عمرو موسى: إسرائيل قابلت «المبادرة العربية» بسلبية لأنها تستدرجها إلى التفاوض مع العرب مجتمعين

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (4)

عمرو موسى مع الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير سعود الفيصل والشيخ عبد الله بن زايد
عمرو موسى مع الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير سعود الفيصل والشيخ عبد الله بن زايد
TT

عمرو موسى: إسرائيل قابلت «المبادرة العربية» بسلبية لأنها تستدرجها إلى التفاوض مع العرب مجتمعين

عمرو موسى مع الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير سعود الفيصل والشيخ عبد الله بن زايد
عمرو موسى مع الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير سعود الفيصل والشيخ عبد الله بن زايد

في الحلقة الرابعة من الكتاب الجديد للأمين العام الأسبق للجامعة العربية عمرو موسى «سنوات الجامعة العربية» الذي سيصدر قريباً عن «دار الشروق» وحرره ووثقه خالد أبو بكر، يستعرض موسى جهوده والجامعة العربية في القضية الفلسطينية، التي خصص لها فصلين على مساحة 66 صفحة. تناول الأول، ظروف ولادة مبادرة السلام العربية في قمة بيروت 2002، والتي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بين عبد العزيز (رحمه الله)، وكان حينها ولياً للعهد. فيما خصص الثاني لتطورات القضية الفلسطينية، مركزاً على الانقسام الفلسطيني بين «فتح» و«حماس»، أو الضفة وغزة على القضية الفلسطينية، ومؤتمر أنابوليس للسلام، ثم الانقسام العربي العمودي في ظل العدوان على غزة سنة 2009. وموقف إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما من القضية الفلسطينية. هذه الحلقة من الفصل الأول، يروي موسى تفاصيل «المبادرة العربية للسلام» ودوره في صياغة بعض بنودها لتجاوز بعض الاختلافات على بنودها.
تبوأت منصبي أميناً عاماً لجامعة الدول العربية بينما كانت الانتفاضة الفلسطينية الثانية قائمة ونشطة. كما كان التعنت الإسرائيلي مستمراً بل متصاعداً، وكذلك كان الجمود يشل «عملية السلام» (وهو الاسم الذي كان شائعاً للمفاوضات العربية - الإسرائيلية المتردية، وأنا هنا أستخدم العبارة للتسهيل). فمنذ أن تسلم الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش مهامه رسمياً في 20 يناير (كانون الثاني) 2001 وحتى أحداث 11 سبتمبر (أيلول) من العام ذاته، لم تقدم إدارته أي مبادرة سياسية لمعالجة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وظلت نظرتها إلى الانتفاضة الفلسطينية على أنها حالة عنف، تعالج بإجراءات أمنية فقط.
في المجمل كان الموقف الأميركي تجاه القضية الفلسطينية في الفترة الممتدة من 20 يناير 2001 وحتى 11 سبتمبر 2001، ثابتاً على حاله، مع الأخذ في الاعتبار أن إدارة بوش اتبعت سياسة العصا مع الفلسطينيين، لاعتقادها أن سياسة الجزرة لم تنجح مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مفاوضات كامب ديفيد 2000. وبالتالي يجب احتواء وإنهاء القضية الفلسطينية بالرؤية التي تراها مناسبة، والتي تتقاطع مع السياسة الإسرائيلية، إلا أن الأمور تغيّرت بعد 11 - 9.
بعد وقوع هذه الهجمات في نيويورك، وفيما كانت القوات الأميركية تنهي استعدادها لغزو أفغانستان، وكانت الإدارة الأميركية منهمكة في حشد تحالف دولي واسع لدعم «الحرب على الإرهاب»، أعلن بوش أن «قيام دولة فلسطينية كان دوماً جزءاً من الرؤية الأميركية ما دام حق إسرائيل في الوجود محترماً... لكن أولاً، عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، يتعين علينا الوصول إلى تقرير ميتشل (تقرير أصدرته لجنة لتقصي الحقائق التي ترأسها السيناتور جورج ميتشل لبحث أسباب اندلاع انتفاضة سنة 2000). فقد وضع السيناتور ميتشل مخططاً قابلاً للتطبيق يوافق عليه معظم العالم، وهو طريق ضروري لحل مشاكل الشرق الأوسط في نهاية المطاف. ونحن نعمل بجد مع الجانبين (الفلسطيني والإسرائيلي) لتشجيع الحد من العنف حتى يمكن إجراء مناقشات هادفة».
