الليبي وحده.
عند هذه اللحظة بدأت أشك في أن الأمر سيتجاوز مسألة حظر الطيران إلى ضرب ليبيا بالطائرات. وهنا أود أن أستطرد مشيراً إلى ما ذكرته لي كاترين أشتون بعد ذلك الحدث بسنوات (لندن في صيف 2018 ثم في صير بني ياس في نوفمبر من السنة نفسها) من أنها كانت فى غاية الحرج لوجودها فى هذا الاجتماع الذي تقرر فيه أمور عسكرية تخرج عن نطاق سياسة الاتحاد الأوروبي، وأنها لاحظت على وجهي شخصياً ووجه بان كي مون الشعور نفسه بالحرج وعدم التناسق مع باقي المجتمعين غربيين كانوا أم عرباً.
بعد أن انتهى الرئيس الفرنسي من كلمته قال: أُعطي الكلمة للسيد الأمين العام.
يبدو أنه كان يقصد بان كي مون، لكن من فرط غضبي ورغبتي في الرد على كلمته اعتبرت أنه يخاطبني أنا أمين عام الجامعة العربية، وبان كي مون لم يعلق، فألقيت كلمتي التي أكدت فيها أن «قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 بشأن ليبيا يهدف إلى حماية المدنيين، ولا يؤيد أي غزو لذلك البلد العربي المستقل وصاحب السيادة، وطلبت من كل الأطراف المجتمعة عدم الذهاب إلى أبعد من منطوق قرار مجلس الأمن الصادر في 17 مارس 2011 الذي قيد العمليات العسكرية على الأراضي الليبية في حظر جوي على قوات معمر القذافي».
وأعدت التأكيد على أن الهدف من قرار مجلس الأمن المشار إليه هو حماية المدنيين الليبيين فقط، وأن هذا القرار لم يمنح أي طرف شرعية لغزو أو احتلال ليبيا، وأن نص هذا القرار واضح في هذه النقطة. كان واضحاً أنني مملوء بالغضب، ومن ثم توجهت إلى الممثلين العرب في الاجتماع؛ فقال لي حمد بن جاسم: الموضوع خلص يا أخ عمرو.
- القصف الحرام
لم يمضِ كثير من الوقت حتى تأكدت شكوكي بشأن أن مسألة المدنيين كانت حصان طروادة للإطاحة بالقذافي؛ ففي نفس يوم اجتماع باريس (19 مارس 2011) وقبل أن أصل إلى القاهرة عائداً من العاصمة الفرنسية، وربما قبل ذلك بدأت طائرات حربية فرنسية قصف مواقع ليبية أرضية دفاعية. بعد متابعة هذه الأخبار عن العمل العسكري الذي يجري على الأراضي الليبية تأكدت مرة أخرى أننا تعرضنا لخديعة، وأن ما يتم بالفعل من أعمال حربية قد تجاوز قرار مجلس الأمن 1973، الذي يقضي فقط بفرض منطقة حظر جوي على الأراضي الليبية للحيلولة دون قيام القذافي بضرب المدنيين المعارضين له.
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



مسؤول أممي: الحوثيون صادروا أصول مكاتبنا ومنعوا الرحلات الجوية

نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
TT

مسؤول أممي: الحوثيون صادروا أصول مكاتبنا ومنعوا الرحلات الجوية

نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)

في تصعيد يهدد عمل المنظمات الدولية والتدخلات الإنسانية، أعلنت الأمم المتحدة عن قيام الجماعة الحوثية في صنعاء باتخاذ إجراءات أحادية تمس بشكل مباشر قدرتها على تنفيذ مهامها الإنسانية، وذلك عبر مصادرة معدات وأصول تابعة لها ومنع تسيير الرحلات الجوية الإنسانية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية لملايين اليمنيين.

