جيوش المعارضة السورية.. هدف واحد وولاءات متعددة

عددها أكثر من ألف.. وانقسامات قادتها تزيد من تعقيد الأزمة ميدانيا

جيوش المعارضة السورية.. هدف واحد وولاءات متعددة
TT

جيوش المعارضة السورية.. هدف واحد وولاءات متعددة

جيوش المعارضة السورية.. هدف واحد وولاءات متعددة

دخلت الأزمة السورية، طورا جديدا، مع بدء مفاوضات مؤتمر السلام المنعقد حاليا في جنيف، لإيجاد مخرج سياسي للأزمة الممتدة منذ سنوات. ولعل المشهد العسكري للأزمة هو الأكثر نفورا فيها، ففي مواجهة القمع الممنهج للمظاهرات التي انطلقت في مارس (آذار) سنة 2011، تحول المشهد سريعا إلى العسكرة التي انطلقت من بنادق الصيد والسلاح الأبيض، وصولا إلى الدبابات والصواريخ في الوقت الراهن.
وقد راكمت المعارضة السورية المسلحة، في تجربتها القصيرة نسبيا، الكثير من الخبرات الميدانية التي حولتها خلال فترة قصيرة من رجال عديمي الخبرة القتالية، إلى «جيوش صغيرة» عيبها الوحيد، هو انقساماتها الكثيرة التي قللت من تأثيرها الميداني في الكثير من الحالات.
وعلى الرغم من أن معاداة النظام تجمع كل الفصائل العسكرية الموجودة على الأرض السورية، فإن هناك الكثير مما يفرقها، في السياسة والدين والأهواء السياسية. وهو ما يؤرق قادتها ومن بينهم وزير الدفاع في حكومة المعارضة السورية أسعد مصطفى، الذي أكد تمسكه بمشروعه الهادف لتكوين «جيش وطني» موحد، مؤكدا أن تعدد البنادق لا يفيد الثورة السورية بالقدر الذي يرغب فيه حملة هذه البنادق.
تلعب الكثير من العوامل، دورها في تشتت المعارضة السورية، عسكريا أو سياسيا. وفي حين يرد مرجع سوري معارض هذا إلى غياب الرؤية الدولية في مواجهة النظام، يقابله في الداخل غياب وجود خطة عمل واضحة. ويرد جميل صائب، وهو مدير مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية الإسلامية كثرة التشكيلات العسكرية، إلى عدة أسباب منها أن «الثورة لم تندلع في وقت واحد في كل المحافظات التي ما يزال بعضها هادئا حتى اليوم»، مشيرا إلى أن الكتائب المسلحة التي نشأت بعد ذلك كانت في غالبيتها بقيادة مدنيين، موضحا أن السبب الرئيس وراء الانقسامات هو «تعدد مصادر التمويل» شاكيا من أنه «بات لكل دولة في العالم كتائب مسلحة في سوريا»، كما أشار إلى أن بعض قيادات المعارضة السياسية بدأت تشتري ولاءات الكتائب ليكون لها نفوذ عسكري على الأرض.
بدأت الثورة السورية، بمجموعات مسلحة صغيرة، قام بها شبان سوريون من دون تخطيط أو تنسيق مشترك، كرد فعل على يأسهم من إسقاط النظام بالوسائل السلمية، كما يقول صائب. وأشار إلى أن الكثير من رفاقه الذين شاركوه في أيام المظاهرات الأولى، إما قتلوا أو اعتقلوا وانتهى بهم الأمر كالمقتولين لشدة ما تعرضوا إليه. ويؤكد صائب أن قرار العسكرة لم يكن خيارا، فقد «فرضه النظام علينا من خلال تعاطيه الوحشي مع المظاهرات السلمية، ولهذا قررنا أن نحمل ما تيسر من السلاح لحماية المظاهرات، ثم تطورت الأمور إلى العسكرة الشاملة لغياب أفق الحل السياسي».