في الحقيقة، فور اطلاعي على تلك التصريحات التي هي الأولى لبوش متحدثاً عن دولة فلسطينية اعتبرت أنها لا تعدو أن تكون عملية غير سليمة مبنى ومعنى وأهدافاً؛ ذلك أنني قدرت وقتها أن الرجل يحتاج إلى دعم العرب والمسلمين في حربه المقبلة ضد بعض دولهم، ولذلك فلا مانع لديه من مغازلتهم في القضية المركزية بالنسبة للكثيرين منهم، وهي القضية الفلسطينية. مما يؤكد استنتاجي، هو أنه بعد تلك التصريحات بنحو خمسة أيام، وبالتحديد في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2001. بدأت الولايات المتحدة حربها على أفغانستان.
- فريدمان وولادة «المبادرة العربية»
نشر توماس فريدمان، كاتب العمود الشهير في صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية في 6 فبراير (شباط) 2002. رسالة إلى القادة العرب على لسان الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش - شرح فيما بعد أنها كانت رسالة وهمية من ادعائه - تحت عنوان «Dear Arab Leage”. ومن ضمن ما قاله فيها: «أنت (أي الحكام العرب) من يملك القدرة على إعادة تشكيل الدبلوماسية حقاً، وليس أنا. وهنا نصيحتي لكيفية القيام بذلك: لديك قمة جامعة الدول العربية المقرر عقدها في مارس (آذار) في لبنان. أقترح أن يصدر مؤتمر القمة قراراً بسيطاً واحداً: «يقول 22 من أعضاء جامعة الدول العربية لإسرائيل إنه مقابل انسحاب إسرائيلي كامل إلى خطوط 4 يونيو (حزيران) 1967 - في الضفة الغربية وغزة والقدس ومرتفعات الجولان - نحن نقدم اعترافاً كاملاً بإسرائيل، وعلاقات دبلوماسية كاملة، أي سلام كامل مع جميع الدول العربية الـ22 للانسحاب الكامل».
بعد أقل من أسبوع، التقى فريدمان الأمير عبد الله، ولي العهد حينها، في مزرعته قرب الرياض. وكتب الصحافي الأميركي تفاصيل تلك المقابلة التي تضمنت الإعلان لأول مرة عما عرف بـ«مبادرة الأمير عبد الله للسلام في الشرق الأوسط»، قبل أن تعتمدها 22 دولة عربية في قمة بيروت في 28 مارس 2002، ليصبح اسمها «المبادرة العربية للسلام».
من جانبي أقول إن مضمون رسالة فريدمان سبقها نقاش طويل امتد طوال السنة الأخيرة لي وزيراً لخارجية مصر والسنة الأولى أميناً عاماً للجامعة العربية، وذلك بينه (فريدمان) وبيني في دافوس، عن أفضل الطرق وأنجعها لإرساء الأسس اللازمة لسلام متوازن يأخذ في الاعتبار الاحتياجات الأساسية لكلا الطرفين، ولا يزال فريدمان يذكرني بذلك. كانت آخر مرة ناقشنا فيها تلك الذكريات في يناير 2019. وبهذه المناسبة أدعو من يريد إلى التواصل مع فريدمان ليسأله عن الأصل المشترك لفكرة الطرح المتوازن للحقوق والالتزامات بالنسبة للطرفين العربي والإسرائيلي.
والواقع أننا على الجانب العربي، كنا نبحث عن مخرج، فالهجمة شرسة علينا باعتبارنا إرهابيين أو على الأقل منتجين لهم وذلك في أعقاب أحداث 11 - 9. فكان لا بد من الانتقال إلى شن حرب دبلوماسية تنقلنا من خانة الدفاع دون تقديم تنازلات مؤلمة أو مع تنازلات متبادلة. كان تفكير ولي العهد السعودي في ذلك الوقت هو التفكير السليم الذي ينبع من نفس منطق «خذ وأعطِ».
وكان الأمير (الملك) عبد الله هو وحده صاحب المكانة التي تؤهله لطرح المبادرة العربية دون مزايدة من آخرين سوف يتحرجون من مهاجمته أو الاعتراض على ما يقترحه. كان الأمير عبد الله ذا مصداقية هائلة لدى الرأي العام العربي والحكومات العربية جميعاً ولدى العالم، ومن ثم كان اقتراحه أو مبادرته خطوة تاريخية جديرة بالتأييد الشامل لها.
