عمرو موسى: مبارك رفض بقاء عصمت عبد المجيد وأحداث 11 سبتمبر أظهرت المشاعر السلبية تجاهنا

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (2)

عمرو موسى مع الأمير سعود الفيصل
عمرو موسى مع الأمير سعود الفيصل
TT

عمرو موسى: مبارك رفض بقاء عصمت عبد المجيد وأحداث 11 سبتمبر أظهرت المشاعر السلبية تجاهنا

عمرو موسى مع الأمير سعود الفيصل
عمرو موسى مع الأمير سعود الفيصل

في الحلقة الثانية التي تنشرها «الشرق الأوسط» من فصول كتاب الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى «سنوات الجامعة العربية»، الذي سيصدر قريباً عن «دار الشروق» المصرية، يتحدث موسى عن فترة تسلمه منصب الأمين العام للجامعة خلفاً لعصمت عبد المجيد، وتفاوت وجهة النظر العربية بين بقائه وزيراً للخارجية المصرية وبين تسلمه منصبه الجديد. ويكشف موسى أن عبد المجيد فاتحه برغبته بالبقاء بعد انتهاء ولايته، إلا أن الرئيس المصري السابق حسني مبارك رفض «لأن الجامعة نايمة وح تموت». ويتحدث موسى عن الدعم المادي الخليجي، خصوصاً من السعودية، الذي تلقاه وساعده على إحداث تغيير في الجامعة، بدءاً من مقرها الرئيسي وموظفيها، وصولاً إلى الدور الفاعل في كل القضايا العربية. وكان من أبرز القضايا التي طرأت بعد 4 أشهر من تسلمه منصبه، أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، وما خلفته من تداعيات على العرب والمسلمين والتي أظهرت «المشاعر السلبية تجاهنا»، مستعرضاً مساعيه لمعالجتها بدءاً من اتصالاته وتصريحاته، مروراً بلقاءاته مع المسؤولين الأميركيين، وصولاً إلى تنظيمه مؤتمراً تحت شعار: «حوار الحضارات، تواصل لا صراع».
حدثني الدكتور عصمت عبد المجيد، الأمين العام للجامعة العربية تليفونياً في الأيام الأخيرة من نوفمبر (تشرين الثاني) 2000. طالباً أن نلتقي لنتحدث في بعض الأمور الهامة، ومنها «منصب الأمين العام». فقلت: «وهو كذلك يا سيادة الأمين العام، سوف أزورك في مكتبك قبل نهاية الأسبوع»، وهو ما كان. ذكر الدكتور عصمت أن فترة ولايته على وشك الانقضاء، وأنه لا يزال قادراً على العطاء، وربما يكون من الممكن مدّ فترة الولاية سنة أو سنتين لأنه يعرف أن فترة ثالثة كاملة سوف تقابل بالرفض من عدد من الدول الأعضاء. وعدت بعرض الأمر على الرئيس مبارك، وهو ما فعلت مساء اليوم نفسه، وكان مما قلته للرئيس إنه قد يرى الموافقة ولو لفترة عام يمثل تكريماً، ويمكننا من التوافق على الشخصية المناسبة للمنصب. فكان رده: «قل له كفاية لحد كده... يا راجل دا فيه دول مهمة في الجامعة أبلغتني أن الجامعة نايمة خالص وح تموت». ثم أضاف بشيء من الحدة: «كفاية كدا... ما فيش تجديد».
بعد يومين أبلغت الدكتور عصمت تليفونياً أن هناك صعوبة في تلبية طلبه. تفهّم الرجل بهدوئه المعهود ولم يثر الموضوع مرة أخرى.
في صباح أحد الأيام الشتوية أواخر سنة 2000، وبينما أنا جالس على مائدة مستديرة في مكتبي بوزارة الخارجية أقرأ تقريراً ما، وأستمتع بشمس الشتاء، رن جرس التليفون الرئاسي. كان المتحدث سكرتير الرئيس للمعلومات السفير ماجد عبد الفتاح. بدأ حديثه بأن الرئيس يطلب من الوزير أن يعرض عليه اسماً أو أكثر يصلح أميناً عاماً للجامعة العربية، وأن الوقت أزف لتتقدم مصر باسم مرشحها للمنصب الكبير.
- رسالة مبارك
أردف السفير أنه «بكل صراحة يرى (بيننا وبين بعض) أنه لا أحد يصلح إلا سيادتك، وهو أيضاً رأي الرئيس». أدركت على الفور أنها رسالة من الرئيس مبارك. كان ردي: «شوف يا ماجد... قل للرئيس إنني موافق». لم تأخذ المكالمة أكثر من عدة دقائق. عاد السفير إلى الرئيس بعدها بالحل: الوزير موافق على أن يكون هو المرشح.
