رحيل رفعت سلام... شاعر «وردة الفوضى الجميلة»

من أبرز جيل السبعينات وأحد مؤسسي «إضاءة 77» الشعرية

رفعت سلام
رفعت سلام
TT

رحيل رفعت سلام... شاعر «وردة الفوضى الجميلة»

رفعت سلام
رفعت سلام

لم يكن رفعت سلام موقناً بالأمل كحقيقة معاشة بالفعل، أو حتى ممكنة، وهو يرد على دعابة خاطفة حاولت أن أخفف بها من وطأة الألم عنه، قبل أيام على رحيله الموجع، قلت له: كيف ييأس من الأمل شاعر الأمل؟! لكن صوته المتناثر المتقطع في الهاتف لم يترك لي فرصة للرجاء، أشفقت عليه وحساسية وضعه الصحي، كنت أسمع ذبذبة صدره ولهاث أنفاسه المضطربة، وكأنهما اجتهاد أخير في الكدح من أجل أن يظل وتر اللحن مشدوداً، في طوايا الحضور والغياب.
رحل صاحب «وردة الفوضى الجميلة» وغيّبه الموت عن عمر ناهز 69 عاماً، وبعد صراع مرير استمر قرابة العام مع سرطان الرئة. وشيع جثمانه أول من أمس (الأحد)، ودفن بمقابر العائلة بقرية «منية شبين القناطر» مسقط رأسه، بمحافظة القليوبية المجاورة للعاصمة القاهرة.
ولد رفعت سلام في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1951 بمدينة «مينا القمح» بمحافظة الشرقية، حيث كان والده الموظف الحكومي بالشرطة دائم التنقل، وترعرع في كنف أسرة قروية بسيطة، عادت بعد أربع سنوات للاستقرار بمسقط رأسها بمحافظة القليوبية. في عام 1969 التحق بجامعة القاهرة، درس الصحافة، وتخرج في كليه الآداب 1973، وزامله في الدراسة الشاعر الراحل حلمي سالم، وقد أثمرت هذه الزمالة في تلك الفترة عن ديوانهما الشعري المشترك «الغربة والانتظار».
عكست تجربة ذلك الديوان الثنائية إشارات قوية على ميلاد صوتين شعريين سيكون لهما شأن في الشعر المصري، كما شكلت بذرة لفكرة العمل المشترك، وإمكانية تنميتها في عمل جماعي شعري، يغامر ويضخ دماء جديدة في القصيدة، وهي فكرة أصبحت ضرورة يفرضها واقع الحياة الثقافية آنذاك، خاصة بعد الظروف السياسية القاسية التي عاشتها البلاد عقب نكسة 1967، وحالة الحرب واللاحرب، التي تحولت إلى قناع للسلطة في عهد الرئيس السادات، وعصا غليظة لمطاردة المثقفين والكتاب والشعراء؛ ما اضطر عدد من طليعتهم إلى الخروج المؤقت إلى بلدان عربية وأوروبية: صلاح عد الصبور، أحمد عبد المعطي حجازي، محمد عفيفي مطر، محمود أمين العالم، وغالي شكري، ومن تبقى في الداخل، عاش رهين المرض العضال والاكتئاب، أمل نقل، ونجيب سرور، وغيرهما.
في هذا الوضع، الذي أصبح فيه الفرار من الوطن عيناً أخرى أكثر قلقاً عليه، كان لا بد من المشاكسة والمغامرة، ومواجهة الخنوع والعسف والخذلان في الداخل، وأن يخرج شعراء وكتاب وفنانون يحيون الأمل من جديد عبر كتابة مغايرة، وبوسائل ترسخ لفكرة الاستقلالية بعيداً عن تيار التبعية للسلطة. كانت ظاهرة «كتابة الماستر» بذرة التحول لاستعادة تجربة الجماعات الأدبية، بما لها من جذور قوية في الواقع المصري، من أبرزها «جماعة الخبز والحرية» في الفن التشكيلي، جماعة «أبوللو» في الشعر، جماعة مجلة «جاليري 68» في الأدب.
