عمرو موسى: إسرائيل قابلت «المبادرة العربية» بسلبية لأنها تستدرجها إلى التفاوض مع العرب مجتمعين

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (4)

عمرو موسى مع الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير سعود الفيصل والشيخ عبد الله بن زايد
عمرو موسى مع الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير سعود الفيصل والشيخ عبد الله بن زايد
TT

عمرو موسى: إسرائيل قابلت «المبادرة العربية» بسلبية لأنها تستدرجها إلى التفاوض مع العرب مجتمعين

عمرو موسى مع الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير سعود الفيصل والشيخ عبد الله بن زايد
عمرو موسى مع الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير سعود الفيصل والشيخ عبد الله بن زايد

في الحلقة الرابعة من الكتاب الجديد للأمين العام الأسبق للجامعة العربية عمرو موسى «سنوات الجامعة العربية» الذي سيصدر قريباً عن «دار الشروق» وحرره ووثقه خالد أبو بكر، يستعرض موسى جهوده والجامعة العربية في القضية الفلسطينية، التي خصص لها فصلين على مساحة 66 صفحة. تناول الأول، ظروف ولادة مبادرة السلام العربية في قمة بيروت 2002، والتي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بين عبد العزيز (رحمه الله)، وكان حينها ولياً للعهد. فيما خصص الثاني لتطورات القضية الفلسطينية، مركزاً على الانقسام الفلسطيني بين «فتح» و«حماس»، أو الضفة وغزة على القضية الفلسطينية، ومؤتمر أنابوليس للسلام، ثم الانقسام العربي العمودي في ظل العدوان على غزة سنة 2009. وموقف إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما من القضية الفلسطينية. هذه الحلقة من الفصل الأول، يروي موسى تفاصيل «المبادرة العربية للسلام» ودوره في صياغة بعض بنودها لتجاوز بعض الاختلافات على بنودها.
تبوأت منصبي أميناً عاماً لجامعة الدول العربية بينما كانت الانتفاضة الفلسطينية الثانية قائمة ونشطة. كما كان التعنت الإسرائيلي مستمراً بل متصاعداً، وكذلك كان الجمود يشل «عملية السلام» (وهو الاسم الذي كان شائعاً للمفاوضات العربية - الإسرائيلية المتردية، وأنا هنا أستخدم العبارة للتسهيل). فمنذ أن تسلم الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش مهامه رسمياً في 20 يناير (كانون الثاني) 2001 وحتى أحداث 11 سبتمبر (أيلول) من العام ذاته، لم تقدم إدارته أي مبادرة سياسية لمعالجة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وظلت نظرتها إلى الانتفاضة الفلسطينية على أنها حالة عنف، تعالج بإجراءات أمنية فقط.
في المجمل كان الموقف الأميركي تجاه القضية الفلسطينية في الفترة الممتدة من 20 يناير 2001 وحتى 11 سبتمبر 2001، ثابتاً على حاله، مع الأخذ في الاعتبار أن إدارة بوش اتبعت سياسة العصا مع الفلسطينيين، لاعتقادها أن سياسة الجزرة لم تنجح مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مفاوضات كامب ديفيد 2000. وبالتالي يجب احتواء وإنهاء القضية الفلسطينية بالرؤية التي تراها مناسبة، والتي تتقاطع مع السياسة الإسرائيلية، إلا أن الأمور تغيّرت بعد 11 - 9.
بعد وقوع هذه الهجمات في نيويورك، وفيما كانت القوات الأميركية تنهي استعدادها لغزو أفغانستان، وكانت الإدارة الأميركية منهمكة في حشد تحالف دولي واسع لدعم «الحرب على الإرهاب»، أعلن بوش أن «قيام دولة فلسطينية كان دوماً جزءاً من الرؤية الأميركية ما دام حق إسرائيل في الوجود محترماً... لكن أولاً، عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، يتعين علينا الوصول إلى تقرير ميتشل (تقرير أصدرته لجنة لتقصي الحقائق التي ترأسها السيناتور جورج ميتشل لبحث أسباب اندلاع انتفاضة سنة 2000). فقد وضع السيناتور ميتشل مخططاً قابلاً للتطبيق يوافق عليه معظم العالم، وهو طريق ضروري لحل مشاكل الشرق الأوسط في نهاية المطاف. ونحن نعمل بجد مع الجانبين (الفلسطيني والإسرائيلي) لتشجيع الحد من العنف حتى يمكن إجراء مناقشات هادفة».
في الحقيقة، فور اطلاعي على تلك التصريحات التي هي الأولى لبوش متحدثاً عن دولة فلسطينية اعتبرت أنها لا تعدو أن تكون عملية غير سليمة مبنى ومعنى وأهدافاً؛ ذلك أنني قدرت وقتها أن الرجل يحتاج إلى دعم العرب والمسلمين في حربه المقبلة ضد بعض دولهم، ولذلك فلا مانع لديه من مغازلتهم في القضية المركزية بالنسبة للكثيرين منهم، وهي القضية الفلسطينية. مما يؤكد استنتاجي، هو أنه بعد تلك التصريحات بنحو خمسة أيام، وبالتحديد في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2001. بدأت الولايات المتحدة حربها على أفغانستان.
