مفارقات البهجة والشجن في قصص سودانية

بثينة خضر مكي تلتقطها في مجموعتها «صحوة قلب»

مفارقات البهجة والشجن في قصص سودانية
TT

مفارقات البهجة والشجن في قصص سودانية

مفارقات البهجة والشجن في قصص سودانية

عن البهجة والشجن ولحظات الفرح والسعادة، ودراما الموروث الشعبي ومفارقاته في الواقع السوداني، تدور أجواء المجموعة القصصية «صحوة قلب» الصادرة حديثاً عن دار «مجاز» بالقاهرة للكاتبة السودانية بثينة خضر مكي. وعلى عكس الصورة النمطية الشائعة لدى البعض عن السودان، والتي تركز على الكوارث الطبيعية والأزمات السياسية، تستعيد هذه المجموعة ملامح الوجه الإنساني لبلد ضارب بحضارته في عمق التاريخ.

- عكس الصورة
تقع المجموعة في 116 صفحة من القطع المتوسط، وتتضمن 16 قصة تتنوع ما بين الريف والمدينة، السودان وأوروبا، عالم البسطاء والمثقفين. ونلمح هنا ثنائية الغرب والشرق، أو الأنا والآخر الأثيرة في الكتابة السردية العربية، تطل برأسها من جديد، في عدد من القصص، فتتحول إلى شكل من التناصّ المعكوس على مستويي الدلالة والرؤية لرواية «موسم الهجرة للشمال» الشهيرة للطيب صالح، فبدلاً من أن يذهب بطله إلى بريطانيا ليحقق التفوق العربي على المستعمر القديم عبر إغواء نسائه، تبدو الصورة مغايرة في أول قصص المجموعة والتي تحمل اسم «الخواجاية». فالسودان هو الملجأ والمنقذ لـ«ديفيد» البريطاني الذي جاء إلى الخرطوم للاستشفاء بصحبة زوجته «سيلفيا» التي تراوح الخمسين «لكن جسدها الممشوق يقاوم الوشاية حقيقة عمرها».
أُصيب «ديفيد» بداء عضال تخلص منه في مشافي أوروبا لكنّ ضعفاً ووهناً وعجزاً خفيفاً في بعض الأطراف لا يزال ينغّص عليه حياته. جاء إلى هنا ليتداوى بمعرفة خبراء الطب الشعبي والأعشاب والرقية الشرعية. كان أبوه إدوارد ممثلاً لسلطة الاحتلال قديماً وله أصدقاء عديدون في السودان منهم «العمدة بركات» الذي نصح ابن صديقه «الخواجة» إدوارد بالمجيء إلى السودان وتحديداً مناطق دنقلا والدامر ومروى ليتخلص من دائه. أيضاً تفارق هذه الصورة أبطال روايات «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم و«قنديل أم هاشم» ليحيى حقي و«الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، الذين انبهروا بالغرب وقارنوا بينه وبين تخلف الشرق، حيث يبدو «الخواجة» هنا وزوجته بريطانيين منبهرين بما يملكه الشرق من طاقات روحانية تسبب الشفاء، حتى إن «ديفيد» يبحث عن «واسطة» من أجل أن يحدد الطبيب المداوي «أبو زيد» له موعداً استثنائياً، وهو ما يحدث بالفعل، وتنتهي القصة بفرحته الشديدة حين يوافق الشيخ على رؤيته بعد أسبوعين.
في قصة «الماشطة» ندلف إلى عالم النساء السري عبر شخصية «مسرّة» وهي بالفعل تُدخل المسرات حين تأتيها النسوة والعرائس والفتيات. تقضي الواحدة منهن ساعات طويلة بين يديها ثم تخرج إلى أهلها وقد تغيرت ملامحها كثيراً حيث تقوم ابنة أخيها المطلقة بتحضير الحناء وعمل نقوش جميلة بها في أيدي وسيقان النسوة، ثم تقوم هي بتبخيرهن بالأخشاب العطرية التي تجعل لون الحناء يزداد سواداً ولمعاناً بعد عملية إزالة الشعيرات التي تنمو في مناطق متفرقة من أجسادهن بعجينة الحلوى اللزجة المصنوعة من السكر والليمون.