* 2011 عهد الانشقاقات والانقسامات

* رغم أن النظام السوري تحدث عن «الجماعات الإرهابية المسلحة» منذ الأسابيع الأولى للأزمة، فإن العمل المسلح المعارض، لم يبدأ إلا في الشهر الثالث أو الرابع، عن طريق انشقاق ضباط وجنود عن جيش النظام، بموازاة انتقال جماعات من المدنيين إلى حمل السلاح. وكان أول انشقاق معلن في بداية الأسبوع الخامس من الأزمة، عندما ظهر المجند في الحرس الجمهوري، وليد القشعمي، في تسجيل مصور في 23 أبريل (نيسان) 2011 معلنا انشقاقه ورفضه «إطلاق النار على المتظاهرين السلميين»، أما أول المنشقين من الضباط فهو الملازم أول عبد الرزاق طلاس الذي أعلن انشقاقه في 7 يونيو (حزيران) 2011 تلاه بعدها بيومين المقدم حسين هرموش الذي لجأ إلى تركيا وأنشأ «لواء الضباط الأحرار». يشير صائب إلى أن هرموش لجأ إلى منطقة جسر الشغور بعيد انشقاقه حيث اجتمع من دون تخطيط مسبق مع عدد آخر من المنشقين عن الشرطة والجيش، وأنشأ أولى وحداته العسكرية بسلاح حمله بعض المنشقين، موضحا أن عددا من المدنيين انضم إلى حركة هرموش ليرتفع عدد قوته إلى نحو 40 رجلا، بعد حادثة إطلاق النار على العائدين من جنازة أحد المعارضين.
وفي 4 يوليو (تموز) 2011 خرج العقيد رياض الأسعد معلنا انشقاقه من تركيا، معلنا في 29 من الشهر نفسه ولادة «الجيش السوري الحر»، محددا أهداف هذا الجيش بـ«حماية المدنيين وحراسة المظاهرات السلمية». وفي أغسطس (آب) أعلن عن تشكيل ثماني كتائب مسلحة هي: كتيبة خالد بن الوليد في محافظة حمص، وكتيبة حمزة الخطيب في ريف إدلب، وكتيبة الهرموش في جبل الزاوية، وكتيبة القاشوش في مدينة حماه، وكتيبة أبي الفداء في ريف حماه الشمالي، وكتيبة العمري في محافظة درعا، وكتيبة معاذ الركاض في دير الزور، وكتيبة الله أكبر في البوكمال. وفي سبتمبر (أيلول) 2011 أعلن عن تشكيل ثلاث كتائب أخرى: كتيبة الأبابيل في حلب، وكتيبة معاوية بن أبي سفيان في دمشق، وكتيبة أبي عبيدة بن الجراح في ريف دمشق. وبدأت انقسامات العسكر، مع بدء الانشقاقات. وبقي الولاء العسكري، منقسما بين الأسعد وهرموش، الذي عرف بمشاغبته، إلى حين اختفاء هرموش بشكل غامض من تركيا، ومن ثم ظهوره على التلفزيون السوري معترفا بـ«جرائمه».