- فريدمان وولادة «المبادرة العربية»
نشر توماس فريدمان، كاتب العمود الشهير في صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية في 6 فبراير (شباط) 2002. رسالة إلى القادة العرب على لسان الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش - شرح فيما بعد أنها كانت رسالة وهمية من ادعائه - تحت عنوان «Dear Arab Leage”. ومن ضمن ما قاله فيها: «أنت (أي الحكام العرب) من يملك القدرة على إعادة تشكيل الدبلوماسية حقاً، وليس أنا. وهنا نصيحتي لكيفية القيام بذلك: لديك قمة جامعة الدول العربية المقرر عقدها في مارس (آذار) في لبنان. أقترح أن يصدر مؤتمر القمة قراراً بسيطاً واحداً: «يقول 22 من أعضاء جامعة الدول العربية لإسرائيل إنه مقابل انسحاب إسرائيلي كامل إلى خطوط 4 يونيو (حزيران) 1967 - في الضفة الغربية وغزة والقدس ومرتفعات الجولان - نحن نقدم اعترافاً كاملاً بإسرائيل، وعلاقات دبلوماسية كاملة، أي سلام كامل مع جميع الدول العربية الـ22 للانسحاب الكامل».
بعد أقل من أسبوع، التقى فريدمان الأمير عبد الله، ولي العهد حينها، في مزرعته قرب الرياض. وكتب الصحافي الأميركي تفاصيل تلك المقابلة التي تضمنت الإعلان لأول مرة عما عرف بـ«مبادرة الأمير عبد الله للسلام في الشرق الأوسط»، قبل أن تعتمدها 22 دولة عربية في قمة بيروت في 28 مارس 2002، ليصبح اسمها «المبادرة العربية للسلام».
من جانبي أقول إن مضمون رسالة فريدمان سبقها نقاش طويل امتد طوال السنة الأخيرة لي وزيراً لخارجية مصر والسنة الأولى أميناً عاماً للجامعة العربية، وذلك بينه (فريدمان) وبيني في دافوس، عن أفضل الطرق وأنجعها لإرساء الأسس اللازمة لسلام متوازن يأخذ في الاعتبار الاحتياجات الأساسية لكلا الطرفين، ولا يزال فريدمان يذكرني بذلك. كانت آخر مرة ناقشنا فيها تلك الذكريات في يناير 2019. وبهذه المناسبة أدعو من يريد إلى التواصل مع فريدمان ليسأله عن الأصل المشترك لفكرة الطرح المتوازن للحقوق والالتزامات بالنسبة للطرفين العربي والإسرائيلي.
والواقع أننا على الجانب العربي، كنا نبحث عن مخرج، فالهجمة شرسة علينا باعتبارنا إرهابيين أو على الأقل منتجين لهم وذلك في أعقاب أحداث 11 - 9. فكان لا بد من الانتقال إلى شن حرب دبلوماسية تنقلنا من خانة الدفاع دون تقديم تنازلات مؤلمة أو مع تنازلات متبادلة. كان تفكير ولي العهد السعودي في ذلك الوقت هو التفكير السليم الذي ينبع من نفس منطق «خذ وأعطِ».
وكان الأمير (الملك) عبد الله هو وحده صاحب المكانة التي تؤهله لطرح المبادرة العربية دون مزايدة من آخرين سوف يتحرجون من مهاجمته أو الاعتراض على ما يقترحه. كان الأمير عبد الله ذا مصداقية هائلة لدى الرأي العام العربي والحكومات العربية جميعاً ولدى العالم، ومن ثم كان اقتراحه أو مبادرته خطوة تاريخية جديرة بالتأييد الشامل لها.
- ضغط سوري ـ لبناني لخفض سقف المبادرة
لم يكن السوريون مرتاحين إزاء مبادرة الأمير عبد الله؛ إذ إن ولي العهد لم يتشاور معهم قبل الإعلان عن مبادرته في «نيويورك تايمز». أظن أن الأمير وضع تجربة (الرئيس المصري الراحل أنور السادات) مع السوريين نصب عينيه؛ فقرر عدم التشاور أو التنسيق معهم قبل صياغة المبادرة، مخافة أن يطلقوا النار عليها قبل الإعلان عنها. لم يعلن السوريون غضبهم من ذلك صراحة، لكن مجهودهم الرئيسي في نقد المبادرة خلال اتصالاتهم انصب على عبارة «التطبيع الكامل»، التي وردت فيها، كرد من العرب على انسحاب إسرائيل إلى حدود الرابع من يونيو 1967.
في الوقت نفسه، اندفع السوريون ببراعة للعب بورقة «اللاجئين الفلسطينيين» وحق العودة الذي لم تتم الإشارة إليه في التفاصيل المنشورة عن المبادرة؛ لأنهم يدركون جيداً الحساسية الفلسطينية ثم اللبنانية من موضوع اللاجئين، ذلك أن بعض الطوائف اللبنانية ترى أن توطين نحو 350 ألف لاجئ فلسطيني معظمهم من المسلمين السنة، أمراً يخل بالميزان الديمغرافي في لبنان.
في 3 مارس 2002 (قبل انعقاد قمة بيروت وربما تمهيداً لها)، قام بشار الأسد بأول زيارة رسمية إلى بيروت من قبل رئيس دولة سوري منذ أكثر من خمسين عاماً. خلال زيارته، أصدر الأسد والرئيس اللبناني إميل لحود بياناً مشتركاً لم يشيرا فيه إلى مبادرة الأمير عبد الله صراحة، لكنهما قالا: «يجب أن تسمح التسوية الشاملة مع إسرائيل بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وإزالة المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وغزة».
