رحيل رفعت سلام... شاعر «وردة الفوضى الجميلة»

من أبرز جيل السبعينات وأحد مؤسسي «إضاءة 77» الشعرية

رفعت سلام
رفعت سلام
TT

رحيل رفعت سلام... شاعر «وردة الفوضى الجميلة»

رفعت سلام
رفعت سلام

لم يكن رفعت سلام موقناً بالأمل كحقيقة معاشة بالفعل، أو حتى ممكنة، وهو يرد على دعابة خاطفة حاولت أن أخفف بها من وطأة الألم عنه، قبل أيام على رحيله الموجع، قلت له: كيف ييأس من الأمل شاعر الأمل؟! لكن صوته المتناثر المتقطع في الهاتف لم يترك لي فرصة للرجاء، أشفقت عليه وحساسية وضعه الصحي، كنت أسمع ذبذبة صدره ولهاث أنفاسه المضطربة، وكأنهما اجتهاد أخير في الكدح من أجل أن يظل وتر اللحن مشدوداً، في طوايا الحضور والغياب.
رحل صاحب «وردة الفوضى الجميلة» وغيّبه الموت عن عمر ناهز 69 عاماً، وبعد صراع مرير استمر قرابة العام مع سرطان الرئة. وشيع جثمانه أول من أمس (الأحد)، ودفن بمقابر العائلة بقرية «منية شبين القناطر» مسقط رأسه، بمحافظة القليوبية المجاورة للعاصمة القاهرة.
ولد رفعت سلام في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1951 بمدينة «مينا القمح» بمحافظة الشرقية، حيث كان والده الموظف الحكومي بالشرطة دائم التنقل، وترعرع في كنف أسرة قروية بسيطة، عادت بعد أربع سنوات للاستقرار بمسقط رأسها بمحافظة القليوبية. في عام 1969 التحق بجامعة القاهرة، درس الصحافة، وتخرج في كليه الآداب 1973، وزامله في الدراسة الشاعر الراحل حلمي سالم، وقد أثمرت هذه الزمالة في تلك الفترة عن ديوانهما الشعري المشترك «الغربة والانتظار».
عكست تجربة ذلك الديوان الثنائية إشارات قوية على ميلاد صوتين شعريين سيكون لهما شأن في الشعر المصري، كما شكلت بذرة لفكرة العمل المشترك، وإمكانية تنميتها في عمل جماعي شعري، يغامر ويضخ دماء جديدة في القصيدة، وهي فكرة أصبحت ضرورة يفرضها واقع الحياة الثقافية آنذاك، خاصة بعد الظروف السياسية القاسية التي عاشتها البلاد عقب نكسة 1967، وحالة الحرب واللاحرب، التي تحولت إلى قناع للسلطة في عهد الرئيس السادات، وعصا غليظة لمطاردة المثقفين والكتاب والشعراء؛ ما اضطر عدد من طليعتهم إلى الخروج المؤقت إلى بلدان عربية وأوروبية: صلاح عد الصبور، أحمد عبد المعطي حجازي، محمد عفيفي مطر، محمود أمين العالم، وغالي شكري، ومن تبقى في الداخل، عاش رهين المرض العضال والاكتئاب، أمل نقل، ونجيب سرور، وغيرهما.
في هذا الوضع، الذي أصبح فيه الفرار من الوطن عيناً أخرى أكثر قلقاً عليه، كان لا بد من المشاكسة والمغامرة، ومواجهة الخنوع والعسف والخذلان في الداخل، وأن يخرج شعراء وكتاب وفنانون يحيون الأمل من جديد عبر كتابة مغايرة، وبوسائل ترسخ لفكرة الاستقلالية بعيداً عن تيار التبعية للسلطة. كانت ظاهرة «كتابة الماستر» بذرة التحول لاستعادة تجربة الجماعات الأدبية، بما لها من جذور قوية في الواقع المصري، من أبرزها «جماعة الخبز والحرية» في الفن التشكيلي، جماعة «أبوللو» في الشعر، جماعة مجلة «جاليري 68» في الأدب.
