عمرو موسى: أقنعنا صدام حسين بعودة المفتشين الدوليين لكن الولايات المتحدة كانت اتخذت قرار الحرب على العراق

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (3)

قمة شرم الشيخ 2003
قمة شرم الشيخ 2003
TT

عمرو موسى: أقنعنا صدام حسين بعودة المفتشين الدوليين لكن الولايات المتحدة كانت اتخذت قرار الحرب على العراق

قمة شرم الشيخ 2003
قمة شرم الشيخ 2003

في الحلقة الثالثة من الكتاب الجديد للأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى، «سنوات الجامعة العربية» الذي سيصدر قريباً عن «دار الشروق»، تستعرض «الشرق الأوسط» جهود موسى والجامعة العربية في القضية العراقية، التي خصص لها فصلين على مساحة 63 صفحة، تناول الأول جهوده مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في محاولة لتجنيب العراق الضربة الأميركية، فيما خصص الثاني لأحداث «الغزو الأميركي للعراق»، وجهوده في العملية السياسية بعد 2003.
وفي هذه الحلقة من الفصل الأول، يتحدث موسى بتفاصيل دقيقة عن لقائه الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وتلك «النعومة على يدي ذلك الرجل المخيف»، مشيراً إلى أنه تحدث إلى صدام حسين بلهجة جادة قال من حضرها «إنها أعنف لهجة تحدث بها مسؤول عربي إلى صدام حسين». وأوضح أن جهوده والأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي أنان، لم تؤتِ ثمارها لأن الأميركيين كانوا قد اتخذوا قرار الحرب، وأن وزير الخارجية الأميركي حينها كولن بأول، وصف صدام بأنه «مخادع وكذاب»، قائلاً له إن «صدام لحس مخك أنت وأنان».
من أولى القضايا التي فرضت نفسها عليَّ فور أن توليت مهام منصبي أميناً عاماً للجامعة العربية، مسألة توقف المفاوضات بين العراق والأمم المتحدة بخصوص التفتيش على أسلحة الدمار الشامل، والتي كانت الولايات المتحدة الأميركية تزعم أن العراق يمتلك أو يسعى لامتلاك بعضها، خصوصاً الأسلحة النووية.
في أوائل نوفمبر (تشرين الثاني) 2001 كانت زيارتي الأولى للأمم المتحدة بصفتي أميناً عاماً للجامعة العربية؛ لحضور اجتماعات الجمعية العامة بعد أن تأجلت، عن موعدها المقرر في سبتمبر (أيلول) من كل عام، بسبب وقوع هجمات 11-9. تحدثت إلى الأمين العام كوفي أنان، وقلت له: «لا يليق في عهدك والأمم المتحدة تحت رئاستك، ألا يكون هناك مجهود واضح في منع حرب وشيكة على العراق تريدها وتسعى إليها الولايات المتحدة».
قال أنان بتململ: «أحاول جهدي، لكنّ صدام حسين عنيد، وأنت تعرفه أكثر منّي». قلت: «لا بد أن نمنح العراق فرصة للإفلات من الحرب التي تستعد لها واشنطن. سأزور الرئيس العراقي في يناير (كانون الثاني) المقبل. أريد منك رسالة أستطيع أن أنقلها إليه لحلحلة الموقف فيما يخص استئناف عمل المفتشين الدوليين. أنا على ثقة في أنني عندما أقول له في أثناء مباحثاتي معه، إنني قادم ومعي رسالة واضحة من الأمين العام للأمم المتحدة تدعو إلى تحريك الموقف فيما يخص موضوع التفتيش على الأسلحة فإنه سيتعاطى بإيجابية». فوافق أنان.
رتَّبت مع وزير الخارجية العراقي ناجي صبري الحديثي، أمر زيارتي للعراق. هبطت طائرتي في مطار بغداد صباح 18 يناير 2002. وجدتُ الحديثي في استقبالي، وكان من وزراء الخارجية المهنيين الذين أحترمهم، لكن ديكتاتورية صدام وانفراده بالقرار كانت تحدّ بشكل كبير من هوامش المناورة والفعل لديه.
كان اليوم التالي هو موعد لقائي مع صدام. تحرك بي موكب رسمي مهيب من مقر إقامتي في إحدى دور الضيافة التابعة لرئاسة الجمهورية في منطقة «كرادة مريم» الراقية بوسط بغداد، إلى مقر قيادة عسكرية، ومعي من وفد الجامعة العربية: السفير أحمد بن حلي، الأمين العام المساعد للجامعة العربية -رحمه الله- والسفير حسين حسونة رئيس بعثة الجامعة لدى الأمم المتحدة، والسفير هشام بدر، مدير مكتبي.
بمجرد دخولي مقر الوحدة العسكرية، وجدت ذلك الرجل الذي يرافق صدام كظله، والمعروف بشاربه الكثّ والبزّة العسكرية الأنيقة، والمسدس الذي يتدلى من خصره حتى في أثناء الاجتماعات الرسمية مع الرئيس العراقي، وكان ذلك استثناءً نادراً منحه له صدام لثقته الكبيرة فيه.