بعد زيارة الأسد، تخلى السعوديون بهدوء عن مصطلح «التطبيع الكامل» من التصريحات الرسمية الممهدة للمبادرة. وفي هذا السياق، وصف وزير الخارجية سعود الفيصل في 10 مارس المبادرة بأنها تعرض على إسرائيل «سلاماً تاماً» مقابل الانسحاب إلى حدود عام 1967. ولم يركز على مصطلح «التطبيع الكامل».
- قمة بيروت 2002
صبيحة افتتاح قمة بيروت في 27 مارس 2002 دعاني الأمير سعود الفيصل إلى إفطار مبكر (نحو ساعة قبل وصول وزير خارجية سوريا فاروق الشرع لنفس الدعوة) وجاء الشرع بالفعل في موعده. لاحظت أنه يريد الانفراد بسعود وهو ما مكنته منه، إذ كان علي أن أصوغ المبادرة في صورتها النهائية تاركاً موضوع اللاجئين والتطبيع (أو الاعتراف) إلى حين انتهاء المباحثات السورية - السعودية. جلست أكتب على مائدة بعيدة وإن في ذات الصالون. كنت قاصداً أن أكتب النص في وجود سوريا، وأن أعرض النص على سعود في وجود الشرع.
كنا في الدور السادس من فندق فينيسيا الشهير في بيروت، وفي الصالون الخاص بكبار الضيوف تحديداً. لاحظت توتراً على فاروق الشرع وفروغ صبر لدى سعود. كنا في فترة الصباح الباكر تلك التي جمعتني والأمير وحدنا قد ناقشنا الموقف السوري الذي كنت مؤيداً له وهو ما ذكرته للأمير، قائلاً: «إن الأمر في النهاية أمر صياغة، خصوصاً في النقطة الخاصة باللاجئين الفلسطينيين التي يدعمها قرار الأمم المتحدة 194 لسنة 1948. الذي يمكن استخدام صياغته. وأما الاعتراف أو التطبيع فطالما هو مشروط فلا غضاضة منه».
الحقيقة أن موقف سوريا أضاف إلى المبادرة ولم يضعفها، ولست أرى أن سوريا كانت معارضة لفكرة المبادرة في ذاتها، كما أؤكد أنها كانت حريصة على عدم الصدام مع (الملك) عبد الله. المهم أنه بعد التفاهم الذي جرى بين الأمير سعود وفاروق الشرع انضممت إليهما، حيث دار نقاش حول الصياغة النهائية، وقال الأمير سعود إن عمرو موسى كفيل بها.
قلت إنني سوف أعدها بسرعة وأعرضها على كل منهما - ربما وهما جالسان هنا - قبل أن نطبعها ونعدها للعرض على الوزراء الآخرين، وهو ما حدث بالفعل، وبينما اطلع عليها سعود بسرعة ووافق عليها، قرأها فاروق الشرع كلمة كلمة، ثم توقف عند عبارة «العلاقات الطبيعية»، في سياق الفقرة التي تقول: «إنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار هذا السلام الشامل».
قلت له: يا أبا مضر، هذه عبارة أقل من «التطبيع الكامل التي تحفظتم عليها»، فسكت ولم يعلق وهو ما اعتبرته موافقة على الصياغة.
ثم سألني: ماذا تنوي أن تفعل الآن؟
قلت: سوف أراجع الصياغة مرة أخرى من حيث اللغة والترتيب، ثم أخطر بها باقي الوزراء، لكن لن أوزعها عليهم إلا في الاجتماع ذاته، أي سوف تكون هناك نسخة واحدة في يدي فقط للساعة أو الساعتين القادمتين، وأعتقد أن الاجتماع سوف يتأخر بعض الوقت.
ذهبت بعد ذلك إلى المكتب المخصص للأمين العام، وكان بجوار المكتب الذي خصص لرئيس القمة (الرئيس اللبناني إميل لحود) في دور تحت الأرض في الفندق، حيث توافد عدد من الوزراء تمهيداً للقمة التي اقترب موعد افتتاحها، وأطلعت من يريد على النص دون تسليم نسخ.
كان وزير الخارجية المصرية - أحمد ماهر السيد - مندهشاً مما جرى، وأطلعته من جانبي على النص، إذ لم يدعوه وزيرا الخارجية السعودي والسوري للانضمام إليهما؛ فغادر دون تعليق. أما كوفي أنان وخافيير سولانا وغيرهما فاتصلوا بي تليفونياً، وأعتقد أنهما اتصلا بالأمير سعود الذي ذكر أن النص معي وهو النص الوحيد، وكان ردي هو نفسه الذي ذكرته للوزراء. طلبت من مدير مكتبي (السفير هشام بدر) أن يقوم بترجمة النص إلى الإنجليزية وأن يكتبه بنفسه ويسلمني إياه، وهو أيضاً ما حدث.
اقتربت ساعة الانعقاد، وتركت الترتيبات للسفير هشام بدر، إذ انشغلت بأمر آخر هو إذاعة نص خطاب يود ياسر عرفات أن يلقيه على القمة من حصاره في المقاطعة برام الله، وكانت هناك معارضة من سوريا ولبنان، وعدم اقتناع من رئاسة القمة. كنت محبطاً وأنا أرى أن موقف القمة أو بعض أعضائها غير سليم إطلاقاً، لا من حيث الشكل ولا المضمون، ويجعل إسرائيل تبتسم ساخرة من موقف العرب تجاه الرئيس الفلسطيني.
هذا الموضوع أصابني بحالة إحباط وضيق كانت واضحة على وجهي؛ وهو ما لاحظه الأمير عبد الله ولي عهد السعودية، رحمه الله، وإذ به يضع يده على كتفي قائلاً: يا عمرو حين تشعر بضيق اقرأ سورة العصر: (وَالْعَصْرِ * إِنَ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَا الَذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِ وَتَوَاصَوْا بِالصَبْرِ). وقد فعلت وما زلت أفعل حتى الآن... رحم الله الملك عبد الله... كم أحببته.
- تحفظات ليبيا على المبادرة
