أسبوع «مسك» للفنون... من الرياض إلى العالم وبالعكس

ريم السلطان: علمتنا الجائحة أهمية الوجود واقعياً وافتراضياً بقوة

TT

أسبوع «مسك» للفنون... من الرياض إلى العالم وبالعكس

في دورته الرابعة واجه أسبوع «مسك» للفنون جائحة كورونا، واحتمالات مختلفة، منها المضي قدماً أو الإلغاء، لكن «كورونا» لم تستطع تأجيل موعد عشاق الفن والثقافة مع الحدث الفني البارز على روزنامة الفن والثقافة في السعودية. في حوار مع ريم السلطان، الرئيسة التنفيذية لمعهد «مسك» للفنون، عبّرت عن الإصرار والتفاؤل في آن واحد. قالت لـ«الشرق الأوسط» إن الجائحة فرضت على المنظمين صيغة رقمية للوصول للجمهور، لكنها لم تمنع من إقامة بعض الفعاليات على الأرض. تحدثت معنا حول فعاليات الأسبوع، وأيضاً ألقت بنظرها على ما سيقدمه المستقبل.
السلطان تتحدث بحماسة جميلة، تتوجها بابتسامة لطيفة لم تفقد تأثيرها عبر شاشة الكومبيوتر، تعود معي لمرحلة الإعداد للأسبوع الفني. تقول: «كنا ننظر بقليل من القلق إلى مدى التفاعل مع الصيغة الافتراضية، لكن التفاعل كان أكثر من جيد، والمشاركات بشكل عام كانت كلها إيجابية». ترى في الموضوع العام الذي يغلف فعاليات الأسبوع، وهو «صياغة الثقافة»، عنصراً جاذباً، فهو «يلمس كل الفئات، ولهذا كانت هناك مشاركات وقبول من أطراف مختلفة».
تشير إلى المشاركين في الفعاليات: «شارك معنا أكثر من 65 مختصاً وخبيراً في الفنون والثقافة، تقريباً من أكثر من 10 دول»، ترى أن الموضوع (صياغة الثقافة) وأهميته وتوقيته كانت عناصر جذب للمشاركين.
أسبوع «مسك» للفنون، الذي انطلق في الثالث من هذا الشهر، ويختتم فعالياته اليوم، قدم جرعة مركزة من الفنون في 5 أيام، خرج بحلتين، حسب ما تشير السلطان، فكان 80 في المائة منه على العالم الافتراضي، و20 في المائة على أرض الواقع. هذه السنة الرابعة للمنتدى، لكن مع «كورونا» كان لدينا أكثر من فكرة، منها إلغاء الدورة، وتأجيلها للعام المقبل، أو أن نقيمها افتراضياً، وهو أمر له إيجابياته وسلبياته. ما رجح فكرة الديجيتال، إضافة إلى الإجراءات الصحية، فكرة أن الدورة ستكون «متاحة لكل العالم».
في جدول الفعاليات، هناك الندوات وورش العمل والمعارض، تقول السلطان: «قررنا إقامة منتدى إبداعي، يستمر 3 أيام، يتناول موضوعاً محدداً كل يوم، وفي اليومين الأخيرين قررنا تكوين مجموعات للنقاش (فوكس غروب)، لنتحدث في نفس المواضيع التي طرحت في الندوات، ونستخلص منها النتائج، لتكون عندنا دراسات وأبحاث، تساعدنا على أن نقدم ما يخدم الساحة الفنية السعودية التي تنمو بشكل سريع، وبالتالي فالسؤال المطروح أمامنا الآن هو؛ كيف نواكب هذا النمو السريع؟ هذا ما نحاول تحقيقه».
