عمرو موسى: أقنعنا صدام حسين بعودة المفتشين الدوليين لكن الولايات المتحدة كانت اتخذت قرار الحرب على العراق

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (3)

قمة شرم الشيخ 2003
قمة شرم الشيخ 2003
TT

عمرو موسى: أقنعنا صدام حسين بعودة المفتشين الدوليين لكن الولايات المتحدة كانت اتخذت قرار الحرب على العراق

قمة شرم الشيخ 2003
قمة شرم الشيخ 2003

في الحلقة الثالثة من الكتاب الجديد للأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى، «سنوات الجامعة العربية» الذي سيصدر قريباً عن «دار الشروق»، تستعرض «الشرق الأوسط» جهود موسى والجامعة العربية في القضية العراقية، التي خصص لها فصلين على مساحة 63 صفحة، تناول الأول جهوده مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في محاولة لتجنيب العراق الضربة الأميركية، فيما خصص الثاني لأحداث «الغزو الأميركي للعراق»، وجهوده في العملية السياسية بعد 2003.
وفي هذه الحلقة من الفصل الأول، يتحدث موسى بتفاصيل دقيقة عن لقائه الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وتلك «النعومة على يدي ذلك الرجل المخيف»، مشيراً إلى أنه تحدث إلى صدام حسين بلهجة جادة قال من حضرها «إنها أعنف لهجة تحدث بها مسؤول عربي إلى صدام حسين». وأوضح أن جهوده والأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي أنان، لم تؤتِ ثمارها لأن الأميركيين كانوا قد اتخذوا قرار الحرب، وأن وزير الخارجية الأميركي حينها كولن بأول، وصف صدام بأنه «مخادع وكذاب»، قائلاً له إن «صدام لحس مخك أنت وأنان».
من أولى القضايا التي فرضت نفسها عليَّ فور أن توليت مهام منصبي أميناً عاماً للجامعة العربية، مسألة توقف المفاوضات بين العراق والأمم المتحدة بخصوص التفتيش على أسلحة الدمار الشامل، والتي كانت الولايات المتحدة الأميركية تزعم أن العراق يمتلك أو يسعى لامتلاك بعضها، خصوصاً الأسلحة النووية.
في أوائل نوفمبر (تشرين الثاني) 2001 كانت زيارتي الأولى للأمم المتحدة بصفتي أميناً عاماً للجامعة العربية؛ لحضور اجتماعات الجمعية العامة بعد أن تأجلت، عن موعدها المقرر في سبتمبر (أيلول) من كل عام، بسبب وقوع هجمات 11-9. تحدثت إلى الأمين العام كوفي أنان، وقلت له: «لا يليق في عهدك والأمم المتحدة تحت رئاستك، ألا يكون هناك مجهود واضح في منع حرب وشيكة على العراق تريدها وتسعى إليها الولايات المتحدة».
قال أنان بتململ: «أحاول جهدي، لكنّ صدام حسين عنيد، وأنت تعرفه أكثر منّي». قلت: «لا بد أن نمنح العراق فرصة للإفلات من الحرب التي تستعد لها واشنطن. سأزور الرئيس العراقي في يناير (كانون الثاني) المقبل. أريد منك رسالة أستطيع أن أنقلها إليه لحلحلة الموقف فيما يخص استئناف عمل المفتشين الدوليين. أنا على ثقة في أنني عندما أقول له في أثناء مباحثاتي معه، إنني قادم ومعي رسالة واضحة من الأمين العام للأمم المتحدة تدعو إلى تحريك الموقف فيما يخص موضوع التفتيش على الأسلحة فإنه سيتعاطى بإيجابية». فوافق أنان.
رتَّبت مع وزير الخارجية العراقي ناجي صبري الحديثي، أمر زيارتي للعراق. هبطت طائرتي في مطار بغداد صباح 18 يناير 2002. وجدتُ الحديثي في استقبالي، وكان من وزراء الخارجية المهنيين الذين أحترمهم، لكن ديكتاتورية صدام وانفراده بالقرار كانت تحدّ بشكل كبير من هوامش المناورة والفعل لديه.
كان اليوم التالي هو موعد لقائي مع صدام. تحرك بي موكب رسمي مهيب من مقر إقامتي في إحدى دور الضيافة التابعة لرئاسة الجمهورية في منطقة «كرادة مريم» الراقية بوسط بغداد، إلى مقر قيادة عسكرية، ومعي من وفد الجامعة العربية: السفير أحمد بن حلي، الأمين العام المساعد للجامعة العربية -رحمه الله- والسفير حسين حسونة رئيس بعثة الجامعة لدى الأمم المتحدة، والسفير هشام بدر، مدير مكتبي.
