عمرو موسى: إسرائيل قابلت «المبادرة العربية» بسلبية لأنها تستدرجها إلى التفاوض مع العرب مجتمعين

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (4)

عمرو موسى مع الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير سعود الفيصل والشيخ عبد الله بن زايد
عمرو موسى مع الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير سعود الفيصل والشيخ عبد الله بن زايد
TT

عمرو موسى: إسرائيل قابلت «المبادرة العربية» بسلبية لأنها تستدرجها إلى التفاوض مع العرب مجتمعين

عمرو موسى مع الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير سعود الفيصل والشيخ عبد الله بن زايد
عمرو موسى مع الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير سعود الفيصل والشيخ عبد الله بن زايد

في الحلقة الرابعة من الكتاب الجديد للأمين العام الأسبق للجامعة العربية عمرو موسى «سنوات الجامعة العربية» الذي سيصدر قريباً عن «دار الشروق» وحرره ووثقه خالد أبو بكر، يستعرض موسى جهوده والجامعة العربية في القضية الفلسطينية، التي خصص لها فصلين على مساحة 66 صفحة. تناول الأول، ظروف ولادة مبادرة السلام العربية في قمة بيروت 2002، والتي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بين عبد العزيز (رحمه الله)، وكان حينها ولياً للعهد. فيما خصص الثاني لتطورات القضية الفلسطينية، مركزاً على الانقسام الفلسطيني بين «فتح» و«حماس»، أو الضفة وغزة على القضية الفلسطينية، ومؤتمر أنابوليس للسلام، ثم الانقسام العربي العمودي في ظل العدوان على غزة سنة 2009. وموقف إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما من القضية الفلسطينية. هذه الحلقة من الفصل الأول، يروي موسى تفاصيل «المبادرة العربية للسلام» ودوره في صياغة بعض بنودها لتجاوز بعض الاختلافات على بنودها.
تبوأت منصبي أميناً عاماً لجامعة الدول العربية بينما كانت الانتفاضة الفلسطينية الثانية قائمة ونشطة. كما كان التعنت الإسرائيلي مستمراً بل متصاعداً، وكذلك كان الجمود يشل «عملية السلام» (وهو الاسم الذي كان شائعاً للمفاوضات العربية - الإسرائيلية المتردية، وأنا هنا أستخدم العبارة للتسهيل). فمنذ أن تسلم الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش مهامه رسمياً في 20 يناير (كانون الثاني) 2001 وحتى أحداث 11 سبتمبر (أيلول) من العام ذاته، لم تقدم إدارته أي مبادرة سياسية لمعالجة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وظلت نظرتها إلى الانتفاضة الفلسطينية على أنها حالة عنف، تعالج بإجراءات أمنية فقط.
في المجمل كان الموقف الأميركي تجاه القضية الفلسطينية في الفترة الممتدة من 20 يناير 2001 وحتى 11 سبتمبر 2001، ثابتاً على حاله، مع الأخذ في الاعتبار أن إدارة بوش اتبعت سياسة العصا مع الفلسطينيين، لاعتقادها أن سياسة الجزرة لم تنجح مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مفاوضات كامب ديفيد 2000. وبالتالي يجب احتواء وإنهاء القضية الفلسطينية بالرؤية التي تراها مناسبة، والتي تتقاطع مع السياسة الإسرائيلية، إلا أن الأمور تغيّرت بعد 11 - 9.
بعد وقوع هذه الهجمات في نيويورك، وفيما كانت القوات الأميركية تنهي استعدادها لغزو أفغانستان، وكانت الإدارة الأميركية منهمكة في حشد تحالف دولي واسع لدعم «الحرب على الإرهاب»، أعلن بوش أن «قيام دولة فلسطينية كان دوماً جزءاً من الرؤية الأميركية ما دام حق إسرائيل في الوجود محترماً... لكن أولاً، عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، يتعين علينا الوصول إلى تقرير ميتشل (تقرير أصدرته لجنة لتقصي الحقائق التي ترأسها السيناتور جورج ميتشل لبحث أسباب اندلاع انتفاضة سنة 2000). فقد وضع السيناتور ميتشل مخططاً قابلاً للتطبيق يوافق عليه معظم العالم، وهو طريق ضروري لحل مشاكل الشرق الأوسط في نهاية المطاف. ونحن نعمل بجد مع الجانبين (الفلسطيني والإسرائيلي) لتشجيع الحد من العنف حتى يمكن إجراء مناقشات هادفة».
في الحقيقة، فور اطلاعي على تلك التصريحات التي هي الأولى لبوش متحدثاً عن دولة فلسطينية اعتبرت أنها لا تعدو أن تكون عملية غير سليمة مبنى ومعنى وأهدافاً؛ ذلك أنني قدرت وقتها أن الرجل يحتاج إلى دعم العرب والمسلمين في حربه المقبلة ضد بعض دولهم، ولذلك فلا مانع لديه من مغازلتهم في القضية المركزية بالنسبة للكثيرين منهم، وهي القضية الفلسطينية. مما يؤكد استنتاجي، هو أنه بعد تلك التصريحات بنحو خمسة أيام، وبالتحديد في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2001. بدأت الولايات المتحدة حربها على أفغانستان.