تحرص محدثتي على الإشارة إلى أن جميع محتوى الأسبوع موجودة إلكترونياً باللغتين العربية والإنجليزية. أتجه للسؤال عن المعارض الفنية المقدمة هذا العام، وهي «وسم» و«مكوث» و«صفوح النعماني، الحفاظ على زمن مضى»، وطريقة عرضها، تقول: «المعارض موجودة فعلياً في صالة الأمير فيصل بن فهد بالرياض، وموجودة أيضاً بالصيغة الافتراضية، ولعل ذلك من الأشياء التي تعلمناها من الجائحة، فكل معرض سيكون موجوداً بصيغتين، على أرض الواقع، إضافة إلى عرض رقمي على الموقع». وبالنسبة لمن يريد زيارة المعرض في موقعه بالرياض، فيجب عليه حجز وقت معين، وذلك بحكم الاحتياطات الصحية.
صالة الأمير فيصل فهد، التي تحتضن المعارض الثلاثة، لها قصة، حسب السلطان، ترويها لنا: «في 2019 افتتحنا صالة فيصل بن فهد بمعرض عنوانه (حكاية مكان) وحكينا فيه عن الحقبة الزمنية السنوات الـ10 الأولى من عمر هذه الصالة، فهي أول صالة أقيمت في الرياض للفن التشكيلي، وأغلقت لفترة محددة، حتى آلت لنا وقمنا بعملية تجديد شاملة، مع الحفاظ على الإرث التاريخي والمعماري لها». وإلى جانب المعرض، خصصت القاعة لتوفير مرافق لخدمة الفنانين «من العام المقبل، سيكون لدينا برنامج لإقامة الفنانين ومعمل لطباعة silk screen، كشفنا عن كل هذه المبادرات في أسبوعنا هذا، وخلال الأسابيع المقبلة سنعلن عن الجدول السنوي للمعهد». تشير إلى أن معرض «مكوث» المقام حالياً هو نتاج برنامج «مسك» للمنح، وهو «أول برنامج من هذا النوع يقدم منحاً مالية للفنانين، لتعزيز الإنتاج الفني. وفي السنة الأولى للبرنامج اخترنا موضوع (مكوث)، الذي عكس فترة الحجر، فالمكوث هو البقاء لوقت غير معلوم. وعرضنا الموضوع على الفنانين، وتقدم بالفعل أكثر من 60 فناناً، وقع الاختيار على 5 فقط. وخلال الأسابيع المقبلة سيتم الإعلان عن برنامج المنح التالي، الذي سيكون بقيمة مليون ريال».
أسأل عن اختيار الفنانين، أهم شباب فقط، أم فنانون معروفون؟ تقول: «نبحث بالدرجة الأولى عن جودة ومفهوم، يكون مرتبطاً بالموضوع المطروح. يجب القول إن مؤسسة «مسك» تركز بالفعل على الشباب، ويهمنا ذلك، ونقول إن البرنامج موجه للفنانين الناشئين في مرحلة النضج». ماذا عن باقي الفعاليات؟ هل كانت صعبة في تنفيذها؟ هل أثّر ذلك تفاعل الجمهور؟ تقول: «بعض البرامج كانت افتراضية، لكن كانت هناك أخرى على الأرض للفنانين المتخصصين، مثل ورشة عمل للمصممين، وأخرى للتصوير الفوتوغرافي، وجدنا إقبالاً شديداً على البرامج التدريبية».
بعد 4 دورات لأسبوع «مسك» للفنون، ما الذي تحقق؟... «هناك تغيير ملحوظ، فقد أصبح هناك اهتمام ووعي أكبر في المجتمع، أصبحت الأسر تخرج لمشاهدة المعارض الفنية. أيضاً بدأ الفنانون في التوافد علينا من مناطق مختلفة من المملكة، أدركوا أن الأسبوع أصبح منصة لهم، تساعدهم وتلهمهم، وهذا ما سمعته من عدد من الفنانين».
هذ العام فاصل بين ما قبله وما بعده، كيف ترين المستقبل؟ تقول: «نحن مستمرون فيما بدأناه، بعد انتهاء هذه الدورة، ستكون دراسة كاملة لنتاج المنتدى والبرامج، وهو ما يمنحنا فرصاً للتطوير. أيضاً سنكون أكثر قرباً من الناس بحكم الوجود الإلكتروني».