نرى كل هذه التفاصيل بعيون «عثمان» الطفولية المتلصصة، ابن الثامنة، وبراءة اكتشاف عالم الأنوثة من باب التلصص البريء لطفل على عالم لن يفهمه إلا حين يكبر لاحقاً ويتزوج هو الآخر من فتاة بسيطة لكنها جميلة وتعمل «ماشطة» ولكن في ثوب عصري وعبر محل.
وترصد المؤلفة مفارقات التحولات الطبقية في المجتمع عبر هذا النص من خلال «مسرة» وهي زوجة مسؤول مهم، من أجل إصلاح ما أفسده الدهر. تأتي في عربة فخمة يقودها سائق، يفتح لها الباب لتدخل في تمهل وهي تتلفت حولها في تلصص وتتمنى أن تحضر واحدة من نساء الجيران لتشاهد عزوتها ومباهاتها بنفسها، وذلك الفخر الزائف الذي كانت تفتقده تماماً حين كانت مجرد فتاة فقيرة لأب فقير يعمل حارساً ليلياً بمستشفى للأطفال.
- مأساة عجوز
وربما كانت «وفاة موظف بالمعاش» أكثر قصص المجموعة إثارة للشجن والتأمل في تحولات الزمان والبشر، كما أنها أكثر النصوص نضجاً من الناحية الفنية. البطل هنا مدير سجن سابق تقاعد براتب هزيل لا يسمن ولا يغني من جوع لأنه عاش نزيهاً يرفض الرشوة أو الاستفادة من موقعه الحساس. يقضي الرجل سنواته الأخيرة وحيداً، فلا أحد من أولاده وبناته يتذكره إلا في المناسبات البعيدة المتفرقة بعد أن تعب في تربيتهم وجعلهم يرتقون مناصب مرموقة في دبي ولندن والخرطوم. ضاقت الأحوال، لكنّ عزّة نفسه تمنعه من طلب المساعدة من أبنائه. طعامه عبارة عن لقيمات من خبز غير طازج يغمسها في زيت سمسم مع رش بعض الملح. يمضغ الطعام في حركات رتيبة وهو يتذكر أكثر ما عشقه في حياته؛ الطعام الشهيّ والنساء الجميلات. يتذكر وهو القروي المنشأ تفاصيل الولائم الكبرى التي تقام في العاصمة فتبدو له مثل نجوم من الفرح والهناء تطل من السماء. كانت تطرب روحه وهو يرى أهل المدينة يجرجرون كبشاً سميناً ليُنحر بين الأقدام، وتتبارى النساء الفاتنات الماهرات في إعداد الطعام. لحظات وتبدأ جلجلة أصوات المعادن من صوانٍ وصاجات وقدور طبخ كبيرة في الهيمنة على هدوء المكان. يمر الوقت سريعاً حيث تكون صانعات الكرة يعملن بكل همة، ورائحة الشواء على الجمر المتوهج تغطي أفق المكان، وقد توزعت الخضراوات بألوانها البهيجة، خالية من الأسمدة الصناعية، وقد قُطفت من الأراضي الزراعية التي تمتد من طرف المنازل حتى مجرى النيل القريب، على صحون السرفيس والصاجات التي سرعان ما تمتلئ باللحوم المحمّرة الحادقة التي تفوح منها روائح البهارات والثوم.
يموت العجوز «عثمان أفندي الحازم الشريف حسن السلوك» كما تصفه كلمات النعي التي توسطت نصف صفحة كاملة في جريدة كبرى والتي حرص عليها أبناؤه حرصاً على الوجاهة والشكل الاجتماعي. وتكتمل المفارقة الكبرى حين نجد أن الوليمة التي حُرم منها وعاش يحلم باستعادتها تُقام بالفعل لرهط من البشر في عزائه ليستمتع بها معزّون أغلبهم غرباء!
الغربة نفسها تطالعنا على نحو آخر في قصة «صحوة قلب» التي وسمت عنوان المجموعة، حيث نجد محاولة قاسية للهرب من الشعور الحاد بالاغتراب عن الذات، وهو المعنى الذي تنتهي به قصة حب بين شاب وفتاة من قرية سودانية، فأمام تعقُّد بنية المجتمع وافتقاد الطمأنينة، لا يجد سوى الانخراط في تنظيم «داعش» الإرهابي سبيلاً للخلاص.
تكتب بثينة خضر مكي بلغة مباشرة، بسيطة، شبه تقريرية، تخلو من المجاز ولا تبالي بالمحسنات البلاغية حيث تبدو مهمومة فقط بالتواصل مع المتلقي عبر حكاية شيقة وسرد متدفق، لكنها في المجمل محمّلة بعلاقات ودلالات جمالية لها مذاقها الخاص.



مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
TT

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكُتّاب والقُرَّاء، الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة، التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً في صناعة الأدب والثقافة.

وأقيم المهرجان خلال الفترة من 9 إلى 15 يناير (كانون الثاني) الحالي، وفيه قدمت الهيئة للزائر مشهداً ثقافياً متحركاً في الهواء الطلق ما بين الأدب، والفن والمورث، بالإضافة إلى الحكايات والقصص التي شارك فيها الزوار، واحتضن متنزه «الردف» 270 فعالية المهرجان، بحضور نخبة من رواد الأدب في العالم العربي.

الفنون الشعبية التي تشتهر بها مدينة الطائف وعموم منطقة مكة كانت حاضرة بقوة (الشرق الأوسط)

سيرة مدينة وذاكرة المرأة

في أحد ممرات المهرجان جلست سيدات الطائف إلى جوار عملهن من المشغولات اليدوية والملابس التقليدية التي تبرز تنوع ثقافة اللبس لدى المرأة في الطائف واختلافه من موقع إلى آخر، حيث عرضن منتجاتهن التي تحكي سيرة مدينة وذاكرة المرأة، من خلال 20 منصة أعادت الاعتبار للحرفة بوصفها ثقافة ملموسة، لا تقل أثراً عن النص المكتوب.

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

الكتب المعلقة

بينما يرسل ممر «الكتب المعلقة» رسائل تؤكد على أن القراءة والكتاب ينطلقان في فضاء مفتوح دون قيد أو شرط عبر مجسمات تُرى من بعيد، لكنها تُقرأ من الداخل، فتذكّر الزائر بلغة شاعرية أن المعرفة ليست رفوفاً مغلقة، بل حضور يومي في المكان العام.

ومن خلال الجداريات نقرأ جانباً من سيرة الطائف الأولى، تستعرض من خلالها المدينة الجبلية أجمل مصائفها؛ جبل الهدا، وبساتين الورد، وسوق عكاظ، لا بوصفها معالم جامدة، بل مشاهد حية يشارك الزائر في تشكيلها، في تجربة تمحو المسافة بين الفن والمتلقي، وتمنح المدينة فرصة في أن تُروى بأيدي أهلها.

الفن والموسيقى

من مزايا مهرجان الكتّاب والقرّاء بالطائف التنوع في مسارات الأدب والفنون؛ إذ أقيمت كثير من الحفلات الغنائية على المسرح الرئيسي، ومنها حفل فرقة «هارموني عربي» المصرية التي قدمت أمسية غنائية استقطبت جمهوراً واسعاً، وقدمت خلالها مزيجاً متناغماً من الألحان العربية بصيغة معاصرة، عززت حضور الموسيقى بوصفها لغة مشتركة، ومكوناً أصيلاً في الفعل الثقافي الذي يقدّمه المهرجان.

كما شكلت تفعيلة «منصة الفن» في منطقة «الدرب» مساحة لالتقاء الأدب بالموسيقى، عبر 3 منصات قدمت عروضاً غنائية لفنانين سعوديين صاعدين، في تجربة تفاعلية تعكس تنوع المواهب، وتفتح المجال أمام الأصوات المحلية للظهور ضمن مشهد ثقافي جامع.

الشعر والمحاورة

وفي خطوة فريدة لم يأتِ الشعر على هيئة منصة تقليدية، بل تسلل «بين الطرق»، حيث استمع الزائر لصوت موسيقي، ونصٍ يُقرأ، وشاهد ذاكرة تُحفظ قصائد فصيحة ونبطية، لأسماء معروفة، قُدّمت في أداء حي، مدعومة بالتقنية، لتستعيد القصيدة مكانها الطبيعي بين الناس بشكل جميل يلفت الزائر ويدفعه للإنصات.

وحضر شعر المحاورات بقوة؛ إذ شهدت أمسياته تفاعلاً جماهيرياً لافتاً، شارك فيها شعراء سعوديون قدموا نصوصاً ارتجالية تنوعت موضوعاتها بين الاجتماعي والوطني والتراثي، في تجربة أعادت للشعر حضوره الحي بوصفه مساحة للحوار والمنافسة الذهنية، وقربته من المتلقي بعيداً عن الإلقاء التقليدي.

