عمرو موسى: قرنق أراد أن يكون رئيساً لكل السودان والسلام مع «الحركة الشعبية» كان ملهماً للتمرد

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (5)

عمرو موسى وجون قرنق
عمرو موسى وجون قرنق
TT

عمرو موسى: قرنق أراد أن يكون رئيساً لكل السودان والسلام مع «الحركة الشعبية» كان ملهماً للتمرد

عمرو موسى وجون قرنق
عمرو موسى وجون قرنق

في هذه الحلقة الخامسة من الكتاب الجديد للأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى «سنوات الجامعة العربية»، الذي سيصدر قريباً عن «دار الشروق» وحرره ووثقه خالد أبو بكر، نستعرض جهود موسى والجامعة العربية في أزمات السودان، التي خصص لها فصلين على مساحة 44 صفحة، تناول الأول، الأزمة بين شمال السودان وجنوبه التي انتهت بانفصال الجنوب، فيما خصص الثاني للأزمة السياسية والإنسانية التي عاشها إقليم دارفور اعتباراً من مارس (آذار) 2003.
ويكشف عمرو موسى في هذا الكتاب أن زعيم الحركة الشعبية جون قرنق قال له إنه يريد أن يكون رئيساً للسودان كله، سائلاً: «ما قيمة أن أكون زعيماً لدولة في جنوب السودان فقيرة وضعيفة ومغلقة؟». ويوضح أنه طلب من قادة السودان «العمل على ترغيب الجنوبيين في الوحدة لكنهم اعتبروا الانفصال قدراً محتوماً»، معتبراً أن اتفاق السلام مع الحركة الشعبية كان ملهماً لكل حركات التمرد في كل مناطق السودان، واصفاً الجميع في دارفور بأنهم كانوا «ضحايا وجلادين».
السودان وقضاياه وصراعاته التي لا تهدأ واحد من أهم شواغلي منذ بداية حياتي المهنية في الدبلوماسية المصرية. تعزّز هذا الاهتمام الاستثنائي بالسودان طيلة السنوات العشر التي قضيتها وزيراً لخارجية مصر. كان طبيعياً أن يستمر هذا الاهتمام بالسودان خلال العقد التالي الذي قضيته أميناً عاماً لجامعة الدول العربية؛ ذلك أنه خلال تلك الفترة كانت أعمدة النار والدخان تحاصر هذا البلد المترامي من معظم الجهات. كانت هناك الحرب مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب، وأزمة دارفور، وتمرد محلي في أكثر من ولاية، والاضطرابات مع تشاد في الغرب، بجانب تدهور العلاقات مع إريتريا وأحياناً إثيوبيا في الشرق، ناهيك بالاضطرابات في العلاقة المصرية - السودانية من فترة لأخرى لأسباب مختلفة، بالإضافة إلى البعد الليبي غير المستقر.
- قضية جنوب السودان
هناك عوامل عدة تضافرت في إحداث وتغذية ذلك الصراع بين الجنوب والشمال، منها التعددية العرقية في السودان، بما في ذلك في جنوبه، وتمايزها عن الشمال، وكذلك التعددية الدينية في الجنوب، بجانب الصراع على الموارد ومداخيلها بين الشمال والجنوب، فضلاً عن سياسة التهميش التي وقعت فيها الحكومات المركزية السودانية تجاه الأطراف كافة، وفشل هذه الحكومات المتعاقبة في تعزيز قيم المواطنة، التي تنصهر فيها النزاعات العرقية والدينية والقبلية. ولا ننسى أيضاً جهود بريطانيا الاستعمارية في تفجير النزعة الانفصالية وتكريسها لدى سكان جنوب السودان، عبر تعزيز دور البعثات التبشيرية، وسياسة إضعاف الثقافة العربية، وإحلال الموظفين الجنوبيين محل الشماليين، ومنع التجار الشماليين من الوصول إلى الجنوب.