- «مكوث» وأهمية دور الفنان في توثيق الأحداث
«أن أجرب حضور المعرض افتراضياً، ليس بالأمر السهل، فالطبيعي أن نطالع الأعمال الفنية آنياً وأن تنشأ علاقة معها، أن تهمس لنا، وأن نطرح عليها الأسئلة. لم يتوفر لي ذلك، ومثل كثيرين لم تُتح لهم ( كورونا) حضور المعارض في (أسبوع مسك للفنون)، قررت مرافقة فأرة الكمبيوتر، في جولة على معرضين، هما (مكوث) و(وسم)».
تأخذنا النقرة الأولى لمدخل المعرض، وننتبه لدوائر بيضاء، توقفنا أمام كل عمل، بتحريك الفأرة على الدائرة البيضاء، تُعرض لنا المعلومات الخاصة بالعمل الفني أمامنا، نحرك الفأرة يميناً ويساراً للوصول لرؤية أفضل. في المعرض أعمال ملهمة وذات عمق حقيقي، منها عمل للفنان مهند شونو بعنوان «كتاب الرمل» والذي نقرأ عنه أنه «عمل بحثي وأثري ومعماري»، قصة طيار حربي حلق بطائرته فوق صحراء الربع الخالي، ولاح وجود هيكل غريب يظهر ويختفي بين ثنيات الرمال المتحركة. نكمل القصة، الطيار يعود مرة أخرى في اليوم التالي، لكنه لا يجد الهيكل الذي أثار فضوله، «الرمال انطوت فوقة كصفحات كتاب، وهكذا ستختار الرمال الحقائق التي سترويها أو الأسرار التي ستبقى أساطير». ما الذي يريد شونو من الرمال الإفصاح عنه؟ يرى أنها انطوت على كثير، وكانت شاهدة على أزمنة وقرون، وفي كتابه الرملي الأحمر القابع على طاولة، يشكل شونو الرمال على هيئة منحوتة معمارية لاستكشاف تراثنا الثقافي المفقود.
من جانبه، يقدم الفنان حمود العطاوي في عمله «النمل الأعمى» رؤية للسلوك الجمعي عبر منحوتة لشخص مكبل بصفوف من النمل الأسود، وهو نوع من النمل يتميز بقدرته على تكوين صفوف «عسكرية» بأعداد هائلة، غير أن النظام والانضباط لا يحكمهما عقل، فبمجرد أن تخرج نملة عن الصف يتبعها عدد من النمل، ويفقدوا المسار. الفنان يؤمن بأن «السلوك الجماعي للبشر يجعلهم يميلون للانصياع للجماعة». الفنان سعد الهويدي يقدم عملاً معلقاً في الهواء من قطع ملونة مرتبطة، تنتظم في شكل عشوائي، العمل بعنوان «صهر الذاكرة» استخدم فيه الفنان قطعاً بلاستيكية من ألعاب الطفولة وأغلفة حلوى قديمة، صاغ منها عملاً فنياً يحمل ذكرياته، ويمزج بين الماضي والحاضر.
الفنان علاء الغفيلي، الذي نجد هنا فيلم فيديو له، وهو يتحدث عن عمله المعروض «ركود» والمكون من بطاقات بيضاء بلاستيكية، يقول إنه استنتج من دراسته معلومات عن الفيروس وتوزيعه عدم وجود نمط ثابت لانتشار الفيروس، لكنه وجد نمطاً شبه ثابت للتعامل معه، ويتطرق إلى الجانب الاقتصادي، فيصور انعدام قيمة البطاقة الائتمانية.

