عمرو موسى: دول غربية خانت التفويض العربي لمجلس الأمن بحماية المدنيين الليبيين

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (الأخيرة)

عمرو موسى متوسطاً القذافي وشلقم
عمرو موسى متوسطاً القذافي وشلقم
TT

عمرو موسى: دول غربية خانت التفويض العربي لمجلس الأمن بحماية المدنيين الليبيين

عمرو موسى متوسطاً القذافي وشلقم
عمرو موسى متوسطاً القذافي وشلقم

في هذه الحلقة السابعة والأخيرة من كتاب الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى «سنوات الجامعة العربية»، الذي سيصدر قريباً عن «دار الشروق»، نستكمل رواية موسى عن أحداث الثورة الليبية التي اندلعت في فبراير (شباط) 2011، والتي خصص لها فصلين على مساحة 50 صفحة. وتركز هذه الحلقة على ما جاء في الفصل الثاني، الذي أورده تحت عنوان: «الخروج على التفويض العربي بحماية المدنيين الليبيين»، والذي يكشف فيه كيف تعرض العرب للخديعة من عدد من الدول الغربية فيما يخص هذا الموضوع. وأوضح أنه قال لكل الأطراف في باريس إن «قرار مجلس الأمن هدفه حماية المدنيين الليبيين لا غزو أو احتلال ليبيا»، وأنه هاجم هجوم التحالف على أهداف ليبية و«قلت إنه بدلاً من حماية المدنيين يوقع ضحايا».
أخذ التخوف من استغلال بعض القوى فرض الحظر الجوي على ليبيا، بهدف حماية المدنيين من عنف القذافي لضرب ليبيا، قسطاً كبيراً من المناقشات خلال اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب الطارئ في 12 مارس (آذار) 2011. ومن يراجع نص الفقرة رقم (1) بعد الديباجة في القرار الصادر عن ذلك الاجتماع سيجدها تنص على:
الطلب من مجلس الأمن تحمل مسؤولياته إزاء تدهور الأوضاع في ليبيا، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بفرض منطقة حظر جوي على حركة الطيران العسكري الليبي فورياً، وإقامة مناطق آمنة في الأماكن المتعرضة للقصف، كإجراءات وقائية تسمح بتوفير الحماية لأبناء الشعب الليبي والمقيمين في ليبيا من مختلف الجنسيات، مع مراعاة السيادة والسلامة الإقليمية لدول الجوار.
أدعو للتوقف في هذا النص أمام عبارة «كإجراءات وقائية»، التي اقترحها الدكتور نبيل العربي، وزير خارجية مصر، خلال المناقشات، وكانت دوافعه في ذلك ما قاله في المناقشات المرتبطة بصياغة القرار كما يلي:
بالنظر إلى القرار المعروض أمامنا الآن، نجد أن فلسفته تقضي إيجاد نوع من التوازن، وأنا أعتقد لكي يحدث هذا التوازن أن نضيف في الفقرة الأولى بعد عبارة (فرض منطقة حظر جوي) عبارة (كإجراء وقائي)، نحن لا نطالب بضرب منشآت حكومية أو قواعد مدافع أو أي شيء من هذا القبيل، لكننا نقول (كإجراء وقائي). أنا أعتقد أن هذا يحدث التوازن للقرار، ويتفق مع الهدف الذي نرمي إليه جميعاً، وهو ليس استخدام القوة ضد ليبيا، ولكن التحقق من أن الطيران الليبي لن يتمكن من ضرب الشعب والاستمرار في سفك الدماء، فأنا لا أعتقد أن هناك من سيتضايق من عبارة (كإجراء وقائي)، لأنها ستضبط الاتزان للقرار.
السبب الحقيقي الذي يجعل مصر - وإنني أتكلم بكل صراحة - تقول هذا الكلام، أن الصحف الأجنبية ووسائل الإعلام تتكلم حالياً عن دراسات تتم - أياً كان المكان الذي تتم فيه - على ضربات محددة على مواقع محددة، نحن جميعاً دول عربية ولا يصح أن نقوم بشيء يشتم منه أننا نريد ضربات، ولكن نحن نريد أن نخيف القذافي بحيث يتوقف، هذا ما نأمله، وآخر شيء يقال إننا طالبنا به هو ضرب مواقع في ليبيا، نحن لا نطالب بذلك، لا أظن أن أي دولة عربية هنا تطالب بضرب مواقع في ليبيا أو أن يصدر عنا قرار بضرب مواقع في ليبيا، نحن لا نطالب بضرب ليبيا، وبالتالي أرى النص على عبارة «كإجراء وقائي».
لم تعترض أي دولة عربية على تضمين عبارة «كإجراء وقائي» للقرار، ومن جانبي أيدت بقوة هذا المقترح، قلت إن «النص على تلك العبارة من شأنه ضبط الصياغة وإقامة الحد القانوني وطمأنة الرأي العام؛ فنحن لا نتعامل الآن ليس فقط مع مجلس الأمن أو مع السلطات الليبية، وإنما أيضاً مع الرأي العام، فيجب أن تكون الأمور واضحة».
هذا المفهوم العربي لحظر الطيران على ليبيا هو ما شرحناه لمجلس الأمن وللقوى الغربية، فأكدوا تفهمهم لذلك، لكن الحقيقة أننا خدعنا، وفور صدور القرار ضربوا مواقع في ليبيا وسقط ضحايا مدنيون جراء ذلك، واستهدفوا أنظمة الدفاع الجوي لديها، وهو ما استفز روسيا أيضاً؛ لأن أنظمة الدفاع الجوي كانت روسية. كان الروس بشكل عام لديهم اعتراضات كبيرة على ضرب أهداف أرضية في ليبيا.