- فريدمان وولادة «المبادرة العربية»
نشر توماس فريدمان، كاتب العمود الشهير في صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية في 6 فبراير (شباط) 2002. رسالة إلى القادة العرب على لسان الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش - شرح فيما بعد أنها كانت رسالة وهمية من ادعائه - تحت عنوان «Dear Arab Leage”. ومن ضمن ما قاله فيها: «أنت (أي الحكام العرب) من يملك القدرة على إعادة تشكيل الدبلوماسية حقاً، وليس أنا. وهنا نصيحتي لكيفية القيام بذلك: لديك قمة جامعة الدول العربية المقرر عقدها في مارس (آذار) في لبنان. أقترح أن يصدر مؤتمر القمة قراراً بسيطاً واحداً: «يقول 22 من أعضاء جامعة الدول العربية لإسرائيل إنه مقابل انسحاب إسرائيلي كامل إلى خطوط 4 يونيو (حزيران) 1967 - في الضفة الغربية وغزة والقدس ومرتفعات الجولان - نحن نقدم اعترافاً كاملاً بإسرائيل، وعلاقات دبلوماسية كاملة، أي سلام كامل مع جميع الدول العربية الـ22 للانسحاب الكامل».
بعد أقل من أسبوع، التقى فريدمان الأمير عبد الله، ولي العهد حينها، في مزرعته قرب الرياض. وكتب الصحافي الأميركي تفاصيل تلك المقابلة التي تضمنت الإعلان لأول مرة عما عرف بـ«مبادرة الأمير عبد الله للسلام في الشرق الأوسط»، قبل أن تعتمدها 22 دولة عربية في قمة بيروت في 28 مارس 2002، ليصبح اسمها «المبادرة العربية للسلام».
من جانبي أقول إن مضمون رسالة فريدمان سبقها نقاش طويل امتد طوال السنة الأخيرة لي وزيراً لخارجية مصر والسنة الأولى أميناً عاماً للجامعة العربية، وذلك بينه (فريدمان) وبيني في دافوس، عن أفضل الطرق وأنجعها لإرساء الأسس اللازمة لسلام متوازن يأخذ في الاعتبار الاحتياجات الأساسية لكلا الطرفين، ولا يزال فريدمان يذكرني بذلك. كانت آخر مرة ناقشنا فيها تلك الذكريات في يناير 2019. وبهذه المناسبة أدعو من يريد إلى التواصل مع فريدمان ليسأله عن الأصل المشترك لفكرة الطرح المتوازن للحقوق والالتزامات بالنسبة للطرفين العربي والإسرائيلي.
والواقع أننا على الجانب العربي، كنا نبحث عن مخرج، فالهجمة شرسة علينا باعتبارنا إرهابيين أو على الأقل منتجين لهم وذلك في أعقاب أحداث 11 - 9. فكان لا بد من الانتقال إلى شن حرب دبلوماسية تنقلنا من خانة الدفاع دون تقديم تنازلات مؤلمة أو مع تنازلات متبادلة. كان تفكير ولي العهد السعودي في ذلك الوقت هو التفكير السليم الذي ينبع من نفس منطق «خذ وأعطِ».
وكان الأمير (الملك) عبد الله هو وحده صاحب المكانة التي تؤهله لطرح المبادرة العربية دون مزايدة من آخرين سوف يتحرجون من مهاجمته أو الاعتراض على ما يقترحه. كان الأمير عبد الله ذا مصداقية هائلة لدى الرأي العام العربي والحكومات العربية جميعاً ولدى العالم، ومن ثم كان اقتراحه أو مبادرته خطوة تاريخية جديرة بالتأييد الشامل لها.
- ضغط سوري ـ لبناني لخفض سقف المبادرة
لم يكن السوريون مرتاحين إزاء مبادرة الأمير عبد الله؛ إذ إن ولي العهد لم يتشاور معهم قبل الإعلان عن مبادرته في «نيويورك تايمز». أظن أن الأمير وضع تجربة (الرئيس المصري الراحل أنور السادات) مع السوريين نصب عينيه؛ فقرر عدم التشاور أو التنسيق معهم قبل صياغة المبادرة، مخافة أن يطلقوا النار عليها قبل الإعلان عنها. لم يعلن السوريون غضبهم من ذلك صراحة، لكن مجهودهم الرئيسي في نقد المبادرة خلال اتصالاتهم انصب على عبارة «التطبيع الكامل»، التي وردت فيها، كرد من العرب على انسحاب إسرائيل إلى حدود الرابع من يونيو 1967.
في الوقت نفسه، اندفع السوريون ببراعة للعب بورقة «اللاجئين الفلسطينيين» وحق العودة الذي لم تتم الإشارة إليه في التفاصيل المنشورة عن المبادرة؛ لأنهم يدركون جيداً الحساسية الفلسطينية ثم اللبنانية من موضوع اللاجئين، ذلك أن بعض الطوائف اللبنانية ترى أن توطين نحو 350 ألف لاجئ فلسطيني معظمهم من المسلمين السنة، أمراً يخل بالميزان الديمغرافي في لبنان.
في 3 مارس 2002 (قبل انعقاد قمة بيروت وربما تمهيداً لها)، قام بشار الأسد بأول زيارة رسمية إلى بيروت من قبل رئيس دولة سوري منذ أكثر من خمسين عاماً. خلال زيارته، أصدر الأسد والرئيس اللبناني إميل لحود بياناً مشتركاً لم يشيرا فيه إلى مبادرة الأمير عبد الله صراحة، لكنهما قالا: «يجب أن تسمح التسوية الشاملة مع إسرائيل بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وإزالة المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وغزة».
