زيارة جديدة للحرافيش

في ذكرى نجيب محفوظ

الحرافيش
الحرافيش
TT

زيارة جديدة للحرافيش

الحرافيش
الحرافيش

كان هناك ما يشبه الإجماع النقدي على أن الثُلاثية ذروة أعمال نجيب محفوظ. وهي في الحقيقة، تستحق ببنائها الكبير وبقدرتها على التغلغل في الوعي الشعبي إلى حد أن «سي السيد» غادر الرواية وأصبح نمطاً اجتماعياً شهيراً، الأمر الذي لم يحدث إلا نادراً في تاريخ الأدب الإنساني كله. ثم جاء تقرير لجنة جائزة نوبل عام 1988 ليخالف المستقر، منوهاً برواية «أولاد حارتنا».
لكن كل حكم على الأدب، مهما كان صائباً يظل حكماً ناقصاً قبل أن يمر النص باختبار الزمن، من جهة صلاحيته لقارئ جديد في المستقبل وصموده لقراءات متعددة من القارئ الواحد.
لا أعرف أحكام القراء الجدد على أعمال محفوظ المختلفة، لكن من خبرات قراءاتي المتكررة أستطيع القول، إن «الحرافيش» تمنحني جديداً في كل قراءة؛ ما جعلني أقف مخالفاً للتفضيلين السائدين، مؤمناً بأنها ذروة هرم نجيب محفوظ الإبداعي، فيها خلاصة أسئلته حول الحياة والعدم، الدين والسلطة، العدل والظلم. هذه ذاتها أسئلة: «أولاد حارتنا» وعديد من رواياته، لكن برهافة أكثر، وحيث يبدو عالم الرواية مكتفياً بذاته دون الإحالة إلى تاريخ أو واقع خارجه؛ ما يجعل من «الحرافيش» النموذج الأكثر كمالاً في العطاء المحفوظي.
أتقن نجيب محفوظ؛ الفيلسوف، التخفي وراء مظهر الحارة الشعبية، وقد قنعت القراءات المتعجلة للحرافيش كما قنعت السينما بهذا المظهر السطحي الذي يساوي بين الروائي الحكواتي والروائي الفيلسوف، لكن الزمن، القاضي الأكثر عدلاً في محكمة الإبداع، يُسقط الحواديت، ويُبقي على أدب التساؤل الذي يُضمر رؤية متماسكة للكون، وأحسب أن الحرافيش هي آخر ما يمكن أن يموت من إبداع هذا الرجل الكبير.
على غير العادة في أعمال محفوظ هناك إشارة إلى جنس الكتاب في صميم العنوان: «ملحمة الحرافيش» ما يعد بعالم أسطوري، لكنه في الآن ذاته عالم محفوظ المعتاد محدود الرقعة. ولكي يقدم ملحمة دون ارتحال يقاسي فيه الأبطال الأهوال والمصادفات الغريبة التي لاقاها جلجامش أو عوليس أو أوديب، ألقى محفوظ بكل أعباء الملحمة على عاتق البناء الفني.
ومن خلال سرد يتمتع بالانسجام بين اللغة والشخصية والمكان والزمان، وبنية روائية شديدة البساطة، إذا ما قورنت بالعمارة المركبة للثلاثية.
عمارة الحرافيش بناء بسيط، أقرب إلى متوالية قصصية، كل حكاية تبدأ وتنتهي، حيث يساهم هذا الشكل البسيط للسرد في تحقيق رؤية الرواية، بتماثله مع موج البحر. لا يتوقف الموج ولا يستدير إلى الوراء، لكنه يندفع في تقدم متتابع يبتلعه الشاطئ، موجة بعد موجة. لا جديد ولا نهاية، بل حركة دائمة.