وجاء ذلك في بيان رسمي، الجمعة، صادر عن المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، جوليان هارنيس، أوضح فيه أن سلطات الأمر الواقع الحوثية اقتحمت، يوم الخميس 29 يناير (كانون الثاني) 2026، ما لا يقل عن ستة مكاتب أممية في صنعاء، جميعها كانت غير مأهولة بالموظفين، وقامت بنقل معظم معدات الاتصالات وعدد من مركبات الأمم المتحدة إلى موقع غير معلوم، دون أي تنسيق أو إخطار مسبق.

وأكد البيان أن الأمم المتحدة لم تصرح بنقل هذه الأصول، ولم تتلق أي تبرير رسمي يوضح أسباب هذه الخطوة، مشدداً على أن جميع المعدات المصادرة تم إدخالها إلى اليمن وفق الإجراءات القانونية المعتمدة وبالحصول على التصاريح اللازمة من الجهات المختصة، وتشكل جزءاً من الحد الأدنى للبنية التحتية الضرورية لضمان استمرار الوجود الأممي وتنفيذ برامجه الإنسانية.

ولم تقتصر الإجراءات على مصادرة الأصول، إذ أشار البيان إلى أن سلطات الأمر الواقع منعت، منذ أكثر من شهر، تسيير رحلات خدمة الأمم المتحدة الجوية الإنسانية (UNHAS) إلى صنعاء، كما منعت الرحلات إلى محافظة مأرب الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً منذ أكثر من أربعة أشهر، دون تقديم أي توضيحات رسمية.

إحدى طائرات الأمم المتحدة في مطار صنعاء الخاضع للحوثيين (إعلام محلي)

وتُعد رحلات «UNHAS» الوسيلة الوحيدة التي تتيح لموظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية الدخول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين والخروج منها. ومن ثمّ، فإن هذا التعطيل يفرض قيوداً إضافية على إيصال المساعدات الإنسانية، ويقوض قدرة المنظمات الدولية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في تلك المناطق.

وحذّر منسق الشؤون الإنسانية من أن هذه الإجراءات تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث يشهد اليمن تدهوراً إنسانياً غير مسبوق، ولا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن استمرار هذه الممارسات سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية ويزيد من معاناة المدنيين.

بيئة عمل منهارة

يتزامن هذا التصعيد الحوثي مع أزمة متفاقمة تتعلق باحتجاز موظفي الأمم المتحدة لدى الجماعة المتحالفة مع إيران، إذ ارتفع عدد المحتجزين تعسفياً إلى 69 موظفاً على الأقل حتى ديسمبر (كانون الأول) الماضي، في واحدة من أخطر موجات الاستهداف التي تطول العاملين في المجال الإنساني.

وشملت الاعتقالات موظفين يمنيين يعملون في وكالات أممية رئيسية، من بينها برنامج الأغذية العالمي، ومنظمة اليونيسف، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إضافة إلى طاقم عيادة الأمم المتحدة في صنعاء.

وتتم هذه الاعتقالات غالباً عبر اقتحام المنازل وترويع العائلات، واقتياد الموظفين إلى جهات مجهولة دون السماح لهم بالتواصل مع أسرهم أو محاميهم.

عناصر حوثيون خلال حشد للجماعة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (أ.ف.ب)

وتروج الجماعة الحوثية لاتهامات تتعلق بـ«التجسس» لصالح أطراف خارجية، وهي مزاعم رفضتها الأمم المتحدة بشكل قاطع، مؤكدة أن الموظفين يُستهدفون بسبب قيامهم بمهام إنسانية بحتة.

وفي هذا السياق، ذكّر المنسق الأممي المقيم في اليمن بقراري مجلس الأمن 2801 (2025) و2813 (2026)، اللذين يدعوان الحوثيين إلى توفير بيئة عمل آمنة ومأمونة، والإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الموظفين المحتجزين.

وأمام هذا الواقع، أعلنت الأمم المتحدة مطلع عام 2025 تعليق أنشطتها غير المنقذة للحياة في مناطق سيطرة الحوثيين، فيما أعلن برنامج الأغذية العالمي، في يناير 2026، تسريح عدد من موظفيه اليمنيين نتيجة تجميد العمليات الإغاثية، ما يعكس خطورة استمرار هذه الممارسات وتداعياتها المباشرة على الوضع الإنساني في اليمن.