تحت همّ التجريب والمغامرة والحاجة إلى أفق جمالي مغاير في الشعر والنظر النقدي إليه، انبثقت تجربة مجلة «إضاءة 77» الشعرية، التي أسسها أربعة شعراء: حلمي سالم، رفعت سلام، حسن طلب، وكاتب هذه السطور، ومع العددين الأول والثاني، اتسعت قماشتها وتحولت إلى جماعة شعرية. لكن التجربة مع فورة الحماس وردود الفعل الإيجابية المشجعة، لم تستطع أن تجتاز أول اختبار لها في الرأي واختلاف وجهة النظر بين أعضائها الأربعة إلا بالخسارة، إذ قرر رفعت سلام الخروج من المجلة، إثر خلاف حاد مع حلمي سالم رفيق ديوانه المشترك، وأسس مجلة «كتابات»، التي كان لها الفضل في التكريس لموجة شعراء السبعينات في الشعر المصري، وأنها عتبة حقيقية لجيل متميز... الطريف هنا أن الاحتكام للديمقراطية سقط أيضاً في هذا الاختبار بعد أن تساوت كفتا الميزان بين الأعضاء الأربعة حول جوهر الخلاف بين الشاعرين الصديقين، ووصل الأمر للتأكيد على أن بقاء أحدهما بالمجلة مرهون بخروج الآخر. وقد اختار رفعت الخروج بملء إرادته وبهدوء؛ حرصاً على تجربة المجلة الوليدة وضمان استمراريتها.
اتسم رفعت سلام على المستوى الشخصي بالصلابة والانضباط في العمل، فدائماً كانت نظرته عملية للأمور والأشياء، وفي التعامل مع الواقع بكل معطياته ومفارقاته ينفر من فكرة الأشياء المعلّقة، من أنصاف الحلول، أنصاف الرؤى والأفكار، بل كثيراً ما يسخر من نظرة «البين بين» أو «البينية» حتى في التعامل مع الزمن كمقوم فني يمنح الشعر خصوصيته، وألقه الجمالي والفلسفي. فمنتصف الوقت كدلالة شعرية، مجازية لا تعني تحديداً زمنياً قاطعاً وفاصلاً، بين الأشياء وظلالها، فزمنها هو زمن الشعر نفسه، المنساب في دبيب البشر وخطى الطبيعة في المكان والزمان.
رفت سلام، ابن ذات شعرية نزقة، تعشق الرسوخ والقلق والتوتر والفوضى، وترى أنها مركز الثقل والثبات والحركة في النص. ربما لذلك انشغل في وقت مبكر، ومنذ ديوانه الثاني «إشراقات» بفكرة تعدد الأصوات في الشعر، من منطلق أن الصوت هو الذي يمنح الدلالة أو العلامة حسيتها ورائحتها الخاصة، وهو الذي يحدد سقف المتن والهامش، وطبيعة الجدل بينهما، وكذلك طبيعة التعامل مع شخوص ورموز وأساطير من تراثات معرفية شتى (نيتشه، رامبو، بودلير) وغيرهم، فكلما تعددت الأصوات، وتجاورت وتقاطعت، برز الإحساس بالزمن في غلالته الصورية والنفسية، وبرزت جسور الوصل والقطع بين الماضي والحاضر، بين الحافة والهاوية، وعلى الأخص بين الحلم والذاكرة من ناحية، وبينهما وبين الواقع من ناحية أخرى. وفي شعره دائماً ما يقترن حضور الصوت بحضور الأنا، كتجسيد لكينونة فاعلة وراسخة لها ما يميزها، حتى في لحظات الهشاشة والتفتت تبقى مجدولة بعلاقة مركبة وحميمة بين الوعي واللاوعي مثلما يقول في ديوانه «إشراقات»، «لم أغب طويلاً، ألف عام كنت أبحث عن نسيان، وامرأة، ومكان في الأوتوبيس؛ فتهت في الزحام، ونسيت، لم أغب، ولم، ولم... أنا الحارس النائم عند الحائط الهديم، جئتكم هديماً بعدما فقدت ورقة التوت، والخيط الذي انقطع؛ فهويت، فانتهيت».