اتضح فيما بعد أن الجانب الأميركي كانت لديه قائمة من الأهداف الليبية أصر على ضربها، واعتبر أن الحظر الجوي خطوة رمزية، وأنه يجب توفير دعم الأمم المتحدة لعمل عسكري أكثر قوة إذا لزم الأمر، وفي هذا السياق تقول هيلاري كلينتون في مذكراتها:
قرر الرئيس (أوباما) السير فى عملية التدخل (في ليبيا) ووضع خطط عسكرية وتوفير صدور قرار من مجلس الأمن الدولي، ولكن بشرطين أساسيين: أولاً، بما أن البنتاغون أكد لنا أن منطقة الحظر الجوي فى حد ذاتها ليست أكثر من خطوة رمزية، يجب توفير دعم الأمم المتحدة لعمل عسكري أكثر قوة إذا لزم الأمر: سلطة استخدام «كل التدابير الممكنة» من أجل حماية المدنيين.
والواقع أن الأجواء كانت تواترت من أكثر من مصدر دبلوماسي وسياسي وإعلامي أن بعض الدول العربية سوف تنضم إلى أي جهد عسكري غربي (أوروبي بالذات في تلك المرحلة) لتأكيد الحظر الجوي الذي أمر به مجلس الأمن.
وفي هذا حضرت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأميركية للقائي، وقالت في مذكراتها: «طرت صباح 15 مارس من باريس إلى القاهرة كي أقابل عمرو موسى، والتشديد على أهمية دور الجامعة العربية في دعم التدخل العسكري والمشاركة فيه» باعتبار أن ذلك يقع في مصلحة ليبيا وليس مصلحة الغرب.
من جانبي، شرحت في لقائي مع هيلاري المفهوم العربي لفرض حظر جوي على ليبيا، الذي لا يتم بمقتضاه التعرض لأهداف أرضية أياً كان نوعها عسكرية أو مدنية، بالمعنى الذي طرح في الاجتماع الوزاري العربي، وبمقتضى عبارة «كإجراء وقائي». وأشرت إلى أن الإمارات وقطر أعلنتا مشاركتهما في فرض الحظر الجوي، لم يكن ذلك سراً، صحفهما نشرت هذا الكلام. كان المهم أن الجامعة العربية لم يصدر عنها أي قرار يسمح بالمشاركة.
وفي اجتماعاتي التشاورية مع خبراء الأمانة العامة المتابعين بدقة لتطورات الموضوع وبعض المستشارين القانونيين والسياسيين، كان الرأي عدم معارضة هذه الخطوة العربية الجزئية بالمشاركة في فرض الحظر الجوي على ليبيا علانية لأسباب تبلورت في:
1- أنها قرارات سيادية من دولتين أو ثلاث.
2- هذه الخطوة لا يساندها قرار من الجامعة العربية.
3- إن هذه الدول التي اتخذت هذه الخطوة تعمل في إطار مجلس الأمن وقراره.
4- أنهم على الأغلب سوف يرفضون المشاركة في قذف أي أهداف ليبية احتراماً لقرارات الجامعة العربية، وربما يكون لهذا تأثيره على مسلك الآخرين.
5- ضرورة الابتعاد بالكامل عن العمل العسكري الأوروبي بصرف النظر عن أنه يتعلق في ظاهره بتنفيذ قرار مجلس الأمن، لخطورة إمكانية انحرافه عن الأهداف المباشرة في حماية المدنيين، وأن يبادر الأمين العام باتخاذ موقف صريح إزاء مثل هذا الانحراف.
- قرار مجلس الأمن رقم 1973
أعود فأقول إنه في مواجهة هذه الأحداث واستجابة للتهديدات المتواصلة ضد المدنيين التي ارتكبها القذافي، انعقد مجلس الأمن لمناقشة مشروع قرار تقدمت به بريطانيا وفرنسا ولبنان (العضو العربي في مجلس الأمن) والولايات المتحدة يقضي بفرض منطقة حظر جوي على الأراضي الليبية لحماية المدنيين. عقدت أول جلسه لمناقشته يوم 15 مارس، ثم جلسة أخرى في اليوم التالي، لكن بسبب حدوث انقسامٍ في المجلس بشأن مشروع القرار فقد انفضت كلتا الجلستين دون التوصل إلى شيء.
في النهاية أكد مجلس الأمن في قراره 1973 مسؤولية السلطات الليبية عن حماية الشعب الليبي وأدان الانتهاك الجسيم والمنتظم لحقوق الإنسان. وأذن المجلس للدول اﻷﻋﻀﺎء ﺑﺎﺗﺨﺎذ «ﺟﻤﻴﻊ التداﺑﻴﺮ اﻟﻼزمة» ﻟﺤﻤﺎﻳﺔ اﻟﻤدنيين والمناطق الآهلة ﺑﺎﻟﺴكان المدنيين المعرضين لخطر الهجمات في ليبيا بما فيها بنغازي، مع استبعاد أي قوة احتلال أجنبية أياً كان شكلها وعلى أي جزء من الأراضي الليبية.
كانت عبارة «اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية المدنيين» رغم أنها ذات مظهر سليم وصياغة معتادة فإنها مثلت فخاً كبيراً استغله عدد من الدول ذات المصالح فى ليبيا و(أو) لحسابات تريد تصفيتها مع النظام الليبي، ولأسباب تتصل بعلاقاتها بليبيا وبالنظام الليبي خارج إطار الجامعة.
توقفت كثيراً أمام تلك العبارة اللغم، التي تنص على «اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية المدنيين» في أثناء متابعتي لمجريات الأمور في مجلس الأمن، وعبر اتصالاتي المستمرة مع المندوب الدائم لليبيا لدى الأمم المتحدة عبد الرحمن شلقم. وهنا سأعرض ما ذكره شلقم في كتابه الذي يحمل عنوان «نهاية القذافي... ثورة 17 فبراير يوميات وأسرار وشهادات»، إذ قال بالنص ما يلي:
«كان هناك شخصان أحدهما حاضر وفاعل معنا هنا في نيويورك، هو السفير نواف سلام مندوب لبنان، وعضو مجلس الأمن، والممثل العربي بالمجلس، كان شبه مقيم معنا في مقر البعثة الليبية، نناقش كل فقرة في مشروع القرار 1973 بمشاركة السفير إبراهيم الدباشي، بل كنا نناقش كل كلمة تقريباً.