تقدم إلى الرجل في احترام شديد. قدم لي نفسه قائلاً: «أنا الفريق عبد حمود. تفضل، سأصطحب سيادتك لمقابلة سيادة الرئيس صدام حسين».
قلت: «لا بد من حضور زملائي الثلاثة من وفد الجامعة».
قال: «سيحضرون بسيارة أخرى». ركبت سيارة «تويوتا»، بيج اللون، بجوار عبد حمود، الذي قادها بنفسه إلى المقر الذي سألتقي فيه صدام، والذي قال لي حمود إنه في منطقة «الرضوانية» جنوب غربي بغداد. كان قصراً صغيراً لكنه جميل.
في نهاية طريق مليء بالأشجار وصلنا إلى القصر المنشود. بمجرد دخولي وجدت بن حلي وحسين حسونة وهشام بدر في انتظاري خارج القاعة التي سألتقي فيها صدام.
بمجرد أن دخلت، تحرك الرئيس العراقي من مقعده لاستقبالي. تقابلت أيدينا عند منتصف القاعة تقريباً. صافحته مصافحة اعتنيت ألا يكون فيها قبلات، أردته «سلاماً ناشفاً»، كما نقول في مصر؛ كي أضفي طابع الجدية على جلسة المباحثات التي سأجريها معه. لكن على أي حال، هالتني تلك النعومة التي كانت عليها يد صدام حسين، ذلك الرجل المخيف!
رحب بي صدام: «أهلاً بسيادة الأمين العام... أهلاً بالأخ عمرو» (نطقها بضم الراء)، وراح يشيد بمواقفي القومية. بدأنا اللقاء الذي استغرق نحو ساعتين وخمس عشرة دقيقة.
بعد التحية والسؤال عن الصحة والشكر لكرم الضيافة وبعض الجمل العامة، تحدثت إلى صدام حسين بلهجة جادة قال من حضرها «إنها أعنف لهجة تحدث بها مسؤول عربي إلى صدام حسين».
أعدت على الرئيس العراقي ما قلته لكبار مساعديه قبل لقائي معه -دون الإشارة إلى حديثي معهم طبعاً- من الجمود الذي تبديه وفوده في الجامعة العربية. وعِبتُ عليه تعامله غير الإيجابي مع زيارة خبراء الأمم المتحدة المعنيين بالتفتيش على أسلحة الدمار الشامل في العراق، ونقلت إليه رسالة الأمين العام كوفي أنان في هذا الشأن.
قلت له إن العراق يخسر تعاطف منظمتين كبيرتين، وهو في الحقيقة يحتاج إلى كسبهما في صفه... هل يُعقل يا سيادة الرئيس أن يخسر العراق دعم الجامعة العربية ويفقد ساحة الأمم المتحدة؟
قبل أن يجيب قلت له: اسمح لي يا سيادة الرئيس أن أوجه لك سؤالاً: هل لديك أـسلحة نووية تخشى التفتيش عليها؟
قال: لا يوجد لدى العراق أسلحة نووية وأعلنت ذلك مراراً.
قلت له: اسمح لي يا سيادة الرئيس أن أعيد عليك السؤال مرة أخرى: هل لديك أسلحة نووية تخشى التفتيش عليها؟
قال ويبدو أنه مأخوذ من لهجتي الحادة: لا... لا يوجد لدينا أسلحة نووية.
قلت: إذن لماذا تمانع في حضور المفتشين الدوليين ما دام العراق لا يخشى شيئاً؟
قال: لأن هناك ما نخشاه.
قلت: وما هو؟
قال: كل المفتشين الذين يأتون إلينا عملاء لوكالة المخابرات الأميركية (CIA).
قلت: ماذا لو تأكدنا من أنهم من خارج CIA، أي يعملون لحساب الأمم المتحدة؟ نستطيع أن نشدد على المنظمة الدولية كي ترسل مفتشين على درجة من النزاهة والاستقلالية. ويمكنني تأكيد ذلك من خلال عملية مفاوضات تتم بينكم وبين الأمم المتحدة وبالذات كوفي أنان.
قال لي: أقبل بذلك، وآخذ بكلمتك؛ لأنك رجل عربي محترم.
قلت له: هل تقبل أن أنقل هذا الكلام للأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان؟
قال: نعم أقبل.
- شهادة أحمد بن حلي
أستكمل ما دار في مقابلتي مع صدام من خلال السفير أحمد بن حلي، الذي قال في شهادة مسجلة بصوته لمحرر هذا الكتاب خالد أبو بكر، بعد أن أعطاه صورة من محضر المقابلة (منشور بكامله في الكتاب) ما يلي بالنص الحرفي:
«هذه نسخة من محضر مقابلة الأمين العام السيد عمرو موسى مع الرئيس صدام حسين، مكتوب بخط يدي، الذي أتمنى أن تستطيع قراءته بسهولة. لكنني أود أن ألفت انتباهك بأننا في كتابة محاضر الاجتماعات لا نسرد كل التفاصيل، ونكتبها بطريقة حرفية معينة. دعني أقص عليك بعضاً من هذه التفاصيل التي لن تجدها بالمحضر فيما يلي:
عندما دخلنا إلى الاجتماع مع الرئيس صدام بدأ عمرو موسي بتلطيف الجو بعدم البدء بالموضوعات الخلافية. كان صدام يعيش في هيلمان وأبهة ويتكلم بنوع من الفخامة. شعرت عند بدء اللقاء أنه لا يعرف عمرو موسى عن قرب، ربما التقاه مرة أو مرتين عندما كان وزيراً للخارجية (المصرية)، لكنه لا يعرفه حق المعرفة.