- «وسم»... مفهوم الهوية
على نفس الخريطة الافتراضية، أعود بالفأرة للخلف لأبدأ مشاهدة عرض «وسم» الذي يتناول مفهوم الهوية في السعودية والخليج، من خلال الصور والأفلام. نبدأ مع الفنانة السعودية المتميزة لولوة الحمود، التي تقدم لنا تشكيلات بصرية محسوبة بدقة، تتحول لتصير زخارف زجاجية مضاءة لتمثل أسماء الله الحسنى. الحمود عاشقة اللغة وتكويناتها، تعبر عن طريق الأنماط الهندسية عن قوة الكلمات، وتتأمل في طاقتها وتأثيرها.
من جماليات وروحانية اللوحات المضيئة نتجه نحو مساحة عرض لصور فوتوغرافية جميلة وجذابة بصرياً، صور لفتاة في لفتات وأوضاع مختلفة، لا نستطيع في البداية تحديدها، لكن تدريجياً يمكننا تبين الصور، العمل للفنانة ريم الناصر، ويحمل عنوان «الفل»، ما يرمز لعقود الفل التي ترتديها الفتاة في ليلة زفافها. اللقطات المختلفة بألوانها الرشيقة، تجسد لحظات الاستعداد لليلة العرس حيث نرى الفتاة وكأنها تتمايل وترقص، بينما ضفرت عقود الفل مع خصلات شعرها. الفنان بدر البلوي يختار تصوير مشهد مألوف في مدينته بالمنطقة الشرقية، وهي لأكشاك البليلة، وهي أكلة اشتهرت في المدن الساحلية مثل جدة وفي مدن المنطقة الشرقية حيث توجد الأكشاك على طول الكورنيش، تقدم للمشترين أكواباً مملوءة بحبات الحمص المسلوق مع البهارات والخل، هو مشهد شكّل جانباً من الذاكرة البصرية لأجيال متتابعة. وهنا يقوم البلوي بتسجيل وجود هذه الأكشاك، وهي في طريقها للاختفاء.
في صور للفنان الكويتي محمد الكوخي بعنوان «حتى نلتقي في الجنة» نرى أجيالاً مختلفة من عائلة واحدة تجتمع في صور، بعض الأفراد صورهم غائمة، وربما ليسوا أحياء، يجمع الفنان عبر الصور الفوتوغرافية بين أجيال وأحلام، جمعتهم علاقة الماضي بالحاضر.
في عمل مي المعتز من البحرين «الحل هو اللقاء في المنتصف» نرى صوراً لأيدٍ معلقة في الهواء لا تجد من يمسكها من الجانب الآخر. الفنانة السعودية مها الملوح تعرض صوراً من عملها المعروف التي استخدمت فيه تقنية التصوير فوتوغرام لتحكي قصص الأشياء الصغيرة في حياتنا والتي لا تقدر بثمن.
نهاية، نمر على مجموعة من الصور تدمج بين لوحات شهيرة من الفن الأوروبي ومشاهد حياتية حديثة في البحرين. الفنان خالد الجابري يجمع بين لوحات المستشرقين وبين أماكن منسية، أو يدمج بين رسم الفنان الياباني هوكوساي للأمواج الهائجة ويضعها على خلفية من أمواج هادئة على أحد شواطئ البحرين، يرى في ساعات سلفادور دالي السائلة مرادفاً لأشجار يابسة الأفرع.



لغز حفرة بحر الشمال يُحسم: كويكب أشعل تسونامي قبل 46 مليون عام

أثر اصطدام فضائي قديم (غيتي)
أثر اصطدام فضائي قديم (غيتي)
TT

لغز حفرة بحر الشمال يُحسم: كويكب أشعل تسونامي قبل 46 مليون عام

أثر اصطدام فضائي قديم (غيتي)
أثر اصطدام فضائي قديم (غيتي)

نجح بحث جديد، أخيراً، في حسم جدل علمي استمر لسنوات بشأن أصل حفرة غامضة في بحر الشمال؛ إذ أشار إلى ارتطام كويكب ضخم بالمياه قبل ملايين السنوات، مُحدِثاً موجات تسونامي هائلة.

ووجد العلماء أنّ فوهة «سيلفربيت» الواقعة على عمق نحو 700 متر تحت قاع بحر الشمال الجنوبي، وعلى مسافة نحو 80 ميلاً قبالة سواحل مقاطعة يوركشاير البريطانية، تشكّلت نتيجة اصطدام كويكب أو مذنّب بالمنطقة قبل ما بين 43 و46 مليون عام، مما أحدث تسونامي وصل ارتفاعه إلى 330 قدماً (100 متر تقريباً).