يرتبط الصوت دائماً بمتوالية التذكر والنسيان، الصراخ، والخفوت، كما يسعى دائماً إلى الدمج بين ضمائر المخاطب والغائب والمتكلم، للإيهام بالربط بين تعدد المستويات في النص، وتعدد طرق النظر إلى الكينونة والوجود، وتمثلاتها المتباينة في الحضور والغياب. ومع ذلك تتمحور مركزية الرؤية في شعره، حول الإقرار باليقين، ونفيه ضمنياً في الوقت نفسه، فلا يبقى سوى التوتر والقلق والضجر وحيرة السؤال محركاً للصراع، لكنه مع ذلك صراع مبني على الاحتمال، أن يكون أو لا يكون، وهو ما نلمحه بقوة خاصة في ديوانه «هكذا قلت للهاوية»:
«قد يتسع الوقت.
قد..
حتى ينمو الأبدُ وئيداً في جسدي
لكن..
هل من غفران يرجى
إذ تنفلتين، مراوغةً، موغلة، تشتعلين على حد الحلم الناري،
فينفلت الزمن دخاناً وتراباً، تنحدر صخور الوقت إلى الهاوية،
وتنفلتين، فينفلت الأبد المائيُّ إلى جسدي المنهوك
صراخاً وعويلاً مجنوناً.
وتروغين.
فهل أخلع جسدي عني،
أم يمتد الأبد المائيُّ وئيداً دون عناء.
لا شيء إذن..
لا شيء».
لقد ترك رفعت سلام أثراً يبقى، سواء في الشعر بدواوينه التسعة، أو بمقالاته ورواه النقدية في المسرح، وقضايا التراث والشعر، ومنها كتبه: «بحثاً عن التراث«، «بحثاً عن الشعر«، «المسرح الشعر العربي»، أو في جهده الوافر في الترجمة، بخاصة الأعمال الشعرية لكوكبة من الشعراء العالميين: بوشكين، ريتسوس، بودلير، كفافيس، رامبو، ويتمان... وغيرهم.
كما عاش مهموماً بكل ما هو إنساني، يعلي من قيم العدل والجمال والحرية، وكان حلمه، أن يرى قصيدته تتكلم من تلقاء نفسها، تحاوره تأخذ بيده، وهو يعبر الشارع، وهو يجلس على المقهى، وهو يتحدث مع الشعراء والأصدقاء.
ترجمت مختارات من شعر وبعض دواوينه إلى عديد من اللغات في العالم، وحصل على جائزة كفافيس الدولية للشعر من اليونان عام 1993. كتبت عنه الكثير من الدراسات النقدية، وشكل شعره موضوعاً لأطروحات ماجستير ودكتوراه في جامعات مصرية وعربية.
رغم حالته الصحية تشبث رفعت سلام بالعطاء إلى أقصى مدى، فمع بدايات مرضه أصدر عديداً من الكتب ما بين الترجمة والشعر، وكأنه في سباق محموم مع الذات والزمن يريد أن يعتصرهما حتى آخر نقطة، من هذه الأعمال ديوانه «أرعى الشياه على المياه« وترجمته الأعمال الشعرية للشاعر الأميركي والت ويتمان. وفي سياق عمله الوظيفي، أشرف على القسم الثقافي وتولى رئاسة تحريره في «وكالة أنباء الشرق الأوسط« الرسمية، كما عمل مديراً لمكتبها في الجزائر لسنوات عدة.
في حوار معه يصف علاقته بالتراث على نحو يبدو متسقاً مع رؤيته الشعرية، «علاقتي بالتراث العربي وثيقة باعتباري الوريث الثقافي والشعري له، بلا قطيعة ولا تماهٍ به. هو تراثي الذي أدخل دائماً في حوار معه، ندّاً لند؛ يسكنني الكثير من أصواته العميقة، المرهفة، وتطاردني وجوهٌ أخرى ظلامية غابرة، لا في الوعي فحسب، بل في الحياة اليومية الراهنة».



أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

أكَّد الفنان المصري أحمد العوضي أن شخصية «علي»، التي يجسّدها ضمن أحداث مسلسل «علي كلاي»، هي الأقرب إلى قلبه وحياته الخاصة. وقال العوضي، في حواره لـ«الشرق الأوسط»، إن العمل يُعد مزيجاً من الرومانسية والأكشن والإثارة، كاشفاً عن ابتعاده عن ثيمة البطل الشعبي التي اعتاد تقديمها خلال المواسم الماضية، وذلك عبر فيلمه السينمائي المقبل.

وعن شخصية «علي كلاي»، قال العوضي: «تتمتع الشخصية بثراء كبير، وتعمل في تجارة قطع غيار السيارات، وفي الوقت نفسه هو لاعب متمكّن في رياضة الـ(MMA) القتالية».

وأوضح أن دوره في العمل لم يُرهقه، خصوصاً أنه ملاكم حاصل على بطولات عدة، ويهوى ممارسة رياضة الـ(MMA)، أي الفنون القتالية المختلطة، منذ الصغر، حتى إن دخوله مجال التمثيل كان في الأساس من بوابة الملاكمة.

العوضي يعدُّ «علي كلاي» الأقرب إليه

وأضاف العوضي: «أنا ملاكم قبل التمثيل، وعندما عملت مع الفنان الراحل نور الشريف في بداياتي الفنية، كان يعلم خلفيتي الرياضية، خصوصاً تفاصيل ممارستي للملاكمة»، موضحاً أنه «تحمَّس لتجسيد شخصية (علي كلاي) لأنها قريبة إلى قلبه وحياته الخاصة، وإلى الرياضة التي نشأ على تفاصيلها منذ الصغر».

وأشار إلى أن «أكثر ما أرهقه خلال تصوير العمل هو تعدّد أماكن التصوير، التي تجاوزت 150 موقعاً، وتطلّبت ديكورات ضخمة ومتشعّبة»، لافتاً إلى أن «هذا الأمر، رغم إرهاقه وصعوبة تنفيذه، خلق تفاصيل مختلفة في العمل، ونتج عنه تنوّع بصري كبير يراه الناس».

ونفى العوضي وجود علاقة بين فيلمه «البلدوزر»، الذي أعلن عن تقديمه منذ سنوات، ومسلسل «علي كلاي»، لافتاً إلى أن «ما يجمعهما هو تناول رياضة الـMMA فقط، إذ كانت رغبته تجسيد شخصية بطل في هذه الرياضة ضمن الفيلم، لكن انشغاله وانشغال المخرج حينها حالا دون استكمال المشروع».

ويشارك في بطولة مسلسل «علي كلاي»، إلى جانب أحمد العوضي، نخبة من النجوم، من بينهم دُرّة، ويارا السكري وغيرهما، وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج محمد عبد السلام.

وعن سبب تكرار التعاون مع المؤلف والمخرج في أكثر من عمل فني، يقول: «نحن ثلاثي متفاهم، وتربطنا علاقة وطيدة، ونشعر بأريحية خلال تعاوننا معاً».

الملصق الترويجي للمسلسل (حساب العوضي على فيسبوك)

وينتظر أحمد العوضي طرح فيلم «شمشون ودليلة» خلال موسم عيد الأضحى المقبل، مؤكداً أن الفيلم سيشهد تخلّيه عن ثيمة «البطل الشعبي» التي اعتاد تقديمها خلال الفترة الماضية. وقال إن أحداث الفيلم تدور في إطار «أكشن كوميدي»، ولم يتبقَّ على استكمال تصويره سوى 10 أيام فقط، وسيُنجز خارج مصر.

وعن تأخّره في خوض تجربة المسرح، أكد أحمد العوضي أنه عاشق للمسرح، لكنه يحتاج إلى تفرّغ كبير، مشيراً إلى أنه سيعمل على تقديم كثير من العروض المسرحية قريباً، معترفاً بتقصيره في هذا الجانب المهم، بسبب تركيزه الكامل خلال الفترة الماضية على تقديم أعمال فنية في السينما والدراما.

العوضي في كواليس «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

وعن الجدل الذي أثارته تصريحاته في كونه «الأعلى أجراً» و«الأكثر مشاهدة»، قال العوضي إن «كل شخص له مطلق الحرية فيما يقول، ما دام لم يتجاوز حدود الزمالة»، موضحاً أنه عندما يتحدث إلى جمهوره أو يطلق تصريحات، فإنه لا يتعمّد مضايقة أحد أو إلحاق الضرر بأيٍّ من زملائه.

ويستبعد العوضي فكرة الابتعاد عن التمثيل أو اعتزال الوسط الفني بسبب مثل هذه الصراعات، قائلاً: «هذا الأمر مرفوض تماماً، فأنا أعشق الفن بكل جوارحي، ولا يمكنني اعتزاله مهما حدث. وليس لي علاقة بما يجري، ولا أشغل بالي بأحد، بل أضع كامل تركيزي في عملي».