بمجرد دخولي مقر الوحدة العسكرية، وجدت ذلك الرجل الذي يرافق صدام كظله، والمعروف بشاربه الكثّ والبزّة العسكرية الأنيقة، والمسدس الذي يتدلى من خصره حتى في أثناء الاجتماعات الرسمية مع الرئيس العراقي، وكان ذلك استثناءً نادراً منحه له صدام لثقته الكبيرة فيه.
تقدم إلى الرجل في احترام شديد. قدم لي نفسه قائلاً: «أنا الفريق عبد حمود. تفضل، سأصطحب سيادتك لمقابلة سيادة الرئيس صدام حسين».
قلت: «لا بد من حضور زملائي الثلاثة من وفد الجامعة».
قال: «سيحضرون بسيارة أخرى». ركبت سيارة «تويوتا»، بيج اللون، بجوار عبد حمود، الذي قادها بنفسه إلى المقر الذي سألتقي فيه صدام، والذي قال لي حمود إنه في منطقة «الرضوانية» جنوب غربي بغداد. كان قصراً صغيراً لكنه جميل.
في نهاية طريق مليء بالأشجار وصلنا إلى القصر المنشود. بمجرد دخولي وجدت بن حلي وحسين حسونة وهشام بدر في انتظاري خارج القاعة التي سألتقي فيها صدام.
بمجرد أن دخلت، تحرك الرئيس العراقي من مقعده لاستقبالي. تقابلت أيدينا عند منتصف القاعة تقريباً. صافحته مصافحة اعتنيت ألا يكون فيها قبلات، أردته «سلاماً ناشفاً»، كما نقول في مصر؛ كي أضفي طابع الجدية على جلسة المباحثات التي سأجريها معه. لكن على أي حال، هالتني تلك النعومة التي كانت عليها يد صدام حسين، ذلك الرجل المخيف!
رحب بي صدام: «أهلاً بسيادة الأمين العام... أهلاً بالأخ عمرو» (نطقها بضم الراء)، وراح يشيد بمواقفي القومية. بدأنا اللقاء الذي استغرق نحو ساعتين وخمس عشرة دقيقة.
بعد التحية والسؤال عن الصحة والشكر لكرم الضيافة وبعض الجمل العامة، تحدثت إلى صدام حسين بلهجة جادة قال من حضرها «إنها أعنف لهجة تحدث بها مسؤول عربي إلى صدام حسين».
أعدت على الرئيس العراقي ما قلته لكبار مساعديه قبل لقائي معه -دون الإشارة إلى حديثي معهم طبعاً- من الجمود الذي تبديه وفوده في الجامعة العربية. وعِبتُ عليه تعامله غير الإيجابي مع زيارة خبراء الأمم المتحدة المعنيين بالتفتيش على أسلحة الدمار الشامل في العراق، ونقلت إليه رسالة الأمين العام كوفي أنان في هذا الشأن.
قلت له إن العراق يخسر تعاطف منظمتين كبيرتين، وهو في الحقيقة يحتاج إلى كسبهما في صفه... هل يُعقل يا سيادة الرئيس أن يخسر العراق دعم الجامعة العربية ويفقد ساحة الأمم المتحدة؟
قبل أن يجيب قلت له: اسمح لي يا سيادة الرئيس أن أوجه لك سؤالاً: هل لديك أـسلحة نووية تخشى التفتيش عليها؟
قال: لا يوجد لدى العراق أسلحة نووية وأعلنت ذلك مراراً.
قلت له: اسمح لي يا سيادة الرئيس أن أعيد عليك السؤال مرة أخرى: هل لديك أسلحة نووية تخشى التفتيش عليها؟
قال ويبدو أنه مأخوذ من لهجتي الحادة: لا... لا يوجد لدينا أسلحة نووية.
قلت: إذن لماذا تمانع في حضور المفتشين الدوليين ما دام العراق لا يخشى شيئاً؟
قال: لأن هناك ما نخشاه.
قلت: وما هو؟
قال: كل المفتشين الذين يأتون إلينا عملاء لوكالة المخابرات الأميركية (CIA).