- ضغط سوري ـ لبناني لخفض سقف المبادرة
لم يكن السوريون مرتاحين إزاء مبادرة الأمير عبد الله؛ إذ إن ولي العهد لم يتشاور معهم قبل الإعلان عن مبادرته في «نيويورك تايمز». أظن أن الأمير وضع تجربة (الرئيس المصري الراحل أنور السادات) مع السوريين نصب عينيه؛ فقرر عدم التشاور أو التنسيق معهم قبل صياغة المبادرة، مخافة أن يطلقوا النار عليها قبل الإعلان عنها. لم يعلن السوريون غضبهم من ذلك صراحة، لكن مجهودهم الرئيسي في نقد المبادرة خلال اتصالاتهم انصب على عبارة «التطبيع الكامل»، التي وردت فيها، كرد من العرب على انسحاب إسرائيل إلى حدود الرابع من يونيو 1967.
في الوقت نفسه، اندفع السوريون ببراعة للعب بورقة «اللاجئين الفلسطينيين» وحق العودة الذي لم تتم الإشارة إليه في التفاصيل المنشورة عن المبادرة؛ لأنهم يدركون جيداً الحساسية الفلسطينية ثم اللبنانية من موضوع اللاجئين، ذلك أن بعض الطوائف اللبنانية ترى أن توطين نحو 350 ألف لاجئ فلسطيني معظمهم من المسلمين السنة، أمراً يخل بالميزان الديمغرافي في لبنان.
في 3 مارس 2002 (قبل انعقاد قمة بيروت وربما تمهيداً لها)، قام بشار الأسد بأول زيارة رسمية إلى بيروت من قبل رئيس دولة سوري منذ أكثر من خمسين عاماً. خلال زيارته، أصدر الأسد والرئيس اللبناني إميل لحود بياناً مشتركاً لم يشيرا فيه إلى مبادرة الأمير عبد الله صراحة، لكنهما قالا: «يجب أن تسمح التسوية الشاملة مع إسرائيل بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وإزالة المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وغزة».
بعد زيارة الأسد، تخلى السعوديون بهدوء عن مصطلح «التطبيع الكامل» من التصريحات الرسمية الممهدة للمبادرة. وفي هذا السياق، وصف وزير الخارجية سعود الفيصل في 10 مارس المبادرة بأنها تعرض على إسرائيل «سلاماً تاماً» مقابل الانسحاب إلى حدود عام 1967. ولم يركز على مصطلح «التطبيع الكامل».
- قمة بيروت 2002
صبيحة افتتاح قمة بيروت في 27 مارس 2002 دعاني الأمير سعود الفيصل إلى إفطار مبكر (نحو ساعة قبل وصول وزير خارجية سوريا فاروق الشرع لنفس الدعوة) وجاء الشرع بالفعل في موعده. لاحظت أنه يريد الانفراد بسعود وهو ما مكنته منه، إذ كان علي أن أصوغ المبادرة في صورتها النهائية تاركاً موضوع اللاجئين والتطبيع (أو الاعتراف) إلى حين انتهاء المباحثات السورية - السعودية. جلست أكتب على مائدة بعيدة وإن في ذات الصالون. كنت قاصداً أن أكتب النص في وجود سوريا، وأن أعرض النص على سعود في وجود الشرع.
كنا في الدور السادس من فندق فينيسيا الشهير في بيروت، وفي الصالون الخاص بكبار الضيوف تحديداً. لاحظت توتراً على فاروق الشرع وفروغ صبر لدى سعود. كنا في فترة الصباح الباكر تلك التي جمعتني والأمير وحدنا قد ناقشنا الموقف السوري الذي كنت مؤيداً له وهو ما ذكرته للأمير، قائلاً: «إن الأمر في النهاية أمر صياغة، خصوصاً في النقطة الخاصة باللاجئين الفلسطينيين التي يدعمها قرار الأمم المتحدة 194 لسنة 1948. الذي يمكن استخدام صياغته. وأما الاعتراف أو التطبيع فطالما هو مشروط فلا غضاضة منه».
الحقيقة أن موقف سوريا أضاف إلى المبادرة ولم يضعفها، ولست أرى أن سوريا كانت معارضة لفكرة المبادرة في ذاتها، كما أؤكد أنها كانت حريصة على عدم الصدام مع (الملك) عبد الله. المهم أنه بعد التفاهم الذي جرى بين الأمير سعود وفاروق الشرع انضممت إليهما، حيث دار نقاش حول الصياغة النهائية، وقال الأمير سعود إن عمرو موسى كفيل بها.
قلت إنني سوف أعدها بسرعة وأعرضها على كل منهما - ربما وهما جالسان هنا - قبل أن نطبعها ونعدها للعرض على الوزراء الآخرين، وهو ما حدث بالفعل، وبينما اطلع عليها سعود بسرعة ووافق عليها، قرأها فاروق الشرع كلمة كلمة، ثم توقف عند عبارة «العلاقات الطبيعية»، في سياق الفقرة التي تقول: «إنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار هذا السلام الشامل».