بعد «المالية» و«الطاقة»... المنفي يُطلق لجنة جديدة لضبط الإنفاق في ليبيا

المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
TT

بعد «المالية» و«الطاقة»... المنفي يُطلق لجنة جديدة لضبط الإنفاق في ليبيا

المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)

سلّط قرار رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، بتشكيل لجنة لـ«ضبط الإنفاق العام وإغلاق منافذ الهدر»، الضوء مجدداً على نهج اعتمده المجلس خلال السنوات الأخيرة في ملاحقة الأزمات المتراكمة، عبر تشكيل لجان اقتصادية وأمنية وعسكرية.

وعلى الرغم من تعدّد اللجان التي شكّلها المنفي لمواجهة أزمات الاقتصاد والأمن، يرى مراقبون أن نتائجها بقيت محدودة على الأرض، في ظل الانقسام العسكري والأمني وتنازع الصلاحيات، مما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول جدوى هذه اللجان، وقدرة المجلس الرئاسي على إلزام الأطراف المختلفة بمخرجاتها.

وخلال كلمة ألقاها، الخميس، في مدينة الزاوية بغرب البلاد، بحضور قيادات أمنية وعسكرية وميدانية، تعهد المنفي بإعلان نتائج عمل اللجنة الجديدة «خلال فترة قريبة»، مؤكداً أنها «لن تكون لجنة للاستهلاك الإعلامي». وسوّق قراره بالحديث عن «إنفاق هائل مقابل نتائج ضعيفة، واقتصاد مستنزف، وقطاع مالي مختل، وهدر يفتح أبواب الفساد».

رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي (المجلس الرئاسي)

وقفزت نفقات الدولة الليبية بنحو 13 مليار دينار خلال العام الماضي مقارنة بالعام السابق، إذ ارتفعت إلى 136.8 مليار دينار في 2025 مقابل 123.2 مليار في 2024، وفق بيانات المصرف المركزي، مع بلوغ سعر الدولار 6.28 دينار في السوق الرسمية، و8.95 دينار في السوق الموازية.

غير أن النائب السابق لرئيس «المصرف الليبي الخارجي»، الدكتور خالد الزنتوتي، شكك في جدوى هذه المقاربة، لافتاً إلى أنها «مجرد لجان على الورق لن يلتفت إلى توصياتها، حتى وإن كانت ممهورة بتوقيع رئيس المجلس الرئاسي». وتساءل في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هل يستطيع رئيس المجلس الرئاسي، بتشكيله الحالي، إلزام أي من الأطراف بتنفيذ ما تصل إليه هذه اللجان، حتى وإن امتلكت الإمكانيات الفنية؟ وهل يمكنه إلزام تلك الأطراف بتقديم ميزانية موحدة تضبط الإنفاق العام؟».

وسبق للمنفي أن شكّل في يوليو (تموز) 2023 «اللجنة المالية العليا»، بعضوية 17 ممثلاً عن أطراف الانقسام، بهدف التوصل إلى آلية وطنية لإدارة موارد الدولة وترشيد الإنفاق. غير أن هذه اللجنة، وبعد أكثر من عامين، لم تحقق، حسب متابعين، الهدف المرجو منها، خصوصاً في ضبط الإنفاق العام، بل تزايد ما يُعرف بـ«الإنفاق الموازي».

بعد ذلك عاد المنفي ليشكّل لجنة أخرى في أغسطس (آب) الماضي لمراجعة عقود النفط والكهرباء والسياسات التعاقدية للمؤسسات العامة العاملة في قطاع الطاقة، بما في ذلك التعاقدات مع الشركات الأجنبية والمحلية.

ورغم محاولة تجاوز الانقسام عبر الاستعانة بتكنوقراط، فإن هذه اللجنة لم تفضِ حتى الآن إلى نتائج ملموسة، وفق ما أفاد به مصدر سابق لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى عراقيل تعترض عملها.