بعد زيارة الأسد، تخلى السعوديون بهدوء عن مصطلح «التطبيع الكامل» من التصريحات الرسمية الممهدة للمبادرة. وفي هذا السياق، وصف وزير الخارجية سعود الفيصل في 10 مارس المبادرة بأنها تعرض على إسرائيل «سلاماً تاماً» مقابل الانسحاب إلى حدود عام 1967. ولم يركز على مصطلح «التطبيع الكامل».
- قمة بيروت 2002
صبيحة افتتاح قمة بيروت في 27 مارس 2002 دعاني الأمير سعود الفيصل إلى إفطار مبكر (نحو ساعة قبل وصول وزير خارجية سوريا فاروق الشرع لنفس الدعوة) وجاء الشرع بالفعل في موعده. لاحظت أنه يريد الانفراد بسعود وهو ما مكنته منه، إذ كان علي أن أصوغ المبادرة في صورتها النهائية تاركاً موضوع اللاجئين والتطبيع (أو الاعتراف) إلى حين انتهاء المباحثات السورية - السعودية. جلست أكتب على مائدة بعيدة وإن في ذات الصالون. كنت قاصداً أن أكتب النص في وجود سوريا، وأن أعرض النص على سعود في وجود الشرع.
كنا في الدور السادس من فندق فينيسيا الشهير في بيروت، وفي الصالون الخاص بكبار الضيوف تحديداً. لاحظت توتراً على فاروق الشرع وفروغ صبر لدى سعود. كنا في فترة الصباح الباكر تلك التي جمعتني والأمير وحدنا قد ناقشنا الموقف السوري الذي كنت مؤيداً له وهو ما ذكرته للأمير، قائلاً: «إن الأمر في النهاية أمر صياغة، خصوصاً في النقطة الخاصة باللاجئين الفلسطينيين التي يدعمها قرار الأمم المتحدة 194 لسنة 1948. الذي يمكن استخدام صياغته. وأما الاعتراف أو التطبيع فطالما هو مشروط فلا غضاضة منه».
الحقيقة أن موقف سوريا أضاف إلى المبادرة ولم يضعفها، ولست أرى أن سوريا كانت معارضة لفكرة المبادرة في ذاتها، كما أؤكد أنها كانت حريصة على عدم الصدام مع (الملك) عبد الله. المهم أنه بعد التفاهم الذي جرى بين الأمير سعود وفاروق الشرع انضممت إليهما، حيث دار نقاش حول الصياغة النهائية، وقال الأمير سعود إن عمرو موسى كفيل بها.
قلت إنني سوف أعدها بسرعة وأعرضها على كل منهما - ربما وهما جالسان هنا - قبل أن نطبعها ونعدها للعرض على الوزراء الآخرين، وهو ما حدث بالفعل، وبينما اطلع عليها سعود بسرعة ووافق عليها، قرأها فاروق الشرع كلمة كلمة، ثم توقف عند عبارة «العلاقات الطبيعية»، في سياق الفقرة التي تقول: «إنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار هذا السلام الشامل».
قلت له: يا أبا مضر، هذه عبارة أقل من «التطبيع الكامل التي تحفظتم عليها»، فسكت ولم يعلق وهو ما اعتبرته موافقة على الصياغة.
ثم سألني: ماذا تنوي أن تفعل الآن؟
قلت: سوف أراجع الصياغة مرة أخرى من حيث اللغة والترتيب، ثم أخطر بها باقي الوزراء، لكن لن أوزعها عليهم إلا في الاجتماع ذاته، أي سوف تكون هناك نسخة واحدة في يدي فقط للساعة أو الساعتين القادمتين، وأعتقد أن الاجتماع سوف يتأخر بعض الوقت.
ذهبت بعد ذلك إلى المكتب المخصص للأمين العام، وكان بجوار المكتب الذي خصص لرئيس القمة (الرئيس اللبناني إميل لحود) في دور تحت الأرض في الفندق، حيث توافد عدد من الوزراء تمهيداً للقمة التي اقترب موعد افتتاحها، وأطلعت من يريد على النص دون تسليم نسخ.
كان وزير الخارجية المصرية - أحمد ماهر السيد - مندهشاً مما جرى، وأطلعته من جانبي على النص، إذ لم يدعوه وزيرا الخارجية السعودي والسوري للانضمام إليهما؛ فغادر دون تعليق. أما كوفي أنان وخافيير سولانا وغيرهما فاتصلوا بي تليفونياً، وأعتقد أنهما اتصلا بالأمير سعود الذي ذكر أن النص معي وهو النص الوحيد، وكان ردي هو نفسه الذي ذكرته للوزراء. طلبت من مدير مكتبي (السفير هشام بدر) أن يقوم بترجمة النص إلى الإنجليزية وأن يكتبه بنفسه ويسلمني إياه، وهو أيضاً ما حدث.
اقتربت ساعة الانعقاد، وتركت الترتيبات للسفير هشام بدر، إذ انشغلت بأمر آخر هو إذاعة نص خطاب يود ياسر عرفات أن يلقيه على القمة من حصاره في المقاطعة برام الله، وكانت هناك معارضة من سوريا ولبنان، وعدم اقتناع من رئاسة القمة. كنت محبطاً وأنا أرى أن موقف القمة أو بعض أعضائها غير سليم إطلاقاً، لا من حيث الشكل ولا المضمون، ويجعل إسرائيل تبتسم ساخرة من موقف العرب تجاه الرئيس الفلسطيني.
هذا الموضوع أصابني بحالة إحباط وضيق كانت واضحة على وجهي؛ وهو ما لاحظه الأمير عبد الله ولي عهد السعودية، رحمه الله، وإذ به يضع يده على كتفي قائلاً: يا عمرو حين تشعر بضيق اقرأ سورة العصر: (وَالْعَصْرِ * إِنَ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَا الَذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِ وَتَوَاصَوْا بِالصَبْرِ). وقد فعلت وما زلت أفعل حتى الآن... رحم الله الملك عبد الله... كم أحببته.
- تحفظات ليبيا على المبادرة