«الحكواتي» فكرة استقطبت الصغار لمعرفة الكثير من الحكايات التاريخية والأدبية (الشرق الأوسط)

المسرح

تنوّعت العروض المسرحية، بين التفاعلي والكوميدي، في حين خُصص للأطفال عالمهم الخاص، عبر مسرح «الحكواتي»، حيث تعلّم الصغار أن القصة ليست سماعاً فقط، بل مشاركة وخيال وبدايات وعي.

وفي المسار المسرحي، قدم المهرجان برنامجاً متنوعاً عبر 5 مسارح، شملت عروضاً تفاعلية وفكرية واجتماعية، من بينها مسرحية «سيف ودلة وطين» التي استحضرت رمزية الأدوات التراثية في تشكيل الهوية الوطنية، كذلك «الكتاب المسروق» التي قدمت رسالة عن قيمة المعرفة وحماية القراءة، إلى جانب أعمال فلسفية وكوميدية لامست تحولات الإنسان والعلاقات عبر الأزمنة، مؤكدة قدرة المسرح على الجمع بين المتعة والتأمل.

تنوع الفعاليات كان أحد العوامل في استقطاب الزوار للمهرجان (الشرق الأوسط)

رموز الأدب

وربطت هيئة الأدب الماضي بالحاضر في مسارات مختلفة، ومنها مسار الذاكرة؛ إذ شكلت فعالية «أدباء عبر التاريخ» في مسارات المتنزه حالة فريدة بوصفها جولة سردية تستحضر رموز الأدب السعودي الذين أسهموا في تشكيل الوعي الثقافي الوطني، من الشعر والصحافة إلى الفكر والمسرح.

وقدّمت الفعالية سيراً مختصرة لأسماء راسخة، أعادت للزائر صورة جيلٍ مهّد للحركة الأدبية الحديثة، وربط الحاضر بجذوره الثقافية.

ومن الأسماء الأمير الشاعر عبد الله الفيصل، والكاتب عبد الله نور، والأديب محمد حسين زيدان، وأحمد السباعي رائد الصحافة والمسرح الحديث، وحسين سراج أحد روّاد المسرح السعودي، وعصام خوقير الطبيب الأديب، وسعد البواردي صاحب زاوية «استراحة داخل صومعة الفكر»، وإبراهيم خفاجي الشاعر الذي ارتبط اسمه بالنشيد الوطني السعودي، وطاهر زمخشري رائد أدب الطفل، ومحمد حسن عواد أحد روّاد التجديد الأدبي، ومحمد سعيد خوجة الرائد في طباعة كتب التراث.

ومع ختام مهرجان «الكتاب والقراء»، أكدت مدينة الطائف مكانتها الثقافية، حيث تُعدّ أول مدينة سعودية تنال عضوية منظمة «يونيسكو» للمدن الإبداعية في مجال الأدب، فلم يكن المهرجان مجرد «روزنامة» فعاليات تضاف إلى التقويم الثقافي، بل كان امتداداً لصوت قديم ما زال يتردد في فضاء الطائف، منذ كانت الأسواق تُقام للشعر والأدب، وقد أعادت هيئة الأدب والنشر لمتنزه «الردف» بريق الحكايات للتاريخ والمستقبل.

سيدات من الطائف يشاركن من خلال مشغولاتهم اليدوية للتعريف بالكثير من الملبوسات (الشرق الأوسط)


قضم الأظافر من منظور نفسي: عادة أم آلية لحماية الذات؟

هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
TT

قضم الأظافر من منظور نفسي: عادة أم آلية لحماية الذات؟

هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)

لا يُعدّ قضم الأظافر، ونتف الجلد مجرد ردود فعل لا إرادية، بل يُنظر إليهما بوصفهما آليتين للبقاء، وذلك وفقاً للتحليل النفسي لعاداتنا اليومية.

ولا يوجد سبب واحد واضح لقضم الأظافر، إلا أن هناك عدة نظريات تفسّر هذه العادة. وتشمل النظريات بدء هذه السلوكيات على أنها وسيلة للتأقلم مع المشاعر الصعبة، أو الشعور بالملل، أو الحاجة إلى إشغال اليدين، فضلاً عن إمكانية وراثة هذه العادة من الوالدين، بحسب ما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وقد تبدو هذه السلوكيات غير منطقية، أو غير صحية، بل، ومؤلمة أحياناً. إلا أن الدكتور تشارلي هيريوت-ميتلاند، اختصاصي علم النفس السريري، يشير إلى أننا طوّرنا ما يصفه بـ«الأضرار البسيطة» بوصفها وسيلة لحماية أنفسنا.