بعد التقديم بالقضايا العامة دخلنا للموضوع المهم، وهو إقناع الرئيس صدام بالتجاوب مع قرار صادر عن القمة العربية خاص بتعامل العراق مع المراقبين والمفتشين الدوليين (على أسلحة الدمار الشامل)، والعراق كان متحفظاً على القرار.
كما كان عمرو موسى يريد أن يتعامل العراق بأقصى حد من التعاون دون إثارة المشاكل مع الأمم المتحدة؛ لتفويت الفرصة على المساعي الأميركية لضربه. كان الأمين العام يريد من صدام اتخاذ قرارات تجنب العراق ضربة عسكرية يراها وشيكة، ويريد إقناع الرئيس صدام بأن العراق مقبل بالفعل على هذه الضربة التي ستقضي على العراق كله، وهذه رسالة قوية بدأ عمرو موسى يشرحها.
راح الرئيس صدام يخفف من هول ما يتعرض له العراق بقوله: إحنا صامدين ومهما كان لن يموت العراق.
عندما سمع موسى هذا الكلام شعرت أنه فقد صبره، ووجدته يرد بغضب شديد بلهجته المصرية على صدام: اسمع بقى يا سيادة الرئيس... التنظير لن ينفع العراق ولن ينفعك بكل صراحة. أنا بقولك العراق معرض لضربة قاصمة من الولايات المتحدة، القوة الكبرى الأولى في العالم... هل أنت واعٍ بأن بلدك معرض لهذا الخطر الداهم؟
هل أنت واعٍ لمسؤوليتك في تجنيب العراق هذه الويلات؟
قال ذلك عمرو موسى بنبرة بدت وكأنها صرخة في وجه صدام حسين.
حاول صدام مقاطعته قائلاً: يا دكتور عمرو.
باغته موسى غاضباً: أنا مش دكتور، بقولك يا سيادة الرئيس: العراق في خطر، استجب لما نطرحه عليك من إجراءات تعيد تواصل العراق مع الأمم المتحدة ومع أشقائه في الجامعة العربية.
شعرت بأن الرئيس صدام كان في غيبوبة؛ فاكتشف الوضع الخطير بكلام عمرو موسى الذي قال له بوضوح: إن العالم تغيّر، وإنه لا الأوروبيون ولا الروس سيساعدونك، ومصير الشعب العراقي في يدك.
وبدأ صدام يصغي بالفعل لطرح عمرو موسى، وعندما وصل الحديث للفنّيات الخاصة بالتفتيش على الأسلحة أعطاني عمرو موسى الكلمة، وكان معنا السفير حسين حسونة والسفير هشام بدر.
بدأ صدام يستوعب. وفي الأخير قال لعمرو موسى: أنا أفوّضك لتتكلم باسم العراق، واذهب إلى سكرتير عام الأمم المتحدة وقل له سنتعاون معه.
شعرت وكأن الرئيس العراقي اكتشف عمرو موسى؛ لأنه تحدث معه بلغة لم يعتد عليها صدام، لغة فيها صراحة وتحميل مسؤولية، وفي آخر المطاف قال له: أنا مفوضك للتحدث باسم العراق، وقال له: اتصل بأميركا وكوفي أنان. وفعلاً أجرى عمرو موسى اتصالاته، لكن للأسف كان يبدو أن قرار الحرب قد اتُّخذ.
وربما هذا اللقاء التاريخي بين موسى وصدام لو كان قبل هذا التاريخ -أنا أقول لك بكل أمانة- كنا جنّبنا العراق هذه المأساة وهذه الحرب ضده من الولايات المتحدة».
- إبلاغ العرب وأنان بنتائج الزيارة
في اليوم التالي لوصولي القاهرة قادماً من بغداد عقدتُ اجتماعاً للجامعة العربية على مستوى المندوبين الدائمين لإبلاغهم بنتائج زيارتي للعراق ومباحثاتي مع صدام حسين، وتم ذلك مساء 20 يناير 2002. اتصلت في اليوم نفسه بالقصر الملكي في الأردن طالباً موعداً عاجلاً للقاء الملك عبد الله، بصفته رئيس القمة العربية، لتقديم تقرير عن مباحثاتي مع صدام حسين. وكذلك اتصلت تلفونياً بالرئيس مبارك، ثم بوزير الخارجية أحمد ماهر السيد، وبالأمير سعود الفيصل.
صبيحة اليوم التالي أجريت اتصالاً هاتفياً مع الشيخ صباح الأحمد، النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي، أمير الكويت فيما بعد، لإطلاعه على ملخص ما اتفقت عليه مع صدام حسين فيما يخص مسألة الأسرى والمفقودين الكويتيين منذ الغزو العراقي للكويت سنة 1990، واتفقنا خلال الاتصال على أن أقوم بزيارة سريعة للكويت في 22 يناير 2002.
ذهبت إلى الكويت، والتقيت الشيخ صباح الأحمد، وعدداً من المسؤولين. كان الجو العام يقول إن الإخوة في الكويت غير مرتاحين لزيارتي للعراق. وكانت وجهة نظري التي شرحتها لهم: إنه مهما يكن غضبنا مما حدث في سنة 1990 فالعراق بلد عربي عضو في الجامعة العربية، وهو طرف رئيس في واحدة من أكثر الأزمات العربية خطورة بعد عدوانه على الكويت، ويهم الجامعة العربية أن تضع نهاية عربية مقبولة لهذا الوضع المهدِّد لاستقرار العالم العربي، وأن تضمن عدم تكراره. وفي نفس الوقت جئت إليكم لأطلعكم على ما دار خلال الزيارة، وما توصلت إليه بشأن موضوع الأسرى والمفقودين الكويتيين.