الحقيقة أن الجلسة الختامية لقمة بيروت في 28 مارس 2002 قد تأخرت ساعتين ونصف الساعة بسبب اعتراض السوريين على الصياغة التي صدرت بها المبادرة العربية، الذين كانوا قد أصروا على إلغاء مصطلح «التطبيع الكامل» وطرح مصطلح «سلام كامل»، وكنت قد استبدلت بهما عبارة «العلاقات الطبيعية» كحل وسط، وهي الصيغة التي اعتمدها السوريون بعد مفاوضات شاقة.
كانت هناك صعوبة أخيرة تقف أمام الموافقة الجماعية على المبادرة العربية، هي اعتراض ليبيا على بعض البند الثالث من بنود المبادرة الذي ينص على: «اعتبار النزاع العربي الإسرائيلي منتهياً، والدخول في اتفاقية سلام بينها وبين إسرائيل مع تحقيق الأمن لجميع دول المنطقة».
كان أخي وصديقي علي التريكي هو ممثل ليبيا، وهو دبلوماسي قدير، وقد أثار اعتراض ليبيا على البند المشار إليه في الجلسة الرابعة (مغلقة) والتي انعقدت بعد ظهر اليوم الثاني للقمة، وجاء اعتراضه بالنص في محضر الجلسة كما يلي:
«فيما يخص الفقرة 3 التي تنص على (اعتبار النزاع العربي الإسرائيلي منتهياً)، والدخول في اتفاقية سلام بينها وبين إسرائيل... هذا يعني الدول العربية التي لها أرض محتلة وليس الدول العربية جميعاً على ما أعتقد؛ لأنه ما الذي يلزم دولة عربية في شمال أفريقيا أن تبرم اتفاقية سلام مع إسرائيل؟
لا نتحدث عن ليبيا... وإنما نتحدث عن الدول التي هي ضحية للعدوان الآن وأرضها محتلة. سوريا... لبنان... الفلسطينيون... هؤلاء هم الذين يبرمون اتفاقية سلام... أما الدول العربية الأخرى فما الذي يعنيها؟ ما الذي يجعلني أبرم اتفاقية سلام مع إسرائيل؟... نريد أن يوضح لنا أولئك الذين وضعوا الوثيقة أو لجنة الصياغة أو معالي الأمين العام: مَن الذي سيعقد اتفاقية مع إسرائيل؟ إنها الدول التي لها أرض محتلة والتي تقوم بعملية السلام أو المقصود كافة الدول؟».
بعد تمسك الكثير من الدول بنص الفقرة التي اعترضت عليها ليبيا، شدد التريكي على أن ليبيا «تؤيد المبادرة وليست ضدها. لقد اتفقنا على أن المبادرة هي تحرك سياسي يهدف إلى إحراج إسرائيل، ونحن مع مبادرة سمو الأمير عبد الله، لكن لا يمكن أن نقبل نصاً يلزم العرب جميعاً بأن يقوموا بتوقيع اتفاقيات سلام مع إسرائيل».
وعندئذ قال الأمير عبد الله بن عبد العزيز: «أشكر الأخ التريكي... وإذا كان ولا بد يتحفظ عليها فهو يقبلها، ومن ثم فليتحفظ على هذه النقطة». ثم عرضت المبادرة للتصويت ولم تصوت ليبيا ضدها، وجرت الموافقة عليها بالإجماع... رحم الله علي التريكي كان عروبياً صادقاً.
رد فعل إسرائيلي ـ أميركي سلبي
لم أتوقع استجابة إيجابية من الإسرائيليين على المبادرة العربية؛ لأنها تستدرجهم إلى الموقع الذي لا يحبونه في التفاوض مع العرب كجماعة بشأن القضية الفلسطينية، وهو موقع لا يقبلونه تاريخياً. فـ«المفاوضات الثنائية» مع طرف ضعيف هي الطريقة المفضلة التي يحبذونها؛ لإدراكهم أن أي مواجهة ولو تفاوضية مع العرب مجتمعين لن تكون في صالحهم أبداً.
السبب الثاني الذي جعلني لا أتوقع رداً إيجابياً من إسرائيل على المبادرة العربية أنها تبيع لهم «التطبيع الكامل»، وإن خففت صيغته كما سبق وبينت مقابل الأرض العربية وحدود 4 يونيو 1967، والحقيقة أن الخط الاستراتيجي في السياسة الإسرائيلية كما خبرتها يقوم على أنه بالإمكان الفوز بـ«تطبيع مجاني» من العرب من دون الحاجة للتفريط في الأرض المهمة بالنسبة لأمن إسرائيل القومي.
ما أدهشني حقاً هو رد الفعل الأميركي الفاتر للمبادرة مع أن العديد من المصادر والمؤسسات الأميركية كانت تدفع باتجاه صدور هذه المبادرة من قمة 2002 حتى يمكن «طمأنة» الإسرائيليين ودفع العملية السلمية إلى الأمام. كما أن الحضور والإصرار الدولي الكثيف الأوروبي والأميركي والأمم المتحدة لم يكن لمجرد المشاهدة والتشجيع، وإنما كان لضمان صدور المبادرة.
إذن لماذا هذا البرود فور صدورها؟ إنه موقف إسرائيل التي رأت في المبادرة خطورة أن يدعمها العالم ومن ثم يضغط عليها للقبول بها والتجاوب معها؟ ثم تصاعد العنف خلال الانتفاضة الثانية ليكهرب الجو ويصعب عرض مبادرة الجامعة العربية على مجلس الأمن، العرض السياسي المطلوب والمنطقي، بعد هذا الإجماع العربي على الموقف الجديد بمد يد السلام ويطرح تنازلات «متبادلة» محددة ومصاغة بجدية. نعم كان رد الفعل الأميركي الأولي بشأن المبادرة فاتراً، حيث وصفه المتحدث باسم وزارة الخارجية ريتشارد باوتشر بأنها مجرد «خطوة هامة وإيجابية». بعد بضعة أيام، على ذات النغمة وصفها وزير الخارجية كولن باول بأنها «خطوة مهمة»، لكنه نوه بالحاجة إلى مزيد من التفاصيل بشأنها، (وكأنهم لم يكونوا على دراية بها!)
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
TT

الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)

بعد أسابيع من التصعيد الحوثي متعدد المسارات، بدت خطوط المواجهة أكثر هدوءاً خلال اليومين الأخيرين، وسط مخاوف الجماعة المدعومة من إيران من عملية برية متزامنة تحضر لها القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها.

وشهد أغسطس (آب) تصعيداً حوثياً واسعاً امتد من جبهات مأرب، وشبوة، وحضرموت، وتعز، والضالع، إلى الساحل الغربي، وباب المندب، واستخدمت خلاله الجماعة الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، في واحدة من أكثر موجات التصعيد اتساعاً منذ 2022.

وفي المقابل، ردت القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها بعمليات عسكرية، وضربات بالطيران المسيّر، إلى جانب التصدي للهجمات الحوثية على خطوط التماس، وإسقاط أعداد من الطائرات المسيّرة، في حين أظهرت التطورات الميدانية أن الجماعة لم تتمكن من تحويل تصعيدها إلى تغيير واضح في موازين السيطرة على الأرض.

عضو مجلس القيادة اليمني عبد الرحمن المحرّمي يجتمع عبر الفيديو مع قادة عسكريين (إكس)

وتتزايد، وفق مصادر عسكرية، مخاوف الحوثيين من أن يكون رفع الجاهزية الحكومية جزءاً من استعداد لعملية برية مباغتة، خصوصاً في ظل تعزيز التنسيق بين الوحدات المنتشرة في قطاعات المواجهة، ورفع مستوى الرصد، والمتابعة.

وفي أحدث مؤشر على ذلك، بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، مع قيادة محور المشاة والإسناد الثاني مستوى الجاهزية، والاستعداد في مختلف قطاعات المحور، والتطورات في جبهات المسيمير، وكرش، وحيفان، إلى جانب إجراءات تأمين باب المندب.

شهر من التصعيد والردود

لم يكن التصعيد الحوثي خلال أغسطس محصوراً في جبهة واحدة. فقد امتدت الهجمات من مناطق التماس في مأرب، وشبوة، وحضرموت، إلى الساحل الغربي، بينما تحولت مدينة المخا وميناؤها إلى أحد أبرز مسارح المواجهة، مع إطلاق الجماعة صواريخ باليستية، وطائرات مسيّرة باتجاه المدينة، والمنشآت الساحلية.

وفي إحدى أبرز الهجمات، تعرضت المخا لقصف صاروخي ومسيّر أدى إلى سقوط قتلى، وجرحى، وأضرار في الميناء، والمنشآت، كما امتدت المواجهات خلال الشهر إلى جبهات أخرى، بينها مأرب، وشبوة، وحضرموت، والضالع، وتعز.

طائرة مسيرة يستخدمها الجيش اليمني في الرد على تصعيد الحوثيين (إكس)

وبينما واصلت الجماعة تحركاتها على خطوط التماس، ومحاولاتها استخدام مناطق مدنية وريفية قريبة من الجبهات لإطلاق الصواريخ، والطائرات المسيّرة، ردت القوات الحكومية على هذا التصعيد بعمليات وضربات استهدفت قدرات حوثية، ومواقع إطلاق، إلى جانب التصدي للهجمات على الأرض.

كما اتخذت المواجهة بعداً بحرياً خلال الشهر، مع استهداف الحوثيين سفناً تجارية في منطقة باب المندب، وجنوب البحر الأحمر، الأمر الذي أعاد المخاوف الدولية من التهديد الذي تشكله الجماعة لحركة التجارة والملاحة العالمية.