الشخص الغائب الحاضر هو السيد عمرو موسى، الأمين العام لجامعة الدول الدول العربية، الذي كان نصيراً عنيداً لثورة الشعب الليبي منذ انطلاقها، نراجع معه كل فقرات مشروع القرار، لقد وقفنا طويلاً عند الفقرة رقم 4 التي أصررنا عليها أنا والسيد إبراهيم الدباشي، ووافقنا عليها مندوب لبنان السفير نواف سلام، واستطعنا أن نقنع بها سوزان رايس المندوبة الأميركية.
تقول الفقرة الرابعة في مشروع القرار: يأذن للدول الأعضاء التي أخطرت الأمين العام، وهي تتصرف على الصعيد الوطني أو عن طريق منظمات أو ترتيبات إقليمية، وبالتعاون مع الأمين العام، باتخاذ جميع التدابير اللازمة، رغم أحكام الفقرة 9 من القرار 1970 لسنة 2011 لحماية المدنيين والمناطق الآهلة بالسكان المعرضين لخطر الهجمات في الجماهيرية العربية الليبية، بما فيها بنغازي، مع استبعاد أي قوة احتلال أجنبية أياً كان شكلها، وعلى أي جزء من الأراضي الليبية.
لقد أخذت هذه الفقرة الرابعة نقاشاً طويلاً مع عمرو موسى، الذي كان يعارض في البداية وبشدة عبارة - اتخاذ جميع التدابير - متعللاً بأنها تفتح الباب للتدخل الأجنبي، وقف طويلاً عند كلمة (جميع) التي تسبق كلمة (التدابير)، كنت أنا والدباشي نرى هاتين الكلمتين (جميع التدابير) هما طريق الإنقاذ والنجاة للشعب الليبي.
كنا ندرك أننا نسابق الوقت، بل نصارعه، لم تعد نوايا القذافي بالتوجه نحو بنغازي وتدميرها هواجس، أصبحت علنية، يتحدث بها القذافي وابنه سيف... بعد نقاش عصبي تعالت فيه أصواتنا عبر الهاتف، تم الاتفاق مع عمرو موسى على أن نضيف فقرة (مع استبعاد أي قوة احتلال أجنبية أياً كان شكلها، وعلى أي جزء من الأراضي الليبية).
هذه الفقرة الأخيرة هدأت من روع أمين عام الجامعة العربية، وكذلك مندوب روسيا، من طرفنا أصررنا على ذكر بنغازي تحديداً بالاسم؛ لأن تحرك القذافي نحو بنغازي كان معلناً».
كنا فى الجامعة العربية ننشد حماية المدنيين ونعمل على تحقيق ذلك بواسطة الأمم المتحدة، وقرار من مجلس الأمن يقر إقامة منطقة حظر جوي، وهو ما اقترحه رسمياً عدد من الدول العربية ومنها دول خليجية، نمنع الطيران الليبي من قذف المدن الليبية والمدنيين، وهو ما كنت أراه أمراً مشروعاً وضرورياً، بينما كانت الدول الكبرى المحركة للقرار تهتم بالحصول على تصريح باتخاذ «جميع التدابير اللازمة» لذلك، لتعطيها التفسير الذى تراه وحتى تتمكن استخدامها بالشكل الذي تراه.
- اجتماع باريس
الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي كان من أشد المدافعين عن اللجوء للخيار العسكري في ضرب قوات معمر القذافي متذرعاً بحماية المدنيين، كما أثبتت الأيام التالية ذلك؛ ففي 10 مارس 2011 كانت باريس أول عاصمة تعترف بالمجلس الوطني الانتقالي (NTC) الذي شكله قادة الثوار في بنغازي يوم 27 فبراير (شباط) من العام ذاته، باعتباره، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الليبي.
كما كانت تحركات الرئيس الفرنسي لافتة في محاولة الحشد للتصويت على قرار من مجلس الأمن يجيز استخدام القوة ضد قوات معمر القذافي، بعد أن رأى أن الفرصة سانحة أمامه لإبراز فرنسا قوة كبرى في العالم، كما أنه كان يريد التخلص من القذافي بسبب سياسة القذافي التي بدأت تجد لها موطئ قدم في عدد من الدول الأفريقية الفرنكفونية. فضلاً عن أن سيف الإسلام القذافى طالبه برد الأموال التي تقاضاها من ليبيا في تمويل حملته في انتخابات الرئاسة الفرنسية، وهدده بعرض التفاصيل والوثائق.
دعا ساركوزي الى اجتماع في باريس يوم 19 مارس 2011 سماه القمة الأوروبية - العربية - الأفريقية بحضور شخصيات دولية كبيرة، أذكر منها: الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ورئيسة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون، ورئيس الوزراء الإسباني خوسيه لويس ثاباتيرو، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم، ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، ووزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، ووزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، ووزير الخارجية الأردني ناصر جودة، ووزير الخارجية المغربي الطيب الفاسي الفهري، وهوشيار زيباري وزير خارجية العراق، وآخرين.
تم تخصيص هذه القمة التي استمرت ساعات قليلة لمناقشة كيفية التعامل مع الوضع فى ليبيا فى ضوء قرار مجلس الأمن 1973 القاضي بفرض منطقة حظر الطيران فوق ليبيا حماية للمدنيين الليبيين.
