لم تكن مجرد مصادفة أن يقر مجلس الوزراء الفرنسي مجتمعاً برئاسة الرئيس إيمانويل ماكرون مشروع قانون محاربة «الانفصالية الإسلامية» يوم أمس، في 9 ديسمبر (كانون الأول)، بل كان ذلك أمراً متعمداً ويحمل شحنة رمزية خاصة. ففي مثل هذا اليوم، قبل 115 عاماً، أُقر «قانون العلمانية» الذي يعدّه الفرنسيون أحد النصوص الرئيسية المؤسسة للجمهورية وللفصل بين الدين والدولة يوم كانت الديانة الإسلامية «هامشية» ومعتنقوها قلائل بداية القرن الماضي. ولذا، لم يكن الإسلام معنياً بها. والحال أن الأمور تغيرت اليوم، وتحول الإسلام إلى ثالث ديانة متبعة في فرنسا، وعدد المسلمين والمتحدرين من أصول إسلامية يربو على 6 ملايين. ومع الموجة الإرهابية التي ضربت فرنسا منذ أوائل عام 2015، وآخر اعتداءاتها حدث في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وادعاء القائمين بها الزائف دفاعهم عن الإسلام، وتصاعد التيار الديني الراديكالي المتطرف وما يمثله من مخاطر على قيم الجمهورية والعيش المشترك، أُلزمت السلطات الفرنسية بالتحرك والتشدد.
ومشروع القانون يعدّ ترجمة عملية لما أراده ماكرون وسيلة لمحاربة من كان البادئ بتسميتها «الانفصالية الإسلامية». بيد أن ردود الفعل الأولى على مشروع القانون المشكل من 54 مادة وسيبدأ البرلمان بمجلسيه (الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ) مناقشته مع انطلاق العام الجديد، جاءت متفاوتة، وهي تعكس صورة المشهد الفرنسي الراهن. فمن جهة؛ لم يتأخر اليمين بجناحيه الكلاسيكي والمتطرف في التصويب على مشروع القانون واتهام ماكرون بـ«التراخي» في معالجة ظاهرة خطيرة. وفي المقابل؛ فإن اليسار ممثلاً في الحزب الاشتراكي يأخذ عليه أنه يركز على الجوانب الأمنية والعقابية بينما يتناسى المحور الثاني «الاجتماعي» الذي يستهدف الاهتمام بالفئات المهمشة وبضواحي المدن والسعي، بكلام آخر، نحو المهاجرين وأبنائهم أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، لتوفير تكافؤ الفرص في التعليم والعمل والمسكن، عملاً بمبدأ «المساواة» بين الموطنين.
بيد أن الهمّ الأول للحكومة، ممثلة في رئيسها جان كاستيكس، كان التأكيد على أن القانون المنتظر «ليس نصاً ضد الأديان ولا ضد الديانة الإسلامية بشكل خاص»، مضيفاً أنه «على العكس؛ قانون للحرية وقانون للحماية وقانون للتحرر في مواجهة الأصولية الدينية». وما تريد باريس تحقيقه أمران: من جهة؛ تعزيز «مبادئ الجمهورية»، ومن هنا تسميته الجديدة «قانون تعزيز مبادئ الجمهورية الجديدة». ومن جهة ثانية؛ التركيز على «محاربة الفكر الخبيث» و«آيديولوجيا الكراهية»؛ أي الفكر المتطرف والإسلام السياسي.
وقال كاستيكس في حديث لصحيفة «لو موند» المستقلة نشر يوم أمس: «نحن أمام عدو يهاجم قيمنا ويهاجم مواطنينا من خلال الهجمات الإرهابية»، مضيفاً أن «عدو الجمهورية الفرنسية هو آيديولوجيا سياسية تسمى (الإسلام المتطرف) وتهدف إلى تقسيم الفرنسيين فيما بينهم». تصريحات كاستيكس جاءت عقب اجتماع مجلس الوزراء. وما تسعى إليه السلطات حقيقة هو محاربة «خطاب الكراهية» وإقفال كل المسارب التي يمكن أن تساعد على انتشار الفكر المتطرف الذي ترى فيه هذه السلطات «الحاضنة» التي تولد الإرهاب.
وبحسب المصادر الأمنية الفرنسية، فإن «الخطر الإرهابي اليوم في فرنسا مصدره داخلي أكثر مما هو خارجي، من غير أن يعني ذلك أن التهديد الخارجي قد تلاشى، والدليل على ذلك أن إبراهيم العيسوي، مرتكب عملية نيس الإرهابية في 29 أكتوبر الماضي، داخل كنيسة (نوتردام) وصل إلى المدينة المذكورة من إيطاليا قبل 48 ساعة من ارتكابه جريمته الإرهابية». وبحسب التعريف الفرنسي الضمني، فإن المقصود بـ«الإسلام السياسي» جماعات وفكر الإخوان المسلمين.
وكان مانويل فالس، آخر رئيس حكومة في عهد الاشتراكي فرنسوا هولاند، أول من ربط بين الإسلام السياسي والجماعات المشار إليها. وبناء عليه؛ فإن القانون المرتقب يوفر القاعدة القانونية لملاحقة ومعاقبة من يخالف بنوده التي تغطي ميادين واسعة؛ تبدأ مع تعليم الأطفال في المنازل، وصولاً إلى التمويل الخارجي للمساجد وأماكن العبادة وقطع الرابط بين الجهتين، مروراً بفرض الرقابة على الجمعيات والمؤسسات الإسلامية، وملاحقة من يروج للخطاب المتطرف على شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وتوفير صلاحيات إضافية لمديري الشرطة والمحافظين. ويريد القانون توفير الحماية للقاصرين والفتيات والنساء ومعاقبة من يمارس ضغوطاً عليهم، ومن الأمثلة على ذلك أن القانون سيعاقب من يطلب شهادة عذرية من فتاة قبل الزواج، والزواج القسري، وتعدد الزيجات.
وبيّن استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «فيافويس» أن 88 في المائة من الفرنسيين يشعرون بـ«القلق» إزاء نمو الإسلاموية؛ وبينهم 58 في المائة يشعرون بـ«القلق الشديد».
بالتوازي؛ ما لا تريده السلطات أن يتسبب القانون في احتجاجات في الداخل والخارج يمكن أن تضاف لما تعرفه فرنسا من انتقادات خارجية ومظاهرات صاخبة وعنف في الداخل بسبب عنف الشرطة من جهة؛ وقانون «الأمن الشامل» الذي يُنظر إليه على أنه ضرب لحرية الرأي والصحافة وانتقاص من الحريات الأساسية بشكل عام.
مجلس الوزراء الفرنسي يقر مشروع قانون محاربة «الانفصالية الإسلاموية»
يتشكل من 54 مادة وستبدأ مناقشته في البرلمان بداية العام الجديد
رئيس الحكومة جان كاستيكس أكد أن القانون المنتظر ليس نصاً ضد الإسلام (رويترز)
مجلس الوزراء الفرنسي يقر مشروع قانون محاربة «الانفصالية الإسلاموية»
رئيس الحكومة جان كاستيكس أكد أن القانون المنتظر ليس نصاً ضد الإسلام (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