العوضي أعلن عن تخليه عن ثيمة البطل الشعبي في السينما (حسابه على فيسبوك)

ويرفض الفنان المصري تقديم سيرة الفنان الراحل نور الشريف فنياً لأسباب عدَّة، من بينها أنه «كان حالة خاصة ونجماً فريداً، وتقديم سيرته أمر كبير عليّ وعلى زملائي في الوسط». وأضاف: «هو يمثل لي حالة فنية وإنسانية خاصة، وله مكانة في قلبي لا يمكن لأحد أن ينافسه عليها، فهو (أبي الروحي)، وسيظل أكثر فنان أشعر بالامتنان تجاهه منذ دخولي الوسط الفني».

وأضاف العوضي: «أنا لا أحب أعمال السير الذاتية عادة، خصوصاً الشخصيات التي عاصرها الناس ولها أعمال متداولة، لأن هذا النوع من الفن قد يتحوَّل إلى تقليد لا إلى تجسيد حقيقي، على عكس تقديم سير شخصيات تاريخية يعرفها الناس لكنهم لم يشاهدوها».


ساحات بيروت ومنازلها تكتسي بحلة الشهر الفضيل

زينة الشهر الفضيل تكسو مداخل السرايا الكبير (الشرق الأوسط)
زينة الشهر الفضيل تكسو مداخل السرايا الكبير (الشرق الأوسط)
TT

ساحات بيروت ومنازلها تكتسي بحلة الشهر الفضيل

زينة الشهر الفضيل تكسو مداخل السرايا الكبير (الشرق الأوسط)
زينة الشهر الفضيل تكسو مداخل السرايا الكبير (الشرق الأوسط)

مع حلول الشهر الفضيل، تتبدَّل ملامح العاصمة اللبنانية بيروت، فترتدي ساحاتها وشوارعها زينة رمضان، وتكتسي بالأضواء الملوَّنة المتدلّية من الشرفات. وفيما تزيّن الفوانيس المداخل، تتعانق الأضواء الرمضانية لتصل الأحياء الشعبية بالراقية.

فالشهر الكريم يصل حاملاً معه بهجة ينتظرها الكبار والصغار، وتعرض المحال التجارية أنواعاً من الزينة تتطوّر أشكالها من عام إلى آخر، فيتهافت اللبنانيون على شرائها ليخلقوا في بيوتهم أجواءً تتلاءم مع المناسبة.

تأخذ زينة رمضان هذا العام منحى ابتكارياً مختلفاً (الشرق الأوسط)

وفي وسط بيروت، وتحديداً في ساحة الشهداء، أقامت بلدية المدينة احتفالاً بعد أيام من انطلاق الشهر الكريم، وازدانت الساحة بالإنارة الرمضانية التي أضفت أجواءً من الفرح، فأعادت الحركة إلى الوسط التجاري، معزِّزةً الطابع التراثي والروحي للمدينة.

وارتفع مقابل مسجد محمد الأمين مجسّم هلالٍ ضخم أُضيء بحضور إعلامي وشعبي، أحاطت به أهِلّة صغيرة ملوّنة، كما انتصب فانوس عملاق مزيّن بزخرفات ورسوم تراثية ترتبط بالشهر الفضيل.

وفي الطريق الجديد، كما في شوارع منطقتَي الجناح والمزرعة، تزيَّنت الشوارع بالأضواء والفوانيس وعبارات الترحيب بقدوم رمضان. أمّا البيوت، فعمد سكانها إلى تزيينها لتتناغم مع مشهد احتفالي يكلّل الأحياء التي يسكنونها. ومع ازدحام المتسوّقين في محال «السوبر ماركت»، تتشكَّل لوحة رمضانية نابضة بالألوان.

رموز الشهر الفضيل معروضة على الرفوف في المحلات التجارية (الشرق الأوسط)

وتشهد الزينة الرمضانية العام الحالي رواجاً لافتاً، لا سيما تلك المتلألئة ذات الأشكال الهندسية، التي تفوّقت بابتكاراتها على مثيلاتها في العام الماضي.

تقول مايا برجاوي، صاحبة أحد المحال المتخصّصة في زينة رمضان بمدينة طرابلس، إن معظم الأغراض التي استوردتها للمناسبة نفدت سريعاً. وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «باتت زينة رمضان تقليداً راسخاً لدى اللبنانيين. فالأولاد، كما أهاليهم، يقصدون محال بيع الزينة قبل حلول الشهر، فيشترون منحوتات صغيرة ومجسّمات وأكواباً وصحوناً تحمل رسوماً وعبارات ترحّب بالشهر الكريم». علماً أن تزيين داخل البيوت لم يكن أمراً شائعاً بين اللبنانيين، بل هو عادة مستجدّة بالكامل.