لقد رأيت مقاطعة هذا الاجتماع، إذ بدأت تساورني الشكوك فيما يخص نوايا الدول الغربية وعلى رأسهم صاحب الدعوة، فجاءني عبد الإله الخطيب - وزير الخارجية الأردني الأسبق وكان قد تم تعيينه ممثلاً للأمم المتحدة في ليبيا اعتباراً من 7 مارس 2011 - ليطلب مني حضور ذلك الاجتماع، وكنا في اليوم السابق على استفتاء تعديل دستور 1971 الذي أجري يوم 19 مارس 2011 في مصر.
قال لي الخطيب: هذا اجتماع مهم ويجب أن تكون موجوداً فيه؛ لأن الأمم المتحدة ستكون موجودة، والاتحاد الأوروبي سيكون موجوداً، وبإمكانك تسجيل موقفك أمام هذه القوى الدولية. وافقت على الحضور بعد نقاش طويل استمر إلى ساعة متأخرة من المساء؛ فأجرى الخطيب اتصالاته، وأبلغني أن فرنسا سترسل طائرة خاصة لتقلني إلى باريس وتعيدني إلى القاهرة في اليوم ذاته.
قلت له: غداً سأدلي بصوتي في الاستفتاء على تعديل الدستور وسأصوت بـ«لا».
قال: الطائرة ستكون موجودة في مطار القاهرة الساعة التاسعة صباحاً.
أدليت بصوتي في مدرسة بشارع قصر العيني في الساعة الثامنة، ومنها توجهت إلى المطار متوجهاً إلى باريس. وصلت مقر الاجتماع وأخذت مقعدي بعد أن سلمت على الجميع الذين كانوا وقوفاً يتسامرون، بدأ ساركوزي إلقاء كلمته التي من ضمن ما جاء فيها:
«ستعارض القوات الجوية الفرنسية أي اعتداء من قبل طائرات القذافي ضد سكان بنغازي. وبالفعل طائراتنا تمنع الهجمات الجوية على هذه المدينة. وهناك طائرات فرنسية أخرى مستعدة للتدخل ضد العربات المدرعة التي تهدد المدنيين العزل... اليوم، نحن نعمل في ليبيا تحت ولاية مجلس الأمن مع شركائنا، بما في ذلك شركاؤنا العرب. ونقوم بذلك من أجل حماية السكان المدنيين من جنون النظام القاتل الذي فقد شرعيته كاملة عن طريق قتل شعبه... نتدخل للسماح للشعب الليبي لتحديد مصيره».
استفزتني كلمة ساركوزي لأبعد حد؛ لأنه تحدث صراحة عن تجاوز مسألة فرض حظر جوي على قوات القذافي الذي أقره قرار مجلس الأمن رقم 1973؛ ذلك أنه تحدث بشكل صريح عن استعداد قواته الجوية لضرب قوات القذافي على الأرض عندما تحدث عن العربات المدرعة، بالإضافة إلى أنه أعلن صراحة عن نيته بالعمل على تغيير نظام القذافي الذي وصفه بأنه «فقد شرعيته كاملة»، وهو أمر لم يشمله قرار مجلس الأمن المشار إليه، فهذا شأن يقرره الشعب الليبي وحده.
عند هذه اللحظة بدأت أشك في أن الأمر سيتجاوز مسألة حظر الطيران إلى ضرب ليبيا بالطائرات. وهنا أود أن أستطرد مشيراً إلى ما ذكرته لي كاترين أشتون بعد ذلك الحدث بسنوات (لندن في صيف 2018 ثم في صير بني ياس في نوفمبر من السنة نفسها) من أنها كانت فى غاية الحرج لوجودها فى هذا الاجتماع الذي تقرر فيه أمور عسكرية تخرج عن نطاق سياسة الاتحاد الأوروبي، وأنها لاحظت على وجهي شخصياً ووجه بان كي مون الشعور نفسه بالحرج وعدم التناسق مع باقي المجتمعين غربيين كانوا أم عرباً.
بعد أن انتهى الرئيس الفرنسي من كلمته قال: أُعطي الكلمة للسيد الأمين العام.
يبدو أنه كان يقصد بان كي مون، لكن من فرط غضبي ورغبتي في الرد على كلمته اعتبرت أنه يخاطبني أنا أمين عام الجامعة العربية، وبان كي مون لم يعلق، فألقيت كلمتي التي أكدت فيها أن «قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 بشأن ليبيا يهدف إلى حماية المدنيين، ولا يؤيد أي غزو لذلك البلد العربي المستقل وصاحب السيادة، وطلبت من كل الأطراف المجتمعة عدم الذهاب إلى أبعد من منطوق قرار مجلس الأمن الصادر في 17 مارس 2011 الذي قيد العمليات العسكرية على الأراضي الليبية في حظر جوي على قوات معمر القذافي».
وأعدت التأكيد على أن الهدف من قرار مجلس الأمن المشار إليه هو حماية المدنيين الليبيين فقط، وأن هذا القرار لم يمنح أي طرف شرعية لغزو أو احتلال ليبيا، وأن نص هذا القرار واضح في هذه النقطة. كان واضحاً أنني مملوء بالغضب، ومن ثم توجهت إلى الممثلين العرب في الاجتماع؛ فقال لي حمد بن جاسم: الموضوع خلص يا أخ عمرو.
- القصف الحرام
لم يمضِ كثير من الوقت حتى تأكدت شكوكي بشأن أن مسألة المدنيين كانت حصان طروادة للإطاحة بالقذافي؛ ففي نفس يوم اجتماع باريس (19 مارس 2011) وقبل أن أصل إلى القاهرة عائداً من العاصمة الفرنسية، وربما قبل ذلك بدأت طائرات حربية فرنسية قصف مواقع ليبية أرضية دفاعية. بعد متابعة هذه الأخبار عن العمل العسكري الذي يجري على الأراضي الليبية تأكدت مرة أخرى أننا تعرضنا لخديعة، وأن ما يتم بالفعل من أعمال حربية قد تجاوز قرار مجلس الأمن 1973، الذي يقضي فقط بفرض منطقة حظر جوي على الأراضي الليبية للحيلولة دون قيام القذافي بضرب المدنيين المعارضين له.
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