وفي تطور متصل، أعلنت القوات البحرية التابعة للمقاومة الوطنية ضبط شحنة معدات عسكرية في البحر الأحمر كانت في طريقها إلى الحوثيين، وقالت إن العملية جاءت بعد رصد استخباراتي لنشاط شبكات تهريب مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

وضمت الشحنة أنظمة توجيه وتحكم للطائرات المسيّرة، ومعدات لبث ومعالجة الفيديو، وهوائيات اتصال، ومكونات إلكترونية، إضافة إلى أجزاء لأنظمة حقن الوقود، وأجهزة اتصال لا سلكية مخصصة للطائرات المسيّرة.

تذكير بالدعم الإيراني

بالتوازي مع التحركات العسكرية، تكثف القيادة السياسية اليمنية رسائلها إلى المجتمع الدولي بشأن طبيعة التهديد الحوثي، خصوصاً مع ارتباط التصعيد الداخلي بأمن البحر الأحمر.

وفي هذا السياق التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي عثمان مجلي السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون بمناسبة انتهاء فترة عملها، مشيداً بالدعم السياسي والدبلوماسي الفرنسي للحكومة اليمنية، وموقف باريس الرافض للجماعة الحوثية.

عضو مجلس القيادة اليمني عثمان مجلي مع السفيرة الفرنسية (سبأ)

وربط مجلي بين القدرات العسكرية الحوثية والدعم الإيراني، مشيراً إلى ضبط أسلحة، ومعدات، وخبراء إيرانيين، ومعتبراً أن استمرار هذا الدعم يمثل عاملاً أساسياً في قدرة الجماعة على مواصلة نشاطها العسكري.

كما أكد أهمية الدعم السعودي لليمن، وحكومته، وربط استعادة الاستقرار اليمني بحماية أمن المنطقة، وحرية الملاحة في البحر الأحمر، ومضيق هرمز.


تصعيد الحوثيين يضاعف أعباء النساء في اليمن

اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
TT

تصعيد الحوثيين يضاعف أعباء النساء في اليمن

اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)

لا تقتصر كلفة التصعيد العسكري الحوثي في اليمن على القتلى والجرحى والدمار، إذ تدفع النساء ثمناً متزايداً لتداعيات الحرب التي أعادت تشكيل حياتهن داخل الأسرة والمجتمع، وضيَّقت فرص العمل والحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية.

ومع تجدد التوترات العسكرية واتساع تداعياتها الإنسانية، تجد آلاف اليمنيات أنفسهن أمام أعباء متراكمة تبدأ بالنزوح وفقدان مصادر الدخل، ولا تنتهي عند القيود المفروضة على الحركة وتراجع الرعاية الصحية والتعليم، فضلاً عن مخاطر العنف والاستغلال والتجنيد والضغوط الاجتماعية التي تزداد مع اتساع دائرة الفقر.

وتقول مصادر حقوقية إن النساء في اليمن أصبحن من أكثر الفئات تعرضاً لتبعات الصراع، في وقتٍ تتراجع فيه قدرة الأُسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، وتتقلص الخدمات والمساعدات، بينما تفرض سنوات الحرب أعباء إضافية على النساء اللواتي فقدن المُعيل أو اضطررن إلى تولي مسؤولية أُسرهن بمفردهن.

الحوثيون يُجبرون النساء على المشاركة القسرية بفعاليات تعبوية (إكس)

تأتي هذه الأوضاع بينما حذّرت «الأمم المتحدة» من ازدياد مخاطر عودة اليمن إلى صراع واسع النطاق، وسط استمرار التوترات العسكرية وسقوط ضحايا مدنيين، وهو ما يهدد بإعادة إنتاج موجات النزوح والفقر التي خلفتها سنوات الحرب.

وأدى تجدد المواجهات إلى دفع عائلات يمنية جديدة إلى مغادرة منازلها واللجوء إلى مناطق ومخيّمات تفتقر، في كثير من الأحيان، إلى الخدمات الأساسية. وتتحمل النساء جانباً كبيراً من تبعات النزوح، خصوصاً عندما تفقد الأسرة مُعيلها بسبب الحرب أو المرض أو انعدام فرص العمل.

أعباء متصاعدة

تُجسد أم عبير، وهي نازحة من الحديدة تقيم بمخيمات مأرب، جانباً من هذه المعاناة، فقد اضطرت أسرتها إلى الفرار ليلاً مع اشتداد المواجهات، بعدما أصبحت المُعيلة الوحيدة لأطفالها الستة على أثر وفاة زوجها بسبب مرض عضال.

وتقول، لـ«الشرق الأوسط»: «لم نأخذ شيئاً معنا، ونعيش، اليوم، في خيمة تفتقر إلى أبسط المقوّمات، وأعمل في غسل الملابس لتوفير الطعام لأطفالي».

ولا ترى أم عبير في النزوح مجرد فقدان للمنزل، بل انتقالاً إلى حياة تُكافح فيها يومياً لتوفير الغذاء والمياه والرعاية لأطفالها، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع المساعدات.

مجنّدات حوثيات شاركن في تدريبات قتالية بباحة مدرسة بصنعاء (إكس)

وتزداد الأعباء في الأُسر التي فقدت مصادر دخلها، إذ تجد النساء أنفسهن أمام مسؤوليات لم يكنَّ يتحملْنها وحدهن قبل الحرب؛ من تأمين الاحتياجات اليومية، إلى رعاية الأطفال والمرضى، في بيئة اقتصادية وإنسانية شديدة الهشاشة.