محافظ «المركزي الليبي» ناجي عيسى ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك في اجتماع بطرابلس ديسمبر الماضي (المركزي)

في هذا السياق، يرى الدبلوماسي الليبي السابق، فرج الزروق، أن «المشكلة في الحالة الليبية هي أن هذه اللجان أصبحت بديلاً عن بناء المؤسسات»، وفق ما تحدث به لـ«الشرق الأوسط».

لكن الزروق لا يستبعد جدوى هذه اللجان «بشروط صارمة»، محدداً إياها في أن تكون اللجان مؤقتة بجدول زمني معلن، وخاضعة لرقابة جهة مستقلة، مثل ديوان المحاسبة أو النيابة العامة، وأن تعلن مخرجاتها للرأي العام لضمان الشفافية، وألا تحل محل المؤسسات الدستورية الدائمة، بل تكون جسراً مؤقتاً لتفعيلها.

ولا يقتصر توجه المجلس الرئاسي على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى الملفات الأمنية والعسكرية. ففي يونيو (حزيران) الماضي، شكّل المنفي لجنة مؤقتة للترتيبات الأمنية والعسكرية في طرابلس، عقب اشتباكات دامية بين قوات موالية لحكومة طرابلس وميليشيات مسلحة، قُتل خلالها رئيس «جهاز الدعم والاستقرار» عبد الغني الككلي، الشهير بـ«غنيوة»، وكادت المواجهات تتسع مع ميليشيا «الردع». كما أتبع ذلك بقرار لتشكيل لجنة حقوقية مؤقتة لمتابعة أوضاع السجون وأماكن الاحتجاز.

ويرى الأكاديمي والباحث السياسي الليبي، الدكتور علام الفلاح، أن «قرارات (الرئاسي) يغلب عليها الطابع المالي والاقتصادي والأمني لملاحقة أزمات بعينها»، مشيراً إلى الحاجة لمقاربة أوسع تعالج ملفات محورية، مثل أمن الحدود، والهجرة غير النظامية، والسلاح المنفلت، والميليشيات والمرتزقة الأجانب، والخلايا الإرهابية النائمة، لافتاً إلى أن هذه القضايا تمثّل «اختباراً حاسماً لقدرات المجلس الرئاسي».

وتأسس المجلس الرئاسي بعد خمس سنوات من انهيار نظام الرئيس السابق معمر القذافي في عام 2011، بموجب «اتفاق الصخيرات»، وأُعيد تشكيله في فبراير (شباط) 2021 وفق «اتفاق جنيف»، برئاسة الدبلوماسي السابق محمد المنفي، ونائبَين يمثّلان إقليمَي طرابلس وفزان.

وأعاد قرار المنفي الأخير بتشكيل لجنة «ضبط الإنفاق» طرح النقاش حول حدود صلاحيات المجلس التي تتركز في تمثيل ليبيا خارجياً، وقيادة المؤسسة العسكرية وتوحيدها، وتيسير الانتخابات، وإدارة ملف المصالحة الوطنية، وتعيين بعض المناصب السيادية.

غير أن الفلاح يشير إلى أن «ليبيا تعيش مرحلة انتقالية معقّدة تتسم بتنازع الاختصاصات وغياب الشرعية»، موضحاً أن المجلس الرئاسي «يتخذ قرارات بوصفه أحد الأطراف الفاعلة، مستنداً إلى اتفاقَي جنيف والصخيرات، وربما متجاوزاً ذلك في ظل الصراع على القوانين».

وتعيش ليبيا منذ سنوات على وقع صراع بين حكومتَين: الأولى حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس وتدير غرب البلاد، والأخرى حكومة أسامة حماد المكلفة من مجلس النواب في بنغازي، وتدير شرق البلاد ومناطق في الجنوب.

وبينما يرى البعض في لجان المنفي حلولاً مؤقتة في ظرف استثنائي، يتمسك الزنتوتي برؤية أكثر جذرية، قائلاً: «لا بديل عن قيام دولة واحدة برئيس منتخب، ومجلس تشريعي منتخب، وفي إطار دستور يقره الشعب الليبي الواحد».