في 20 يوليو (تموز) 2002، وقعت الحكومة السودانية والحركة الشعبية «بروتوكول مشاكوس» في كينيا، الذي قبلت به الجامعة العربية في حينه بعد أن وقعت عليه حكومة السودان (فلم يكن للجامعة أن تصبح ملكية أكثر من حكام السودان)، والذي تضمن وثيقتين: الأولى تقضي بتمديد الهدنة القائمة حتى نهاية مارس 2003، والثانية تغطي عدداً من النقاط التي قبل بها الطرفان مبدئياً، وهي تتعلق باقتسام السلطة والثروة، لكن دون الإقرار بأي موقف حاسم بشأنها. واتفق الطرفان على إلغاء تطبيق الشريعة الإسلامية في المناطق التي يقطنها غير المسلمين وإجراء استفتاء في الجنوب على الانفصال أو الوحدة بعد فترة انتقالية مدتها ست سنوات.
بعد ذلك التوقيع، حددت بعد التشاور مع الحكومات العربية المعنية جهود الجامعة العربية فيما يخص الصراع بين شمال وجنوب السودان في جانبين أساسيين، يتعلق أولهما بدفع عملية السلام والمفاوضات بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية، وحثهما على إبرام وتوقيع اتفاق سلام شامل ربما يساعد في الوحدة، وثانيهما بدعم التنمية وإعادة الإعمار في المناطق التي تضررت من الحرب.
قبلها كنت استقبلت في مقر الجامعة بالقاهرة في مارس 2002 زعيم الحركة الشعبية جون قرنق الذي أعرب عن توجهات وحدوية، مطالباً بدعم الجامعة العربية لتلك التوجهات. بنيت على ذلك اللقاء المثمر، وأرسلت بعثة عربية برئاسة السفير سمير حسني، مدير إدارة أفريقيا بالجامعة العربية، في أبريل (نيسان) 2003 إلى مدينة رومبيك الجنوبية مقر قيادة الحركة الشعبية فى جنوب السودان، وتعد هذه البعثة العربية الأولى التي تزور تلك المنطقة، للتأكيد على التزام الجامعة العربية ومؤسساتها بالمساهمة الفاعلة في تنمية جنوب السودان والمناطق المتأثرة بالحرب، وجعل الوحدة خياراً طوعياً جاذباً.
يجب أن أتوقف هنا لأتحدث عن قرنق الذى ربطني به تفاهم خاص، فتعددت لقاءاتي به بعد زيارته الأولى لمصر سنة 1997؛ فموقفه تطور تطوراً متدرجاً، فبدلاً من النضال لتحقيق انفصال الجنوب صار النضال من أجل الحقوق المتساوية بين كل السودانيين فى أنحاء السودان كافة بما في ذلك الجنوب، وذلك في إطار الشعار الذي رفعه وهو «السودان الجديد» الجامع لكل الأعراق والديانات. وربما كان هذا التطور في موقف زعيم الحركة الشعبية من الأسباب التي أسهمت في اختفائه المؤسف من الحالة السياسية في السودان.
كان قرنق يقول لي في كل لقاء يجمعني به: «ما قيمة أن أكون زعيماً أو رئيساً لدولة جنوب السودان الفقيرة الضعيفة الصغيرة المغلقة؟... أنا أريد أن أكون رئيساً للسودان كله... هذا حقي ما دمت مواطناً سودانياً»... كنت أحيي فيه ذلك التوجه وأؤيده، إلا أن رؤيته تلك لم تلقَ ترحيباً من أي من الأطراف الفاعلة في المسألة السودانية... أفارقة كانوا أم عرباً أم غربيين، بل ومن زعماء السودان (الشمالي)، ولكنني أعتقد أنه لو قدر لقرنق أن يحقق بداية جديدة على أساس فكرة «السودان الجديد» مع فرصة ترشحه للرئاسة، لربما أخذت الأحداث مساراً آخر مختلفاً تماماً، إذ كان من شأن ذلك خلق ديناميكيات مختلفة لم يرد أي من الأطراف لها أن تخلق.