قلت: ماذا لو تأكدنا من أنهم من خارج CIA، أي يعملون لحساب الأمم المتحدة؟ نستطيع أن نشدد على المنظمة الدولية كي ترسل مفتشين على درجة من النزاهة والاستقلالية. ويمكنني تأكيد ذلك من خلال عملية مفاوضات تتم بينكم وبين الأمم المتحدة وبالذات كوفي أنان.
قال لي: أقبل بذلك، وآخذ بكلمتك؛ لأنك رجل عربي محترم.
قلت له: هل تقبل أن أنقل هذا الكلام للأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان؟
قال: نعم أقبل.
- شهادة أحمد بن حلي
أستكمل ما دار في مقابلتي مع صدام من خلال السفير أحمد بن حلي، الذي قال في شهادة مسجلة بصوته لمحرر هذا الكتاب خالد أبو بكر، بعد أن أعطاه صورة من محضر المقابلة (منشور بكامله في الكتاب) ما يلي بالنص الحرفي:
«هذه نسخة من محضر مقابلة الأمين العام السيد عمرو موسى مع الرئيس صدام حسين، مكتوب بخط يدي، الذي أتمنى أن تستطيع قراءته بسهولة. لكنني أود أن ألفت انتباهك بأننا في كتابة محاضر الاجتماعات لا نسرد كل التفاصيل، ونكتبها بطريقة حرفية معينة. دعني أقص عليك بعضاً من هذه التفاصيل التي لن تجدها بالمحضر فيما يلي:
عندما دخلنا إلى الاجتماع مع الرئيس صدام بدأ عمرو موسي بتلطيف الجو بعدم البدء بالموضوعات الخلافية. كان صدام يعيش في هيلمان وأبهة ويتكلم بنوع من الفخامة. شعرت عند بدء اللقاء أنه لا يعرف عمرو موسى عن قرب، ربما التقاه مرة أو مرتين عندما كان وزيراً للخارجية (المصرية)، لكنه لا يعرفه حق المعرفة.
بعد التقديم بالقضايا العامة دخلنا للموضوع المهم، وهو إقناع الرئيس صدام بالتجاوب مع قرار صادر عن القمة العربية خاص بتعامل العراق مع المراقبين والمفتشين الدوليين (على أسلحة الدمار الشامل)، والعراق كان متحفظاً على القرار.
كما كان عمرو موسى يريد أن يتعامل العراق بأقصى حد من التعاون دون إثارة المشاكل مع الأمم المتحدة؛ لتفويت الفرصة على المساعي الأميركية لضربه. كان الأمين العام يريد من صدام اتخاذ قرارات تجنب العراق ضربة عسكرية يراها وشيكة، ويريد إقناع الرئيس صدام بأن العراق مقبل بالفعل على هذه الضربة التي ستقضي على العراق كله، وهذه رسالة قوية بدأ عمرو موسى يشرحها.
راح الرئيس صدام يخفف من هول ما يتعرض له العراق بقوله: إحنا صامدين ومهما كان لن يموت العراق.
عندما سمع موسى هذا الكلام شعرت أنه فقد صبره، ووجدته يرد بغضب شديد بلهجته المصرية على صدام: اسمع بقى يا سيادة الرئيس... التنظير لن ينفع العراق ولن ينفعك بكل صراحة. أنا بقولك العراق معرض لضربة قاصمة من الولايات المتحدة، القوة الكبرى الأولى في العالم... هل أنت واعٍ بأن بلدك معرض لهذا الخطر الداهم؟
هل أنت واعٍ لمسؤوليتك في تجنيب العراق هذه الويلات؟
قال ذلك عمرو موسى بنبرة بدت وكأنها صرخة في وجه صدام حسين.
حاول صدام مقاطعته قائلاً: يا دكتور عمرو.
باغته موسى غاضباً: أنا مش دكتور، بقولك يا سيادة الرئيس: العراق في خطر، استجب لما نطرحه عليك من إجراءات تعيد تواصل العراق مع الأمم المتحدة ومع أشقائه في الجامعة العربية.
شعرت بأن الرئيس صدام كان في غيبوبة؛ فاكتشف الوضع الخطير بكلام عمرو موسى الذي قال له بوضوح: إن العالم تغيّر، وإنه لا الأوروبيون ولا الروس سيساعدونك، ومصير الشعب العراقي في يدك.