والحقيقة أنني كنت مقدراً لحالة الغضب الكبير الذي يشعر به الكويتيون بعد ما حصل من صدام حيالهم، وأفهم تخوفهم من دورٍ للجامعة العربية يتم خارج إطار التفاهمات الدولية عالية المستوى إزاء عراق صدام حسين وسياساته في المنطقة، لكنهم ظلوا على غضبهم لفترة امتنعوا فيها عن دفع حصتهم السنوية في ميزانية الجامعة العربية، إلى أن وجدوا –على ما أعتقد- أن الجامعة تتطور، وأن أمانتها العامة وأمينها العام يقومون بجهد ملموس في مختلف القضايا العربية، فتماهوا مع الجامعة؛ لأن الكويت بلد يحب الجدية في العمل؛ ولذلك سريعاً، قدّروا ما نقوم به من جهد في خدمة العمل العربي المشترك.
كنت فور عودتي من بغداد قد تحدثت تليفونياً إلى كوفي أنان. قلت له: لقد زرتُ العراق والتقيت صدام حسين، وأنا قادم إلى نيويورك لحضور «المنتدى الاقتصادي العالمي» (دافوس) الذي يُعقد استثنائياً هذه السنة في نيويورك بين 31 يناير و4 فبراير (شباط) 2002، للتضامن مع الولايات المتحدة ومدينة نيويورك بعدما حدث في 11-9.
قال أنان: «لن أنتظر وصولك إلى نيويورك. أريد أن أعرف ما دار بينك وبين صدام. اسمع يا عمرو، أنا في استوكهولم اليوم وسأكون غداً في النمسا، أرجوك دعنا نلتقي في فيينا في طريقك إلى نيويورك». التقينا بالفعل في العاصمة النمساوية أواخر يناير، وعرضت عليه ما توصلت إليه مع صدام حسين بشأن موافقته على عودة المفتشين الدوليين للتفتيش على أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة.
في نهاية اللقاء سألت أنان عن خطوات الأمم المتحدة إزاء انفتاح صدام على عودة المفتشين.
قال: لنتمهل قليلاً.
فهمت أنه كان يريد أن يتشاور مع الأميركيين.
وهنا قررت أن أتشاور أيضاً مع الأميركيين بشأن المسألة العراقية. من فيينا تحدثت تليفونياً إلى كولن باول، وزير الخارجية. قلت له: لقد زرت العراق خلال الأيام القليلة الماضية، وقادم إلى نيويورك لحضور منتدى دافوس، وأريد أن أقابلك.
قال: نلتقي صباح الثاني من فبراير، ولنشرب القهوة معاً في مقري بنيويورك ولتكن في الساعة 11 صباحاً.
بعد وصولي إلى نيويورك تحدثت إلى أنان فقلت له: سألتقي باول.
قال: أعلم ذلك.
سألته: متى نلتقي؟
قال: بعد لقائك مع باول.
جاء موعد اجتماعي مع وزير الخارجية الأميركي. بعد الترحيب وجدته يستبق الحديث بقوله: صدام حسين ضحك عليك كما ضحك على كوفي أنان. سترى أنت وأنان كيف أن صدام «نصاب وكذاب».
قلت له: اسمع لما دار بيني وبين الرئيس العراقي أولاً. وعرضت عليه ما توصلت إليه مع صدام. وفي النهاية قلت له: إذا كنت تريد إرسال مفتشين إلى العراق فلترسل فوراً، عبر مفاوضات بين أنان وصدام، وأن تتعامل المفاوضات مع شكوك صدام من أن بعض المفتشين ينتمون إلى جهاز المخابرات المركزية الأميركية (CIA).
ضحك باول وعقّب بقوله: غسل مخكم صدام حسين أنت وأنان!
وأضاف: «لا أنت ولا كوفي ستستطيعان إنجاز شيء». كان يقول ذلك جازماً. (لأن قرار ضرب العراق كان قد تم اتخاذه والتحضير له كان على قدم وساق من الإدارة الأميركية). وإن كان في الواقع لم يرفض اقتراحي بالتفاوض بين العراق والأمم المتحدة بشأن عودة التفتيش.
جاء موعد لقائي مع كوفي أنان يوم 4 فبراير. ذهبت إليه فوجدته يجهز لي مفاجأة، وهي وجود هانز بليكس، رئيس هيئة المفتشين التابعين لمجلس الأمن. في نهاية اللقاء، وافق الأمين العام للأمم المتحدة على أن يقدم دعوة إلى الحكومة العراقية لاستئناف الحوار، وجرى تحديد 7 مارس (آذار) 2002 لعقد الجلسة الأولى في هذا الشأن.
لم تمضِ الأمور على ما يرام، لم تكن الولايات المتحدة مستعدة للتراجع عن سياستها تجاه العراق؛ فسرعان ما تعثرت المفاوضات بين العراق والأمم المتحدة.
(توجد بالكتاب تفاصيل محاولات الأمين العام إنقاذ المفاوضات المتعثرة في سبتمبر 2002، بحضور وزير خارجية العراق، بالتوازي مع اتصالاته التي لم تنقطع بطارق عزيز في بغداد من مكتب كوفي أنان، إلى أن نجح في نهاية المطاف في إعادة المفاوضات بين الأمم المتحدة والعراق، وصرح أنان لوسائل الإعلام بعدها بأنه بناءً على الجهود المشتركة بين السكرتير العام للأمم المتحدة والأمين العام للجامعة العربية توصلنا إلى اتفاق بعودة المفتشين).
باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
TT

الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)

شهدت خمس محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تعطيل عدد من المشاريع الخدمية الحيوية، في تطور وصفته مصادر حقوقية بأنه سعي من الجماعة الانقلابية لمفاقمة المعاناة الإنسانية والضغوط المعيشية على ملايين السكان.

وشملت عمليات الإيقاف والتعطيل مشاريع مياه وطرق رئيسية كانت تمثل شريان حياة لآلاف الأسر اليمنية، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر.

وتشير إفادات محلية إلى أن مشاريع عدة وصلت إلى مراحل متقدمة من التنفيذ بجهود مجتمعية وتمويلات محلية أو خيرية، قبل أن تتوقف بصورة مفاجئة نتيجة تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من قبل مشرفين تابعين للجماعة الحوثية، الأمر الذي تسبب في حرمان آلاف المواطنين من خدمات حيوية، وفي مقدمتها مياه الشرب ووسائل التنقل الآمنة.

ويرى مراقبون أن تعطيل هذه المشاريع يأتي في توقيت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل تدهور الاقتصاد وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي توقف في الخدمات الأساسية عاملاً مضاعفاً لمعاناة السكان.

نساء وأطفال في محافظة حجة يتدافعون للحصول على مياه للشرب تبرع بها فاعلو خير (فيسبوك)

في هذا السياق، تحولت أزمة المياه في محافظة عمران (50 كيلومتراً شمال صنعاء) إلى محور احتجاجات شعبية متواصلة في قرية ضحيان التابعة لمديرية خارف، حيث خرج السكان في مظاهرات غاضبة تنديداً بتعطيل مشروع مياه عمومي يخدم نحو ثلاثة آلاف نسمة. ورفع المحتجون لافتات تطالب بإعادة تشغيل المشروع ومحاسبة المتسببين في تعطيله، مؤكدين أن انقطاع المياه حوّل حياتهم اليومية إلى معاناة مستمرة.

وبحسب شهادات محلية، فإن المشروع توقف منذ أشهر طويلة نتيجة صراع بين مشرفين حوثيين على الإيرادات المالية الخاصة به، بعد اتهامات متبادلة بنهب العائدات وتحويلها لمصالح شخصية. وأدى ذلك الخلاف إلى توقف كامل للخدمة، تاركاً السكان دون مصدر منتظم لمياه الشرب.

ويؤكد أحد أبناء المنطقة (تحدث باسم مستعار) أن تجاهل مطالب الأهالي يعكس حجم الإهمال الذي تعانيه المناطق الريفية، محذراً من تداعيات صحية خطيرة مع استمرار انقطاع المياه، خصوصاً في ظل غياب البدائل وارتفاع أسعار نقل المياه من مناطق بعيدة.

وتشير مصادر حقوقية إلى أن أزمة المياه في عمران نموذج متكرر لواقع الخدمات في مناطق عدة، حيث تتحول المشاريع العامة إلى أدوات نفوذ وصراع، بدلاً من كونها وسائل لتحسين حياة السكان.

ابتزاز وتعطيل في إب

في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) أفادت مصادر محلية بتوقف مشروع مياه يخدم عشرات القرى في مديرية العدين غرب المحافظة، بعد ضغوط وعمليات ابتزاز تعرض لها القائمون على المشروع من قبل نافذين حوثيين. ويخدم المشروع سكان نحو خمسين قرية في عزلة «بني هات»، وكان يوفر المياه بأسعار منخفضة تتناسب مع الظروف الاقتصادية المتدهورة للأهالي.

وأوضحت المصادر أن القائمين على المشروع رفضوا دفع إتاوات مالية مفروضة عليهم، الأمر الذي أدى إلى إيقاف المشروع منذ مطلع الشهر الحالي. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه السكان أصلاً من نقص مزمن في الخدمات الحكومية، ما جعل المشروع يمثل شرياناً أساسياً للحياة اليومية.