- اتفاق السلام الشامل
تلبية لدعوة الحكومة الكينية، شاركت في 9 يناير (كانون الثاني) 2005، مع العديد من القادة العرب والأفارقة في مراسم توقيع اتفاق السلام الشامل بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان بنيروبي. نص الاتفاق الشامل على وقف دائم لإطلاق النار وإقامة فترة انتقالية مدتها 6 أعوام يتعاون خلالها الشمال والجنوب في حكم البلاد، ويكلف قرنق بمسؤوليات النائب الأول للرئيس السوداني. كما نصت الاتفاقية على تقاسم عائدات النفط، وحق الحركة الشعبية وحلفائها الجنوبيين في تشكيل حكومة للجنوب لإدارة شؤونه بالكامل لفترة 6 سنوات تنتهي بتصويت سكان الجنوب ومنطقة أبي الغنية بالنفط في استفتاء يجرى في 9 يناير 2011 على الانفصال عن شمال السودان أو الوحدة معه.
كان يجلس بجواري في أثناء مراسم التوقيع الصاخبة التي جرت في استاد نيفاشا بنيروبي، أحمد أبو الغيط، وزير خارجية مصر وقتئذ. في أثناء مراسم التوقيع شردت بعيداً. كنت أرى أن الأمور تسير بالتأكيد نحو انفصال الجنوب. يبدو أن أبو الغيط كان يفكر فيما كنت أفكر فيه. فقد قطع عليّ شرودي بأن قال لي: أستطيع أن أقول لك يا عمرو بك إنه بالتوقيع على هذا الاتفاق سينتهي الأمر إلى التقسيم.
قلت: بالفعل، هذا ما أتوقعه، لكن علينا ألا نستسلم. يجب أن نبذل قصارى جهدنا لحث الجنوبيين على التصويت لخيار الوحدة في 9 يناير 2011. اتفق معي أحمد في ذلك. وهو ما عملت الجامعة العربية ومصر على تحقيقه.
يمكن القول إن عملاً كبيراً قد تحقق من خلال الاجتماعات التنسيقية التي عقدتها الجامعة العربية لدفع منظومة العمل العربي المشترك للقيام بدور بارز في الإسهام في التنمية بجنوب السودان وجعل وحدة السودان خياراً جاذباً، وشارك في هذه الاجتماعات صناديق التمويل العربية والمنظمات العربية المتخصصة والاتحادات في المجالس الوزارية العربية. وكانت حصيلة قيمة المشروعات التي دخلت حيز التنفيذ الفعلي في جنوب السودان أكثر من 200 مليون دولار في مجالات الطرق والمياه والكهرباء ومجال الخدمات، خصوصاً التعليم والصحة.
لقد بذلت الجامعة العربية جهوداً ملموسة وقامت بأدوار فاعلة للمساعدة في التوصل إلى حل سلمي شامل للمسألة السودانية، غير أن أداء النظام العربي عانى ولا يزال يعاني من الفجوة الواضحة بين اتخاذ القرار وعدم تنفيذه، فلقد قررت قمة بيروت إنشاء الصندوق العربي لتنمية جنوب السودان بمساهمات مالية من الدول العربية، غير أن هذا الصندوق لم يتلقَّ إسهامات تذكر. كما اتخذ مجلس الجامعة بعد ذلك قراراً يدعو الدول الأعضاء إلى معالجة ديون السودان العربية بهدف تمكين السودان من مواجهة تحديات بناء السلام والوحدة، لكن ذلك لم يحدث أيضاً.