وبدأ صدام يصغي بالفعل لطرح عمرو موسى، وعندما وصل الحديث للفنّيات الخاصة بالتفتيش على الأسلحة أعطاني عمرو موسى الكلمة، وكان معنا السفير حسين حسونة والسفير هشام بدر.
بدأ صدام يستوعب. وفي الأخير قال لعمرو موسى: أنا أفوّضك لتتكلم باسم العراق، واذهب إلى سكرتير عام الأمم المتحدة وقل له سنتعاون معه.
شعرت وكأن الرئيس العراقي اكتشف عمرو موسى؛ لأنه تحدث معه بلغة لم يعتد عليها صدام، لغة فيها صراحة وتحميل مسؤولية، وفي آخر المطاف قال له: أنا مفوضك للتحدث باسم العراق، وقال له: اتصل بأميركا وكوفي أنان. وفعلاً أجرى عمرو موسى اتصالاته، لكن للأسف كان يبدو أن قرار الحرب قد اتُّخذ.
وربما هذا اللقاء التاريخي بين موسى وصدام لو كان قبل هذا التاريخ -أنا أقول لك بكل أمانة- كنا جنّبنا العراق هذه المأساة وهذه الحرب ضده من الولايات المتحدة».
- إبلاغ العرب وأنان بنتائج الزيارة
في اليوم التالي لوصولي القاهرة قادماً من بغداد عقدتُ اجتماعاً للجامعة العربية على مستوى المندوبين الدائمين لإبلاغهم بنتائج زيارتي للعراق ومباحثاتي مع صدام حسين، وتم ذلك مساء 20 يناير 2002. اتصلت في اليوم نفسه بالقصر الملكي في الأردن طالباً موعداً عاجلاً للقاء الملك عبد الله، بصفته رئيس القمة العربية، لتقديم تقرير عن مباحثاتي مع صدام حسين. وكذلك اتصلت تلفونياً بالرئيس مبارك، ثم بوزير الخارجية أحمد ماهر السيد، وبالأمير سعود الفيصل.
صبيحة اليوم التالي أجريت اتصالاً هاتفياً مع الشيخ صباح الأحمد، النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي، أمير الكويت فيما بعد، لإطلاعه على ملخص ما اتفقت عليه مع صدام حسين فيما يخص مسألة الأسرى والمفقودين الكويتيين منذ الغزو العراقي للكويت سنة 1990، واتفقنا خلال الاتصال على أن أقوم بزيارة سريعة للكويت في 22 يناير 2002.
ذهبت إلى الكويت، والتقيت الشيخ صباح الأحمد، وعدداً من المسؤولين. كان الجو العام يقول إن الإخوة في الكويت غير مرتاحين لزيارتي للعراق. وكانت وجهة نظري التي شرحتها لهم: إنه مهما يكن غضبنا مما حدث في سنة 1990 فالعراق بلد عربي عضو في الجامعة العربية، وهو طرف رئيس في واحدة من أكثر الأزمات العربية خطورة بعد عدوانه على الكويت، ويهم الجامعة العربية أن تضع نهاية عربية مقبولة لهذا الوضع المهدِّد لاستقرار العالم العربي، وأن تضمن عدم تكراره. وفي نفس الوقت جئت إليكم لأطلعكم على ما دار خلال الزيارة، وما توصلت إليه بشأن موضوع الأسرى والمفقودين الكويتيين.
والحقيقة أنني كنت مقدراً لحالة الغضب الكبير الذي يشعر به الكويتيون بعد ما حصل من صدام حيالهم، وأفهم تخوفهم من دورٍ للجامعة العربية يتم خارج إطار التفاهمات الدولية عالية المستوى إزاء عراق صدام حسين وسياساته في المنطقة، لكنهم ظلوا على غضبهم لفترة امتنعوا فيها عن دفع حصتهم السنوية في ميزانية الجامعة العربية، إلى أن وجدوا –على ما أعتقد- أن الجامعة تتطور، وأن أمانتها العامة وأمينها العام يقومون بجهد ملموس في مختلف القضايا العربية، فتماهوا مع الجامعة؛ لأن الكويت بلد يحب الجدية في العمل؛ ولذلك سريعاً، قدّروا ما نقوم به من جهد في خدمة العمل العربي المشترك.