تأخذ زينة رمضان هذا العام منحى ابتكارياً مختلفاً (الشرق الأوسط)

وتعدّ الفوانيس والأهِلّة من أكثر المنتجات رواجاً. ومن الجديد أيضاً هذا العام، بحسب مايا برجاوي، ما يُعرف بـ«الهلال الشجرة»، وهو مجسّم يُنصب في المنزل ويُزيَّن بهدايا صغيرة وفوانيس وأهِلّة ملوّنة. وقد يكون باللونين الذهبي أو الفضي، أو مطلياً بألوان أخرى يختارها الزبون بحسب ذوقه.

ومن بين الزينات الأخرى في البيوت، المباخر الذهبية الصغيرة والفوانيس الحجرية المنقوشة بزخارف هندسية تذكّر بأجواء الشهر الفضيل. كما تُعدّ المباخر المذهّبة المتوّجة بقبة تشبه قبب المساجد من الهدايا الرائجة التي يتبادلها الجيران والأصدقاء كذكرى تدوم من عام إلى آخر. وغالباً ما تُصنع واجهات الفوانيس من زجاج ملوّن يضفي دفئاً خاصاً على المنازل.

ويقول أحمد الحاوي، صاحب محل لبيع الزينة في الطريق الجديدة: «زينة رمضان في السنوات الأخيرة باتت تتّسم بأشكال لم نكن نراها من قبل». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الصناعات تطوّرت وأخذت منحى قريباً من الزينة الرائجة في أعياد الميلاد ورأس السنة. فالمباخر والفوانيس والحكواتي وراقص التنورة تُصنع اليوم من مادة البليكسي غلاس الشفافة، وتطعَّم بألوان برّاقة كالأخضر والأحمر. كما تُحفَر العبارات العربية على النحاس لتُعلّق على أبواب المنازل، وتنتشر مجسّمات منازل مصنوعة من الجص ومطعّمة بخيوط ذهبية تزيّن صالات البيوت».

زينة رمضانية حديثة تغزو الأسواق اللبنانية (الشرق الأوسط)

أما ربّات المنازل، فيحرصن على اقتناء أكواب الشاي والقهوة وأغطية الطاولات المزخرفة برموز رمضانية. وتعلّق ريما، وهي ربّة منزل: «في الشهر الفضيل تتبدّل ملامح منازلنا كلياً، فتزدان بشراشف موائد خاصة وأوانٍ تحمل طابعاً رمضانياً. حتى الشمعدانات وأطباق الضيافة تأخذ طابعاً مختلفاً طوال شهر كامل، مما يضفي بهجة على أولادنا الذين يشاركوننا اختيار هذه الأغراض».

وتشير مايا برجاوي إلى أن أسعار الزينة تبقى مقبولة وتناسب مختلف الشرائح الاجتماعية، موضحةً أن المنتجات البلاستيكية تبدأ من دولار واحد وتصل إلى 10 دولارات، بينما ترتفع أسعار الزينة المصنوعة من البليكسي والنحاس والحديد لتبلغ نحو 65 دولاراً.


« لغز مصر» يبرز الحياة اليومية لسكان «المحروسة» في قلب باريس

نقل محمد كمال بعدسته صور من مدن مختلفة (تصوير: محمد كمال)
نقل محمد كمال بعدسته صور من مدن مختلفة (تصوير: محمد كمال)
TT

« لغز مصر» يبرز الحياة اليومية لسكان «المحروسة» في قلب باريس

نقل محمد كمال بعدسته صور من مدن مختلفة (تصوير: محمد كمال)
نقل محمد كمال بعدسته صور من مدن مختلفة (تصوير: محمد كمال)

تحوَّلت صورةٌ لممارسة رياضة التحطيب، التقطها المصوَّر المصري محمود هواري في صعيد مصر، إلى بوابة مشاركته في معرض «لغز مصر»، بعدما قدَّم بها إلى مسابقة نظَّمتها «اليونيسكو» عام 2016، برفقة زميله المصوَّر المصري محمد كمال، وذلك ضمن معرض تنظِّمه بلدية باريس بالتعاون مع السفارة المصرية في فرنسا.