مع ساعات الفجر الأولى، يجلس برك بو سبعة (63 عاماً) إلى طاولة أحد المقاهي الشعبية في قلب مدينة المكلا القديمة، يتأمل وجوه المارّة، ويتبادل أطراف الحديث مع أصدقائه عن هموم تتشابه وتفاصيل حياة لم تعد كما كانت.

ويُعدّ بو سبعة من قدامى سكان المدينة الساحلية، وقد ارتبط رزقه ورزق أسرته ببحر العرب، الذي يعانق جبال المكلا شرق اليمن، ويمنح الصيادين ما تجود به أمواجه؛ يوماً بعد آخر.

قدم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» أكثر من 200 قارب للصيادين في المكلا (الشرق الأوسط)

يستعيد برك، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، ملامح الحياة القديمة في المكلا، قائلاً إن «الأيام كانت أبسط وأجمل»، مضيفاً: «الناس كانوا طيبين... لا يميلون إلى المشكلات، ويحبون الضيف ويكرمونه».

وأثناء احتسائه الشاي بالحليب، يتابع بو سبعة حديثه عن العادات اليومية قائلاً: «كما ترى، يبدأ الناس صباحهم هنا بالباخمري والمطبق (من الأكلات الشعبية)، فيما تختلف الطقوس بعد الظهر، حيث يتناولون الأرز الصيادية، ويشتهر بها عمر عبود باسعد».

برك بو سبعة أحد قدامى الصيادين في مدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

ولا يزال بعض المظاهر القديمة حاضراً في ذاكرة بو سبعة، ومنها جلسات العصر التي كان الناس يلتفون فيها لسماع قصص عنترة، تُروى على شكل حلقات متتابعة تمتد أياماً عدة. ويقول: «من أشهر من كان يروي هذه القصص عبد أحمد، وكان الناس ينتظرون جلساته بشغف».

ويشير بو سبعة إلى المكان الذي كانت تُعقد فيه تلك الجلسات، خلف سدة يعقوب باوزير، وهي مقبرة كبيرة في المكلا القديمة، لافتاً إلى أن بعض الروايات تقول إن يعقوب باوزير قدم إلى المدينة من العراق.

وعن هموم الصيادين اليوم، يختصرها بو سبعة في 3 عناوين رئيسية: «غلاء المعيشة، وصعوبة توفير المحروقات، وارتفاع أسعار معدات الصيد»، مؤكداً أن هذه التحديات باتت تثقل كاهل من لا يزالون يعتمدون على البحر مصدراً وحيداً للرزق.

«كونتينر الريان»

تدخّل صياد آخر في الحديث قائلاً: «تحسّن وضع الصيادين الآن بعد مغادرة الإماراتيين». سألته كيف؟ فطلب عدم ذكر اسمه، موضحاً: «كانت هناك مناطق يُحظر علينا الصيد فيها من قبل القوة الإماراتية التي كانت موجودة».

وأضاف: «مُنعنا الصيد في منطقة شحير القريبة من مطار الريان، وكذلك في منطقة الضبة. اليوم تنفّسنا الصعداء بعد مغادرتهم».

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، طلب في 30 ديسمبر (كانون أول) الماضي، مغادرة ⁠كل ​القوات ‌الإماراتية ومنسوبيها جميع الأراضي اليمنية في غضون 24 ⁠ساعة.

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

غير أن الرجل، الذي يبدو في عقده الرابع، تحدث بمرارة عمّا يُعرف بـ«كونتينر الصيادين». اعتدل في جلسته، ثم واصل حديثه قائلاً: «كان هناك كونتينر خصصه الإماراتيون في مطار الريان لاحتجاز الصيادين المخالفين تعليماتهم».