* 2012 عام الكتائب المسلحة والتجمعات الكبرى
* بعدها توالى ظهور الكتائب المسلحة، شهد عام 2012 «فورة» في العمل العسكري بدأ بعده المعارضون يحملون شعار إسقاط النظام بدلا من حماية المتظاهرين. وتوالى ظهور الكتائب العسكرية بأسماء مختلفة للكتائب التي حملت كلها شعار «الجيش الحر» الذي كان بمثابة «الغطاء الثوري» للمجموعات المسلحة المختلفة التي كان يعمل كل منها على حدة للحصول على تمويل وتسليح من مصادر مختلفة، مستفيدين من حالة التعاطف الكبيرة التي نشأت في الشارع العربي مع الحراك المعارض للنظام.
لكن هذه النعمة كانت نقمة، في الوقت نفسه. فقد شهد عام 2012 وحده ولادة نحو 500 كتيبة مختلفة حمل بعضها أسماء شخصيات سورية، وبعضها أسماء شخصيات عربية (كالرئيس السابق للحكومة اللبنانية رفيق الحريري ومؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط) فيما حمل البعض الآخر أسماء مناطق، بالإضافة إلى أسماء دينية كأسماء الصحابة وغيرها. وانتهى عام 2013 بولادة نحو 1000 تشكيل مقاتل مناوئ للنظام وفقا للتقديرات الغربية.
وفي 6 فبراير (شباط) 2012 ظهرت أولى «الحركات التصحيحية» في الجيش الحر، فقد أعلن العميد الركن مصطفى الشيخ عن تأسيس «المجلس العسكري الثوري الأعلى» ليكون بمثابة «هيكل تنظيمي» للمنشقين، إلا أن الأسعد سارع إلى اتهامه بـ«خدمة النظام». وعلى الرغم من تبادل الاتهامات، عاد الرجلان للاتفاق على التنسيق بينهما بحيث يبقى كل منهما قائدا للكيان الذي أسسه، على أن يتولى المجلس العسكري مهام الدراسة والتخطيط ونقل المعلومات اللوجستية إلى قيادة الجيش الحر الذي يقوم بالأعمال الميدانية.
ثم أتى الانشقاق الثاني في مايو (أيار) 2012، حيث أعلن الناطق باسم القيادة العسكرية للجيش الحر في الداخل العقيد قاسم سعد الدين أن قيادة الداخل هي وحدها المخولة بالحديث باسم الجيش الحر، وأن رياض الأسعد المقيم في تركيا «لا يمثل إلا نفسه». وفي يوليو (تموز) أعلن عن تشكيل القيادة العسكرية المشتركة للثورة السورية بقيادة اللواء المتقاعد عدنان سلو، لكن قيادة الجيش الحر في الخارج رفضت أي تنسيق، بينما رحبت القيادة في الداخل بها. وفي 16 يوليو أعلن عن تأسس لواء التوحيد الذي تغير اسمه من أحرار الشمال لكي يضم الكثير من الكتائب العاملة في ريف حلب. وفي أواخر أغسطس (آب) 2012 أعلن عن تأسيس الجيش الوطني السوري بقيادة اللواء المنشق محمد حسين الحاج علي الذي كان قد انشق قبل شهر ولجأ إلى الأردن، لكن لم يكتب لهذه المحاولة الحياة. وفي سبتمبر (أيلول) 2012 اجتمع سعد الدين والأسعد وسلو والشيخ للاتفاق على تشكيل قيادة موحدة للجيش الحر وتقاسم الأدوار، وتم الاتفاق على أن يقوم عسكر الخارج بتأمين ونقل الدعم اللوجستي إلى الداخل، بينما يقوم الضباط في الداخل بوضع وتنفيذ الخطط الميدانية. وبعد شهر تقريبا أعلنت كتائب عدة عن تشكيل «القيادة المشتركة للمجالس العسكرية الثورية».
وفي 8 سبتمبر (أيلول) 2012 شهدت مدينة أنطاليا التركية، أكبر تجمع لقادة المعارضة العسكرية، برعاية أميركية مباشرة، أسفرت عن تشكيل «القيادة العسكرية العليا المشتركة»، فيما بدا أنه استكمال للتوحيد السياسي بعد تأسيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية. واختار المجتمعون العميد المنشق سليم إدريس رئيسا له، وتم الاتفاق على تشكيل مجلس قيادة من ثلاثين عضوا عسكريا ومدنيا. كما تم تقسيم البلاد إلى خمس مناطق عسكرية. وهكذا خرج الأسعد ورفاقه من الصورة العسكرية، لكنه لا يزال يعد نفسه قائدا أعلى للجيش الحر.
وما كاد إدريس يهنأ على كرسيه الجديد، حتى ظهر كيان منافس قدر له لاحقا أن يطيح به. فقد أعلن في 12 سبتمبر عن تأليف جبهة تحرير سوريا الإسلامية لتضم عددا كبيرا من الكتائب والألوية ذات الطابع الإسلامي. وقالت في بيان لها إنها «تنطلق في معتقداتها من منهج أهل السنة والجماعة بفهم السلف الصالح من غير غلو ولا تفريط، وتهدف إلى إسقاط نظام الأسد وبناء مجتمع إسلامي حضاري يحكم بشرع الله وينعم فيه المسلم وغير المسلم بعدل الإسلام».