- عن اللغة
أول ما يُصادف القارئ في الحرافيش هو اللغة. المفتتح محض لغة شاعرة لا تروي واقعة: «في ظلمة الفجر العاشقة، في الممر العابر بين الموت والحياة، على مرأى من النجوم الساهرة، على مسمع من الأناشيد الغامضة، طرحت مناجاة متجسدة للمعاناة والمسرات الموعودة لحارتنا» هذا الاقتباس - على قصره - هو الفصل الأول كاملاً من الحكاية الأولى.
تحيل بلاغة الجملة إلى السرمدي الذي يتكرر على الدوام، وكأنها نشيد الجوقة في المسرح اليوناني، وهذه وظيفة إضافية يضعها محفوظ على كاهل الراوي في «الحرافيش».
ويتكرر صوت الحكمة على هذا النحو في موضع أو موضعين من كل حكاية من الحكايات العشر للتذكير بهذا النفس الملحمي، وغالباً ما تكون الجملة فصلاً مستقلاً، ودائماً على لسان الراوي كفصل البداية: «لا دائم إلا الحركة. هي الألم والسرور. عندما تخضرُّ من جديد الورقة، عندما تنبت الزهرة، عندما تنضج الثمرة، تُمحى من الذاكرة سفعة البرد وجلجلة الشتاء» - الفصل (51) من الحكاية الرابعة: «المُطارد».
وإلى جوار اللغة التي تفتح الأفق على السرمدي، نجد لغة تُغلق أفق الفهم لتفتح آفاقاً للخيال متمثلة في التراتيل الفارسية المسموعة من داخل التكية. وهي أبيات من غزليات حافظ الشيرازي، بعضها لا يمت بصلة للمشهد؛ كأن يلجأ البطل إلى الساحة حزيناً أو يائساً، ويسمع بيتاً في العشق والغرام. هذا المخفي في النص من أجمل ألعاب محفوظ مع القارئ، وربما يحيلنا التوظيف العابث للغزليات إلى علاقة السخرية بصناعة الخيال عموماً.
ولا يودع محفوظ فخامة لغة الشعر، وعتمة المعنى في اللغة الفارسية، إلا ليستلهم بلاغة العهد القديم. تقول فلة لعاشور إنها تحمل له تحيات من أبنائه؛ فيرُدُ: «مباركة تحياتٌهم».
أو يطلب منه درويش مالاً فيصده: «في سبيل الخير أعطي لا في سبيل الشر».
ويتوالى هذا الاتكاء على بلاغة الكتاب المقدس «إلى الحمَّام والطعام ولتحل بركة الله في الأرض».
وليس هناك أجمل من إنطاق سيدة بسيطة بحكمة التغير الدائم «وَالشَّمْسُ تُشْرِقُ، وَالشَّمْسُ تَغرب، وَتُسْرِعُ إِلَى مَوْضِعِهَا حَيْثُ تُشْرِقُ». (سفر الجامعة 1: 5). في الحكاية الخامسة من الحرافيش تحمل أم هشام الداية رسالة من الفتوة نوح الغراب إلى زهيرة الجميلة، فتقول لها: «ألا ترين أني زوجة وأم؟» فترد العجوز: «ما يمر يوم إلا ونرى الشمس وهي تشرق ثم نراها وهي تغرب».
وإلى جوار هذه المستويات من البلاغة الفصيحة، يصادفنا غناء شعبي يصدح به عاشق مكلوم:
«يا أبو الطقية الشبيكة
قل لي مين شغلها لك
شــبكت قلبي
إلهي ينشغل بالك»
هذه التنويعات الأسلوبية تُرصِّع لغة سردية سهلة منسجمة مع عالمها. والحوار فصيح، لكن بساطته تجعله مقنعاً على لسان الشخصيات. وهكذا يؤدي مجمل التشكيل اللغوي دوره في البناء الذي يضع قدماً في الأسطوري والأخرى في الواقعي.