وقال هيريوت-ميتلاند لصحيفة «إندبندنت»: «من خلال إحداث إحساس جسدي بسيط، يستطيع الجسم تحويل تركيزه فوراً إلى الجانب الجسدي، مما يساعد على تخفيف التوتر، واستعادة الشعور بالسيطرة». وأضاف: «وهذا يبقى أفضل من البديل، المتمثل في فقدان السيطرة أمام المشاعر الجارفة».

وينقسم كتابه الجديد: «الانفجارات المُتحكَّم بها في الصحة النفسية»، إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي: التخريب الذاتي، والنقد الذاتي، وإيذاء الذات. وقد تشمل هذه السمات سلوكيات يومية، مثل تجاهل صديق جديد، أو السعي إلى الكمال، أو قضم الأظافر.

وأوضح أن نتف الجلد، وقضم الأظافر يُعدّان من الأشكال الأخف لإيذاء النفس، والتي قد يسهل على الناس استيعابها، في حين تُعتبر المشكلات الأكثر خطورة، مثل الجروح، أو اضطرابات الأكل، أشكالاً أشد حدة. وأعرب الدكتور عن أمله في أن تساعد مناقشة عادات شائعة -ومنها قضم الأظافر ونتف الجلد- الناس على فهم أشكال أخرى من إيذاء النفس التي غالباً ما تُوصم بالعار.

وأضاف: «عندما تُسبّب لنفسك ألماً عبر شدّ الشعر، تشعر براحة فورية بعد ذلك، وكأنك تُحفّز إفراز الإندورفين الطبيعي في جسمك».

ومع ذلك، شدد على أنه لا ينبغي اللجوء إلى هذه السلوكيات فقط من أجل الشعور بالراحة السريعة، بل ينبغي فهمها أيضاً بوصفها وسيلة دفاعية لحماية النفس.

وقال: «الدماغ آلة مصممة للبقاء؛ فهو ليس مبرمجاً لتحقيق أقصى درجات السعادة أو الرفاهية، بل للحفاظ على حياتنا»، مضيفاً: «إنه يحتاج إلى العيش في عالم يمكن التنبؤ به، ولا يحب المفاجآت، ولا يرغب في أن نُفاجأ».

وتعمل هذه الآلية الوقائية وفق مبدأ أساسي مفاده بأن الدماغ يُفضّل التعامل مع تهديد معروف، ويمكن السيطرة عليه، بدلاً من مواجهة احتمال تهديد مجهول، وخارج عن السيطرة.

وتستند الأسس العلمية لهذه النظرية إلى طريقة تطور الدماغ البشري، الذي كان يركّز في المقام الأول على البقاء لا على تحقيق السعادة. فالدماغ مُبرمج فطرياً على رصد الخطر في كل مكان، وهو ما ساعد الجنس البشري على الاستمرار. إلا أن ذلك يعني اليوم أننا أصبحنا أكثر حساسية لأي أذى محتمل، سواء كان جسدياً أو نفسياً.

وفي كثير من الحالات، قد يكون الأشخاص الذين يمارسون عادات مثل قضم الأظافر قد بدأوا بها في مرحلة مبكرة نتيجة الشعور بالقلق، قبل أن تتحول مع الوقت إلى سلوك مكتسب ومتكرر، بحسب ما أشار إليه الدكتور هيريوت-ميتلاند.

ورغم توافر نصائح عملية للتقليل من قضم الأظافر، مثل استخدام مستحضرات مخصّصة، أكد هيريوت-ميتلاند أنه لا توجد حلول سريعة، أو فورية.

وبدلاً من ذلك، شدد على ضرورة فهم الوظيفة النفسية لهذه السلوكيات، والمخاوف الكامنة خلفها، عوضاً عن الاكتفاء بمحاولة التخلص منها دون معالجة جذورها.


بيروت تستضيف «مهرجان الفيلم الإيطالي» بنسخته الثانية

«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)
«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)
TT

بيروت تستضيف «مهرجان الفيلم الإيطالي» بنسخته الثانية

«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)
«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)

تتميّز الأفلام الإيطالية بالواقعية الدرامية والقصص الإنسانية العميقة، وغالباً ما تعتمد مواقع تصوير حقيقية بعيداً عن الاستوديوهات المصطنعة، وترتكز أحياناً على ممثلين غير محترفين، ما أسهم في ترسيخ مفهوم «السينما الواقعية الجديدة» وتأثيرها الاجتماعي.