ومنذ اكتشاف الجيولوجيين لهذا التكوين عام 2002، أثارت الحفرة أو الفوهة، التي يبلغ عرضها نحو 3 كيلومترات وتحيط بها حلقة من الصدوع الدائرية تمتد لنحو 20 كيلومتراً، نقاشاً علمياً واسعاً حول طبيعتها.

مع ذلك، أفاد الباحثون بأنّ دراستهم الجديدة تمثّل أوضح دليل حتى الآن على أنّ التكوين يُعد واحداً من فوهات الاصطدام النادرة على سطح الأرض، ممّا يضعه في الفئة عينها مع فوهات شهيرة مثل فوهة «تشيكشولوب» في المكسيك، المرتبطة بالانقراض الجماعي للديناصورات.

واستند الفريق إلى نماذج حاسوبية، إضافة إلى تحليل صور زلزالية حديثة وعيّنات جيولوجية مجهرية جُمعت من أعماق قاع البحر.

وقال عالم الرسوبيات في كلية الطاقة وعلوم الأرض والبنية التحتية والمجتمع بجامعة «هيريوت- وات»، الذي قاد فريق البحث، دكتور أوسدين نيكولسون، إنّ صور المسح الزلزالي الحديثة أتاحت للعلماء رؤية غير مسبوقة للفوهة.

وأضاف: «كذلك كشفت عيّنات أُخذت من بئر نفط في المنطقة عن بلورات نادرة من الكوارتز ومعادن الفلسبار المتعرّضَيْن لصدمة شديدة، وُجدت على العمق نفسه لقاع الفوهة».

وأشار إلى أنّ العثور على هذه البلورات كان بمثابة «البحث عن إبرة في كومة قشّ»، لكنه يُشكّل دليلاً حاسماً على صحة فرضية الاصطدام؛ لأن البنية البلورية لهذه المعادن لا يمكن أن تتكوَّن إلا تحت ضغوط صدمية هائلة.

ويشير العلماء إلى أنّ هذه المعادن المجهرية لا تتكوّن إلا في ظل ضغوط هائلة لا تنشأ عادة إلا عند اصطدام الكويكبات بالأرض، وهو ما يعزّز بقوة فرضية وقوع هذا الحدث.

وكانت بحوث سابقة قد رجَّحت أن التكوين الجيولوجي نتج عن ارتطام كويكب فائق السرعة، واستند مؤيّدو هذا الفرض إلى ملامحه البنيوية، من بينها شكله الدائري الواضح، ووجود قمة مركزية تحيط بها صدوع متحدة المركز، وهي سمات تُعد من العلامات المميّزة لفوهات الاصطدام المعروفة.

مع ذلك، طرح علماء آخرون تفسيرات مختلفة، من بينها تحرُّك طبقات الملح الجوفية الذي قد يشوّه الطبقات الصخرية، في حين رأى البعض الآخر أنّ نشاطاً بركانياً ربما يكون قد أدّى إلى انهيار قاع البحر.

وعام 2009، صوَّت جيولوجيون على هذه المسألة، وأوضح تقرير نشرته مجلة «جيوساينتست» آنذاك أنّ غالبية المشاركين رفضوا تفسير اصطدام الكويكب.

مع ذلك، تبدو النتائج الحديثة، التي نقلتها «الإندبندنت» عن مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز»، والمموَّلة من مجلس بحوث البيئة الطبيعية البريطاني، كأنها تقلب تلك القناعة رأساً على عقب.

وقال نيكولسون: «تشير ما لدينا من الأدلة إلى أنّ كويكباً بعرض نحو 160 متراً قد اصطدم بقاع البحر بزاوية منخفضة آتياً من الغرب».

وأضاف: «وخلال دقائق قليلة تشكّلت ستارة من الصخور والمياه بلغ ارتفاعها نحو 1.5 كيلومتر قبل أن تنهار في البحر، مولِّدة تسونامي تجاوز ارتفاعه 100 متر».

وكان الاصطدام قد تسبَّب في انفجار عنيف في قاع البحر، وأطلق أمواجاً هائلة اجتاحت المنطقة.