تحت همّ التجريب والمغامرة والحاجة إلى أفق جمالي مغاير في الشعر والنظر النقدي إليه، انبثقت تجربة مجلة «إضاءة 77» الشعرية، التي أسسها أربعة شعراء: حلمي سالم، رفعت سلام، حسن طلب، وكاتب هذه السطور، ومع العددين الأول والثاني، اتسعت قماشتها وتحولت إلى جماعة شعرية. لكن التجربة مع فورة الحماس وردود الفعل الإيجابية المشجعة، لم تستطع أن تجتاز أول اختبار لها في الرأي واختلاف وجهة النظر بين أعضائها الأربعة إلا بالخسارة، إذ قرر رفعت سلام الخروج من المجلة، إثر خلاف حاد مع حلمي سالم رفيق ديوانه المشترك، وأسس مجلة «كتابات»، التي كان لها الفضل في التكريس لموجة شعراء السبعينات في الشعر المصري، وأنها عتبة حقيقية لجيل متميز... الطريف هنا أن الاحتكام للديمقراطية سقط أيضاً في هذا الاختبار بعد أن تساوت كفتا الميزان بين الأعضاء الأربعة حول جوهر الخلاف بين الشاعرين الصديقين، ووصل الأمر للتأكيد على أن بقاء أحدهما بالمجلة مرهون بخروج الآخر. وقد اختار رفعت الخروج بملء إرادته وبهدوء؛ حرصاً على تجربة المجلة الوليدة وضمان استمراريتها.
اتسم رفعت سلام على المستوى الشخصي بالصلابة والانضباط في العمل، فدائماً كانت نظرته عملية للأمور والأشياء، وفي التعامل مع الواقع بكل معطياته ومفارقاته ينفر من فكرة الأشياء المعلّقة، من أنصاف الحلول، أنصاف الرؤى والأفكار، بل كثيراً ما يسخر من نظرة «البين بين» أو «البينية» حتى في التعامل مع الزمن كمقوم فني يمنح الشعر خصوصيته، وألقه الجمالي والفلسفي. فمنتصف الوقت كدلالة شعرية، مجازية لا تعني تحديداً زمنياً قاطعاً وفاصلاً، بين الأشياء وظلالها، فزمنها هو زمن الشعر نفسه، المنساب في دبيب البشر وخطى الطبيعة في المكان والزمان.
رفت سلام، ابن ذات شعرية نزقة، تعشق الرسوخ والقلق والتوتر والفوضى، وترى أنها مركز الثقل والثبات والحركة في النص. ربما لذلك انشغل في وقت مبكر، ومنذ ديوانه الثاني «إشراقات» بفكرة تعدد الأصوات في الشعر، من منطلق أن الصوت هو الذي يمنح الدلالة أو العلامة حسيتها ورائحتها الخاصة، وهو الذي يحدد سقف المتن والهامش، وطبيعة الجدل بينهما، وكذلك طبيعة التعامل مع شخوص ورموز وأساطير من تراثات معرفية شتى (نيتشه، رامبو، بودلير) وغيرهم، فكلما تعددت الأصوات، وتجاورت وتقاطعت، برز الإحساس بالزمن في غلالته الصورية والنفسية، وبرزت جسور الوصل والقطع بين الماضي والحاضر، بين الحافة والهاوية، وعلى الأخص بين الحلم والذاكرة من ناحية، وبينهما وبين الواقع من ناحية أخرى. وفي شعره دائماً ما يقترن حضور الصوت بحضور الأنا، كتجسيد لكينونة فاعلة وراسخة لها ما يميزها، حتى في لحظات الهشاشة والتفتت تبقى مجدولة بعلاقة مركبة وحميمة بين الوعي واللاوعي مثلما يقول في ديوانه «إشراقات»، «لم أغب طويلاً، ألف عام كنت أبحث عن نسيان، وامرأة، ومكان في الأوتوبيس؛ فتهت في الزحام، ونسيت، لم أغب، ولم، ولم... أنا الحارس النائم عند الحائط الهديم، جئتكم هديماً بعدما فقدت ورقة التوت، والخيط الذي انقطع؛ فهويت، فانتهيت».