الحقيقة أن الجلسة الختامية لقمة بيروت في 28 مارس 2002 قد تأخرت ساعتين ونصف الساعة بسبب اعتراض السوريين على الصياغة التي صدرت بها المبادرة العربية، الذين كانوا قد أصروا على إلغاء مصطلح «التطبيع الكامل» وطرح مصطلح «سلام كامل»، وكنت قد استبدلت بهما عبارة «العلاقات الطبيعية» كحل وسط، وهي الصيغة التي اعتمدها السوريون بعد مفاوضات شاقة.
كانت هناك صعوبة أخيرة تقف أمام الموافقة الجماعية على المبادرة العربية، هي اعتراض ليبيا على بعض البند الثالث من بنود المبادرة الذي ينص على: «اعتبار النزاع العربي الإسرائيلي منتهياً، والدخول في اتفاقية سلام بينها وبين إسرائيل مع تحقيق الأمن لجميع دول المنطقة».
كان أخي وصديقي علي التريكي هو ممثل ليبيا، وهو دبلوماسي قدير، وقد أثار اعتراض ليبيا على البند المشار إليه في الجلسة الرابعة (مغلقة) والتي انعقدت بعد ظهر اليوم الثاني للقمة، وجاء اعتراضه بالنص في محضر الجلسة كما يلي:
«فيما يخص الفقرة 3 التي تنص على (اعتبار النزاع العربي الإسرائيلي منتهياً)، والدخول في اتفاقية سلام بينها وبين إسرائيل... هذا يعني الدول العربية التي لها أرض محتلة وليس الدول العربية جميعاً على ما أعتقد؛ لأنه ما الذي يلزم دولة عربية في شمال أفريقيا أن تبرم اتفاقية سلام مع إسرائيل؟
لا نتحدث عن ليبيا... وإنما نتحدث عن الدول التي هي ضحية للعدوان الآن وأرضها محتلة. سوريا... لبنان... الفلسطينيون... هؤلاء هم الذين يبرمون اتفاقية سلام... أما الدول العربية الأخرى فما الذي يعنيها؟ ما الذي يجعلني أبرم اتفاقية سلام مع إسرائيل؟... نريد أن يوضح لنا أولئك الذين وضعوا الوثيقة أو لجنة الصياغة أو معالي الأمين العام: مَن الذي سيعقد اتفاقية مع إسرائيل؟ إنها الدول التي لها أرض محتلة والتي تقوم بعملية السلام أو المقصود كافة الدول؟».
بعد تمسك الكثير من الدول بنص الفقرة التي اعترضت عليها ليبيا، شدد التريكي على أن ليبيا «تؤيد المبادرة وليست ضدها. لقد اتفقنا على أن المبادرة هي تحرك سياسي يهدف إلى إحراج إسرائيل، ونحن مع مبادرة سمو الأمير عبد الله، لكن لا يمكن أن نقبل نصاً يلزم العرب جميعاً بأن يقوموا بتوقيع اتفاقيات سلام مع إسرائيل».
وعندئذ قال الأمير عبد الله بن عبد العزيز: «أشكر الأخ التريكي... وإذا كان ولا بد يتحفظ عليها فهو يقبلها، ومن ثم فليتحفظ على هذه النقطة». ثم عرضت المبادرة للتصويت ولم تصوت ليبيا ضدها، وجرت الموافقة عليها بالإجماع... رحم الله علي التريكي كان عروبياً صادقاً.
رد فعل إسرائيلي ـ أميركي سلبي
لم أتوقع استجابة إيجابية من الإسرائيليين على المبادرة العربية؛ لأنها تستدرجهم إلى الموقع الذي لا يحبونه في التفاوض مع العرب كجماعة بشأن القضية الفلسطينية، وهو موقع لا يقبلونه تاريخياً. فـ«المفاوضات الثنائية» مع طرف ضعيف هي الطريقة المفضلة التي يحبذونها؛ لإدراكهم أن أي مواجهة ولو تفاوضية مع العرب مجتمعين لن تكون في صالحهم أبداً.
السبب الثاني الذي جعلني لا أتوقع رداً إيجابياً من إسرائيل على المبادرة العربية أنها تبيع لهم «التطبيع الكامل»، وإن خففت صيغته كما سبق وبينت مقابل الأرض العربية وحدود 4 يونيو 1967، والحقيقة أن الخط الاستراتيجي في السياسة الإسرائيلية كما خبرتها يقوم على أنه بالإمكان الفوز بـ«تطبيع مجاني» من العرب من دون الحاجة للتفريط في الأرض المهمة بالنسبة لأمن إسرائيل القومي.
ما أدهشني حقاً هو رد الفعل الأميركي الفاتر للمبادرة مع أن العديد من المصادر والمؤسسات الأميركية كانت تدفع باتجاه صدور هذه المبادرة من قمة 2002 حتى يمكن «طمأنة» الإسرائيليين ودفع العملية السلمية إلى الأمام. كما أن الحضور والإصرار الدولي الكثيف الأوروبي والأميركي والأمم المتحدة لم يكن لمجرد المشاهدة والتشجيع، وإنما كان لضمان صدور المبادرة.
إذن لماذا هذا البرود فور صدورها؟ إنه موقف إسرائيل التي رأت في المبادرة خطورة أن يدعمها العالم ومن ثم يضغط عليها للقبول بها والتجاوب معها؟ ثم تصاعد العنف خلال الانتفاضة الثانية ليكهرب الجو ويصعب عرض مبادرة الجامعة العربية على مجلس الأمن، العرض السياسي المطلوب والمنطقي، بعد هذا الإجماع العربي على الموقف الجديد بمد يد السلام ويطرح تنازلات «متبادلة» محددة ومصاغة بجدية. نعم كان رد الفعل الأميركي الأولي بشأن المبادرة فاتراً، حيث وصفه المتحدث باسم وزارة الخارجية ريتشارد باوتشر بأنها مجرد «خطوة هامة وإيجابية». بعد بضعة أيام، على ذات النغمة وصفها وزير الخارجية كولن باول بأنها «خطوة مهمة»، لكنه نوه بالحاجة إلى مزيد من التفاصيل بشأنها، (وكأنهم لم يكونوا على دراية بها!)
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