من جهته، قال البروفيسور غاريث كولينز من «إمبريال كوليدج لندن»، الذي شارك في النقاش العلمي عام 2009 وشارك في الدراسة الجديدة، إن الباحثين «قد عثروا أخيراً على الدليل الحاسم الذي أنهى الجدل».

وأضاف: «كنتُ دائماً أرى أن فرضية الاصطدام هي التفسير الأبسط والأكثر اتساقاً مع الملاحظات». وتابع: «من المثير حقاً أننا وجدنا أخيراً الدليل القاطع. ويمكننا الآن استغلال هذه البيانات الجديدة لفهم كيفية تأثير الاصطدامات في تكوين الكواكب تحت السطح، وهو أمر يصعب دراسته في الكواكب الأخرى».

كذلك أعرب دكتور نيكولسون عن حماسته لمواصلة البحث في تاريخ اصطدامات الكويكبات، قائلاً إنّ فوهة «سيلفربيت» تمثّل مثالاً نادراً ومحفوظاً بشكل استثنائي على فوهة اصطدام فائق السرعة.

وأوضح أن مثل هذه الفوهات نادرة نسبياً؛ لأن الأرض كوكب شديد الديناميكية؛ إذ تعمل حركة الصفائح التكتونية وعمليات التعرية على طمس معظم آثار هذه الأحداث عبر الزمن.

وأضاف أن نحو 200 فوهة اصطدام مؤكدة رُصدت على اليابسة، في حين لم يُكتشف تحت المحيطات سوى نحو 33 فوهة فقط.

وختم بالقول إن «هذه النتائج قد تسهم في تعميق فهم العلماء للدور الذي لعبته اصطدامات الكويكبات في تشكيل تاريخ كوكب الأرض، فضلاً عن المساعدة في استشراف ما قد يحدث مستقبلاً حال وقع اصطدام مماثل».


المغامر «محمد المصري»: كل الإرهاق اختفى لدى وصولي إلى مكة المكرمة

الرحّالة «محمد المصري» بعد وصوله إلى مكة المكرمة (صفحته على «فيسبوك»)
الرحّالة «محمد المصري» بعد وصوله إلى مكة المكرمة (صفحته على «فيسبوك»)
TT

المغامر «محمد المصري»: كل الإرهاق اختفى لدى وصولي إلى مكة المكرمة

الرحّالة «محمد المصري» بعد وصوله إلى مكة المكرمة (صفحته على «فيسبوك»)
الرحّالة «محمد المصري» بعد وصوله إلى مكة المكرمة (صفحته على «فيسبوك»)

استطاع المغامر المصري محمد محمود أبو عجيزة، الشهير باسم «محمد المصري»، أن يحقق إنجازاً جديداً في جولاته بالدراجة الهوائية؛ إذ وصل من القاهرة إلى مكة المكرمة لأداء العمرة على الدراجة.

خاض «محمد المصري» (33 عاماً) المغامرة الجديدة بالسفر إلى مكة المكرمة بعد استعدادات عديدة، وحصوله على التأشيرة، وتجهيز نفسه للرحلة التي استغرقت 31 يوماً، ويحكي عنها قائلاً إنها «رحلة طويلة قضيت فيها 19 يوماً فعلياً على الدراجة الهوائية، وربما شعرت بإرهاق في بعض الأوقات، لكن كل الإرهاق اختفى لدى وصولي إلى مكة المكرمة»، لافتاً إلى أن البعض كان يرى هذه الرحلة مستحيلة، لكنه كان يرى أمراً آخر، وهو أن الإرادة والعزيمة والإصرار على القيام بالرحلة تمهد الطريق لكل شيء، وقال: «كانت لديّ قناعة بأن ربنا قادر يوصلني».

«محمد المصري» هو شاب من قرية ريفية بمركز بسيون بمحافظة الغربية (دلتا مصر)، يعمل في نجارة الموبيليا، وهو حاصل على بكالوريوس الهندسة. «المصري» يعشق ركوب الدراجات، وأصبح من الهواة المعروفين في هذا المجال، وحصل على تكريم من وزير الشباب والرياضة المصري السابق أشرف صبحي.