وقد استقطبت الأفلام الكلاسيكية جمهوراً واسعاً من محبي السينما الإيطالية، ممهورة بأسماء رائدة في عالم الإخراج، مثل فيديريكو فيلّيني، ولوتشينو فيسكونتي، لتغدو مدارس سينمائية قائمة بذاتها تركت بصمتها الواضحة على الشاشة الذهبية.

وتستضيف بيروت للسنة الثانية على التوالي «مهرجان الفيلم الإيطالي»، الذي ينظمه «المركز الثقافي الإيطالي» بالتعاون مع «جمعية متروبوليس للسينما». وينطلق في 21 يناير (كانون الثاني) ويستمر حتى 30 منه، حيث تفتح سينما متروبوليس في منطقة مار مخايل أبوابها مجاناً أمام هواة هذا النوع من الأفلام.

فيلم «بريمافيرا» يفتتح فعاليات المهرجان (متروبوليس)

يُفتتح المهرجان بفيلم «بريمافيرا» للمخرج دميانو ميشيليتو، وهو عمل تاريخي ــ درامي من إنتاج عام 2025، تدور أحداثه في البندقية خلال القرن الـ18 حول عازفة كمان موهوبة في دار أيتام تُدعى سيسيليا، يكتشف موهبتها الموسيقي الشهير أنطونيو فيفالدي ويصبح معلمها. ويستكشف الفيلم موضوعي الموسيقى والحرية، وهو من بطولة تيكلا إنسوليا وميشيل ريوندينو، ومقتبس من رواية «Stabat Mater» لتيزيانو سكاربا.

تشير نسرين وهبة، المشرفة على تنظيم المهرجان في جمعية متروبوليس، إلى أن معظم الأفلام المعروضة هي من الإنتاجات الحديثة التي أُنتجت وعُرضت في إيطاليا خلال العام الماضي، مؤكدة لـ«الشرق الأوسط» أن المهرجان يضمُّ 10 أفلام مختارة لتلائم أذواق رواد السينما الإيطالية على اختلافها.

وتضيف نسرين وهبة أن الإقبال اللبناني على هذه الأفلام يعود إلى ندرة عرضها في الصالات المحلية، ما يجعل المهرجان فرصة لاكتشاف موجة جديدة من السينما الإيطالية الموقّعة من مخرجين معاصرين.

وعلى مدى 10 أيام، تُعرض أفلام عدة، بينها «أون أنو دي سكولا» (عام دراسي)، و«تيستا أو غروسي» (صورة أم كتابة) للمخرجين لورا سماني وأليكسيو ريغو دي ريغي وماتيو زوبيس، وهي أعمال تُعرض للمرة الأولى في لبنان.

ومن الأفلام المشاركة أيضاً «جيو ميا» (فرحتي) لمارغريتا سباميناتو، الذي يروي قصة نيكو، فتى نشأ في عائلة علمانية في عالم حديث ومتصل بالتكنولوجيا، يُجبر على قضاء الصيف في صقلية مع عمته المتديّنة في قصر قديم معزول عن مظاهر الحداثة، لتنشأ بينهما علاقة متحوّلة تتأرجح بين الماضي والحاضر، والعقل والإيمان. كذلك يُعرض فيلم «لافيتا فا كوزي» (الحياة تمضي على هذا النحو) لريكاردو ميلاني، الذي يتناول صراعاً بين راعي غنم ورجل نافذ يسعى للاستيلاء على أرضه الساحلية.

يُختتم المهرجان مع فيلم «سوتو لو نوفيلي» (متروبوليس)

ويُختتم المهرجان بفيلم «سوتو لو نوفيلي» (تحت الغيوم) للمخرج جيان فرانكو روزي، الذي سبق أن صوّر فيلماً وثائقياً في لبنان. ويتناول العمل معالم أثرية بين مدينتي فيزوف وخليج نابولي، حيث تتقاطع حياة السكان والمصلّين والسياح وعلماء الآثار. ويتابع الفيلم تنقيبات فريق ياباني في فيلا أوغسطيا، إلى جانب مشاهد من أطلال بومبي وكنيسة مادونا ديل أركو، في سرد بصري يستحضر الماضي بوصفه عالماً لا يزال حياً.