اليمن يلوّح بورقة القوة إذا رفض الحوثيون السلام

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
TT

اليمن يلوّح بورقة القوة إذا رفض الحوثيون السلام

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)

في الوقت الذي يواصل فيه المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ مساعيه الهادفة إلى إعادة إحياء مسار السلام المتعثر وإطلاق الموظفين الأمميين المحتجزين لدى الجماعة الحوثية، وكذا الدفع لإنجاح تبادل الأسرى والمختطفين، جددت الحكومة اليمنية تلويحها بخيار القوة إذا استمرت الجماعة في رفض السلام.

التلويح اليمني جاء في تصريحات لعضو مجلس القيادة الرئاسي، عبد الرحمن المحرّمي، خلال لقائه في الرياض سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن، عبدة شريف، وذلك بالتزامن مع استمرار الجماعة الحوثية في أعمال التعبئة والتحشيد والقمع وفرض الجبايات.

ونقل الإعلام الرسمي أن المحرّمي أكد أن خيار السلام لا يزال مطروحاً، مشدداً في الوقت نفسه على أن استمرار رفض الحوثيين الانخراط الجاد في هذا المسار سيقابل بجاهزية أمنية وعسكرية لاتخاذ إجراءات رادعة، بما يضمن احتواء التهديدات والحفاظ على الاستقرار.

كما تناول اللقاء سبل تعزيز الدعم البريطاني لليمن، خصوصاً في مجالات التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات مؤسسات الدولة، وتعزيز الأمن، حيث أشاد المحرّمي بالدور البريطاني بوصفه شريكاً فاعلاً في دعم جهود السلام والاستجابة الإنسانية، مؤكداً أهمية استمرار هذا الدعم خلال المرحلة الحالية.

وفي السياق ذاته، بحث الجانبان التنسيق لمواجهة التهديدات المشتركة، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتأمين الملاحة الدولية، في ظل تصاعد المخاوف من تأثيرات التوترات الإقليمية على أمن الممرات البحرية الحيوية.

وأشار المحرّمي أيضاً إلى أهمية الحوار الجنوبي – الجنوبي المرتقب عقده في الرياض برعاية السعودية، عادّاً إياه محطة مفصلية لتعزيز وحدة الصف الجنوبي، وبناء رؤية مشتركة تستجيب لتحديات المرحلة المقبلة.

من جانبها، أكدت السفيرة البريطانية استمرار دعم بلادها لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، مشيدة بالجهود المبذولة لتعزيز الأمن والاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، ومشددة على التزام لندن بالمساهمة في تخفيف معاناة اليمنيين ودعم تطلعاتهم نحو السلام والتنمية.

جهود أممية

على صعيد الجهود الأممية، اختتم المبعوث إلى اليمن، هانس غروندبرغ، زيارة إلى العاصمة العُمانية مسقط، أجرى خلالها سلسلة لقاءات مع مسؤولين رفيعي المستوى، ركّزت على سبل دفع جهود الوساطة الأممية في ظل متغيرات إقليمية متسارعة. وأكد غروندبرغ أهمية الدور الذي تضطلع به سلطنة عُمان في تقريب وجهات النظر بين الأطراف اليمنية، مشيداً بإسهاماتها المستمرة في دعم قنوات الحوار وتعزيز فرص التهدئة.

وشملت لقاءات المبعوث الأممي أيضاً مفاوض الجماعة الحوثية والمتحدث باسمها، محمد عبد السلام، حيث ناقش الجانبان فرص إحراز تقدم في المسار التفاوضي، خصوصاً فيما يتعلق بملف المحتجزين، حسب ما جاء في بيان صادر عن مكتب المبعوث.