يضيف لـ«الشرق الأوسط»: «عملي الأصلي نجار موبيليا، والآن رحّالة مصري أقوم برحلات منذ عام 2014، وسافرت إلى كل أنحاء مصر تقريباً، والهدف من السفر هو دعم السياحة، والاستمتاع بالأماكن المختلفة داخل مصر».

الرحّالة «محمد المصري» في إحدى الفعاليات (صفحته على «فيسبوك»)

ويتابع: «الدراجة تجعلني جزءاً من الطبيعة التي أسير فيها، وفي 2013 كونت فريقاً من هواة الدراجات والسفر باسم (نشوف بلدنا بالعجلة)، وهو مسجل في الاتحاد المصري للدراجات، وفي 2023 انطلقت أولى رحلاتي للعمرة، والتي استغرقت نحو 75 يوماً على الدراجة حتى وصلت إلى حدود جازان مع اليمن. وفي عام 2024 قمت برحلة حج من مصر إلى الأردن، ثم إلى تبوك بالسعودية. وفي هذا العام رحلة العمرة التي قمت بها استغرقت 31 يوماً، من بينها 19 يوماً على الطريق بالدراجة، بمسافة 1750 كيلومتراً، بمعدل نحو 228 ساعة على كرسي الدراجة».

وأشار إلى أن أصعب التحديات التي واجهها تكاد تنحصر في السير ليلاً بالدراجة، وتقلبات الطقس في بعض الأحيان، ولكنه في النهاية استطاع أن يحقق ما أراده وخطط له بالإصرار والعزيمة.

وأضاف: «أسعى إلى القيام برحلة حول العالم، ولديّ خطة للسفر بالدراجة إلى تركيا في نهاية العام الحالي، ومن المقرر أن أزور 3 أو 4 دول خلال هذه الرحلة».

وأكد المصري أنه يقوم برحلاته بعد اتخاذ كافة الاستعدادات، من بينها استخراج التأشيرات المطلوبة وحساب التكلفة، ووضع جدول زمني وخطة محكمة للرحلة لا تخلو من عناصر تمكنه من الاستمتاع بالطريق.

خلال الرحلة إلى مكة المكرمة (صفحة «محمد المصري» على «فيسبوك»)

وشرح المغامر المصري تفاصيل تكلفة الرحلة من مصر إلى السعودية، بداية من الحصول على التأشيرة السياحية إلى مستلزمات الطريق والمرور بالعبّارة، ثم استكمال الطريق واستئجار فندق في مكة المكرمة، لتصل التكلفة كلها وفق قوله إلى نحو 30 ألف جنيه (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً مصرياً)، مؤكداً أن أي شاب لديه العزيمة والإصرار يمكن أن يخوض هذه الرحلة وهذه المغامرة ويحقق حلمه بالسفر.

بعد وصول «المصري» إلى مكة المكرمة قوبل بترحاب واهتمام من وسائل إعلام وجهات مختلفة، وأعلن حصوله على موافقات مبدئية لتنظيم رحلة جماعية بالدراجة من مصر إلى السعودية بمشاركة دراجين مصريين، في تجربة رياضية ومغامرة غير مسبوقة.

وهي رحلة «هدفها زيارة المسجد النبوي والحرم المكي لأداء عمرة، وأيضاً بهدف ممارسة الرياضة والمغامرة، وإيصال رسالة أن الإرادة تستطيع أن تصل إلى أبعد مكان»، على حد تعبيره.

ويصف «المصري» فلسفة المغامرة قائلاً: «الترحال ليس رفاهية... الترحال فلسفة حياة، ليس من الضروري أن تقيم في فندق فاخر لتعيش المغامرة، أحياناً قطعة أرض هادئة، وخيمة، وسماء مليئة بالنجوم، تمنحك إحساساً لا يمكن وصفه».


«الدهشة في اليد»... متحف إيطالي يفتح روائعه الرخامية للمكفوفين

اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)
اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)
TT

«الدهشة في اليد»... متحف إيطالي يفتح روائعه الرخامية للمكفوفين

اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)
اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)

يتهيّأ متحف «كنيسة سانسيفيرو» في مدينة نابولي الإيطالية لتقديم تجربة فنّية فريدة لعشرات الزائرين من ضعاف البصر والمكفوفين، عبر إتاحة فرصة نادرة لهم لملامسة أعمال فنّية شهيرة، من بينها تمثال «المسيح المحجَّب» الذي يعدُّه كثيرون أحد أهم روائع النحت في التاريخ.