- عن المكان والزمان
من يدقق في حارة الحرافيش، يرى اختلافها عن حارة الثلاثية وغيرها من حارات روايات محفوظ الواقعية التي نستطيع أن نطابق بعض معالمها على معالم شهيرة: مثل مسجد الحسين، مآذن قلاوون وبيت القاضي وخلافه.
وبينما تنطق عناوين الروايات الواقعية بأسماء حارات: بين القصرين، قصر الشوق، السكرية، خان الخليلي، تبقى حارة الحرافيش بلا اسم. لها امتداد يناقض قِصَر الحارات الحقيقية في منطقة الجمالية، لكي تستوعب فضاءات تلبي رؤيته الأسطورية، وتكون مقنعة فنياً في الوقت ذاته.
يريد للتكية أن تكون غامضة ومستغنية عن التعامل مع ما حولها من البشر؛ فلا تفتح بابها أبداً، وهذا يجعلها في حاجة إلى مزرعة يعيش الدراويش على ثمرها. وفي الحارة حانة، بخلاف واقع حارات الجمالية المثقلة بالقداسة، لكنه يبني مختصراً للعالم، يتسع للحانة وستتسع تلك الحارة المجهولة مع الوقت لمئذنة عجائبية (بلا مسجد) يبنيها بطل الحكاية السابعة «جلال صاحب الجلالة» كما تتسع الحارة من بعده لدار صيرفة وعمارات ضخمة.
بهذا التأسيس أصبحت الحارة مكاناً صالحاً لصناعة العجائبية، مع ذلك يلجأ محفوظ لطقس الهجرة الضروري للإقناع بالمعجزات، كما في الملاحم وألف ليلة وليلة. لكن أبطاله لا يسافرون إلى البعيد، بل إلى صحراء قريبة (هي في كل روايات محفوظ صحراء الدرّاسة المتاخمة لسور القاهرة على مسافة دقائق معدودة مشياً) وإلى بولاق على ضفة النهر، وهي الأخرى لا تبعد أكثر من نصف ساعة مشياً، بينما يستغني بعض الفتوات عن الرحلة؛ إذ يكتشفون قواهم الخارقة في لحظة مفاجئة تحت ضغط معركة تُفرض عليهم أو إهانة لا يمكن السكوت عليها.
ومثلما خطط مكاناً مجهولاً يمكن تحديده بالظن، بنى محفوظ زمناً مجهولاً، يلبي رغبته في صنع أمثولة للحياة. لكنه ككل كاتب حساس يدفع بالقارئ إلى المتاهة بعد أن يضع في يده طرف خيط الأمان الذي يمكنه من النجاة. هكذا تمكَّن النقاد من تحديد زمن الحرافيش من خلال بعض علامات الطعام والشراب ووسائل المواصلات، ليقولوا إن الزمن المضمر يبدو بدايات القرن التاسع عشر إلى العقود الأولى من القرن العشرين.
وإلى جوار المكان والزمان المُضمرين يأتي ذكر أماكن حقيقية كالعطوف والحسينية بفتوات حقيقيين عاشوا في زمن حقيقي معلوم يدخلون في معارك مع فتوات الحارة.

- بناء الشخصية
بعد المفتتح الملحمي، تتكشف الأحداث عن عثور الشيخ الأعمى عفرة زيدان على الطفل ملقى في الشارع عند صلاة الفجر. لنجد أنفسنا أمام عمى ثلاثي: عمى الرجل، وعمى الليل، والجهل بنسب الطفل. لكن عمى ساعة الفجر يعقبه إشراق صبح جديد.
هكذا يؤسس محفوظ برهافة شديدة لعجائبية وواقعية الطفل الذي صار اسمه عاشور. هو بمعنى ما يتيم كنبي، ومجهول كلقيط. وفي سيرته تسامي القديس مع نزوع الشهوة والطمع. يمارس مهنته البسيطة رغم أنه صار سيد الحارة، وفي لحظة تفتنه امرأة وعندما يعود معها بعد الوباء تحلو في عيونهما داراً فخمة فيستوليان عليها.
ويختفي عاشور لتظل ثنائيته حاضرة في ذاكرة الأجيال. يُعيَّر به الأحفاد أحياناً، وأحياناً ترسم له الحكايات صورة ناصعة باعتباره ابن رجل صالح خاف عليه من الفتوة فألقى به في الحارة مطمئنا إلى رعاية الله لوديعته.
وعلى هذا النحو يسري الأسطوري والواقعي متمازجين في دم السلالة، للرجال قوة بدنية استثنائية، وللنساء قوة الجمال والحيلة مع عون من قوة غامضة في الروح، ملائكية أو شيطانية.
وفي ظني أن تمازج الأسطوري والواقعي في الشخصيات ليس الدرس المحفوظي الوحيد في الحرافيش، بل إطلاقه لطاقات الخير والشر إلى أقصى حدودهما داخل النفس، بما يجعل شخصيات هذه الرواية قريبة من إنسان الهوتين لدى المُعلم الأكبر دوستويفسكي.