واستعرض غروندبرغ -حسب البيان- نتائج المشاورات الجارية في العاصمة الأردنية عمّان بشأن تبادل الأسرى والمحتجزين، مشدداً على ضرورة تحقيق اختراق ملموس من شأنه التخفيف من معاناة مئات الأسر اليمنية التي تنتظر تسوية هذا الملف منذ سنوات.

كما أولى المبعوث الأممي اهتماماً خاصاً بملف موظفي الأمم المتحدة المحتجزين؛ إذ ناقش، برفقة المسؤول الأممي المعني بهذا الملف، معين شريم، قضية استمرار احتجاز 73 موظفاً أممياً في سجون الجماعة الحوثية.

ووصف غروندبرغ الأمر بأنه غير مقبول، مؤكداً أن الإفراج الفوري وغير المشروط عن المحتجزين يمثل أولوية قصوى بالنسبة للأمم المتحدة.

وتعكس هذه الجهود الأممية تصاعد القلق الدولي من استمرار الجمود السياسي في اليمن، في وقت تتزايد فيه الضغوط الإنسانية المرتبطة بملفات الاحتجاز والانتهاكات.

عناصر حوثيون في صنعاء يرفعون أسلحتهم خلال حشد للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

ويُنظر إلى ملف موظفي الأمم المتحدة على أنه اختبار حقيقي لمدى جدية الحوثيين في التعاطي مع مسار التهدئة، خصوصاً أن استمراره يلقي بظلاله على عمل المنظمات الدولية في مناطق سيطرة الجماعة.

ويؤكد مراقبون أن نجاح الوساطة الأممية في تحقيق تقدم، ولو جزئياً، في ملف الأسرى والمحتجزين، قد يمهّد الطريق لإجراءات بناء ثقة أوسع، بما يعزز فرص الانتقال إلى مفاوضات سياسية أكثر شمولاً، غير أن هذا المسار لا يزال رهيناً بحسابات معقدة تتداخل فيها العوامل المحلية والإقليمية، وفي مقدمها الارتباط الحوثي بالمشروع الإيراني.


الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
TT

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

أكد فهد الخليفي، وكيل أول محافظة شبوة اليمنية، أن التدخلات السعودية في المحافظة على مختلف الأصعدة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية، إلى جانب دعم القوات العسكرية والأمنية.

وكشف الخليفي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن أحدث التدخلات التنموية تمثلت في اعتماد 6 طرق استراتيجية في عدد من المديريات، يستفيد منها آلاف المواطنين من أبناء المحافظة.

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

كما أشار إلى تدخلات أخرى شملت دعم ثلاثة مراكز كبيرة للكلى، والتكفل برواتب أطباء أجانب موزعين على مديريات المحافظة الـ17، مؤكداً أن التنسيق بين السلطة المحلية والبرامج السعودية يتم بمستوى عالٍ من الشفافية.

وفي الجانب العسكري، أوضح أن المملكة تكفلت بدفع رواتب وتغذية 11 لواءً من قوات دفاع شبوة، بعد إضافة 4 ألوية جديدة، وهي منتشرة حالياً في جبهات القتال ضد الحوثيين.

وقدّم الخليفي الشكر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، والسفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، على الدعم المتواصل لليمن عموماً، ومحافظة شبوة على وجه الخصوص.

اعتماد 6 مشاريع طرق

قال الخليفي إن التدخلات السعودية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، تستهدف البنية التحتية والمشاريع التنموية. وأضاف: «على مستوى البنية التحتية تم اعتماد 6 مشاريع لطرق استراتيجية، وهي طريق عين - مبلقة، ومرخة - خورة، ونصاب - حطيب، وحبان - هدى، إلى جانب طرق عرماء ورضوم».

فهد الخليفي وكيل أول محافظة شبوة (الشرق الأوسط)

القطاع الصحي

وأوضح الخليفي أن التدخلات السعودية في القطاع الصحي تشمل تشغيل مستشفى الهيئة النموذجي في عاصمة المحافظة، الذي يقدم خدماته للآلاف يومياً وبشكل مجاني، ولا يخدم شبوة فقط، بل يستفيد منه سكان من حضرموت ومأرب والبيضاء وأبين، إضافة إلى النازحين والمهاجرين الأفارقة.

وأضاف: «شمل الدعم أيضاً ثلاثة مراكز كبيرة للكلى في عزان، وعتق، وعسيلان ببيحان، وهي تدخلات تلامس احتياجات المواطنين بشكل مباشر، كما تم اعتماد رواتب 63 طبيباً أجنبياً موزعين على 17 مركزاً في شبوة».

ووفقاً لوكيل المحافظة، وزّع مركز الملك سلمان أخيراً أكثر من 40 ألف سلة غذائية على مديريات شبوة الـ17، كما نُفذت مشاريع في التعليم والمياه في عرماء والطلح وجردان.

شبوة نموذج تنموي وأمني

شدّد الخليفي على أن شبوة اليوم آمنة ومستقرة، وتقدم نموذجاً بارزاً بين المحافظات المحررة على المستويين الأمني والتنموي. وقال: «الأشقاء في السعودية يشرفون حالياً بشكل مباشر على القوات المسلحة في شبوة، وتمت إعادة تموضع هذه القوات في الجبهات من ناطع البيضاء وصولاً إلى حريب مأرب، مع الدفع بعدد من قوات دفاع شبوة».