الحوثيون يستهدفون بالطيران المسيّر معدات لشق طريق للسكان جنوب تعز (إكس)

ويقول سكان محليون إن توقف المشروع أجبر كثيراً من الأسر على شراء المياه بأسعار مرتفعة، ما استنزف دخولهم المحدودة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل والوقود. كما حذر ناشطون من أن استمرار تعطيل المشاريع المجتمعية قد يدفع المبادرات المحلية إلى التراجع خوفاً من الضغوط أو الخسائر.

ويرى مراقبون أن فرض الإتاوات على المشاريع الخدمية يهدد بوقف المبادرات التنموية القائمة على الجهود المجتمعية، والتي أصبحت تمثل بديلاً شبه وحيد لتعويض غياب المؤسسات الحكومية الفاعلة.

استهداف الطرق

في محافظة تعز (جنوب غربي) توقفت أعمال شق طريق حيوي في مديرية سامع جنوب المدينة عقب استهداف معدة هندسية بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى توقف كامل للمشروع الذي كان من المنتظر أن يسهم في ربط عدد من القرى المعزولة وتسهيل حركة السكان والبضائع.

وأثار الحادث موجة استياء واسعة بين الأهالي، الذين رأوا أن استهداف المشاريع الخدمية يمثل تهديداً مباشراً لحياتهم اليومية، مطالبين بتوفير حماية للمبادرات التنموية وضمان عدم تعرضها لأي أعمال عسكرية أو استهداف مباشر.

أما في محافظتَي ريمة وحجة (جنوب غربي وشمال غربي)، فقد اتهم مواطنون وناشطون الجماعة الحوثية بعرقلة مشاريع مياه وصيانة طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في تفاقم عزلة القرى الجبلية وارتفاع تكاليف التنقل والحصول على المياه. ويعاني أكثر من 120 ألف نسمة في حجة من شح حاد في مياه الشرب، في حين يواجه سكان ريمة صعوبات يومية بسبب تهالك الطرق ووعورة التضاريس.

جانب من احتجاجات سابقة أمام مبنى محافظة عمران الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأجبر تدهور الطرق كثيراً من المرضى على قطع مسافات طويلة للوصول إلى المرافق الصحية، كما عاق وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق نائية، ما فاقم الوضع الإنساني والصحي للسكان.

ويؤكد محللون أن تعطيل مشاريع المياه والطرق لا يقتصر أثره على الخدمات المباشرة فحسب، بل يمتد ليؤثر على قطاعات الصحة والتعليم والتجارة، ويعمق حالة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

وفي ظل هذه التطورات، دعا ناشطون ووجهاء محليون إلى تحييد المشاريع الخدمية عن الصراعات السياسية والعسكرية، والسماح باستكمالها باعتبارها ضرورة إنسانية مُلحّة.


«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
TT

«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)

على خلفية محاولة عناصر موالية لما كان يُعرف بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» اقتحام القصر الرئاسي في عدن، شدد مجلس القيادة الرئاسي اليمني على أنه لن يسمح بحدوث فوضى في المدينة أو في سائر المحافظات الجنوبية، متهماً قوى إقليمية بالضلوع في تحركات مشبوهة لزعزعة الاستقرار وتقويض وحدة الصف.

وقال مصدر مسؤول في رئاسة مجلس القيادة، إن قيادة الدولة تابعت بأسف بالغ ما أقدمت عليه عناصر خارجة عن النظام والقانون من أعمال تحريض، وحشد مسلح ومحاولات متكررة للاعتداء على مؤسسات الدولة في العاصمة المؤقتة عدن، وما نجم عنها من سقوط ضحايا غداة انعقاد أول اجتماع للحكومة الجديدة التي شرعت في تحديد أولوياتها للنهوض بأوضاع المحافظات المحررة، وتحسين الخدمات، وتعزيز سُبل العيش الكريم للمواطنين.

وأوضح المصدر أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع هذا التصعيد غير المسؤول بأقصى درجات ضبط النفس، وعملت على تفريق التجمعات التي حاولت قطع الطرقات وإثارة الشغب، واستهداف قوات الأمن بينما كانت تقوم بواجباتها الوطنية في حماية المنشآت السيادية وحفظ الأمن العام، وفقاً للقانون.

قوات الأمن تواجه أنصار «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل خلال اشتباكات أمام القصر الرئاسي في عدن (أ.ب)

وأعرب المصدر عن بالغ الأسف لسقوط ضحايا جرّاء هذا التصعيد المنظم، مؤكداً أن الجهات التي قامت بالتمويل، والتسليح، والتحريض، ودفع عسكريين بزي مدني إلى المواجهة مع قوات الأمن، تتحمل كامل المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية عن إراقة مزيد من دماء اليمنيين، والمقامرة بأمن العاصمة المؤقتة، ومصالح أبنائها.

وأكد المصدر الرئاسي أن قيادة الدولة، مع احترامها الكامل لحق التعبير السلمي المكفول دستورياً، تُشدد على أن أي اعتداء على مؤسساتها الوطنية أو تعطيل لعملها، أو استخدام الشارع وسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية غير مشروعة، يُعد مساساً بالشرعية الدستورية ومصالح المواطنين، وسيُواجه بحزم، ولن يُسمح بتكراره تحت أي ظرف.