قلت له: يا أبا مضر، هذه عبارة أقل من «التطبيع الكامل التي تحفظتم عليها»، فسكت ولم يعلق وهو ما اعتبرته موافقة على الصياغة.
ثم سألني: ماذا تنوي أن تفعل الآن؟
قلت: سوف أراجع الصياغة مرة أخرى من حيث اللغة والترتيب، ثم أخطر بها باقي الوزراء، لكن لن أوزعها عليهم إلا في الاجتماع ذاته، أي سوف تكون هناك نسخة واحدة في يدي فقط للساعة أو الساعتين القادمتين، وأعتقد أن الاجتماع سوف يتأخر بعض الوقت.
ذهبت بعد ذلك إلى المكتب المخصص للأمين العام، وكان بجوار المكتب الذي خصص لرئيس القمة (الرئيس اللبناني إميل لحود) في دور تحت الأرض في الفندق، حيث توافد عدد من الوزراء تمهيداً للقمة التي اقترب موعد افتتاحها، وأطلعت من يريد على النص دون تسليم نسخ.
كان وزير الخارجية المصرية - أحمد ماهر السيد - مندهشاً مما جرى، وأطلعته من جانبي على النص، إذ لم يدعوه وزيرا الخارجية السعودي والسوري للانضمام إليهما؛ فغادر دون تعليق. أما كوفي أنان وخافيير سولانا وغيرهما فاتصلوا بي تليفونياً، وأعتقد أنهما اتصلا بالأمير سعود الذي ذكر أن النص معي وهو النص الوحيد، وكان ردي هو نفسه الذي ذكرته للوزراء. طلبت من مدير مكتبي (السفير هشام بدر) أن يقوم بترجمة النص إلى الإنجليزية وأن يكتبه بنفسه ويسلمني إياه، وهو أيضاً ما حدث.
اقتربت ساعة الانعقاد، وتركت الترتيبات للسفير هشام بدر، إذ انشغلت بأمر آخر هو إذاعة نص خطاب يود ياسر عرفات أن يلقيه على القمة من حصاره في المقاطعة برام الله، وكانت هناك معارضة من سوريا ولبنان، وعدم اقتناع من رئاسة القمة. كنت محبطاً وأنا أرى أن موقف القمة أو بعض أعضائها غير سليم إطلاقاً، لا من حيث الشكل ولا المضمون، ويجعل إسرائيل تبتسم ساخرة من موقف العرب تجاه الرئيس الفلسطيني.
هذا الموضوع أصابني بحالة إحباط وضيق كانت واضحة على وجهي؛ وهو ما لاحظه الأمير عبد الله ولي عهد السعودية، رحمه الله، وإذ به يضع يده على كتفي قائلاً: يا عمرو حين تشعر بضيق اقرأ سورة العصر: (وَالْعَصْرِ * إِنَ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَا الَذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِ وَتَوَاصَوْا بِالصَبْرِ). وقد فعلت وما زلت أفعل حتى الآن... رحم الله الملك عبد الله... كم أحببته.
- تحفظات ليبيا على المبادرة
الحقيقة أن الجلسة الختامية لقمة بيروت في 28 مارس 2002 قد تأخرت ساعتين ونصف الساعة بسبب اعتراض السوريين على الصياغة التي صدرت بها المبادرة العربية، الذين كانوا قد أصروا على إلغاء مصطلح «التطبيع الكامل» وطرح مصطلح «سلام كامل»، وكنت قد استبدلت بهما عبارة «العلاقات الطبيعية» كحل وسط، وهي الصيغة التي اعتمدها السوريون بعد مفاوضات شاقة.
كانت هناك صعوبة أخيرة تقف أمام الموافقة الجماعية على المبادرة العربية، هي اعتراض ليبيا على بعض البند الثالث من بنود المبادرة الذي ينص على: «اعتبار النزاع العربي الإسرائيلي منتهياً، والدخول في اتفاقية سلام بينها وبين إسرائيل مع تحقيق الأمن لجميع دول المنطقة».
كان أخي وصديقي علي التريكي هو ممثل ليبيا، وهو دبلوماسي قدير، وقد أثار اعتراض ليبيا على البند المشار إليه في الجلسة الرابعة (مغلقة) والتي انعقدت بعد ظهر اليوم الثاني للقمة، وجاء اعتراضه بالنص في محضر الجلسة كما يلي:
«فيما يخص الفقرة 3 التي تنص على (اعتبار النزاع العربي الإسرائيلي منتهياً)، والدخول في اتفاقية سلام بينها وبين إسرائيل... هذا يعني الدول العربية التي لها أرض محتلة وليس الدول العربية جميعاً على ما أعتقد؛ لأنه ما الذي يلزم دولة عربية في شمال أفريقيا أن تبرم اتفاقية سلام مع إسرائيل؟