ولفت إلى أن المحافظة تواجه الحوثيين في 6 جبهات، وتتمتع بأهمية استراتيجية، مضيفاً أن المملكة تدرك أهمية شبوة على مستوى الجنوب واليمن عموماً، وتبذل جهوداً كبيرة في التدريب والتسليح، ودعم القوات في المناطق المتاخمة لمأرب والبيضاء، حيث تتمركز قوات الحوثيين.

جانب من توزيع السلال الغذائية المقدمة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة في شبوة (السلطة المحلية)

دعم 11 لواءً عسكرياً

وبيّن الخليفي أن الجانب السعودي التزم برواتب وتغذية قوات دفاع شبوة، التي كانت تضم 7 ألوية، قبل أن يضاف إليها 4 ألوية أخرى، ليصل قوامها إلى 11 لواءً عسكرياً.

وأضاف: «هذه الألوية منتشرة الآن في الجبهات لمواجهة الحوثيين، بعد اعتماد الرواتب والتغذية لها، إلى جانب القوات الجنوبية الموجودة في شبوة، ومنها العمالقة الجنوبية، الأشقاء بذلوا جهداً كبيراً في هذا القطاع، ونحن ممتنون لهم».

وأكد أن القوات العسكرية في المحافظة على أهبة الاستعداد لمواجهة أي طارئ أو أي محاولات حوثية للتقدم نحو المحافظة أو غيرها، مشيراً إلى أن قوات دفاع شبوة تعمل بإشراف مباشر من المحافظ، ومن خلال غرفة عمليات مشتركة مع السعودية والتحالف العربي.

دور السلطة المحلية

وأشار الخليفي إلى أن السلطة المحلية لديها توجيهات واضحة من المحافظ عوض بن الوزير، بتسهيل جميع الجهود السعودية التنموية والإنسانية وغيرها. وقال: «شبوة قدمت أفضل نموذج للتعاون مع السعودية، سواء على المستوى التنموي أو الخدمي أو العسكري، وقدمنا كل التسهيلات للأشقاء في البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومركز الملك سلمان، وهو ما انعكس إيجاباً على سرعة الإنجاز، وظهور المشاريع السعودية في شبوة، بفضل الجاهزية التي وفرها أبناء المحافظة عبر تقديم الدراسات وتجاوز البيروقراطية في بعض الملفات».

زيارة لوفد من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن لإحدى مديريات شبوة (السلطة المحلية)


دمج سلس للتشكيلات العسكرية في حضرموت

جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

دمج سلس للتشكيلات العسكرية في حضرموت

جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)

فيما تتواصل في محافظة حضرموت عملية دمج التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، أكدت الجهات المعنية أن الخطوات الجارية تمضي بسلاسة، تحت إشراف تحالف «دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في إطار مساعٍ لإعادة بناء المنظومة الأمنية على أسس مؤسسية موحدة.

ويأتي هذا التقدم بعد أسابيع من إعلان القيادة العامة لقوات حماية حضرموت، التابعة لحلف القبائل، اندماجها في قوام مؤسسات الدولة؛ حيث جددت هذه القوة تأكيدها أن عملية تنظيم وترتيب منتسبيها مستمرة وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة، وبما يُسهم في توحيد القرار الأمني ورفع كفاءة الأداء المؤسسي.

وفي بيان لها، ردّت قيادة القوات على ما وصفته بشائعات تعثر عملية الدمج، مؤكدة تحقيق تقدم ملموس في الخطوات التنفيذية، من خلال استيعاب الدفعة الأولى من منتسبيها ضمن الأجهزة التابعة للأمن العام والشرطة في ساحل حضرموت، مع استكمال تجهيز القوائم الخاصة بالدفعات اللاحقة.

وأكَّدت القيادة أن هذه الإجراءات تهدف إلى استكمال عملية الانضمام الشامل لكل منتسبي القوة، بما يضمن حقوقهم ويعكس تقديراً لدورهم في الدفاع عن المحافظة، مشددة على أن العملية تمضي بوتيرة متصاعدة ومنظمة.

تخرج دفعة جديدة في كلية الشرطة في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشادت قيادة قوات حماية حضرموت بالدور الذي تضطلع به القيادات المحلية والعسكرية في تسهيل عملية الدمج، وفي مقدمتهم رئيس حلف القبائل وكيل أول المحافظة عمرو بن حبريش، والقائد العام للقوات، اللواء مبارك العوبثاني، إضافة إلى اللجان المختصة في التحالف العربي ووزارتي الدفاع والداخلية.

كما نوهت بالدور المحوري الذي تقوم به شعبة القوى البشرية في القيادة العامة، برئاسة العقيد عبد الله باكرشوم، في متابعة الإجراءات الميدانية، وضمان سير العملية وفق المعايير المحددة، بما يكفل صون حقوق المنتسبين، وتحقيق أعلى درجات الانضباط.

وفي السياق ذاته، دعت الإدارة العامة للأمن والشرطة بساحل حضرموت أفراد القوة العسكرية، خصوصاً في مدينة المكلا وضواحيها، إلى استكمال إجراءات توزيعهم على مواقعهم الخدمية، مشيرة إلى أن بقية الأفراد في المديريات الأخرى سيتم إشعارهم لاحقاً بمواعيد توزيعهم.