أعلنت مصر خبر ترشحي لخلافة عصمت عبد المجيد رسمياً في 15 فبراير 2001. وهو ما أحدث ضجة كبرى في مصر، كما في عدد كبير من العواصم العربية، بل والدولية. أعتقد أن واشنطن وتل أبيب سعدتا بذلك الخبر كثيراً. في مقابل شعور عربي يرى أن بقائي على رأس الخارجية المصرية أنجع وأكثر فائدة للمصالح العربية العليا.
يحكي الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، وزير خارجية السودان الأسبق، أن العقيد (معمر) القذافي وعمر البشير كانا مجتمعين في الخرطوم ومعهما وزيرا خارجيتيهما - الليبي علي التريكي، والسوداني مصطفى عثمان إسماعيل - وقت الإعلان عن ترشحي رسمياً لمنصب الأمين العام لجامعة العربية. ناقش الرئيسان ذلك الترشيح، ورحبا بهذا الاختيار، لكنهما مع وزيري الخارجية كانوا قلقين بالنسبة لشخص وزير الخارجية القادم في القاهرة. وذكر مصطفى عثمان للقذافي والبشير أن «مصلحة العرب والمنطقة تستدعي أن يبقى عمرو موسى وزيراً لخارجية مصر».
- الدعم السعودي والخليجي
من ناحية أخرى، أبدى لي وزير خارجية السعودية الأمير سعود الفيصل أن المملكة تؤيد عمرو موسى أينما كان وزيراً للخارجية أو أميناً عاماً للجامعة العربية، وأنني سوف ألقى منهم كل الدعم اللازم. أذكر أنني أثرت مع الأمير سعود الوضع المالي للجامعة الموشك على الإفلاس، وأنه من المهم دعمي بصفتي الأمين العام الجديد بما يمكنني من الحركة وإصلاح مؤسسة العمل العربي المشترك. وعد بالعرض على الأمير عبد الله بن عبد العزيز، ولي العهد آنذاك، مع دعمه وتأييده لهذا الطلب.
كنت أرى أن الجامعة قابلة للإصلاح، إذا أديرت إدارة حديثة، ووجدت الأموال اللازمة كي يشعر موظفوها بالأمان؛ ومن ثم يعطون أفضل ما لديهم. وبالفعل قمت بجولة في دول الخليج خرجت منها بوعود على أعلى المستويات بأنهم سوف يقدمون الأموال اللازمة في صورة دعم خاص للجامعة، بخلاف حصة كل دولة في الميزانية، مع تمكيني من التصرف فيها كما أريد، ثقة منهم في قدرة الإدارة الجديدة في الجامعة على دفع العمل العربي المشترك قدماً للأمام.
وبالفعل قرر الأمير عبد الله، ولي عهد السعودية آنذاك، دفع ستة ملايين دولار، وقرر السلطان قابوس سلطان عمان دفع ثلاثة ملايين دولار، وقرر الأمير حمد آل ثاني، أمير قطر، تقديم ثلاثة ملايين دولار، والصندوق العربي للتنمية في الكويت مليون دولار تخصص لتحديث الاتصالات في الأمانة العامة، وبعث إلي الشيخ حمدان بن زايد وزير الخارجية الإماراتية آنذاك بمبلغ مليون دولار اعتبرته تمهيداً لمبلغ أكبر في إطار ما يكنه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس الدولة، من إيمان بالجامعة العربية، ورغبته - رحمه الله - في دعم عمرو موسى، كما ذكر لي شخصياً.
- اليوم الأول في مقر الجامعة
في التاسعة والنصف من صباح 16 مايو (أيار) 2001 خرجت من بيتي وكانت سيارة الأمين العام في انتظاري. كانت سيارة قديمة ومتهالكة. لفت نظري رفع علم الجامعة العربية عليها. طلبت من الحارس إزالة العلم؛ فليس هناك ما يدعو لأن أسير في شوارع القاهرة بسيارة يرفرف عليها علم. قبيل العاشرة وصلت مقر الجامعة العربية في أول يوم لي أميناً عاماً لها. قصدت أول ما قصدت مكتب الأمين العام في الطابق الأول، ومعي السفير سمير سيف اليزل، وهو شخصية تنفيذية جيدة، انتدبته معي من وزارة الخارجية للإشراف على الشؤون المالية والإدارية بالجامعة. جلست أولاً في صالون المكتب، هالني أن الأنوار في الطابق كله خافتة، ودهانات الحوائط أكل عليها الزمان وشرب! قلت لسيف اليزل هذا المنظر يجب أن يتغير على الفور. افتحوا النوافذ، ادهنوا الحوائط بألوان فاتحة، واجعلوا الإضاءة زاهية كي لا تشجع على النوم!