يأتي ذلك في بلد يعاني انقساماً سياسياً ومؤسسياً حاداً منذ سنوات، ويفتقر إلى ميزانية موحدة، وسط ضغوط اقتصادية متصاعدة وتساؤلات حول فاعلية هذه الأدوات.


ترحيب يمني بقرار أوروبا تصنيف «الحرس الإيراني» منظمة إرهابية

«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)
«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

ترحيب يمني بقرار أوروبا تصنيف «الحرس الإيراني» منظمة إرهابية

«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)
«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)

رحّبت الحكومة اليمنية بالقرار الصادر عن الاتحاد الأوروبي القاضي بتصنيف «الحرس الثوري الإيراني» منظمةً إرهابية، وعدّت القرار خطوة مهمة وفي الاتجاه الصحيح لمواجهة أحد أخطر مصادر زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، وللحد من التهديدات المباشرة التي يُمثلها هذا الكيان للسلم والأمن الإقليميين والدوليين.

وأكدت الحكومة اليمنية، في بيان رسمي، أن هذا القرار يعكس إدراكاً أوروبياً متقدماً لطبيعة الدور التخريبي الذي اضطلع به «الحرس الثوري الإيراني» على مدى سنوات، من خلال تغذية النزاعات المسلحة، ودعمه المنهجي للجماعات والميليشيات الخارجة عن مؤسسات الدولة الوطنية، وتهديده المتكرر للممرات المائية الدولية، وتقويضه المستمر لأسس الاستقرار والأمن العالميين.

وشدد البيان على أن تصنيف «الحرس الثوري» منظمة إرهابية يُمثل تحولاً نوعياً في مقاربة المجتمع الدولي لسلوكيات إيران، وينهي مرحلة طويلة من التساهل السياسي مع أنشطة باتت تُشكل تهديداً مباشراً للأمن الجماعي، سواء في الشرق الأوسط أو خارجه.

وأكّد البيان أن الجماعة الحوثية ليست سوى إحدى الأذرع العسكرية المباشرة لـ«الحرس الثوري الإيراني»، وأن مشروعها القائم على العنف والانقلاب وفرض الأمر الواقع بالقوة يُمثل امتداداً صريحاً للدور التخريبي الذي يقوده هذا الجهاز العسكري خارج حدود إيران.

حريق على متن سفينة شحن بريطانية جراء هجوم حوثي في خليج عدن (إ.ب.أ)

وأوضحت الحكومة أن سجل الحوثيين الحافل باستهداف المدنيين، وقصف الأعيان المدنية، وشن الهجمات العابرة للحدود، وتهديد سفن الشحن والملاحة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن، يعكس بوضوح طبيعة الارتباط العضوي والعملياتي بين الجماعة و«الحرس الثوري»، سواء على مستوى العقيدة أو التمويل أو التسليح أو التخطيط العسكري.

وأضاف البيان أن تعطيل جهود السلام الإقليمية والدولية في اليمن، وعرقلة المسارات السياسية، واستخدام العنف المنظم بوصفه أداة تفاوض، كلها ممارسات تتسق مع النموذج الذي اعتمده «الحرس الثوري» في إدارة وكلائه في المنطقة، وتحويلهم إلى أدوات ضغط وابتزاز للمجتمع الدولي.

ودعت الحكومة اليمنية الاتحاد الأوروبي إلى استكمال هذه الخطوة المهمة باتخاذ قرار مماثل وحاسم بتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، انسجاماً مع القوانين والتشريعات الأوروبية، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وبما يُسهم في تجفيف مصادر تمويل هذه المليشيات، وردع سلوكها العدواني، وتعزيز فرص السلام العادل والمستدام في اليمن والمنطقة.

إجراءات عملية

في سياق هذا الترحيب اليمني، قال وزير الإعلام والثقافة والسياحة في حكومة تصريف الأعمال، معمر الإرياني، إن قرار الاتحاد الأوروبي تصنيف «الحرس الثوري الإيراني» منظمة إرهابية يُمثل «خطوة في الاتجاه الصحيح، ورسالة واضحة بأن المجتمع الدولي بدأ يتعامل بجدية مع أحد أخطر مصادر زعزعة الاستقرار في المنطقة، بعد سنوات من التغاضي عن أدواره العسكرية والأمنية العابرة للحدود».