كنت فور عودتي من بغداد قد تحدثت تليفونياً إلى كوفي أنان. قلت له: لقد زرتُ العراق والتقيت صدام حسين، وأنا قادم إلى نيويورك لحضور «المنتدى الاقتصادي العالمي» (دافوس) الذي يُعقد استثنائياً هذه السنة في نيويورك بين 31 يناير و4 فبراير (شباط) 2002، للتضامن مع الولايات المتحدة ومدينة نيويورك بعدما حدث في 11-9.
قال أنان: «لن أنتظر وصولك إلى نيويورك. أريد أن أعرف ما دار بينك وبين صدام. اسمع يا عمرو، أنا في استوكهولم اليوم وسأكون غداً في النمسا، أرجوك دعنا نلتقي في فيينا في طريقك إلى نيويورك». التقينا بالفعل في العاصمة النمساوية أواخر يناير، وعرضت عليه ما توصلت إليه مع صدام حسين بشأن موافقته على عودة المفتشين الدوليين للتفتيش على أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة.
في نهاية اللقاء سألت أنان عن خطوات الأمم المتحدة إزاء انفتاح صدام على عودة المفتشين.
قال: لنتمهل قليلاً.
فهمت أنه كان يريد أن يتشاور مع الأميركيين.
وهنا قررت أن أتشاور أيضاً مع الأميركيين بشأن المسألة العراقية. من فيينا تحدثت تليفونياً إلى كولن باول، وزير الخارجية. قلت له: لقد زرت العراق خلال الأيام القليلة الماضية، وقادم إلى نيويورك لحضور منتدى دافوس، وأريد أن أقابلك.
قال: نلتقي صباح الثاني من فبراير، ولنشرب القهوة معاً في مقري بنيويورك ولتكن في الساعة 11 صباحاً.
بعد وصولي إلى نيويورك تحدثت إلى أنان فقلت له: سألتقي باول.
قال: أعلم ذلك.
سألته: متى نلتقي؟
قال: بعد لقائك مع باول.
جاء موعد اجتماعي مع وزير الخارجية الأميركي. بعد الترحيب وجدته يستبق الحديث بقوله: صدام حسين ضحك عليك كما ضحك على كوفي أنان. سترى أنت وأنان كيف أن صدام «نصاب وكذاب».
قلت له: اسمع لما دار بيني وبين الرئيس العراقي أولاً. وعرضت عليه ما توصلت إليه مع صدام. وفي النهاية قلت له: إذا كنت تريد إرسال مفتشين إلى العراق فلترسل فوراً، عبر مفاوضات بين أنان وصدام، وأن تتعامل المفاوضات مع شكوك صدام من أن بعض المفتشين ينتمون إلى جهاز المخابرات المركزية الأميركية (CIA).
ضحك باول وعقّب بقوله: غسل مخكم صدام حسين أنت وأنان!
وأضاف: «لا أنت ولا كوفي ستستطيعان إنجاز شيء». كان يقول ذلك جازماً. (لأن قرار ضرب العراق كان قد تم اتخاذه والتحضير له كان على قدم وساق من الإدارة الأميركية). وإن كان في الواقع لم يرفض اقتراحي بالتفاوض بين العراق والأمم المتحدة بشأن عودة التفتيش.
جاء موعد لقائي مع كوفي أنان يوم 4 فبراير. ذهبت إليه فوجدته يجهز لي مفاجأة، وهي وجود هانز بليكس، رئيس هيئة المفتشين التابعين لمجلس الأمن. في نهاية اللقاء، وافق الأمين العام للأمم المتحدة على أن يقدم دعوة إلى الحكومة العراقية لاستئناف الحوار، وجرى تحديد 7 مارس (آذار) 2002 لعقد الجلسة الأولى في هذا الشأن.
لم تمضِ الأمور على ما يرام، لم تكن الولايات المتحدة مستعدة للتراجع عن سياستها تجاه العراق؛ فسرعان ما تعثرت المفاوضات بين العراق والأمم المتحدة.
(توجد بالكتاب تفاصيل محاولات الأمين العام إنقاذ المفاوضات المتعثرة في سبتمبر 2002، بحضور وزير خارجية العراق، بالتوازي مع اتصالاته التي لم تنقطع بطارق عزيز في بغداد من مكتب كوفي أنان، إلى أن نجح في نهاية المطاف في إعادة المفاوضات بين الأمم المتحدة والعراق، وصرح أنان لوسائل الإعلام بعدها بأنه بناءً على الجهود المشتركة بين السكرتير العام للأمم المتحدة والأمين العام للجامعة العربية توصلنا إلى اتفاق بعودة المفتشين).
باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.