* 2013 عام ولادة التكتلات الكبرى
* وشهد عام 2013 ولادة التكتلات الكبرى، فسقطت «هيئة الأركان» لتظهر «جبهة ثوار سوريا» الموالية للائتلاف الوطني، تقابلها جبهة تحرير سوريا الإسلامية التي أنشأت جيشا موحدا يعد الأقوى، بعد انشقاقها عن «الأركان»، بالإضافة إلى الجماعات المتشددة مثال جبهة النصرة و«دولة الإسلام في العراق والشام». ويتخوف المعارضون في شمال سوريا من تفكيك هيئة الأركان في الجيش السوري الحر، حيث تقود مؤشرات الانقسام إلى إعادة تجميع الكتائب المقاتلة في ثلاث كتل رئيسة، أولاها وأكبرها كتلة الجبهات الإسلامية المعتدلة، وثانيتها كتلة المتشددين، والثالثة هي كتلة الجيش الحر التي تضم علمانيين يقاتلون ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد.
وينظر قياديون في المعارضة المسلحة شمال سوريا إلى تزايد التقسيمات في الكتائب المقاتلة إلى الأرض، بريبة. ويقول ضابط في الجيش الحر إن المشهد الآن «بات على شاكلة فسيفساء مناطقية تشبه ما كان في لبنان أيام الحرب الأهلية، إذ بات بعض القياديين في المناطق أمراء حرب، لا شيء يجمعهم».
ويقول الضابط الذي رفض الكشف عن اسمه لحساسية الوضع في الشمال، إن التقسيم والتوحد «يؤشر إلى إعادة فرز جديدة للتشكيلات المقاتلة وفق ثلاثة مستويات هي كتائب إسلامية معتدلة، وأخرى متشددة، وأخرى علمانية تابعة للجيش السوري الحر الذي بات أقل تمثيلا في ظل سيطرة المتشددين المنظمين على المناطق». ويوضح أن الجهة الإسلامية المعتدلة «تضم ألوية صقور الشام، جيش الإسلام، لواء التوحيد، كتائب ولواء الحق». أما الكتائب المتشددة فتضم «الدولة الإسلامية في العراق والشام وجبهة النصرة وبعض الكتائب التي تضم مقاتلين مهاجرين»، فيما تبقى الكتائب المعتدلة التي «تضم مقاتلي وفصائل الجيش الحر، وبعض الكتائب التي استحدثت عند توحيد الفصائل ضمن هيئة الأركان العام الماضي، مثل كتائب شهداء سوريا في إدلب وغيرها».
* صورة القوى العسكرية
* ومع انعقاد مؤتمر جنيف2، كانت صورة القوى العسكرية على الأرض كالآتي:
1 - هيئة الأركان: يرأسها سليم إدريس، لكن الضربة التي وجهتها إليها «الجبهة الإسلامية» نهاية العام الماضي جعلتها من أضعف القوى العسكرية على الأرض تقريبا، لولا وجود بعض القوى التي حافظت على تماسكها وولائها «السياسي» للأركان. تتكون هيئة الأركان من ثلاثين عضوا، بواقع ستة ممثلين عن كلٍ من الجبهات الخمس في سوريا. ومن المفترض أن تتواصل الألوية مع اللواء إدريس من خلال سلسلة القيادات داخل الجيش الحر، إلا أن دوره لا يعدو كونه متحدثا رسميا ووسيطا لجلب الدعم الأجنبي والتسليح.