يضمّ المعرض 22 صورة التقطها كمال وهواري في مدن مصرية مختلفة، وتُعرض اليوم في مركز «كاروسيل اللوفر» للتسوُّق، بالقرب من المتحف الفرنسي الشهير. وقد انطلقت فعاليات المعرض في 17 فبراير (شباط)، وتستمر حتى منتصف مارس (آذار) المقبل، بلقطات توثِّق التقاليد والعادات المصرية في صعيد مصر ودلتاها، إلى جانب صور التُقطت في سيناء. وقد تولَّى تنسيق الصور واختيارها الفرنسي ستيفان روفييه.

نقل محمد كمال مشاهد من الحياة اليومية (تصوير: محمد كمال)

يقول روفييه لـ«الشرق الأوسط»: إن «فكرة المعرض تقوم على اختيار صور مرتبطة بالحياة اليومية في مصر، بما يقدِّم مشاهد مختلفة ومغايرة للصورة التقليدية عنها، مع التأكيد على أن الصور الفوتوغرافية قادرة على إبراز الجانب الإنساني الذي يمزج بين تاريخ مصر وحاضرها، وهو جانب لا يراه السائح عادة عند زيارته للبلاد».

وأضاف أن «الصور المختارة في المعرض تعكس هوية مصرية بعيدة عن الآثار والمتاحف التي تشتهر بها البلاد، وتركّز على وجوه مصرية حقيقية التُقطت في مناطق مختلفة، مستفيداً من خبرة المصورين في التقاط الصور الإنسانية في مدن مصرية عدَّة». وأشار إلى أن الصور اجتذبت العديد من رواد المركز التجاري الذين توقفوا أمامها وأبدوا إعجابهم بها.

وأكَّد المصور المصري محمد كمال أن القائمين على المعرض اختاروا مجموعة من الصور التي التقطها في أماكن عدِّة داخل مصر، وتعكس واقع الحياة اليومية والمواقف الحياتية المختلفة. ولفت إلى أن خبرته في التصوير الصحافي، التي اكتسبها من العمل في الصحافة، إلى جانب مشاركته في معارض دولية سابقة، أسهمت في تطوير قدرته على توثيق المشاهد الحياتية اليومية.

جوانب مختلف أبرزها محمد كمال في صوره (تصوير: محمد كمال)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الصور المختارة في المعرض من تصويره عكست تنوعاً واضحاً في الأماكن التي التُقطت فيها، لكنها يجمعها عمق إنساني ومشاعر تنقلها بصورة مباشرة، مبدياً سعادته بالمشاركة في المعرض، واصفاً إياه بأنه من أهم التجارب في مسيرته المهنية مصوراً.

ويقول المصور المصري محمود هواري لـ«الشرق الأوسط» إن منسق المعرض تواصل معه بعد مشاهدته صورة التقطها وشارك بها في مسابقة التصوير التي نظّمتها «اليونيسكو». وبعد حصوله على مركز ضمن المراكز العشرة الأولى، جرى الاحتفاظ بالصورة، وعندما شاهدها ستيفان روفييه تواصل معه، ليبدأ بينهما نقاش حول رغبته في تنظيم المعرض والاستعانة بصوره.

قدَّم كمال صور متنوعة من محافظات مصر (تصوير: محمد كمال)

وأضاف هواري أنه يعمل منذ سنوات على توثيق التراث في صعيد مصر عبر مؤسسة «بشر مصر العليا»، وهي مؤسسة ثقافية تنفِّذ أنشطة مجتمعية تعتمد على توثيق التراث الحي في الصعيد وتعزيز قيمته، من خلال تقديم إنتاجات فنية تشمل نشر الكتب، وتنظيم المعارض، وإقامة البرامج الثقافية، إلى جانب التصوير. وأوضح أن رؤية المعرض طُرحت من جانب المؤسسة، ليتشاركوا مع روفييه، الذي لعب الدور الرئيسي في تنفيذ المعرض.

جانب من الصور المختارة المعروضة في باريس (السفارة المصرية في فرنسا)

ولفت إلى أنه يسعى باستمرار إلى تقديم صور حقيقية من المجتمع في صعيد مصر، مع مراعاة العادات والتقاليد وطبيعة المجتمع. وأشار إلى أن الصور المعروضة في المعرض لا توثق الجوانب التراثية فقط، بل ترصد أيضاً جانباً من الحياة اليومية، على غرار صورة تجفيف الطماطم، وهي من الممارسات التي بدأها المصريون القدماء في الماضي بسبب مواسم الفيضان.