«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)
«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)
«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

التقديرات الأولية لعدد المشاهدين الذين أمّوا مهرجان برلين السينمائي من بدايته وحتى 20 من الشهر الحالي، أي قبل يومين من نهاية الدورة الحالية، تجاوزت 250 ألف مُشاهد في نحو 20 صالة توزَّعت في أرجاء العاصمة الألمانية، لكن المُتوقَّع أن يتساوى عدد المشاهدين هذا العام مع عددهم في العام الماضي (نحو 330 ألف مُشاهد). وإن لم يحدث ذلك، فالسبب يعود إلى المطر والبرد اللذين لم تشهد المدينة مثلهما منذ سنوات.

الأفلام التي حشدها المهرجان حتى الآن شديدة التنوّع، ليس فقط بالنسبة إلى المستوى العام، بل أيضاً بالنسبة إلى الاهتمامات التي انطوت عليها. هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية. والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي. وبالنسبة إلى المصادر، توزَّعت كما كان منتظراً بين سينمات عربية وآسيوية وأفريقية وأوروبية وأميركية. ليس أنّ هذا الوضع غير موجود في المهرجانات الأخرى، وإنما الأضواء المُسلطة على هذه العناصر تبرزها بوضوح وتمنح المشاهدين أسباباً متنوّعة لحضور كل الأفلام (فيلم محمد حمّاد «لجوء آمن» عُرض 6 مرات في 6 صالات بيعت تذاكرها كاملة).

«سومسوم: ليلة النجوم»... عزلة على حافة الغفران (مهرجان برلين)

هذه الدورة، بإجماع عدد غير قليل من الحاضرين، هي أفضل دورات برلين في السنوات الخمس الماضية. وهناك ما يدعم هذا الرأي رغم وجود أفلام تجنح ضدّه.

بعد فيلم الافتتاح، «لا رجال صالحون»، المموَّل من سويسرا والمعروض على أنه أول اشتراك من أفغانستان، والذي هو تجربة شخصية حُوِّلت إلى دراما ساخنة الموضوع باهتة التأثير، لوحظ أنّ معظم ما عُرض حتى الآن من أفلام دار حول تجارب أشخاص في أتون الحياة الاجتماعية لكلّ منهم. والخيط الجامع لها هو أنها دراما فردية أو اجتماعية تعبّر عن تجارب خاصة. هذا ما ساعد المهرجان على تحاشي اللجوء إلى أفلام تتعامل مع موضوعات وشخصيات سياسية، كما كانت الحال في السنوات القليلة الماضية.

ميثولوجيا أفريقية

«سومسوم: ليلة النجوم» للمخرج التشادي محمد صالح هارون عُرض داخل المسابقة الرسمية، وقد عُرِّف عنه على أنه إضافة إلى اشتراك أفريقي ملحوظ عدداً في هذه الدورة (فيلمان آخران في عداد ما عُرض هنا، واحد من السنغال والثاني من الكونغو). «سومسوم» هو أيضاً أحد الأفلام المعنية بسرد حكاية تقودها شخصية واحدة. بطلته فتاة شابة اسمها «كالو» (ميمونة ميواما) تعيش في قرية صغيرة في بعض النواحي الصحراوية. ماتت والدتها حين وضعتها، وحملت في وجدانها الشعور بأنها هي السبب في الوفاة. لكن امرأة أكبر سناً منها اسمها «آية» تخبرها عكس ذلك. ومن ناحية ثانية، هي على علاقة حبّ مع شاب يبادلها الشعور، لكنّ والده يعارض هذا الارتباط على أساس أنّ عائلة «كالو» مهاجرة من قرية أخرى. كذلك تعارض القرية دفن «آية» في مقابرها لأنها بدورها لاجئة ولم تكن محبوبة.