ويعكس هذا التنسيق مستوى متقدماً من التعاون بين الجهات المحلية والدولية، في سبيل إنجاح عملية إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، بما يُسهم في ترسيخ الاستقرار وتعزيز حضور الدولة.

حصر القوات ومساندة الحكومة

في وادي حضرموت، تتواصل الجهود الحكومية لحصر وتنظيم أوضاع الوحدات العسكرية؛ حيث تفقد رئيس عمليات المنطقة العسكرية الأولى، العميد الركن محمد بن غانم، أعمال اللجان التابعة لوزارة الدفاع المكلفة بحصر القوة في معسكر السويري.

وخلال الزيارة، اطّلع المسؤول العسكري على سير العمل وآليات التنفيذ، واستمع إلى شرح مفصل من القائمين على اللجان حول المهام المنجزة والتحديات التي تواجه عملية الحصر، مؤكداً أهمية الالتزام بالدقة والانضباط في تنفيذ المهام.

وأشار إلى أن هذه الخطوة تُمثل جزءاً أساسياً من مسار إعادة تنظيم القوات المسلحة، بما يُعزز من مستوى الجاهزية القتالية، ويرسخ مبادئ العمل المؤسسي داخل المؤسسة العسكرية.

وتأتي هذه الإجراءات في سياق أوسع يهدف إلى توحيد الهياكل العسكرية تحت مظلة الدولة، بما يحد من التداخلات، ويُعزز من فاعلية الأداء الأمني في مختلف مناطق المحافظة.

حلف قبائل حضرموت يؤكد مساندته للجهود الحكومية (إعلام محلي)

على صعيد موازٍ، جدّد حلف قبائل حضرموت دعمه الكامل للجهود الحكومية الرامية إلى تثبيت الأمن والاستقرار، مؤكداً رفضه القاطع لأي ممارسات من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة، وعلى رأسها إقامة القطاعات القبلية بدوافع شخصية.

ونفى الحلف علاقته بما يجري من قطاعات في شرق مديرية الشحر، عادّاً تلك التصرفات أعمالاً مرفوضة لا تُمثل أبناء حضرموت، لما تسببه من تعطيل لمصالح المواطنين ومضاعفة معاناتهم في ظل تردي الخدمات.

وشدد على أن أي مطالب أو حقوق يجب أن تُطالب عبر الوسائل السلمية والقنوات الرسمية، بعيداً عن الإضرار بالمجتمع أو تهديد أمنه واستقراره، داعياً إلى تغليب المصلحة العامة في هذه المرحلة الحساسة.

كما أشار إلى التأثيرات السلبية لهذه الممارسات على المحافظات المجاورة، خصوصاً محافظة المهرة، التي طالتها تداعيات القطاعات من خلال استهداف ناقلات وقود مخصصة لمحطات الكهرباء.

الرؤية الحضرمية للدولة

بالتوازي مع التحولات الأمنية، شهدت مدينة المكلا انعقاد ورشة عمل موسعة لمناقشة رؤية حضرموت في الدولة المقبلة، بمشاركة واسعة من الأحزاب والقوى السياسية والمكونات الاجتماعية، إلى جانب ممثلين عن الشباب والمرأة ومنظمات المجتمع المدني.

وجاءت هذه الورشة، التي نظمها المعهد الوطني الديمقراطي الأميركي، في إطار التحضير لمؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب في الرياض؛ حيث هدفت إلى بلورة رؤى مشتركة حول مستقبل المحافظة ودورها في أي تسوية سياسية مقبلة.

وأكد وكيل المحافظة حسن الجيلاني أهمية انعقاد هذه الورشة في هذا التوقيت، مشيراً إلى أنها تُمثل منصة حوار جادة لتقييم تجربة حضرموت في المراحل السابقة، واستخلاص الدروس التي تُسهم في صياغة مبادئ واضحة تعكس خصوصيتها وحقوقها المشروعة.

وأضاف أن النقاشات تناولت قضايا جوهرية تتعلق بشكل الدولة ونظام الحكم وموقع حضرموت في الدستور المقبل، بما يُعزز من حضورها السياسي والاقتصادي والإداري.

نقاشات معمقة لرؤية حضرموت استعداداً لمؤتمر الحوار الجنوبي (إعلام حكومي)

من جهته، أوضح مدير البرامج في المعهد الوطني الديمقراطي، محمد الكثيري، أن تنظيم هذه الفعالية يأتي ضمن جهود دعم الحوار الشامل وتعزيز المشاركة السياسية، بهدف الوصول إلى رؤى تُسهم في بناء دولة قائمة على الشراكة والعدالة وسيادة القانون.

وأشار إلى أن هذه المساحات الحوارية تتيح لمختلف المكونات تبادل الآراء وصياغة تصورات واقعية لمستقبل مستقر ومستدام، في ظل التحديات التي تواجه البلاد.

وتناول المشاركون في الورشة، التي استمرت 4 أيام، عدداً من المحاور الرئيسية، من بينها الحوار الجنوبي-الجنوبي وسياقه، وتقييم تجربة حضرموت في المرحلة الماضية، وصولاً إلى بلورة مبادئها في أي تسوية سياسية، إضافة إلى مناقشة نظام الحكم الداخلي وقضايا الإدارة المحلية.