يرتبط الصوت دائماً بمتوالية التذكر والنسيان، الصراخ، والخفوت، كما يسعى دائماً إلى الدمج بين ضمائر المخاطب والغائب والمتكلم، للإيهام بالربط بين تعدد المستويات في النص، وتعدد طرق النظر إلى الكينونة والوجود، وتمثلاتها المتباينة في الحضور والغياب. ومع ذلك تتمحور مركزية الرؤية في شعره، حول الإقرار باليقين، ونفيه ضمنياً في الوقت نفسه، فلا يبقى سوى التوتر والقلق والضجر وحيرة السؤال محركاً للصراع، لكنه مع ذلك صراع مبني على الاحتمال، أن يكون أو لا يكون، وهو ما نلمحه بقوة خاصة في ديوانه «هكذا قلت للهاوية»:
«قد يتسع الوقت.
قد..
حتى ينمو الأبدُ وئيداً في جسدي
لكن..
هل من غفران يرجى
إذ تنفلتين، مراوغةً، موغلة، تشتعلين على حد الحلم الناري،
فينفلت الزمن دخاناً وتراباً، تنحدر صخور الوقت إلى الهاوية،
وتنفلتين، فينفلت الأبد المائيُّ إلى جسدي المنهوك
صراخاً وعويلاً مجنوناً.
وتروغين.
فهل أخلع جسدي عني،
أم يمتد الأبد المائيُّ وئيداً دون عناء.
لا شيء إذن..
لا شيء».
لقد ترك رفعت سلام أثراً يبقى، سواء في الشعر بدواوينه التسعة، أو بمقالاته ورواه النقدية في المسرح، وقضايا التراث والشعر، ومنها كتبه: «بحثاً عن التراث«، «بحثاً عن الشعر«، «المسرح الشعر العربي»، أو في جهده الوافر في الترجمة، بخاصة الأعمال الشعرية لكوكبة من الشعراء العالميين: بوشكين، ريتسوس، بودلير، كفافيس، رامبو، ويتمان... وغيرهم.
كما عاش مهموماً بكل ما هو إنساني، يعلي من قيم العدل والجمال والحرية، وكان حلمه، أن يرى قصيدته تتكلم من تلقاء نفسها، تحاوره تأخذ بيده، وهو يعبر الشارع، وهو يجلس على المقهى، وهو يتحدث مع الشعراء والأصدقاء.
ترجمت مختارات من شعر وبعض دواوينه إلى عديد من اللغات في العالم، وحصل على جائزة كفافيس الدولية للشعر من اليونان عام 1993. كتبت عنه الكثير من الدراسات النقدية، وشكل شعره موضوعاً لأطروحات ماجستير ودكتوراه في جامعات مصرية وعربية.
رغم حالته الصحية تشبث رفعت سلام بالعطاء إلى أقصى مدى، فمع بدايات مرضه أصدر عديداً من الكتب ما بين الترجمة والشعر، وكأنه في سباق محموم مع الذات والزمن يريد أن يعتصرهما حتى آخر نقطة، من هذه الأعمال ديوانه «أرعى الشياه على المياه« وترجمته الأعمال الشعرية للشاعر الأميركي والت ويتمان. وفي سياق عمله الوظيفي، أشرف على القسم الثقافي وتولى رئاسة تحريره في «وكالة أنباء الشرق الأوسط« الرسمية، كما عمل مديراً لمكتبها في الجزائر لسنوات عدة.
في حوار معه يصف علاقته بالتراث على نحو يبدو متسقاً مع رؤيته الشعرية، «علاقتي بالتراث العربي وثيقة باعتباري الوريث الثقافي والشعري له، بلا قطيعة ولا تماهٍ به. هو تراثي الذي أدخل دائماً في حوار معه، ندّاً لند؛ يسكنني الكثير من أصواته العميقة، المرهفة، وتطاردني وجوهٌ أخرى ظلامية غابرة، لا في الوعي فحسب، بل في الحياة اليومية الراهنة».



97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».