وتابع: «كما كانت تُحتجز الهواري (القوارب) لفترات قد تصل أحياناً إلى شهر، وهو أمر كارثي بالنسبة إلى صياد يعتمد في قوت عائلته على صيده اليومي».

وأشار الصياد إلى ملاحظة أخرى وصفها باللافتة، قائلاً: «بعض الصيادين كانت تُصرف لهم رواتب شهرية من قبل الإمارات مقابل الامتناع عن الصيد، وعند تسلمهم تلك الرواتب فوجئوا بأن أسماءهم مُسجّلة في الكشوفات المالية بوصفهم (جنوداً) لدى القوة الإماراتية».

ووفق تقديرات محلية، يبلغ عدد الصيادين في مدينة المكلا نحو 3 آلاف صياد، يتوزعون على عدد من مناطق المدينة. ووفقاً لأحدهم، فقد قدّم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، قبل نحو عامين، أكثر من 200 قارب دعماً للصيادين في المكلا، في إطار الدعم التنموي المستمر الذي تقدمه المملكة للشعب اليمني في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.


سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
TT

سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)

أثار إعلان السلطة المحلية وقوات «تحالف دعم الشرعية» في اليمن عن المصادقة على خطة إخراج المعسكرات من مدينة عدن، التي تُتخذ عاصمة مؤقتة للبلاد، حالة من الارتياح لدى سكان المدينة التي عانت من الصراعات في السابق، وطالبوا بتحويل المعسكرات إلى حدائق ومدارس، عادّين ذلك خطوة مهمة لتجنيب المدينة أي صراعات مستقبلية.

وعبّر سكان في المدينة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادتهم بهذه الخطوة، ورأوا أن تحويل المعسكرات إلى حدائق عامة ومدارس سيخدم السكان، ويسهم في تجنيب المدينة الصراعات لتكون آمنة ومستقرة، قائلين إنهم كانوا يتطلعون منذ مدة طويلة إلى مثل هذه الخطوة التي أثّرت على الدور الفاعل للمدينة ودورها الاقتصادي.

وقال صهيب، وهو معلم، إنهم يتطلعون إلى «مزيد من القرارات الجادة التي تصب في مصلحة سكان المدينة وتلبي تطلعاتهم المشروعة؛ لأن سكان عدن دفعوا عبر سنوات طويلة ثمن الصراعات التي أثّرت بشكل واضح على الطابع المدني الذي عُرفت به، وعلى الدور الاقتصادي المنشود بصفتها أكبر موانئ البلاد والعاصمة الاقتصادية لها».

تحقيق الأمن والاستقرار ركيزة أساسية لاستعادة عدن مكانتها الاقتصادية (إعلام محلي)

من جهته، يرى سامي عبد الباسط، وهو طالب جامعي، أن سكان عدن عانوا من الصراعات نتيجة انتشار المعسكرات فيها، وأنه حان الوقت لإغلاق هذه الصفحة من خلال تعزيز دور شرطة المدينة وإخراج المعسكرات منها، مبيناً أن وجود المعسكرات وسط التجمعات السكنية من شأنه أن يفتح الباب أمام أي مغامرة، كما حدث في عامي 2018 و2019.

الأمر ذاته عبّرت عنه نسرين، وهي موظفة حكومية، وأكدت أن الناس يتطلعون إلى أن تعود عدن كما عُرفت؛ مدينة مسالمة ومستقرة ومركزاً للأنشطة الثقافية والفنون، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى تحسين الخدمات والفرص الاقتصادية، وأن إخراج المعسكرات سيشكّل خطوة مهمة في دعم وتعزيز الطابع المدني الذي عُرفت به منذ زمن طويل، قبل أن تدفع ثمن الصراعات.

آليات تنفيذية

وكانت قيادة السلطة المحلية بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، برئاسة وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد عقدت اجتماعاً مشتركاً مع قيادة التحالف الداعم للشرعية في اليمن، ممثلة باللواء الركن فلاح الشهراني، وبحضور قيادات أمنية وعسكرية؛ لمناقشة خطة إعادة تموضع المعسكرات خارج نطاق المدينة.

وذكر إعلام السلطة المحلية أن الاجتماع ناقش الآليات التنفيذية وخطة إخراج المعسكرات وإعادة تموضعها في المواقع المتفق عليها، على أن يعلَن عن تفاصيل ذلك لاحقاً من قبل الجهات المختصة؛ وذلك في إطار الجهود الهادفة إلى تعزيز الطابع المدني لمدينة عدن وترسيخ الأمن والاستقرار فيها.

وطبقاً لما أوردته المصادر، فإن «تنفيذ خطة إعادة التموضع سيكون على 3 مراحل، وفق خطوات وآليات واضحة جرى التوافق عليها، بما يضمن تحقيق الأهداف الأمنية والتنظيمية المنشودة».

وشدد المجتمعون على أن تحقيق الأمن والاستقرار يمثل ركيزة أساسية لاستعادة مكانة عدن ودورها الريادي، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، بما يسهم في دعم مسار التنمية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

استقرار الوقود

وفي لقاء آخر، ناقشت السلطة المحلية بعدن مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، ممثلة بمستشار قائد القوات المشتركة اللواء الركن فلاح الشهراني، سبل تعزيز استقرار إمدادات الغاز المنزلي والمشتقات النفطية، وتحسين خدمات الطاقة في العاصمة المؤقتة للبلاد والمحافظات المحررة.