لا نتحدث عن ليبيا... وإنما نتحدث عن الدول التي هي ضحية للعدوان الآن وأرضها محتلة. سوريا... لبنان... الفلسطينيون... هؤلاء هم الذين يبرمون اتفاقية سلام... أما الدول العربية الأخرى فما الذي يعنيها؟ ما الذي يجعلني أبرم اتفاقية سلام مع إسرائيل؟... نريد أن يوضح لنا أولئك الذين وضعوا الوثيقة أو لجنة الصياغة أو معالي الأمين العام: مَن الذي سيعقد اتفاقية مع إسرائيل؟ إنها الدول التي لها أرض محتلة والتي تقوم بعملية السلام أو المقصود كافة الدول؟».
بعد تمسك الكثير من الدول بنص الفقرة التي اعترضت عليها ليبيا، شدد التريكي على أن ليبيا «تؤيد المبادرة وليست ضدها. لقد اتفقنا على أن المبادرة هي تحرك سياسي يهدف إلى إحراج إسرائيل، ونحن مع مبادرة سمو الأمير عبد الله، لكن لا يمكن أن نقبل نصاً يلزم العرب جميعاً بأن يقوموا بتوقيع اتفاقيات سلام مع إسرائيل».
وعندئذ قال الأمير عبد الله بن عبد العزيز: «أشكر الأخ التريكي... وإذا كان ولا بد يتحفظ عليها فهو يقبلها، ومن ثم فليتحفظ على هذه النقطة». ثم عرضت المبادرة للتصويت ولم تصوت ليبيا ضدها، وجرت الموافقة عليها بالإجماع... رحم الله علي التريكي كان عروبياً صادقاً.
رد فعل إسرائيلي ـ أميركي سلبي
لم أتوقع استجابة إيجابية من الإسرائيليين على المبادرة العربية؛ لأنها تستدرجهم إلى الموقع الذي لا يحبونه في التفاوض مع العرب كجماعة بشأن القضية الفلسطينية، وهو موقع لا يقبلونه تاريخياً. فـ«المفاوضات الثنائية» مع طرف ضعيف هي الطريقة المفضلة التي يحبذونها؛ لإدراكهم أن أي مواجهة ولو تفاوضية مع العرب مجتمعين لن تكون في صالحهم أبداً.
السبب الثاني الذي جعلني لا أتوقع رداً إيجابياً من إسرائيل على المبادرة العربية أنها تبيع لهم «التطبيع الكامل»، وإن خففت صيغته كما سبق وبينت مقابل الأرض العربية وحدود 4 يونيو 1967، والحقيقة أن الخط الاستراتيجي في السياسة الإسرائيلية كما خبرتها يقوم على أنه بالإمكان الفوز بـ«تطبيع مجاني» من العرب من دون الحاجة للتفريط في الأرض المهمة بالنسبة لأمن إسرائيل القومي.
ما أدهشني حقاً هو رد الفعل الأميركي الفاتر للمبادرة مع أن العديد من المصادر والمؤسسات الأميركية كانت تدفع باتجاه صدور هذه المبادرة من قمة 2002 حتى يمكن «طمأنة» الإسرائيليين ودفع العملية السلمية إلى الأمام. كما أن الحضور والإصرار الدولي الكثيف الأوروبي والأميركي والأمم المتحدة لم يكن لمجرد المشاهدة والتشجيع، وإنما كان لضمان صدور المبادرة.
إذن لماذا هذا البرود فور صدورها؟ إنه موقف إسرائيل التي رأت في المبادرة خطورة أن يدعمها العالم ومن ثم يضغط عليها للقبول بها والتجاوب معها؟ ثم تصاعد العنف خلال الانتفاضة الثانية ليكهرب الجو ويصعب عرض مبادرة الجامعة العربية على مجلس الأمن، العرض السياسي المطلوب والمنطقي، بعد هذا الإجماع العربي على الموقف الجديد بمد يد السلام ويطرح تنازلات «متبادلة» محددة ومصاغة بجدية. نعم كان رد الفعل الأميركي الأولي بشأن المبادرة فاتراً، حيث وصفه المتحدث باسم وزارة الخارجية ريتشارد باوتشر بأنها مجرد «خطوة هامة وإيجابية». بعد بضعة أيام، على ذات النغمة وصفها وزير الخارجية كولن باول بأنها «خطوة مهمة»، لكنه نوه بالحاجة إلى مزيد من التفاصيل بشأنها، (وكأنهم لم يكونوا على دراية بها!)
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسُّك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقرَّرة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه وعدم حسمه، رغم إجراء حوارات وطنية على مدى نحو عام، وسط صعوبات أمام الحكومة؛ أبرزها خلافات مع بعض الولايات واعتراف إسرائيلي بأحد الأقاليم.