وأضاف الإرياني، في تصريح رسمي، أن أهمية القرار لا تكمن في رمزيته السياسية فحسب، بل فيما يجب أن يتبعه من إجراءات تنفيذية عملية، تشمل تجفيف منابع التمويل، وتجميد الأصول، وملاحقة الشبكات والواجهات المرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وقطع قنوات الدعم والتهريب والتسليح التي يديرها عبر دول ومناطق متعددة.

تعنت الحوثيين أدى إلى تعطيل مسار السلام في اليمن (أ.ب)

وأشار الوزير اليمني إلى أن «الحرس الثوري» لعب في الملف اليمني دوراً مباشراً ومنظماً في إدارة مشروع الانقلاب الحوثي، ولم يقتصر تدخله على إمداد الميليشيات بالأسلحة والخبراء والتقنيات والتمويل، بل امتد إلى الإشراف العملياتي وإدارة الشبكات العسكرية والأمنية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن ذلك تثبته الأدلة الميدانية والأدوار التي اضطلع بها عناصره، ومنهم حسن إيرلو وعبد الرضا شهلائي، بوصفها أدوات تشغيل ميداني للمشروع الإيراني.

ولفت الإرياني إلى أن ما جرى في اليمن لا يُمثل حالة استثنائية، بل يندرج ضمن نمط إقليمي ثابت يعتمد على بناء ميليشيات مسلحة موازية للدولة، وتغذية الصراعات، ونشر الفوضى والإرهاب، واستخدام الوكلاء فرض وقائع بالقوة وابتزاز المجتمع الدولي.

قرار تاريخي

يأتي هذا الموقف اليمني في أعقاب القرار التاريخي الذي اتخذه وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في 29 يناير (كانون الثاني) 2026، بإدراج «الحرس الثوري الإيراني» على قائمة التكتل للمنظمات الإرهابية، في تحول وُصف بأنه نهاية مرحلة «الحذر الدبلوماسي»، وبداية عهد جديد من المواجهة الاقتصادية والقانونية مع العمود الفقري للنظام الإيراني.

وجاء القرار استجابةً مباشرة للقمع العنيف الذي مارسته السلطات الإيرانية ضد موجة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد أواخر 2025 ومطلع 2026، وأسفرت عن مقتل آلاف المدنيين وفق تقديرات منظمات حقوقية، إضافة إلى الدور الإقليمي المتصاعد لـ«الحرس الثوري»، بما في ذلك تزويد روسيا بالطائرات المسيّرة، وتهديد أمن الطاقة والملاحة الدولية.

عناصر حوثيون في صنعاء خلال تجمع حاشد دعا له زعيمهم (أ.ف.ب)

ويترتب على هذا التصنيف حزمة من التداعيات القانونية والسياسية الصارمة، تشمل تجميد الأصول، وحظر السفر، وتجريم أي شكل من أشكال التعاون أو الدعم، إلى جانب تشديد العزلة الدبلوماسية، بما يحد من قدرة «الحرس الثوري» على العمل تحت أغطية سياسية أو اقتصادية داخل أوروبا.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الطريق إلى أمن المنطقة واستقرارها يبدأ بإنهاء سياسة الإفلات من العقاب بحق الجهات التي ترعى وتدير الميليشيات المسلحة العابرة للحدود، ودعم الدولة الوطنية ومؤسساتها الشرعية، واحترام وحدة وسيادة الدول وسلامة أراضيها.

وجددت الحكومة اليمنية التزامها الكامل بالعمل الوثيق مع المجتمع الدولي، وفي مقدمته الاتحاد الأوروبي، من أجل إحلال السلام، ومكافحة الإرهاب، وحماية الملاحة الدولية، وبناء مستقبل آمن ومستقر لشعوب المنطقة.