لويد أوستن أول أميركي من أصل أفريقي وزيراً للدفاع في إدارة بايدن

مقاتل لا يحبذ الإطلالات الإعلامية... ووضع الخطط العسكرية لإنهاء «تنظيم داعش»

لويد أوستن (إ.ب.أ)
لويد أوستن (إ.ب.أ)
TT

لويد أوستن أول أميركي من أصل أفريقي وزيراً للدفاع في إدارة بايدن

لويد أوستن (إ.ب.أ)
لويد أوستن (إ.ب.أ)

اختار الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن الجنرال المتقاعد لويد أوستن وزيراً للدفاع في إدارته الأولى المقبلة. ومن المتوقع أن يتم هذا الإعلان رسمياً يوم الجمعة، ليحسم جدلاً وتفتيشاً استغرق أكثر من شهر عن اسم الشخصية التي ستقود إحدى أهم مؤسسات الدولة الأميركية. ورغم أن اختيار بايدن لأوستن يلبي «مطلباً» أو على الأقل «تمنيا» لزيادة حصة السود في إدارته، فإنه لم يأت بشخصية مثيرة للجدل أو صاحبة طموح سياسي.
وكان بايدن قد نُقل عنه الاستياء من «الجنرالات النجوم» عندما كان نائباً لباراك أوباما، مع فضائح الجنرال ديفيد بترايوس والخلافات التي نشبت مع الجنرال مايكل فلين، الذي عينه الرئيس دونالد ترمب لاحقاً أول مستشار للأمن القومي، ليقيله بعد 27 يوماً.
وفي حال تم تثبيت أوستن في منصبه فسيدخل التاريخ الأميركي ليكون أول وزير للدفاع من أصل أفريقي يقود الجيش الأميركي البالغ نحو 1.3 مليون جندي، وأكبر مؤسسة عسكرية وبيروقراطية في العالم. أوستن البالغ 67 عاماً وتقاعد عام 2016 كان شخصية عسكرية كبيرة في البنتاغون كأول رئيس للقيادة الأميركية الوسطى (سنتكوم)، التي تشرف على العمليات العسكرية في العراق وأفغانستان وسوريا واليمن، أي في معظم الأماكن التي تخوض فيها القوات الأميركية حروباً. وأشارت وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن أوستن قاد القوات الأميركية لدخول بغداد عام 2003.
وشكّل اختيار أوستن مفاجأة، حيث كان من المتوقع أن يقع الخيار على ميشيل فلورنوي الوكيلة السابقة لوزارة الدفاع لهذا المنصب. لكن أسباباً عدة قد تكون لعبت دوراً في استبعادها، على رأسها علاقتها الوثيقة بهيلاري كلينتون واحتمال أن تلقى معارضة شديدة في مجلس الشيوخ والضغوط التي مورست على بايدن لزيادة عدد السود في إدارته. ورغم ملاحظاته على دور قيادات البنتاغون، فإن شخصية أوستن الهادئة وطموحه السياسي المنخفض يعطي بايدن حرية سياسية أكبر في اتخاذ قرارات على علاقة مباشرة بمستقبل القوات الأميركية في المنطقة التي كان أوستن مسؤولاً عنها. غير أن علاقته المتعثرة بمجلس الشيوخ قد تعيق تعيينه، حيث تعرض أوستن لاستجواب شديد في جلسة استماع شهيرة في مجلس الشيوخ عام 2015، حين اعترف بأن برنامج وزارة الدفاع بقيمة 500 مليون دولار لتشكيل جيش من المعارضين السوريين، لم يؤد إلى أي نتيجة. كما أنه يحتاج إلى تنازل من الكونغرس يسمح بتعيين قائد عسكري قبل انقضاء 7 سنوات على تركه الخدمة العسكرية في منصب سياسي. وكان الجنرال المتقاعد جيم ماتيس قد حصل على هذا التنازل عندما اختاره ترمب كأول وزير للدفاع في عهده، إلّا أن مشرعين كثراً من الحزبين الجمهوري والديمقراطي عبروا علنا عن تفضيلهم تعيين مدني ليقود المؤسسة العسكرية بدلا من عسكري متقاعد. ورغم ذلك لم تعرف بعد اتجاهات التصويت على تعيينه في الكونغرس، لكن يتوقع ألّا يلقى معارضة من الديمقراطيين على الأقل، خصوصاً أنه سيكون أول مرشح أميركي أسود لمنصب وزير الدفاع، وهو ما لا يمكن تجاهل تأثيره على القاعدة الكبيرة التي يمثلها السود لدى الديمقراطيين.