كدت أجن عندما وقعت عيني على أسلاك التليفونات التي كان بعضها في الهواء أو على الحوائط. قلت إذا كان هذا المنظر في مكتب الأمين العام، فما بالنا ببقية المكاتب؟! طلبت حضور مدير الشؤون الإدارية. قلت له: هذا المنظر لا أراه في الغد. قال الرجل: «حاضر يا فندم... لكن امنحنا وقتاً لأن الأمر مرتبط بمصلحة التليفونات». قلت: عندك إلى نهاية الأسبوع، مفيش حاجة اسمها أسلاك في الهوا وتحت الشبابيك وتحت السجاجيد وعلى الحوائط... الكلام ده ما يمشيش... فاهم؟ قال لي: حاضر. استغرق تغيير هذا الوضع أسبوعين، ولكنه تغيّر بالفعل.
على صعيد تطوير مبنى الأمانة العامة للجامعة العربية عرضت المملكة المغربية تطوير قاعة من قاعات الجامعة، وتم ذلك بالفعل على الطراز المعماري المغربي الجميل، وطورت الصين قاعة ثانية هدية لي شخصياً. ثم غيرنا من ترتيب جلوس الوفود في القاعات، فكان يبدأ بالياء وينتهي بالألف، فأصدرت أوامري بأن يبدأ بالعكس، فكل وفد يدخل يجد نفسه جالساً في غير المكان الذي اعتاده لعشرات السنين. أجريت ذلك كله لإحداث الشعور بأن هناك وضعاً جديداً في الجامعة - على الأقل من حيث الشكل - يبدأ من مكان الجلوس، ولون الحوائط وفتح الأبواب والنوافذ المغلقة... إلخ.
- فريق العمل بالجامعة
اقتناعي كان راسخاً بأنه لا تطوير لمنظومة العمل العربي المشترك دون تطوير الكادر البشري من العاملين في الجامعة العربية والمؤسسات التابعة لها. بدأت ألتقي العاملين في شكل مجموعات، كل مجموعة تضم خمسة أو ستة أفراد لفرز من يمكن الاعتماد عليهم. من ضمن من قابلت ابنة الدكتور أحمد فتحي سرور، وكان رئيساً لمجلس الشعب وقتها. سألتها: أنت متعلمة فين؟ قالت: في مدرسة «المير دي ديو» la Mère de Dieu الفرنسية. لكنها قالت إنها نسيت اللغة الفرنسية، إذ لم تستخدمها منذ أن تخرجت.
قلت لها: هذا أول وآخر لقاء معك... اذهبي إلى المركز الثقافي الفرنسي وتعالي بعد ثلاثة أشهر تستعيدين فيها اللغة. إذا رجعت من دون شهادة إجادة الفرنسية لا مكان لك في الجامعة العربية. ذهبت تشتكي لوالدها، فقال لها: ما قاله لك عمرو موسى هو عين العقل. يجب أن تستعيدي لغتك. ووبخها. وقد كان، وعادت بعد أن استعادت قدرتها على التواصل بالفرنسية، وأصبحت مديرة لإدارة، مجدة ومجيدة في عملها.
خلال أول شهرين من اللقاءات مع العاملين اخترت منهم نحو 30 فرداً يمكن الاستثمار فيهم والاعتماد عليهم. وبدأت أكلفهم بمهام، وجدت أن تعليمهم راقٍ ولديهم الاستعداد للتطوير والعمل. كانوا لا يقلون في المستوى عن العاملين في أي منظمة أخرى... فقط يحتاجون التوجيه والثقة.
- أحداث 11 سبتمبر 2001
نحو أربعة أشهر فقط مرت على تسلمي مهام منصبي أميناً عاماً للجامعة العربية، عندما تعرضت الولايات المتحدة الأميركية لهجمات 11 سبتمبر سنة 2001. وبينما أنا منهمك في إعادة هيكلة الأمانة العامة للجامعة لتتواكب مع النقلة النوعية التي أنشدها للعمل العربي المشترك، حدثت تلك الفاجعة المروعة ذات الآثار السياسية المدمرة.