ويشير خبير في الشؤون الصومالية، تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تأزم الوضع الصومالي بالفعل داخلياً وخارجياً، داعياً لعقد حوار جاد للوصول لحلول.

والتقى الرئيس الصومالي زعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مشيداً بدورهم في تحقيق السلام والمصالحة وبناء الدولة والحفاظ على وحدة الشعب.

وأكد شيخ محمود، خلال اللقاء، أنَّه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، داعياً الزعماء التقليديين إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف.

وقال: «نحن مصممون على أن يحصل الشعب الصومالي على حقوقه الدستورية في اختيار مَن يمثله في السلطة بعد 57 عاماً، حيث سبَّبت الانتخابات غير المباشرة التي جرت في البلاد كثيراً من المشكلات، وعلى رأسها الأمنية».

يأتي ذلك وسط خلافات مع المعارضة بشأن الانتخابات المباشرة، واعتماد الدستور في مارس (آذار) الماضي دون تغيير ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، أو الحد من صلاحيات الولايات.

ووسط خلافات ممتدة منذ نحو عام، لم تُنهها جولات الحوار، تَشكَّل «مجلس مستقبل الصومال» المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا جوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي وسعيد دني، وزعيما «منتدى الإنقاذ» المعارض، وهم رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون.

وامتدت الخلافات على مستوى قادة الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وأواخر مارس الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة» على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب، ووصول قوات مسلحة للعاصمة «استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشكلات الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

وبعد تلك الأحداث، نجا شيخ محمود، دون أن يُصاب بأذى، من حادث تعرض فيه هو ومرافقوه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا بجنوب البلاد، مطلع أبريل (نيسان) عقب الإطاحة برئيس الإقليم، في ثاني استهداف تدبره «حركة الشباب» المتشددة وينجو منه رئيس الصومال في غضون عام تقريباً، وفق ما أفادت «وكالة بلومبرغ».

ويعتقد المحلل والكاتب الصومالي، حسن محمد حاج، أن التمسك الرئاسي يزيد من حدة الانقسام مع الولايات المعارضة، في وقت يمنح الدستور الجديد الذي تم إقراره في مارس 2026 الرئيس عاماً إضافياً برفع الولاية لـ5 سنوات، لتنتهي في مايو (أيار) 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأمام هذا الإصرار الرئاسي، يرى المحلل الصومالي أنَّ الحل يمكن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل يضمن مشاركة الولايات المعارضة، بما فيها بونتلاند وجوبالاند، والاتفاق على نموذج انتخابي هجين يجمع بين الاقتراع المباشر والتوافق العشائري لضمان شرعية الاستحقاقات المقبلة.

ووسط تعقيدات المشهد الداخلي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على تعيين مايكل لوتيم سفيراً لدى الإقليم الانفصالي، أرض الصومال، في إطار عملية توسيع العلاقات مع هذه المنطقة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في أواخر عام 2025، وفقاً لبيان وزارة الخارجية، الأسبوع الماضي.

وتحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر خاص وجيش، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الصومال، وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وليس أمام مقديشو، بحسب المحلل محمد حاج، سوى التحشيد الدبلوماسي والتحالف مع مصر وتركيا لعزل الانفصال دولياً، مضيفاً: «الخطر السيادي ربما يدفع الحكومة والمعارضة لتفاهمات اضطرارية تُعلي المصلحة الوطنية فوق الخلافات الداخلية».


البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.