وبالتوازي مع آثار الحرب الاقتصادية والإنسانية، تواجه النساء، في مناطق سيطرة الحوثيين، منذ سنوات، قيوداً على الحركة والتنقل؛ من بينها اشتراط وجود مَحرم في بعض حالات السفر والتنقل بين المحافظات أو الخروج للعمل.

وتقول طبيبة، تعمل في المجال الميداني بمحافظة إب، إن هذه القيود أثّرت على قدرتها على الوصول للمناطق النائية وتقديم الخدمات الطبية للنساء والأطفال.

وتوضح، لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نتحرك بسهولة للوصول إلى القرى وتقديم الرعاية الطبية، لكن استمرار قيود الحوثيين على التنقل جعل مهمتنا أكثر صعوبة، خصوصاً عندما لا يتوفر شخص يمكنه مرافقتنا».

ولا تقتصر تداعيات ذلك، وفقاً للطبيبة، على العاملات في المجال الطبي، بل تمتد إلى النساء في المناطق المعزولة، اللواتي قد يجدن صعوبة في الوصول إلى الرعاية الصحية وخدمات الحمل والولادة والإسعافات الأولية.

الاحتجاز يوسع دائرة الخوف

إلى جانب النزوح والقيود على الحركة، تشير مصادر حقوقية إلى تعرض نساء في مناطق سيطرة الحوثيين للاحتجاز والاستدعاء والضغط، خصوصاً الناشطات والإعلاميات والعاملات في المجال المدني، في إطار ما تصفه المصادر بسياسة تهدف إلى الحد من النشاط الحقوقي والمجتمعي.

وتروي ناشطة حقوقية من صنعاء، فضّلت حجب اسمها، لـ«الشرق الأوسط»، أنها أمضت نحو ثلاثة أشهر في مركز احتجاز بعد مشاركتها في مبادرة لتوزيع مساعدات غذائية، مشيرة إلى تعرض أسرتها للتهديد بهدف دفعها إلى وقف نشاطها.

عملية التجنيد الحوثية امتدت لتطول الفتيات وطالبات المدارس (فيسبوك)

وتقول إن تجربة الاحتجاز لم تقتصر آثارها عليها، بل امتدت إلى أسرتها التي عاشت، وفق روايتها، تحت ضغط الخوف من تعرضها مجدداً للاعتقال أو اتخاذ إجراءات ضد أفراد عائلتها.

وتشير المصادر الحقوقية كذلك إلى ضغوط تتعرض لها نساء وفتيات فيما يتعلق بالتعبئة والتجنيد والنشاط المرتبط بالهياكل النسائية التابعة للحوثيين، ما يضيف بعداً آخر إلى المخاطر التي تواجهها النساء في مناطق الجماعة.

وتنعكس الأزمة الإنسانية على صحة النساء والفتيات أيضاً، في ظل تراجع الخدمات الصحية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، الأمر الذي يحدّ قدرة كثيرات على الحصول على خدمات الصحة الإنجابية والرعاية أثناء الحمل والولادة.

ومع اتساع دائرة الفقر وانقطاع مصادر الدخل، تصبح الفتيات أكثر عرضة للتسرب من التعليم والزواج المبكر، خصوصاً داخل الأُسر التي تجد نفسها أمام خيارات محدودة لتأمين احتياجاتها الأساسية.

وتقول أسماء، وهي أمّ لفتاتين من محافظة حجة، إن فقدان أسرتها مصدر دخلها دفعها إلى اتخاذ قرار وصفته بأنه «اضطراري» بتزويج ابنتها الكبرى عندما كانت في الرابعة عشرة.

وتضيف أن الحرب والفقر أغلقا أمام أسرتها معظم الخيارات، وحرَما أبناءها من حقوق أساسية؛ في مقدمتها التعليم، بينما بات تأمين الطعام والاحتياجات اليومية أولوية تتقدم على بقية الاحتياجات.

تبعات تتجاوز حدود الحرب

تكشف هذه الشهادات أن تأثير التصعيد على النساء اليمنيات لا يمكن قياسه بعدد الضحايا أو النازحين وحدهم، بل يمتد إلى فقدان مصادر الدخل، وتراجع الوصول إلى الخدمات، وتقييد الحركة، وارتفاع مخاطر العنف والاستغلال، فضلاً عن آثار طويلة الأمد على تعليم الفتيات وصحة النساء واستقرار الأُسر.

المخاطر في اليمن تتفاقم نتيجة انعدام خدمات الصحة الإنجابية (الأمم المتحدة)

وفي بلدٍ أنهكته سنوات الحرب، يمكن لأي عودة إلى التصعيد أن تعيد إنتاج هذه الأعباء على نطاق أوسع، خصوصاً في المناطق التي ما زالت تعاني آثار النزوح وتدهور الخدمات وتراجع فرص العمل.

كان صندوق الأمم المتحدة للسكان قد حذّر من أن النساء والفتيات في اليمن يواجهن أعباء متزايدة نتيجة النزاع والنزوح والانهيار الاقتصادي. ووفق بيانات الصندوق، كان نحو 6.2 مليون امرأة وفتاة معرّضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي في عام 2025، في حين كان أكثر من 90 في المائة من المناطق الريفية يفتقر إلى الخدمات اللازمة للوقاية من هذا العنف والاستجابة له.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أزمة المعيشة تدفع أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة

خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
TT

أزمة المعيشة تدفع أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة

خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)

يبدأ العام الدراسي الجديد في اليمن وسط أزمة تعليمية تتسع بفعل الفقر والنزوح وارتفاع تكاليف المعيشة، مع بقاء ملايين الأطفال خارج الفصول الدراسية بعد أكثر من عقد من الصراع. وبينما يكافح الآباء لتأمين الغذاء والوقود، باتت نفقات التعليم عبئاً إضافياً يدفع كثيراً من الأسر إلى إبقاء أطفالها في المنازل أو إرسالهم إلى سوق العمل.