وذكرت «الغارديان» أنه في 17 مارس (آذار) الحالي، يستضيف المتحف مبادرة بعنوان «الدهشة في متناول اليدّ»، نُظِّمت بالتعاون مع الاتحاد الإيطالي للمكفوفين وضعاف البصر في نابولي، وتتيح لنحو 80 زائراً من المكفوفين وضعاف البصر فرصة التعرُّف من قرب إلى روائع الأعمال الفنية الرخامية المعروضة في الكنيسة.

وسيُرشد الزائرين خلال الجولة مرشدون من ضعاف البصر أيضاً، ضمن برنامج يهدف إلى وضع مفهوم الإتاحة في صميم التجربة المتحفية.

تحفة رخامية يأسر فيها الكفن المنحوت الجسد بواقعية مدهشة (إ.ب.أ)

وخلال الفعالية، ستُزال الحواجز الواقية المحيطة بالتماثيل، بما يسمح للمشاركين، بعد ارتداء قفازات من اللاتكس، باستكشاف السطح الرخامي الدقيق للمنحوتات عبر اللمس، ومن بين تلك الأعمال تمثال «المسيح المحجَّب» الذي نحته جوزيبي سانمارتينو، ويُجسّد السيد المسيح مغطّى بكفن شفاف نُحت من الكتلة الحجرية نفسها. كذلك يشمل المسار اللمسي النقوش البارزة عند قدمَي تمثالَي «العفّة» (لا بوديتشيزيا) و«التحرّر من الوهم» (إل ديزينغانو).

وقالت المرشدة كيارا لوكوفاردي لوكالة الأنباء الإيطالية «أنسا»: «إن الرداء الذي يغطّي المسيح استثنائي حقاً. من الصعب تصوُّر كيف تمكّن سانمارتينو من نحته. إنه لغز عصيّ على التفسير، سواء لمَن يبصرون أو لمَن لا يبصرون. وعندما تلمسه تشعر كأنَّ العروق تنبض تحته».

وانتهى العمل على تمثال «المسيح المحجَّب» عام 1753، ويُعد من أكثر الإنجازات إثارة للدهشة في فنّ الرخام؛ إذ تبدو شفافية الكفن الذي يغطي جسد المسيح واقعية إلى حد أنّ كثيرين لا يزالون يعتقدون أنه نتاج سرّ كيميائي مفقود قادر على تحويل القماش إلى حجر.

وقالت رئيسة متحف كنيسة «سانسيفيرو» ماريا أليساندرا ماسوتشي: «تأتي هذه المبادرة ضمن برنامج أوسع يهدف إلى إنشاء فضاء ثقافي شامل ومتاح للجميع، عبر مسارات وأدوات مُصمَّمة لتلبية الحاجات المختلفة لزائري المتحف».

تجربة حسّية تسمح للمكفوفين باكتشاف فنّ النحت عبر لمس أدق تفاصيل الحجر (إ.ب.أ)

من جهته، قال جوزيبي أمبروسينو من الاتحاد الإيطالي للمكفوفين وضعاف البصر إنّ المشروع يجسّد مبدأ أوسع مفاده أنّ الاستمتاع بالجمال ينبغي أن يكون حقاً إنسانياً عاماً وعالمياً.

وأضاف: «لا ينبغي أن يكون الفنّ امتيازاً مقتصراً على البصر، فمشروعات الإتاحة مثل هذه تُحوّل المتحف إلى فضاء حقيقي للاحتواء والإدماج، وتؤكد أنّ الفن ملك للجميع. وفي هذه الحالة لن يُسمح للزائرين بلمس التمثال الرخامي فحسب، بل سيصبح الجمال نفسه قادراً على التدفُّق عبر الأيدي ليصل مباشرة إلى القلب».