- الاستفتاء على الانفصال
جرى استفتاء الشعب السوداني في جنوب السودان بشأن استمرار الوحدة مع الشمال وبين الانفصال، فاختاروا الانفصال. والواقع أنني بصفتي المصرية، وبصفتي أميناً عاماً لجامعة الدول العربية كنت معارضاً لتقسيم السودان، وتحدثت فى هذا مطولاً مع الرئيس (السابق عمر) البشير والصادق المهدي وعثمان الميرغني وآخرين مشجعاً على رفض الانفصال (التقسيم)، وداعياً إلى عدم التساهل أو الخضوع لمخططات الانفصال، ولكن تبدت لي هنا جملة من الأمور:
1- كان واضحاً أن هناك تسليماً منهم بحصول الانفصال كقدر محتوم.
2- كانت الشطحات الدينية لنظام البشير تفضل إعمال الشريعة الإسلامية على السودان كله، فإن لم يكن فعلى الأقل على شمال السودان ولو أدى إلى انفضال الجنوب!!!
3- مصرع قرنق الذي كان في رأيي قادراً على تدوير عدد من الزوايا الحادة في العلاقة بين الشمال والجنوب، وبين التوجهات الإسلامية ومتطلبات الوحدة السودانية. كما بين السياسة التقليدية السودانية والنظرة المستقبلية التي تقبل بسودان مختلف وعلى درجة غير مسبوقة من الانفتاح.
4- القوى المتنفذة التي استقر رأيها على تقسيم السودان، من قوى عظمى وقوى إقليمية وقوى سودانية جنوبية وشمالية... كانت ترى في انفصال الجنوب حلاً لمعضلات كثيرة مع الأسف الشديد.
- الأزمة السياسية والإنسانية في دارفور
ما توقعته بعد توقيع اتفاق مشاكوس بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان الانفصالية في 20 يوليو (تموز) 2002، الذي تضمن فيما تضمن وثيقة مبدئية تتعلق باقتسام السلطة والثروة بين شمال وجنوب السودان (مع تفاصيل عديدة) قد حصل؛ ذلك أن هذا الاتفاق كان ملهماً لحركات متمردة في دارفور، رأت أن القتال وحده هو ما يجلب نظام البشير إلى طاولة المفاوضات، في سياق مساعي هذه الحركات للبحث عن صيغة لتقاسم السلطة والثروة في ذلك الإقليم، الذي يعاني التهميش والإهمال شأن بقية الأقاليم السودانية، ولتقاسم السلطة والثورة في السودان بعمومه.
شيئاً فشيئاً بدأ تسخين الصراع في دارفور إلى أن وصل الموقف إلى النقطة التي فجرته وقادت إلى مأساة إنسانية كبيرة لسكان الإقليم بكل مكوناتهم العرقية، تلك النقطة كانت في مارس 2003، عندما ثار متمردون ضد البشير، بدعوى تعرضهم للتهميش، وأعلنت حركتان مسلحتان هما حركة تحرير السودان، وحركة العدل والمساواة تمردهما. هاجم مسلحو الحركتين مدينة الفاشر، مركز ولاية شمال دارفور، ونجحوا في تدمير 7 طائرات بمطار المدينة.
وهو ما ردت عليه الحكومة باستراتيجية معروفة لدى الحكومات السودانية لمكافحة التمرد منذ عهد الصادق المهدي في الثمانينات من القرن الماضي تستند إلى حشد الميليشيات العربية المعروفة باسم «الجنجويد» المشهورة بشراستها لمكافحة المتمردين. في سياق الحديث عن أزمة دارفور والعوامل المؤدية لها، لا بد من الحديث عن تهميش الإقليم كله من قبل الحكومة المركزية وانعدام مشاريع التنمية والخدمات الأساسية من تعليم وصحة... إلخ.
- هل طرفا الصراع ثابتان في دارفور؟
قبيل استعراض تفاصيل ومراحل الأزمة السياسية والإنسانية في دارفور منذ سنة 2003، ودور الجامعة العربية في محاولة التوصل إلى حلول لها بالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، أود أن أنبه إلى أن هناك تصوراً خاطئاً يقع فيه الكثيرون، حاولت تصديره دوائر غربية لدق إسفين داخل العالم العربي والإسلامي عبر دارفور التي تسكنها أغلبية مسلمة كاسحة، بإبراز الحرب كأنها بين «المسلمين الأفارقة» و«المسلمين العرب»، وهو الأمر الذي يمكن أن تكون له انعكاساته وتداعياته السلبية وإشارة غير محمودة إلى «الإسلام العربي» و«الإسلام الأفريقي».