ومن أبرز الألوية المرتبطة بهيئة الأركان العامة: لواء شهداء سوريا بقيادة جمال معروف ويقدر عدد مقاتليه بنحو سبعة آلاف. اسمه الأصلي هو «لواء شهداء جبل الزاوية»، وتشكل في أواخر عام 2011 في محافظة إدلب. وجرى تغيير اسمه في منتصف عام 2012 إلى «لواء شهداء سوريا» بهدف توسيع عملياته داخل سوريا، إلا أن عملياته ما زالت متمركزة في شمال غربي البلاد.
وهناك أيضا ألوية أحفاد الرسول التي يقدر عدد مقاتليها بما بين 7000 و9000. وقد تكونت في عام 2012 من تحالف أكثر من 40 مجموعة إسلامية وسطية. وعلى الرغم من تمركز قواتها في إدلب شمالي البلاد، فإنها توجد في كل أنحاء سوريا. وعلى الرغم من أنه تحالف مستقل، فإنه موالٍ لهيئة الأركان العامة.. أُرغم مقاتلوه على مغادرة مدينة الرقة في شمال البلاد في أغسطس (آب) 2013 بعد هجوم مجموعة دولة الإسلام في العراق والشام.
2 - الجبهة الإسلامية: وتعد الجبهة الإسلامية التي تشكلت نهاية العام 2013 أكبر تجمع للقوى الإسلامية المسلحة في سوريا. وقد أعلنت الجبهة في الثالث من ديسمبر (كانون الأول) انسحابها من هيئة الأركان بسبب ما سمته «تبعية هيئة الأركان للائتلاف الوطني وعدم تمثيليتها». أما كتاب «أحرار الشام» فهي من أبرز الفصائل الموجودة على الأرض، والمنتشرة على نطاق واسع، بحسب الضابط الذي أكد أن مركز قوتها «بات في إدلب وحلب». وكانت نواة الجبهة قد أنشئت في عام 2012 حيث انضمت إلى هيئة الأركان، قبل أن تنفصل عنها. ويقدر عدد مقاتليها بما بين 35 و40 ألف مقاتل. والجبهة هي عبارة عن تحالفات لنحو 20 من المجموعات. تضم الجبهة ألوية الفاروق، الفاروق الإسلامي، لواء التوحيد، لواء الفتح، لواء الإسلام، صقور الشام، مجلس ثوار دير الزور. أكبر فصائل الجبهة وأكثرها سطوة هي حركة أحرار الشام الإسلامية بقيادة حسان عبود، الذي يعرف أيضا بأبي عبد الله الحموي، وهو رئيس الجبهة. اعتقلته السلطات السورية بعد مشاركته في هجمات في العراق، وأطلق سراحه في أوائل عام 2011 كجزء من عفو عام. وكانت حركة أحرار الشام قد اندمجت في فبراير (شباط) 2013 مع ثلاث حركات أخرى لتكوين حركة أحرار الشام الإسلامية. ويعرف عن مقاتليها قوتهم وانتظامهم. وكانت الحركة من أوائل من استخدموا أجهزة التفجير واستهدفوا القواعد العسكرية للحصول على السلاح. وتقول الجماعة إنها تدير 83 كتيبة في كل سوريا، بما في ذلك دمشق وحلب.
ومن أسس الجبهة أيضا، لواء الإسلام الذي يقدر عدد مقاتليه بنحو 9000. وقد تأسس لواء الإسلام في منتصف عام 2011 على يد زهران علوش، وهو ناشط سلفي اعتقلته السلطات قبل سنتين من تأسيس اللواء. وتصاعدت أهمية اللواء بعد تبنيه تفجير مقر مكتب الأمن القومي بدمشق في يوليو 2012، حيث قُتل الكثير من كبار مسؤولي الأمن بمن فيهم وزير الدفاع، صهر الرئيس الأسد.