وكرّس الاجتماع، الذي حضره وكيل محافظة عدن لشؤون التنمية، عدنان الكاف، ووكيل وزارة النفط والمعادن، طلال بن حيدرة، لمناقشة التحديات المرتبطة بغياب الخزانات الاستراتيجية للغاز وتداعيات توقف الإمدادات مؤخراً، والتوجه إلى إنشاء خزانات استراتيجية تضمن استقرار التموين وتفادي الأزمات مستقبلاً.

حضور فاعل لـ«تحالف دعم الشرعية» في تحسين الخدمات لسكان عدن (إعلام حكومي)

كما ناقش المشاركون آليات تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وتعزيز التنسيق بين الجهات ذات العلاقة لضمان استمرارية تزويد السوق المحلية بالغاز والحد من أي اختناقات.

وثمن الحاضرون في الاجتماع الدعم الذي تقدمه السعودية في مجال المشتقات النفطية، وما أسهم به في تحسين خدمة الكهرباء واستقرار التيار خلال الأيام الماضية، ضمن الاستعدادات المبكرة لفصل الصيف.


اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
TT

اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)

في لحظة سياسية دقيقة، يعود ملف الجنوب اليمني إلى واجهة المشهد الإقليمي، وسط تحركات سعودية حازمة تهدف إلى إعادة صياغة مساره بعيداً عن الاستقطاب والصراعات المفتوحة، وبمقاربة تضع الحوار الشامل خياراً وحيداً لتفكيك التعقيدات المتراكمة وإنهاء حالة الجمود.

وفي هذا السياق، انطلقت في العاصمة السعودية الرياض، الأحد، أعمال «اللقاء التشاوري الجنوبي» بمشاركة واسعة من القيادات والشخصيات السياسية والاجتماعية، إلى جانب المشايخ والأعيان، من مختلف محافظات جنوب اليمن، في خطوة تمهيدية لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، الذي ترعاه السعودية، ضمن جهودها الرامية إلى دعم مسار سياسي شامل يعالج القضية الجنوبية بعيداً عن الإقصاء والتهميش، وبما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.

ويأتي هذا اللقاء في ظل تعقيدات غير مسبوقة يعيشها المشهد اليمني، وما تواجهه القضية الجنوبية من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة، حيث يسعى المشاركون إلى بلورة رؤية جنوبية جامعة تقوم على الحوار بوصفه خياراً أساسياً لمعالجة جذور الأزمة، بعيداً عن منطق التصعيد والعنف، أو اختزال القضية في تمثيل أحادي لا يعكس تنوع الجنوب وتعدد مكوناته.

وأكد المجتمعون، في بيان ختامي تلاه عبد الرحمن المحرّمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، أن اللقاء يعكس «إرادة جنوبية جامعة تمثل مختلف شرائح الجنوب ومحافظاته، وتسعى إلى التوصل إلى حل عادل وآمن ومستدام للقضية الجنوبية»، مشددين على أن هذا المسار السياسي يستند إلى الحوار المسؤول بوصفه الطريق الوحيد القادر على تجنيب الجنوب مزيداً من الانقسامات والصراعات الداخلية.

لقاء تشاوري في الرياض للقيادات الجنوبية أكد على نهج الحوار للتوصل إلى حلول عادلة للقضية الجنوبية (رويترز)

وأوضح البيان أن المشاركين لمسوا، من خلال لقاءاتهم المباشرة مع القيادات والمسؤولين في السعودية، دعماً واضحاً ومتطابقاً مع مطالب الجنوبيين المشروعة، وفي مقدمتها حقهم في الوصول إلى حل سياسي شامل يضمن كرامتهم وأمنهم واستقرارهم، دون فرض شروط مسبقة أو سقوف سياسية، وبما يكفل حق أبناء الجنوب في تقرير مستقبلهم السياسي عبر آلية توافقية لا يُقصى فيها أحد.

وشدد البيان على أن خيارات أبناء الجنوب، بما فيها شكل الدولة ومستقبلها السياسي، تظل حقاً أصيلاً لهم وحدهم، وأن المملكة العربية السعودية لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار، شريطة أن يكون ناتجاً عن حوار جنوبي - جنوبي شامل، لا يُفرض من قبل مكون أو شخص بعينه، ولا يُختزل في تمثيل لا يعكس الإرادة الجنوبية الجامعة.

رعاية سعودية وفرصة تاريخية

البيان أكد أن مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، برعاية السعودية، يمثل «فرصة تاريخية نادرة» لإعادة تصويب مسار القضية الجنوبية، محذراً من محاولات العبث بهذه الفرصة عبر خلق استقطابات داخلية، أو الزج بالجنوب في صراعات جانبية تخدم أطرافاً إقليمية تسعى لإدامة الفوضى، ولا تصب في مصلحة الجنوبيين أو مستقبلهم.

وفي هذا السياق، برزت دعوات واسعة داخل اللقاء، إلى ضرورة الفصل بين عدالة القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية وحقوقية مشروعة، وبين الممارسات الفردية لبعض القيادات التي يرى مراقبون أنها ألحقت أضراراً جسيمة بالقضية، من خلال احتكار التمثيل، أو توظيفها في صراعات إقليمية لا تخدم تطلعات أبناء الجنوب.

السعودية تقود مساراً يقوم على الحزم والمسؤولية الإقليمية للتوصل إلى حلول آمنة لقضايا اليمن المعقدة (رويترز)

ويشير محللون إلى أن تراجع الزخم السياسي للقضية الجنوبية خلال مراحل سابقة ارتبط، إلى حد كبير، بممارسات سياسية ومالية مثيرة للجدل، وبتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، وهو ما أسهم في إضعاف حضور القضية على المستويين الإقليمي والدولي، قبل أن تعيد الرعاية السعودية الحالية تصديرها بوصفها قضية سياسية مركزية ضمن مسار الحل الشامل في اليمن.