عمدت تلك الدوائر – ولا تزال - على تصوير أن طرفي هذا الصراع الذي استمر منذ 2003 وحتى الآن (2018) ثابتان (عرب وأفارقة)، دون إدراك لتلك الانقلابات المستمرة في التحالفات في دارفور، ناهيك بالانشطارات المتوالية للكتل الرئيسية في هذا الصراع، سواء على صعيد القبائل الداعمة للتمرد، أو تلك الداعمة للحكومة. فبعد أن استعانت الحكومة بقبائل عربية لمواجهة قبائل أفريقية متمردة، دخلت القبائل العربية في حرب طاحنة فيما بينها، ثم استعان البشير بقبائل أفريقية لمواجهة القبائل الأفريقية المتمردة. قصدت استعراض المراحل المختلفة لهذا الصراع (موجودة بتفاصيل كثيرة الكتاب) في البداية لإثبات أن المآسي التي عاناها سكان هذا الإقليم كان الجميع فيها ضحايا وجلادين في الوقت ذاته، وإن بدرجات متفاوتة.
مع تطور الأحداث في دارفور اعتباراً من مارس 2003، بدأ الاهتمام العالمي بهذه الأزمة، وبدأت دائرة الانتقادات الموجهة إلى الحكومة السودانية في الاتساع، حيث أعلن رئيس المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في 4 مارس 2004، أن هناك فظائع ترتكب في إقليم دارفور غرب السودان، وطالب الحكومة بفتح باب الحوار مع المتمردين على وجه السرعة، وإيقاف ميليشيات «الجنجويد» العربية.
ووصفت حملات إعلامية لم يسبق لها مثيل في الغرب الصراع بأنه «أول إبادة جماعية في القرن الحادي والعشرين» (وهو ادعاء غير حقيقي)، ومالت تلك الحملات إلى إدراج عرب دارفور - الذين بقي معظمهم على الحياد - ضمن ميليشيات «الجنجويد» التي دعمتها الحكومة، وهو ما أكدت دراسات غربية رصينة أنه غير دقيق، وأن نسبة العرب المشاركين في تلك الميليشيات صغيرة جداً، وأن دوائر غربية كانت تبالغ في قدرات الحكومة السودانية الهشة على كبح جماح ميليشيا الجنجويد. وكان لافتاً للنظر عدم تطرق الحملات الغربية إلى ممارسات المتمردين، فلم تكن الانتهاكات من جانب واحد في دارفور!
انطلاقاً من المعطيات السابقة عملت الجامعة العربية على تبرئة ساحة الثقافة العربية بشكل عام من أتون الصراع في دارفور. ونشطت الجامعة فى تقوية اتصالاتها وتنسيق جهدها مع الجهود الأفريقية وجهود الاتحاد الأفريقي بشكل خاص؛ بحيث لا يظهر أن الجهد العربي منفصلٌ عن صنوه الأفريقي، ويتأكد أمام المجتمع الدولي تطابق الموقفين العربي والأفريقي من تلك الأزمة التي أثارت نعرات عرقية وعنصرية زائفة. كان خوفي كبيراً من أن تطال خطوط التماس العربية - الأفريقية القارة الأفريقية بأكملها، وتكرس انقساماً إثنياً بين شمال القارة وجنوبها. وتفتح الباب أمام مطالب انفصالية بذرائع إثنية أو طائفية تهدد الأمن القومي السوداني والعربي والأفريقي.