رسالة حاسمة

وأشار المصدر في مجلس القيادة الرئاسي اليمني إلى أن انعقاد الحكومة الجديدة في العاصمة المؤقتة عدن، يمثل رسالة حاسمة على مضي الدولة في استعادة انتظام جميع مؤسساتها من الداخل، وتكريس نموذج الاستقرار، والبناء على جهود السعودية في تطبيع الأوضاع، وتحسين الخدمات العامة، والشروع في حزمة مشروعات إنمائية سريعة الأثر، بما يؤسس لمرحلة واعدة في حياة المواطنين.

وأكد المصدر أن التوقيت المتزامن لهذا التصعيد مع التحسن الملموس في الخدمات، والتحضيرات الجارية للمؤتمر الجنوبي برعاية السعودية، يُثير تساؤلات جدية حول الدور المشبوه لبعض القوى الإقليمية التي تسعى لإعادة إنتاج الفوضى وتعطيل أي مساعٍ لتوحيد الصف الوطني في مواجهة التهديد الوجودي المتمثل في الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني.

الحكومة اليمنية الجديدة عقدت أول اجتماع لها في عدن (إكس)

وشدد المصدر على أن الدولة لن تسمح بتحويل عدن والمحافظات الجنوبية إلى ساحة للفوضى، وتنفيذ مشروعات إقليمية مشبوهة، وأنها ماضية، بدعم من السعودية، في حماية مواطنيها ومصالحهم العليا، وردع أي أنشطة تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار أو تعطيل مسار البناء وإعادة الإعمار، واستعادة مؤسسات الدولة.

كما دعا المصدر الرئاسي المواطنين في عدن وبقية المحافظات المحررة إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية لحماية المكتسبات المتحققة، وعدم الانجرار وراء دعوات الفوضى الصادرة عن عناصر فارين من وجه العدالة وكياناتها المنحلة المدعومة من الخارج، في إشارة إلى ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي».

واختتم المصدر الرئاسي تصريحه بالقول: «إن مستقبل الجنوب لن يُبنى بالاعتداء على مؤسسات الدولة أو تعطيلها، بل بإعادة إعمارها، وتحسين خدماتها، والمشاركة الواعية والمسؤولة في الحوار الجنوبي المرتقب».


خلايا «الانتقالي» المنحلّ تختبر صبر حكومة الزنداني

من أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني في القصر الرئاسي بمدينة عدن (إكس)
من أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني في القصر الرئاسي بمدينة عدن (إكس)
TT

خلايا «الانتقالي» المنحلّ تختبر صبر حكومة الزنداني

من أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني في القصر الرئاسي بمدينة عدن (إكس)
من أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني في القصر الرئاسي بمدينة عدن (إكس)

شهدت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن تطورات أمنية مقلقة بالتزامن مع بدء الحكومة الجديدة برئاسة شائع الزنداني مباشرة مهامها من داخل البلاد، في خطوة تهدف إلى إعادة تفعيل مؤسسات الدولة وتحسين الخدمات وتعزيز الاستقرار.

غير أن هذه التحركات الحكومية ترافقت مع تصعيد ميداني نفذته عناصر موالية لما كان يعرف بالمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في محاولة رأى فيها مراقبون اختباراً مبكراً لقدرة الحكومة على فرض الأمن وحماية المؤسسات السيادية.

وبحسب مصادر أمنية، فقد حاول موالون لـ«الانتقالي» المنحل مساء الخميس اقتحام القصر الرئاسي في منطقة معاشيق، حيث مقر إقامة الحكومة، واعتدوا على أفراد الحراسة، ما أدى إلى سقوط عدد من الجرحى خلال اشتباكات تخللها إطلاق نار كثيف، في حادثة أثارت مخاوف من مساعٍ منظمة لإرباك المشهد الأمني وإعاقة انطلاقة العمل الحكومي.

وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه الحكومة اليمنية الجديدة بدعم سعودي واسع إلى ترسيخ حضورها الميداني وإعادة الثقة بين الدولة والمواطنين، بعد مرحلة طويلة من التوترات السياسية والانقسامات التي انعكست سلباً على الاستقرار والخدمات العامة.

عناصر «الانتقالي» في عدن يتبنون خطاباً تحريضياً عقب هروب زعيمهم الزبيدي (إكس)

وتعليقاً على هذا التصعيد، أوضحت اللجنة الأمنية في عدن، عبر بيان رسمي، أن الأحداث الأخيرة لم تكن مجرد احتجاجات عفوية، بل جاءت نتيجة دعوات تحريضية وتصعيد ممنهج استهدف عرقلة عمل الحكومة وإثارة الفوضى.

وأكد البيان أن مجاميع مسلحة احتشدت صباح الخميس أمام بوابة قصر معاشيق، وقطعت الطرقات وأثارت أعمال شغب واعتدت على رجال الأمن والممتلكات العامة.

وأشار البيان إلى أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع تلك التطورات بدرجة عالية من ضبط النفس، وتمكنت من تفريق التجمعات دون وقوع إصابات في المرحلة الأولى، في محاولة لتجنب التصعيد والحفاظ على السكينة العامة.