وأظهر مسح أجرته منظمة «أنقذوا الأطفال» على 2214 أسرة في عدن ولحج وتعز أن نحو ثلث الأطفال، بنسبة 32 في المائة، لم يلتحقوا بالمدارس قط، بينما انقطع ربعهم عن الدراسة ويحتاجون إلى دعم للعودة إليها. وشمل التقييم نحو 14 ألف شخص، بينهم قرابة 5 آلاف طفل.

وتشير خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية إلى أن 6.6 مليون طفل في اليمن، أي ما يقارب ثلث الأطفال، خارج المدارس، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتراجع المساعدات الدولية.

ويعدّ وليد، البالغ 17 عاماً، واحداً من الأطفال اليمنيين الذين دفعتهم الحرب إلى ترك التعليم. فقد نزحت أسرته من الحديدة إلى مخيم في لحج عام 2017، بعد سنوات من القصف وانعدام الأمن، واضطر هو إلى مغادرة منزله ومدرسته وهو في الثامنة.

نحو 70 % من الأطفال في مناطق سيطرة الحوثيين خارج العملية التعليمية (إعلام محلي)

ورغم محاولته مواصلة الدراسة في خيام تعليمية مؤقتة، اضطر لاحقاً إلى تركها لمساعدة والده المسن في العمل وإعالة الأسرة.

ويعكس وضعه واقعاً أوسع؛ إذ وجد المسح أن قرابة خمس حالات التسرب مرتبطة بعمالة الأطفال. وتقول «اليونيسف» إن 12.5 في المائة من الأطفال بين الخامسة والرابعة عشرة يعملون، وترتفع النسبة إلى 15.4 في المائة في المناطق الريفية، في أعمال قد تكون خطرة، بينها جمع الخردة والعمل في البناء وجمع الحطب.

وتظهر ضغوط المعيشة بوضوح في نتائج المسح، إذ قالت 92 في المائة من الأسر إنها لا تعرف مصدر وجبتها التالية، بينما تعتمد 95 في المائة منها على العمل اليومي لتوفير احتياجاتها. وأكدت 84 في المائة عدم قدرتها على تحمل تكاليف التعليم، بما فيها الزي المدرسي والكتب.

مدارس متضررة

لم تقتصر خسائر التعليم على قدرة الأسر على تحمل النفقات، إذ تضررت أو دُمرت أكثر من 2375 مدرسة، أو استخدمت لأغراض عسكرية أو كملاجئ للنازحين، مما عرقل وصول الأطفال إلى التعليم.

كما تعرض طلاب ومعلمون للقتل والإصابة جراء الهجمات على المنشآت التعليمية أو أثناء توجههم إليها. ووفق تقرير للتحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات، تضرر أو قُتل 283 طالباً ومعلماً جراء الهجمات على التعليم في اليمن خلال عامي 2024 و2025.

وفي مناطق سيطرة الحوثيين، تبدو الأزمة أكثر حدة في بعض المحافظات. وذكرت مصادر عاملة في قطاع التعليم أن نسبة الأطفال الذين لم يلتحقوا بالدراسة هذا العام في الحديدة تراوحت بين 70 و80 في المائة، مرجعة ذلك إلى الرسوم التي فرضتها الجماعة، إلى جانب عجز الأسر عن شراء الكتب.

تحديات كبيرة تواجه الحكومة اليمنية مع بداية العام الدراسي (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن نحو 13 ألف طالب سجلوا في 60 مدرسة بالحديدة، مقارنة بـ24 ألفاً في العام السابق، لكن كثيراً منهم لا يحضرون بسبب عدم القدرة على دفع الرسوم، وارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء.

وتضيف أن أفضل مدرسة عامة في بعض المناطق لا تعمل سوى ساعة ونصف إلى ساعتين يومياً، نتيجة الحرارة ونقص المعلمين، في ظل استمرار توقُّف رواتبهم منذ سنوات.

مستقبل أكثر هشاشة

تأتي هذه التطورات مع أزمة تمويل إنساني حادة، اذ لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن العام الماضي 25 في المائة من الاحتياجات المطلوبة، مما أدَّى إلى إغلاق برامج وخدمات أساسية.

وحذرت ريشانا حنيفة، المديرة القُطْرِيَّة لـ«أنقذوا الأطفال»، من أن أطفال اليمن معرضون لخطر التحوُّل إلى «جيل ضائع»، مع دفع الأزمة الاقتصادية المزيد منهم بعيداً عن الفصول الدراسية نحو العمل.

ومع استمرار النزوح وتراجع المساعدات وارتفاع تكاليف التعليم، لا تبدو عودة الأطفال إلى المدارس مرتبطة بتوفير المقاعد الدراسية وحدها، بل بقدرة الأسر على البقاء أولاً؛ إذ كلما طال انقطاع الطفل عن التعليم، تراجعت فرص عودته، لتتحول الأزمة من تسرب مؤقت إلى خسارة طويلة الأمد لجيل كامل.