- بعثة تقصي حقائق من الجامعة العربية
أمام كل تلك التطورات في دارفور كلفت السفير سمير حسني، مدير إدارة أفريقيا بالجامعة العربية، بالذهاب على رأس بعثة من الجامعة لتقصي الحقائق والوقوف على حقيقة الأوضاع في الإقليم، وكانت أول بعثة دولية من نوعها تذهب إلى دارفور، وشملت مهمتها زيارة السودان، من 29 أبريل إلى 15 مايو (أيار) 2004.
عقب عودتها قدمت بعثة تقصي الحقائق تقريراً من ثلاثة أجزاء: الأول مرتبط بلمحة عامة عن دارفور، والثاني ملاحظات البعثة، والثالث بتوصياتها. فيما يتعلق بملاحظات البعثة، فقد ثبت لها أن هناك انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من كلا الطرفين المتصارعين في دارفور، غير أنها استبعدت تماماً وجود «إبادة جماعية» أو «تطهير عرقي» يمارس في الإقليم، وهو الموقف ذاته الذي عبر عنه في صراحة وشجاعة ألفا عمر كوناري، رئيس الاتحاد الأفريقي. وللتاريخ وللباحثين وللمواطن السوداني والعربي ولكل من يريد الوقوف على حقيقة ما جرى في دارفور سأذكر النص الحرفي لملاحظات البعثة (منشور بكامله في الكتاب).
كان للقليل مما تسرب من هذا التقرير دوي كبير، وبدأت حكومة السودان في الاحتجاج على الأمانة العامة للجامعة العربية، وقرر الرئيس البشير عدم حضور القمة العربية في تونس 2004 احتجاجاً على ذلك التقرير، مع تهديدات مختلفة متعلقة بإثارة دور الأمين العام ومدى تفويضه بالتصرف والأمر بالتحقيق في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء.
كما تحدث معي أيضاً بعض كبار المسؤولين في دول عربية، مبدين احترامهم للتطور الكبير في عمل الجامعة ودورها في مواجهة الأزمات العربية، مع النصح بعدم الذهاب بعيداً في ذلك، لما قد يترتب عليه من تفجير الجامعة من داخلها. كنت أعلم ذلك، ولكني كنت أرى - ولا أزال - أن دور الجامعة يجب أن يتطور جذرياً، وألا تقبل الجامعة التغطية على - أو تجاهل - مواقف شديدة السلبية مثل الوضع فى دارفور، ومن ثم أمرت:
> بتسريب أجزاء من التقرير، للضغط على الحكومة السودانية لاتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة تجنب السودان مخاطر الانقسام والتكالب الدولي عليه، عوضاً عن المناشدات التي أعرف مسبقاً أن البشير لن يستجيب لها.
> أن تتدخل الجامعة إيجابياً بالعمل على الوجود في دارفور، والتواصل مع مختلف الأطراف.
> إبقاء الوضع في دارفور على جدول أعمال النقاش المستمر مع الحكومة في الخرطوم.
> تحدثت شخصياً مع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كي لا تظل متابعته مقتصرة على الحكومة وأفعالها، وإنما أيضاً على المنظمات المتمردة الأخرى الخارجة عن السيطرة والتي تعد إرهابية، إذ ترتكب الكثير من الجرائم ضد الإنسانية، وهو ما قبله المدعي العام ووعد بالقيام به (قام بذلك جزئياً).
والحقيقة أن هذه التحركات من جانب الجامعة العربية استطاعت أن تفتح أبواباً للنقاش ثم للتفاهم مع حكومة السودان على أهمية دور الجامعة والمجال الواسع لحركتها، وأن السلبيات التي تراها الحكومة السودانية في أداء الجامعة من وجهة نظرها تقابلها إيجابيات، ما سمح بحرية حركة من جانب الجامعة دعمته من جانبي بمزيد من التنسيق مع الاتحاد الأفريقي، ومزيد من الحركة على الأرض في دارفور، بادئاً بزيارة رسمية لها هي الأولى من جانب الأمين العام للجامعة العربية.
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.