غير أن التطورات عادت للتصاعد مساء اليوم ذاته، حين تجمعت عناصر وصفتها اللجنة بأنها «محرضة على الفوضى» وحاولت التسلل لتنفيذ أعمال تخريبية واستهداف المنشآت السيادية.

موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ خلال مظاهرة سابقة في عدن (أ.ب)

ومع إصرار تلك العناصر على تجاوز الخطوط الحمراء، بما في ذلك محاولة اقتحام البوابة الخارجية للقصر الرئاسي والاعتداء على القوات الأمنية، اضطرت الأجهزة المختصة إلى التدخل وفق القوانين النافذة لحماية المؤسسات الحكومية. وفق ما جاء في البيان.

وأكدت اللجنة الأمنية أن ما جرى يمثل اعتداءً منظماً أُعدّ له مسبقاً، مشددة على أن حماية المنشآت السيادية تمثل مسؤولية لا يمكن التهاون فيها، خصوصاً في ظل الظروف السياسية والأمنية الحساسة التي تمر بها البلاد.

«يد من حديد»

في لهجة حازمة، توعدت اللجنة الأمنية في عدن كل من يسعى للعبث بأمن عدن باتخاذ إجراءات صارمة، مؤكدة أنها «ستضرب بيد من حديد» كل من يثبت تورطه في أعمال الفوضى أو التحريض أو الاعتداء على القوات الأمنية.

وكشفت اللجنة عن بدء لجان تحقيق عملها بالفعل لتحديد المسؤولين عن الأحداث، موضحة أنه تم التعرف على عدد من العناصر المحرضة، وأن أسماء المتورطين ستعلن تباعاً تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم وفق الأنظمة النافذة.

جندي من قوات حماية المنشآت الحكومية يقف حارساً عند نقطة تفتيش في عدن (أ.ب)

وفي الوقت ذاته، شددت اللجنة على أن الحق في التعبير السلمي مكفول دستورياً وتحترمه الدولة، لكنها أكدت أن هذا الحق مشروط بالالتزام بالقانون وعدم الإضرار بالأمن أو الممتلكات العامة والخاصة.

كما دعت الأسر والمواطنين إلى تحمل مسؤولياتهم المجتمعية، وحث أبنائهم على عدم الانجرار وراء دعوات وصفتها بالمشبوهة تقف خلفها جهات مدعومة من الخارج تسعى إلى زعزعة الاستقرار وتعطيل مسار البناء الذي تطمح إليه العاصمة وسكانها.

ويرى مراقبون أن هذا الخطاب يعكس تحولاً واضحاً نحو تبني سياسة أمنية أكثر حزماً، تهدف إلى تثبيت سلطة الدولة ومنع تكرار سيناريوهات الفوضى التي شهدتها المدينة خلال السنوات الماضية.

رسائل رئاسية

تزامنت التطورات الأمنية مع مواقف سياسية رئاسية شددت على أهمية استقرار عدن باعتباره شرطاً أساسياً لنجاح الحكومة الجديدة. فقد أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي أن استقرار العاصمة المؤقتة يمثل الركيزة الأساسية لاستكمال معركة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران.

وخلال اجتماع حكومي عقد في قصر معاشيق، شدد الصبيحي على ضرورة التحلي بأعلى درجات اليقظة لمنع أي محاولات تستهدف إقلاق السكينة العامة أو تقويض مؤسسات الدولة، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب حضوراً حكومياً فاعلاً إلى جانب المواطنين ومعالجة همومهم بشكل مباشر.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي (يمين) إلى جوار رئيس الحكومة الزنداني (إكس)

كما دعا الوزارات والجهات الخدمية إلى العمل الميداني وتخفيف معاناة السكان، مشيراً إلى أن نجاح الحكومة لن يقاس بالتصريحات، بل بقدرتها على تحسين الخدمات الأساسية وتعزيز الاستقرار المعيشي.

من جانبه، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي أن أمن عدن واستقرارها يمثلان أولوية لا تقبل المساومة، مشدداً على رفض أي محاولات لجر المدينة إلى صراعات أو فوضى سياسية. وأبدى دعمه الكامل للحكومة الجديدة، داعياً إلى التكاتف ونبذ الإشاعات وتعزيز المسؤولية الوطنية لحماية مؤسسات الدولة.

وأشار المحرمي إلى أهمية الحوار الجنوبي ـ الجنوبي برعاية سعودية، معتبراً إياه فرصة تاريخية لتوحيد الصف ومعالجة الخلافات السياسية بعيداً عن التصعيد الأمني الذي يضر بحياة المواطنين.

تأتي هذه الأحداث بعد إعلان مجلس القيادة الرئاسي تشكيل حكومة جديدة برئاسة شائع الزنداني، عقب تطورات سياسية متسارعة خلال الشهرين الماضيين، شملت إعادة تشكيل التوازنات داخل المجلس عقب فشل تمرد عضو المجلس عيدروس الزبيدي وهروبه إلى أبوظبي وتعيين الفريق محمود الصبيحي وسالم الخنبشي عضوين في المجلس، وكذا إسقاط عضوية فرج البحسني.