تضع «كالو»، بسبب صداقتها لـ«آية»، جثمانها فوق عربة، وتتوجّه بها بعيداً صوب صخور ترابية. تدخل مغارة لتسير بين جدرانها، ثم تعود إلى الجثمان فتحفر لها وتدفنها. فجأة تنهض «آية» من تحت التراب لتؤكد لـ«كالو» مجدداً أنها باتت حرّة. الغرابة لا تدعم الفيلم، بل تتركه هائماً، والمزج بين ما هو متخيَّل وبين ما هو حقيقي يمرّ بلا تأثير فعلي.

شخصيات الفيلم التي تعيش في تلك القرية (وتتحدَّث الفرنسية من دون مبرّر) تتصرَّف كلّها وفق إدارة المخرج، وليس تبعاً لجهد نابع منها. هذا ينطبق على بطلة الفيلم التي تمر بمواقف كثيرة، لكنها تبقى بعيدة عن أن تترك تأثيراً لدى الجمهور. هذه أيضاً حال الفيلم الذي ينشط في اتجاهات شتّى ليقول القليل.

وحدة عاشق البلوز

يتحدَّث «سومسوم: ليلة النجوم» في بعض جوانبه عن وحدة بطلته وسط بيئتها الرافضة لها، لكن «الرجل الأكثر وحدة في المدينة» هو الفيلم الذي يقبض على روح تلك الوحدة وبلا جهد يُذكر. فيلم ألماني من إخراج تيزا كوفي وراينر فريمل عن رجل تجاوز عامه الخمسين بلا أهل ولا عائلة ولا معارف. «أصدقائي الوحيدون هم مغنّو دلتا البلوز»، يقول في أحد المَشاهد. والفيلم يبدأ به يستمع إلى أساطير هذا اللون الغنائي، مثل صن هاوس، وروبرت جونسون، وبيسي سميث، وبلايند، وويلي جونسون، في منزله.

«ألويس كوخ» ليس شخصية خيالية. هو في الواقع رجل نمساوي أحبَّ البلوز منذ صباه، وأخذ يعرفه ويغنّيه في بعض الملاهي. الآن لا يزال متيّماً بهذا النوع من الأغنيات (بلوز دلتا المسيسيبي يختلف عن أنواع بلوز أخرى تكاثرت في شيكاغو ولويزيانا، ثم في الغرب الأميركي وصولاً إلى سان فرانسيسكو وجوارها). لم يتعلّم «كوخ» اللغة الإنجليزية إلا من أغنيات ألفيس بريسلي (الذي كان بدوره «ملك الروك» متأثّراً بالبلوز). لكن الفيلم ليس تسجيلياً، بل يمنح المخرجان «كوخ» حكاية يؤدّي بطولتها وتتحدَّث عنه.

خلال ساعة ونصف الساعة، نراه وحيداً في حياته باستثناء ما يختار سماعه وترداده. الحكاية المختارة بسيطة: «كوخ» يعيش في عمارة هجرها باقي سكانها وبقي فيها وحده. المالكون يريدون هدمها. يمانع في مغادرة منزله لارتباطه بمحتوياته (ألبومات قديمة، أجهزة استماع موسيقية، بيانو... إلخ)، لكنه يذعن في النهاية. ببراعة، نراه مرّتين يتوقّف عند بناية قريبة يراقب هدمها. بذلك ربط الفيلم بين حالته وحالة ماضٍ كبير يُهدَم أيضاً. يشتري «كوخ» تذكرة إلى أميركا ليزور «أصدقاءه» (هؤلاء كلّهم رحلوا عن الدنيا، لكونهم انطلقوا في عشرينات القرن الماضي وثلاثيناته) وليعيش في الدلتا. اللقطة الأخيرة توجز الفيلم بأسره. يستمع إلى بيرثا «تشِبي» هيل تغنّي، ثم يقفل جهاز الأسطوانات وتسود الشاشة السوداء. الفيلم، إذ يحكي قصة محورها قديم، يعمد إلى أسلوب محافظ وكلاسيكي، لا تلعب الكاميرا فيه دور البطولة ولا تركض لاهثة وراء شخصياته. إنها بدورها جزء من عالم انتهى أو يكاد.


مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
TT

مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)

قال الممثل المصري، مصطفى غريب، إن مشاركته في الدراما الرمضانية بمسلسل «هي كيميا» جاءت في اللحظات الأخيرة، وبعدما كاد أن يغيب عن هذا العام، لعدم وجود فكرة أو تجربة مناسبة للدراما.

وأضاف غريب في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن المسلسل جاء بالمصادفة بعد لقاء مع المؤلف مهند طارق، الذي أخبره بأن لديه مشروع مسلسل مكتوب منه ما يقرب من نصف عدد الحلقات، وطلب منه الاطلاع عليه، وبعد قراءة الحلقات اتصل بالمنتج، وناقشوا الأمر معاً، وتحمسوا لتقديم المشروع لطرافة فكرته، وانطلقت التحضيرات بالتزامن مع كتابة الحلقات.

ويصف مصطفى غريب قرار الموافقة على المسلسل بأنه كان من أسرع القرارات في مسيرته، «لكنه لم يكن قراراً متسرعاً، فالبحث عن نص مكتوب بشكل شبه مكتمل كان بالنسبة لي عاملاً حاسماً، خصوصاً في ظل طبيعة الإنتاج التلفزيوني، التي قد تنطوي أحياناً على مخاطرة عندما يُبنى المشروع على حلقة أو حلقتين فقط».

وعن أسباب حماسه لـ«هي كيميا»، يوضح مصطفى أنه لا يتعامل مع العمل بمنطق المنافسة أو الرهانات، ولا يشغله تصنيف نفسه أو غيره داخل قوالب جاهزة، فبالنسبة له، المسألة الأساسية هي أن يخرج العمل في صورة جيدة، وأن يكون صادقاً مع نفسه ومع الجمهور، مؤكداً أنه لا يدخل أي تجربة وهو يفكر في السباق الرمضاني، أو في مقارنة نفسه بأعمال أخرى، بقدر ما يركز على سؤال واحد، هل المسلسل سيقدم شيئاً حقيقياً للناس أم لا؟

وفي ما يتعلق بتحضيره للشخصية، يوضح غريب: «طريقتي لا تختلف كثيراً من عمل إلى آخر، فأنا أبدأ دائماً بقراءة السيناريو بهدوء، محاولاً فهم ملامح الشخصية، كما كُتبت على الورق، ثم البحث عما يمكن إضافته إليها من تفاصيل، سواء على مستوى السلوك أو الشكل أو الإيقاع، وذلك بالتعاون مع المخرج والمؤلف»، مؤكداً أن بناء الشخصية لا يعتمد فقط على ما هو مكتوب، بل أيضاً على ما يمكن استنباطه «بين السطور».

الملصق الترويجي للمسلسل (حسابه على فيسبوك)

وحول الكوميديا والارتجال، يوضح مصطفى غريب أن العمل الكوميدي بطبيعته يفتح المجال للاجتهاد والتجريب، لكن ذلك لا يحدث بشكل عشوائي، فهناك دائماً أساس مكتوب يُبنى عليه، ثم تأتي اللمسات الإضافية خلال القراءة أو في أثناء التصوير، أو حتى في الأيام التي لا يكون فيها تصوير، حين يعود الممثل إلى الورق ليقترح أفكاراً أو بدائل، مؤكداً أن بعض اللحظات تولد في لحظتها أمام الكاميرا، بينما تحتاج لحظات أخرى إلى تفكير مسبق، وكل ذلك يمر في النهاية عبر رؤية المخرج.