كنت في مكتبي بمقر الأمانة العامة للجامعة العربية يوم 11 سبتمبر 2001 عندما دخل أحد مساعدي مسرعاً في حدود الثالثة و10 دقائق بعد ظهر القاهرة (8:10 صباحاً بتوقيت نيويورك): سيادة الأمين العام... سيادة الأمين العام... أرجوك افتح التلفزيون. الولايات المتحدة تتعرض لهجوم جوي.
على الفور فتحت محطة CNN وإذا بها تبث صورة لطائرة تصطدم بأحد برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وتحدث فجوة كبيرة في الواجهة، وتنتشر سحابة دخان ضخمة من الطوابق العليا. لم تمر سوى 4 دقائق فقط على فتح التلفزيون وإذ بنا نفاجأ بطائرة ثانية تصطدم بوسط البرج الثاني من مركز التجارة العالمي وتحدث انفجاراً قوياً. قلت: يا إلهي... ما هذه الحرب التي تبث على الهواء مباشرة!! إنها أميركا... القوة الجبارة في العالم... أيعقل أن نظامها الأمني هش إلى هذه الدرجة؟!
- من فعلها يا ترى؟
دعوت إلى اجتماع فوري لعدد من المستشارين والمساعدين، وتحدثت إلى وزير الخارجية المصرية، أحمد ماهر السيد. تحدثت تليفونياً إلى عدد من وزراء الخارجية العرب وكان منهم وزير الخارجية السوري فاروق الشرع، الذي كان بالفعل مقدراً لخطورة الموقف، وتعّدى الأحداث في ذاتها إلى التفكير في عواقبها، ومن ثم بدأ مسار من التشاور بيننا فيما يجب أن نقوم به في الإطار العربي، وأخطرته بأنني أفكر جدياً في عمل تقوم به الجامعة العربية إعداداً واستشرافاً لردود الفعل على هذا الحدث الجلل.
عندما بدأت التقارير التي تبثها وكالات الأنباء وتذيعها القنوات الأميركية تشير إلى الاشتباه في تورط عرب في تلك الهجمات، قلت لزملائي: هذا ما كنت أتحسب له... ينتظرنا عمل شاق وطويل قد يستغرق سنوات، بعد أن أصبح العرب ودينهم الرئيسي (الإسلام) في موضع الاتهام.
طلبت من المساعدين المتابعة الدقيقة وموافاتي بالتطورات، وانهمكت في اتصالاتي مع قادة ووزراء عرب، بعضها تم بناء على طلبي، وبعضها تم بناء على طلبهم. في اليوم الثاني والثالث تلقيت طلبات من قنوات تلفزيونية أميركية للتعليق على الأحداث... الجامعة العربية مدعوة للتعليق على عدوان مواطنين عرب على مدن الولايات المتحدة... ذكر المستشارون أنه يجب تجنب الحديث في العلن باسم الجامعة العربية قبل اجتماع مجلسها على أعلى مستوى ممكن، وذكر آخرون أن التلفزيون الأميركي يحاول توريط الجامعة... إلخ.
لكنني كنت عازماً على الرد على الاتهامات التي تطال كل العرب وكل المسلمين، ووجدتها فرصة لا يصح إضاعتها لتأكيد دور الجامعة العربية باعتبارها متحدثاً باسم الدول العربية في مثل تلك الظروف، فوافقت على لقاء أكثر من برنامج، منها لقاء محطة NBC التي كانت أول المحطات الأميركية التي وصلت القاهرة.
قبل اللقاء أجريت عدداً من الاتصالات بالوزراء العرب وكذلك بالسفراء العرب المعتمدين لدى الجامعة وأخطرتهم بأنني سوف أتحدث إلى وسائل الإعلام العالمية فوراً، للتنديد بالحدث الإرهابي، ولتعزية الولايات المتحدة، ولإعلان رفض أي علاقة لهذه الحفنة من الأفراد المنحرفين المتهمين بالضلوع في الجريمة بمسار السياسة أو الدبلوماسية أو العلاقات العربية مع الولايات المتحدة، وأن الخلافات لا تحل هكذا.
- هجمة شرسة على العرب والمسلمين
تعرض المسلمون، وبخاصة العرب منهم في الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا في أعقاب أحداث 11 سبتمبر لموجة شرسة من الاضطهاد والتمييز، باعتبار أن أصابع الاتهام وجهت ضد عرب يدينون بالإسلام في الضلوع في تنفيذها. والحق أن التربة الأميركية والغربية كانت في تلك الأثناء - وما زالت - خصبة لمشاعر العداء والكراهية للمسلمين والعرب، وجاءت هذه الأحداث، لتمثل الذروة في التعبير عن هذه المشاعر السلبية تجاهنا. واستناداً إلى جريمة كانت بالفعل شنيعة.