يحظى الجنرال أوستن، الذي خدم 41 عاماً باحترام الجيش، لا سيما بين الضباط والجنود الأميركيين من أصل أفريقي، الذين يشكلون نحو 43 في المائة من أفراد الخدمة الفعلية، باعتباره أحد الرجال السود القلائل الذين كسروا حاجز الرتب العسكرية الكبيرة، التي كانت حكرا على البيض إلى حد كبير. وفيما كانت صحيفة «بوليتيكو» هي أول من نشر خبر اختياره لمنصب وزير الدفاع، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مؤيدين له أن اختراق أوستن لهذا الحاجز يعود إلى خبرته وتجربته والدعم الذي تلقاه من رئيس هيئة الأركان المشتركة السابق الأدميرال مايك مولن، الذي عينه أيضاً رئيساً لمكتب موظفي هيئة الأركان، ليواصل صعوده وتعيينه قائدا للقيادة المركزية من قبل الرئيس أوباما عام 2013، وتضيف الصحيفة أن بايدن أعجب بالجنرال أوستن الذي شارك في جلسة عبر الإنترنت عقدها مع مسؤولي الأمن السابقين بعد الانتخابات التي جرت الشهر الماضي. لكن انضمامه بعد تقاعده إلى مجلس إدارة شركة «رايثون تكنولوجي» العسكرية العملاقة، أثار انتقادات عدة.
تولى أوستن القيادة العسكرية للقوات الأميركية في العراق عام 2010 عندما كان لا يزال هناك 50 ألف جندي أميركي. وشارك مع قيادات عسكرية في محاولة إقناع أوباما بإبقاء على الأقل 5 آلاف جندي لمساعدة وتدريب القوات العراقية. لكن في نهاية المطاف رفض أوباما ذلك وأمر بسحب كل القوات الأميركية من هذا البلد عام 2011 ليسيطر بعد أقل من 3 سنوات «تنظيم داعش» على مساحة واسعة من العراق وسوريا، مقيماً عليها دولة خلافته المزعومة. وفيما اعتمد أوستن أسلوبا متحفظاً في ظهوره الإعلامي خلال تلك الفترة، إلّا أنه قام كقائد للقوات الأميركية في الشرق الأوسط، بوضع الخطط العسكرية الرئيسية للحملة التي قادتها الولايات المتحدة للإطاحة بـ«تنظيم داعش». وفي يونيو (حزيران) 2014 بعد قضاء عدة أشهر في مساعدة القوات العراقية المحاصرة ودعم مواقعها الدفاعية خارج العاصمة بغداد، أوقفت القوات الأميركية تقدم مسلحي «داعش» في أماكن أخرى في الثلث الشمالي من العراق بالعديد من الضربات الجوية.
وبحلول خريف عام 2015 وتحت قيادته، بدأ التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في إعداد جبهة رئيسية في شمال شرقي سوريا، بهدف الضغط على مدينة الرقة عاصمة التنظيم الإرهابي. وبموجب الخطة التي أعدها الجنرال أوستن ومساعدوه، ووافق عليها أوباما، اتخذ البنتاغون خطوتين رئيسيتين. تقديم الدعم المباشر لقوات المعارضة السورية التي تقاتل «داعش»، وخصوصاً القوات الكردية، وشن حملة جوية متزايدة من قاعدة إنجرليك الجوية في تركيا لإضعاف التنظيم الإرهابي. وواصلت القوات الأميركية تنفيذ خطة أوستن العسكرية بعد تقاعده، وحققت أهدافها الأخيرة في إنهاء دولة «داعش» المزعومة.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».