* السلاح: من بنادق الصيد إلى الدبابات
* بدأ سلاح المعارضة المسلحة، بسيطا، فتكون في البداية من بنادق الصيد، بالإضافة إلى السلاح الخفيف الذي حمله المنشقون عن الجيش معهم، ثم سرعان ما تطور هذا السلاح مع استيلاء المعارضين على مخازن أسلحة ومراكز عسكرية، بالإضافة إلى فتح الحدود أمام التهريب على نطاق واسع.
وحصلت المعارضة السورية على نوعين من مضادات الدروع الموجهة سلكيا هما: كونكورس، وهو صاروخ روسي الصنع موجه سلكيا مضاد للدروع الثقيلة، بعدد يقارب الـ250 قاعدة إطلاق و1000 صاروخ مصدرها دول شرق أوروبا. كما حصلت على العدد نفسه من صاروخ صيني الصنع موجه سلكيا مضاد للدروع الثقيلة، يعد النسخة الصينية من الصاروخ الأميركي تاو. وتشير التقارير إلى أن النسخة التي حصلت عليها المعارضة السورية من صنع باكستاني ويبدو أنها من الجيل القديم ما يعني أنها لا تمتلك القدرة على اختراق الدروع التفاعلية.
وإضافة إلى مضادات الطيران حصلت كتائب المعارضة على فئتين من مضادات الطيران: الأولى محمولة على الكتف وأبرزها صاروخ «إف إن 6» هو صاروخ محمول على الكتف مضاد للطيران من الجيل الحديث صيني الصنع ويعد النسخة الصينية من الصاروخ الفرنسي المضاد للطيران المحمول على الكتف «ميسترال». ويرجح أن تكون المعارضة قد حصلت على نحو 100 صاروخ من هذه النوعية. أما مضادات الطيران الثانية فهي نظام دفاع جوي قريب المدى «سان 7» وهو صاروخ سوفياتي محمول على الكتف مضاد للطيران معروف باسم «كوبرا» ويعتمد على باحث حراري.
يضاف إلى ذلك أن المعارضة السورية تمتلك منظومة دفاع جوي «سان 8» للمديات القريبة سوفياتية الصنع مبنية على عربة واحدة بمدى 15 كلم، تعتمد على توجيه «راداري - حراري - بصري» مما يمنحها تميزا كبيرا في مقاومة وسائط التشويش الإيجابية وتحمل كل منظومة 6 صواريخ قابلة للتلقيم، وتؤكد معلومات الجيش الحر أن المعارضة قد حصلت على 104 صواريخ للمنظومة يتوقع أنها موزعة على 10 عربات.
وكانت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية قد ذكرت أن عددا من الدول بينها تركيا والولايات المتحدة، بدأت في إرسال سلاح نوعي إلى مقاتلين في الجيش الحر في درعا وعدد من مناطق الشمال السوري، وذلك لدعمهم في وجه القوات النظامية ولتغليب كفتهم على عناصر متطرفة في المعارضة، ينتمون إلى «الدولة الإسلامية في العراق والشام».
وتتضمن الأسلحة التي حصلت عليها المعارضة، بحسب الصحيفة، مضادات دروع قادرة على تدمير دبابات النظام الروسية الصنع عن بعد يتجاوز 300 متر، ويصل في بعض الحالات إلى 1500 متر.
وأبرز هذه الأسلحة صواريخ مضادة للدروع التي يتراوح مداها بين 300 - 500 متر، إضافة إلى قاذفات مضادة للدروع يصل مداها إلى أكثر من 500 متر، وقاذفات يتراوح مداها بين 350 إلى 400 متر، وكذلك قاذفات «آر بي جي 6» الخفيفة التي تمتاز بدقة التصويب.
ويمتلك المعارضون أيضا دبابات روسية الصنع استولوا عليها - أو اشتروها - من جنود النظام، ويقال إن جيش الإسلام الذي يقوده زهران علوش يمتلك فرقة من 23 إلى 27 دبابة حديثة من طراز تي 72.



«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».