أذكر أن رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق سيلفيو برلسكوني صرح في أعقاب أحداث 11 - 9 من برلين أن «الحضارة الغربية تفوق الثقافة الإسلامية، وأنه ليس للإسلام بصمات على الحضارة العالمية»، وهو ما رددت عليه حينئذ بمنتهى القوة؛ فقلت إن تصريحات رئيس الوزراء الإيطالي «تجاوزت حدود العقل... لا نعتقد أن هناك حضارة متفوقة، وإذا كان قد قال ذلك الكلام فهو مخطئ تماماً، وعليه أن يعتذر»، وهي التصريحات التي نقلتها عني وكالات الأنباء وأشارت إليها كبريات الصحف العالمية.
وبالفعل تراجع برلسكوني عن تلك التصريحات العنصرية، فبعد أن قال في البداية، إن فهمه أسيئ، وإن كلماته أخرجت عن السياق، اجتمع مع سفراء دول إسلامية ودبلوماسيين كبار، وقال لهم إن التصريحات المثيرة للجدل، التي زعم فيها تفوق الحضارة الغربية على الإسلام، قد نسبت إليه زوراً، وإنه «لم يتفوه قط بهذه الكلمات».
كما زرت الولايات المتحدة في نوفمبر 2001 لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي اقتصرت فعالياتها بسبب أحداث 11 - 9 على أسبوع واحد. التقيت خلال تلك الزيارة عدداً من المسؤولين الأميركيين، الذين بدوا في معظمهم على الأقل ممتنين لتصريحاتي التي أدانت بقوة هذه الأحداث. أكدت لهم أن العالم العربي يقف مع بلادهم ضد الإرهاب المخرب والمدمر‏. وقلت إن ما حدث من اعتداءات لم يتم باسم الشعوب العربية والإسلامية أو بتكليف منها. لال زيارتي للولايات المتحدة عقدت عدداً من الاجتماعات مع الجاليات العربية هناك، أولها كان في واشنطن‏. استمعت إلى مشاكلهم المتعددة. ونصحتهم بضرورة وجود صوت عربي يتحدث باسمهم‏. وناقشت ذلك خلال لقائي مع وزير الخارجية الأميركية كولن باول ومع آخرين في الإدارة الأميركية، مؤكداً على أن موضوع التمييز ضد العرب لا يمكن ولا يصح أن يستمر.
- «حوار الحضارات‏، تواصل لا صراع»
الحقيقة أنني خلال المناقشات مع عدد من المسؤولين والمثقفين الغربيين لمست أن بعضهم لا يتفق مع الحملة ضد العرب‏، وأنهم مدركون لخطورة تلك الحملة، ويرون أن العرب يجب أن يردوا عليها‏. وهو ما زاد من عزمي على عقد مؤتمر «حوار الحضارات‏، تواصل لا صراع» بمقر جامعة الدول العربية يومي 26‏ و‏27‏ نوفمبر 2001، بحضور أكثر من 100 مفكر عربي ذوي صلة بالوضع السياسي والثقافي في الدول الغربية‏، يمثلون الدول العربية والجاليات العربية في الدول الأجنبية‏.
لقد ناقش المشاركون على مدى يومي الحوار 40 ورقة عمل مقدمة للمؤتمر، إلى جانب ورقة العمل‏‏ التي أعدتها الأمانة العامة للجامعة العربية بشأن الخطوط العريضة للحوار، وذلك من أجل الخروج بخطة عمل للتحرك السريع ضد الهجمات الغربية على العرب والمسلمين، مع عرض الخطة بالكامل على الحكومات العربية وعرضها كذلك على القمة العربية التي كان مقرراً عقدها في بيروت في مارس (آذار) 2002. وهو ما تم.
وجه البعض انتقادات للمؤتمر، فقال: بدلاً من أن تقوم جامعة الدول العربية بدعوة المفكرين والمثقفين من كافة العالم الإسلامي، باعتبار أن الحوار سيكون بين الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات، فقد اقتصرت على دعوة مثقفين عرب فقط، وهو ما رددت عليه في حينه بأننا نعمل على تحريك التعاون العربي - العربي والفهم المشترك كمقدمة ضرورية للعمل على إطلاق تعاون عربي - إسلامي للمواجهة المشتركة للتحدي الحضاري القائم.
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.