ويثني الممثل المصري على التعاون مع المخرج إسلام خيري، الذي وصفه بأنه «يتمتع بنظرة شاملة للعمل من الخارج، ما يسمح له برؤية المشهد من زاوية أوسع، فلا يتردد في تعديل المشهد، أو حذف أفكار اتُفق عليها مسبقاً إذا شعر بأن هناك خياراً أفضل، وهو ما حدث بالفعل في بعض المشاهد، حتى في المشهد الأول من المسلسل، الذي شهد تغييرات جذرية قبل تصويره، في محاولة للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة».

ويشدد مصطفى غريب على أن النجاح الحقيقي بالنسبة له لا يُقاس بـ«التريند» أو بالأرقام المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بردود الفعل المباشرة من الناس، فاللحظات التي يشعر فيها بقيمة ما قدمه هي تلك التي يلتقي فيها بجمهور حقيقي في الشارع، أو يتلقى رسالة صادقة من شخص يقول له إنه أعجبه العمل، لافتاً إلى أنه لم يسعَ يوماً لصناعة نجاح مصطنع، ولم يدفع مقابل دعاية زائفة، لقناعته أن هذه الأمور لا تصنع قيمة حقيقية.

وعن النجاح الذي حققه في السابق، يعترف مصطفى غريب بأنه أمر يحمل قدراً من القلق، ليس فقط في مجال التمثيل، بل في أي مجال؛ فالنجاح، في رأيه، يفرض مسؤولية أكبر، ويجعل سقف التوقعات أعلى، وهو ما قد يكون أكثر صعوبة من الفشل نفسه، لكنه في الوقت نفسه يرى أن أي شخص يتقاضى أجراً مقابل عمله عليه مسؤولية أن يؤديه بأقصى قدر من الإخلاص.

ويختتم مصطفى غريب حديثه بالتأكيد على أن طموحه الأساسي يظل ثابتاً في أن يشارك في أعمال صادقة، وأن ينجح في إدخال البهجة على قلوب الناس، معتبراً أن «القدرة على إضحاك الجمهور، خصوصاً في ظل الضغوط اليومية التي يعيشها، هي واحدة من أصعب وأهم المهام التي يمكن أن ينجح فيها أي فنان»، على حد تعبيره.


نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
TT

نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)

قد تبدو نوبات الغضب في الأماكن العامة من أكثر المواقف التي يخشاها الأهل عندما يتعلق الأمر بسلوك الأطفال الصغار. ذلك الشعور المفاجئ بالذعر والإحراج الذي يجتاحك في تلك اللحظة هو إحساس مرّ به معظم الآباء والأمهات.

بصفتها أماً ومربية أطفال (جليسة أطفال) سابقة ومؤلفة كتاب «تغيير مرحلة الطفولة المبكرة»، تقول ديفون كونزمان إنها شهدت مختلف أشكال السلوكيات لدى الأطفال. فكل نوبة غضب أو صراع قد يجعل الوالدين يشعران وكأنهما ارتكبا فشلاً شخصياً. كما أن الخوف من نظرات الآخرين أو أحكامهم، وما يصاحبه من شعور بالعار، قد يُزعزع ثبات حتى أكثر الأشخاص هدوءاً.

إلا أن ما تؤكد عليه كونزمان، بصفتها مدربة في مجال التربية، هو أن كل نوبة غضب تمثل فرصة لفهم العلاقة بينك وبين طفلك بصورة أعمق وتعزيزها. وتعرض أربع خطوات عملية للتعامل مع هذه المواقف:

1. انتقل إلى مكان أكثر خصوصية

إذا بدأ طفلك في فقدان السيطرة في مكان عام، فاحرص أولاً على نقله إلى بيئة آمنة تتيح له تفريغ مشاعره بعيداً عن الضوضاء والازدحام. ففي متجر البقالة مثلاً، يمكن التوجه إلى ممر أكثر هدوءاً أو إلى دورة المياه.

خذ نفساً عميقاً، وحافظ على هدوئك، وذكّر نفسك بأن الموقف ليس حالة طارئة. الحفاظ على هدوئك هو أقوى ما يمكنك فعله أثناء نوبة الغضب، بعد التأكد من سلامة طفلك. فوجودك الهادئ والمستقر يُعد عنصراً أساسياً لمساعدته على تنظيم مشاعره.

2. انتبه لحدوده فيما يتعلق بالتواصل الجسدي

عند محاولة تهدئة طفلك في لحظات التوتر، من المهم أن تتبع رغبته في مستوى التقارب الجسدي. راقب مدى تحمّله للمسّ أو الاحتضان أثناء نوبة الغضب، إذ قد يكون القليل من القرب أفضل من الإكثار منه.

يمكنك عرض عناق أو الجلوس بالقرب منه إذا بدا متقبلاً لذلك. أما إذا كان يضربك، فقد تميل إلى الإمساك بيديه لمنعه، غير أن ذلك قد يشعره بالتقييد ويزيد من انفعاله. إحدى الطرق لمساعدته على إدراك حدوده الجسدية هي الجلوس معه ووضع وسادة أو حقيبة بينكما لتحديد مساحة شخصية أوضح.

3. استخدم لغة بسيطة وواضحة

إذا صدر عن الطفل سلوك غير آمن، فضع حداً لهدوء وحزم، باستخدام عبارات واضحة مثل: «لن أسمح لك بالضرب».

أما إذا كانت نوبة الغضب ناتجة عن الإرهاق أو الإحباط، فحاول التعبير عن تفهمك بعبارات مثل: «أعلم أن هذا مُزعج» أو «أنا هنا لمساعدتك».

احرص على أن تكون كلماتك واضحة ومتوقعة، ثم شجّعه على التعبير عن مشاعره دون إصدار أحكام. وعندما تبدأ حدة الموقف في الانخفاض، قدّم له خيارات محددة تقع ضمن الحدود التي تضعها، بحيث يشعر بشيء من السيطرة.

في متجر البقالة، مثلاً، يمكن أن تقول: «هل ترغب في الجلوس في عربة التسوق أم الإمساك بيدي؟» أو «هل تودّ حمل قائمة المشتريات أم مساعدتي في دفع العربة؟». هذه الخيارات البسيطة والمناسبة لعمره تمنحه إحساساً بالمشاركة بدل العجز.

4. خصص وقتاً لتهدئة مشاعرك أيضاً

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره، بل يشمل كذلك قدرتك أنت على ضبط مشاعرك.

في الأماكن العامة، قد يلتفت الناس وينظرون إليك. وحتى إن كان ذلك بدافع الفضول، فقد تشعر وكأنهم يصدرون أحكاماً عليك. قبل أن تسمح لهذا الشعور بالتأثير فيك، ركّز على ما يمكنك التحكم فيه في تلك اللحظة.

لا تأخذ الأمر على نحو شخصي. تذكّر أن نوبة غضب طفلك لا تعكس قيمتك كوالد أو أسلوبك في التربية. وبدلاً من الاعتقاد بأن طفلك يتعمّد إثارة الفوضى، افهم أنه يمرّ بوقت صعب ويحتاج إلى دعمك.

يمكنك اختيار تجاهل نظرات الآخرين أو الردّ بهدوء وتعاطف. عبارة بسيطة مثل «أنا أبذل قصارى جهدي» قد تكون كافية.

كما أن من المهم إدارة شعورك بالإرهاق. فإذا شعرت بأن الموقف في مكان عام أصبح مرهقاً لك بشدة، فلا بأس من الانتقال إلى مكان هادئ، والسماح لطفلك بالتعبير عن مشاعره، ومنح نفسك لحظة لالتقاط أنفاسك. قد يعني ذلك ترك عربة التسوق لدى خدمة العملاء أو في أحد الممرات والخروج، أو التوجه إلى السيارة لتهدئة أعصابك قبل استكمال يومك.