وأشار المحرمي إلى أن القيادات والشخصيات الجنوبية المشاركة لمست منذ وصولها إلى الرياض، ترحيباً صادقاً ودعماً عملياً للقضية الجنوبية، مؤكداً أن هذا الدعم لم يقتصر على الجانب السياسي؛ بل شمل الملفات المعيشية والاقتصادية والأمنية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وأوضح البيان أن اللقاءات التي عقدتها القيادات الجنوبية مع مسؤولي مؤسسات الدولة في المملكة، أسهمت في تقديم صورة أكثر عمقاً ووضوحاً عن أبعاد القضية الجنوبية، الأمر الذي عزز من حضورها السياسي إقليمياً، وساعد في تسريع معالجة عدد من الملفات العاجلة، وفي مقدمتها أزمة صرف المرتبات المتأخرة، التي أثقلت كاهل الموظفين المدنيين والعسكريين على حد سواء.

القيادات الجنوبية شددت على رفض الإقصاء أو الاحتكار لموضوع القضية الجنوبية (رويترز)

كما أعلنت السعودية عن دعم اقتصادي وتنموي للجنوب واليمن عموماً، بلغت قيمته نحو 1.9 مليار ريال سعودي (نصف مليار دولار) في خطوة عُدّت مؤشراً عملياً على التزامها بدعم الاستقرار المعيشي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتهيئة البيئة اللازمة لإنجاح أي مسار سياسي مقبل، مع تكفلها برواتب الموظفين المدنيين الحكوميين بمبلغ 9 ملايين دولار، وكذا برواتب كل العسكريين والأمنيين المرتطبين باللجنة المشتركة لقيادة تحالف دعم الشرعية.

وفي الجانب الأمني، تلقى المجتمعون تأكيدات مباشرة بشأن استمرار دعم القوات الجنوبية التي تضطلع بمهمة مكافحة الإرهاب وحماية الأمن والاستقرار، في مواجهة التهديدات التي تشكلها ميليشيات الحوثي والتنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها «القاعدة» و«داعش»، بما يعزز من قدرة الجنوب على حماية مكتسباته الوطنية.

دعوة للمشاركة والمسؤولية

دعا البيان الذي قرأه المحرّمي، جماهير الشعب الجنوبي، إلى التعبير عن تطلعاتهم المشروعة بوعي ومسؤولية، ودعم مسار الحوار الجنوبي برعاية السعودية، باعتباره الإطار الأكثر واقعية وأماناً للتوصل إلى حل سياسي شامل، يحفظ الحقوق ويصون المكتسبات، بأقل تكلفة ممكنة.

كما وجّه البيان نداءً إلى المجتمع الدولي لمساندة هذا المسار الجاد، واحترام تطلعات الجنوبيين، ودعم الجهود السعودية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في الجنوب واليمن والمنطقة، باعتبار أن معالجة القضية الجنوبية تمثل مدخلاً أساسياً لأي تسوية شاملة ومستدامة.

حشد من المتظاهرين في عدن المطالبين بإيجاد حلول للقضية الجنوبية (رويترز)

وفيما يتعلق بالمظاهرات التي تشهدها مدينة عدن بين الحين والآخر، أكد البيان أن هذه التحركات تعبّر في جوهرها عن مطالب شعبية مشروعة مرتبطة بالقضية الجنوبية والظروف المعيشية الصعبة، ولا يمكن اختزالها في دعم شخص أو مكون بعينه.

ويرى مراقبون أن توظيف هذه الاحتجاجات سياسياً من قبل بعض القيادات، بهدف تحقيق مكاسب شخصية أو تعزيز نفوذ ضيق، أسهم في تشويه صورة الحراك الجنوبي، وأضعف مصداقية القضية أمام المجتمع الدولي، لا سيما في ظل اتهامات متداولة حول قضايا فساد وسوء إدارة ألحقت أضراراً مباشرة بحياة المواطنين.

رفض للنهج الفوضوي

في مقابل الإشادة بالدور السعودي، برزت داخل اللقاءات الجنوبية مواقف نقدية حادة تجاه دور أبوظبي في اليمن، حيث يرى مراقبون أن السياسات الإماراتية، القائمة على دعم أطراف بعينها، أسهمت في تعميق الانقسامات الجنوبية، وإطالة أمد الفوضى، وعرقلة الوصول إلى حل سياسي شامل.

من المرتقب أن يتوصل حوار القادة الجنوبيين في الرياض إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ اليمن (رويترز)

ويربط محللون هذا الدور بما تصفه تقارير دولية بنمط تدخل إماراتي مشابه في دول أخرى مثل السودان وليبيا والصومال، حيث أدت سياسات دعم الفصائل المحلية إلى تعقيد الأزمات بدلاً من حلها، في حين تميزت المقاربة السعودية، وفقاً لهذه الرؤية، بالتركيز على دعم الدولة، والحوار، والاستقرار، والتنمية.

ويرى محللون أن استمرار أي تدخلات خارجية تحرّض على شق الصف الجنوبي، أو توظف القضية الجنوبية لخدمة أجندات إقليمية، قد يدفع الرياض إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة لحماية مسار الحوار، وضمان عدم تقويض جهود مكافحة الإرهاب، وتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن.