عمرو موسى: مبارك رفض بقاء عصمت عبد المجيد وأحداث 11 سبتمبر أظهرت المشاعر السلبية تجاهنا

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (2)

عمرو موسى مع الأمير سعود الفيصل
عمرو موسى مع الأمير سعود الفيصل
TT

عمرو موسى: مبارك رفض بقاء عصمت عبد المجيد وأحداث 11 سبتمبر أظهرت المشاعر السلبية تجاهنا

عمرو موسى مع الأمير سعود الفيصل
عمرو موسى مع الأمير سعود الفيصل

في الحلقة الثانية التي تنشرها «الشرق الأوسط» من فصول كتاب الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى «سنوات الجامعة العربية»، الذي سيصدر قريباً عن «دار الشروق» المصرية، يتحدث موسى عن فترة تسلمه منصب الأمين العام للجامعة خلفاً لعصمت عبد المجيد، وتفاوت وجهة النظر العربية بين بقائه وزيراً للخارجية المصرية وبين تسلمه منصبه الجديد. ويكشف موسى أن عبد المجيد فاتحه برغبته بالبقاء بعد انتهاء ولايته، إلا أن الرئيس المصري السابق حسني مبارك رفض «لأن الجامعة نايمة وح تموت». ويتحدث موسى عن الدعم المادي الخليجي، خصوصاً من السعودية، الذي تلقاه وساعده على إحداث تغيير في الجامعة، بدءاً من مقرها الرئيسي وموظفيها، وصولاً إلى الدور الفاعل في كل القضايا العربية. وكان من أبرز القضايا التي طرأت بعد 4 أشهر من تسلمه منصبه، أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، وما خلفته من تداعيات على العرب والمسلمين والتي أظهرت «المشاعر السلبية تجاهنا»، مستعرضاً مساعيه لمعالجتها بدءاً من اتصالاته وتصريحاته، مروراً بلقاءاته مع المسؤولين الأميركيين، وصولاً إلى تنظيمه مؤتمراً تحت شعار: «حوار الحضارات، تواصل لا صراع».
حدثني الدكتور عصمت عبد المجيد، الأمين العام للجامعة العربية تليفونياً في الأيام الأخيرة من نوفمبر (تشرين الثاني) 2000. طالباً أن نلتقي لنتحدث في بعض الأمور الهامة، ومنها «منصب الأمين العام». فقلت: «وهو كذلك يا سيادة الأمين العام، سوف أزورك في مكتبك قبل نهاية الأسبوع»، وهو ما كان. ذكر الدكتور عصمت أن فترة ولايته على وشك الانقضاء، وأنه لا يزال قادراً على العطاء، وربما يكون من الممكن مدّ فترة الولاية سنة أو سنتين لأنه يعرف أن فترة ثالثة كاملة سوف تقابل بالرفض من عدد من الدول الأعضاء. وعدت بعرض الأمر على الرئيس مبارك، وهو ما فعلت مساء اليوم نفسه، وكان مما قلته للرئيس إنه قد يرى الموافقة ولو لفترة عام يمثل تكريماً، ويمكننا من التوافق على الشخصية المناسبة للمنصب. فكان رده: «قل له كفاية لحد كده... يا راجل دا فيه دول مهمة في الجامعة أبلغتني أن الجامعة نايمة خالص وح تموت». ثم أضاف بشيء من الحدة: «كفاية كدا... ما فيش تجديد».
بعد يومين أبلغت الدكتور عصمت تليفونياً أن هناك صعوبة في تلبية طلبه. تفهّم الرجل بهدوئه المعهود ولم يثر الموضوع مرة أخرى.
في صباح أحد الأيام الشتوية أواخر سنة 2000، وبينما أنا جالس على مائدة مستديرة في مكتبي بوزارة الخارجية أقرأ تقريراً ما، وأستمتع بشمس الشتاء، رن جرس التليفون الرئاسي. كان المتحدث سكرتير الرئيس للمعلومات السفير ماجد عبد الفتاح. بدأ حديثه بأن الرئيس يطلب من الوزير أن يعرض عليه اسماً أو أكثر يصلح أميناً عاماً للجامعة العربية، وأن الوقت أزف لتتقدم مصر باسم مرشحها للمنصب الكبير.
- رسالة مبارك
أردف السفير أنه «بكل صراحة يرى (بيننا وبين بعض) أنه لا أحد يصلح إلا سيادتك، وهو أيضاً رأي الرئيس». أدركت على الفور أنها رسالة من الرئيس مبارك. كان ردي: «شوف يا ماجد... قل للرئيس إنني موافق». لم تأخذ المكالمة أكثر من عدة دقائق. عاد السفير إلى الرئيس بعدها بالحل: الوزير موافق على أن يكون هو المرشح.
أعلنت مصر خبر ترشحي لخلافة عصمت عبد المجيد رسمياً في 15 فبراير 2001. وهو ما أحدث ضجة كبرى في مصر، كما في عدد كبير من العواصم العربية، بل والدولية. أعتقد أن واشنطن وتل أبيب سعدتا بذلك الخبر كثيراً. في مقابل شعور عربي يرى أن بقائي على رأس الخارجية المصرية أنجع وأكثر فائدة للمصالح العربية العليا.
يحكي الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، وزير خارجية السودان الأسبق، أن العقيد (معمر) القذافي وعمر البشير كانا مجتمعين في الخرطوم ومعهما وزيرا خارجيتيهما - الليبي علي التريكي، والسوداني مصطفى عثمان إسماعيل - وقت الإعلان عن ترشحي رسمياً لمنصب الأمين العام لجامعة العربية. ناقش الرئيسان ذلك الترشيح، ورحبا بهذا الاختيار، لكنهما مع وزيري الخارجية كانوا قلقين بالنسبة لشخص وزير الخارجية القادم في القاهرة. وذكر مصطفى عثمان للقذافي والبشير أن «مصلحة العرب والمنطقة تستدعي أن يبقى عمرو موسى وزيراً لخارجية مصر».
- الدعم السعودي والخليجي
من ناحية أخرى، أبدى لي وزير خارجية السعودية الأمير سعود الفيصل أن المملكة تؤيد عمرو موسى أينما كان وزيراً للخارجية أو أميناً عاماً للجامعة العربية، وأنني سوف ألقى منهم كل الدعم اللازم. أذكر أنني أثرت مع الأمير سعود الوضع المالي للجامعة الموشك على الإفلاس، وأنه من المهم دعمي بصفتي الأمين العام الجديد بما يمكنني من الحركة وإصلاح مؤسسة العمل العربي المشترك. وعد بالعرض على الأمير عبد الله بن عبد العزيز، ولي العهد آنذاك، مع دعمه وتأييده لهذا الطلب.
كنت أرى أن الجامعة قابلة للإصلاح، إذا أديرت إدارة حديثة، ووجدت الأموال اللازمة كي يشعر موظفوها بالأمان؛ ومن ثم يعطون أفضل ما لديهم. وبالفعل قمت بجولة في دول الخليج خرجت منها بوعود على أعلى المستويات بأنهم سوف يقدمون الأموال اللازمة في صورة دعم خاص للجامعة، بخلاف حصة كل دولة في الميزانية، مع تمكيني من التصرف فيها كما أريد، ثقة منهم في قدرة الإدارة الجديدة في الجامعة على دفع العمل العربي المشترك قدماً للأمام.
وبالفعل قرر الأمير عبد الله، ولي عهد السعودية آنذاك، دفع ستة ملايين دولار، وقرر السلطان قابوس سلطان عمان دفع ثلاثة ملايين دولار، وقرر الأمير حمد آل ثاني، أمير قطر، تقديم ثلاثة ملايين دولار، والصندوق العربي للتنمية في الكويت مليون دولار تخصص لتحديث الاتصالات في الأمانة العامة، وبعث إلي الشيخ حمدان بن زايد وزير الخارجية الإماراتية آنذاك بمبلغ مليون دولار اعتبرته تمهيداً لمبلغ أكبر في إطار ما يكنه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس الدولة، من إيمان بالجامعة العربية، ورغبته - رحمه الله - في دعم عمرو موسى، كما ذكر لي شخصياً.
- اليوم الأول في مقر الجامعة
في التاسعة والنصف من صباح 16 مايو (أيار) 2001 خرجت من بيتي وكانت سيارة الأمين العام في انتظاري. كانت سيارة قديمة ومتهالكة. لفت نظري رفع علم الجامعة العربية عليها. طلبت من الحارس إزالة العلم؛ فليس هناك ما يدعو لأن أسير في شوارع القاهرة بسيارة يرفرف عليها علم. قبيل العاشرة وصلت مقر الجامعة العربية في أول يوم لي أميناً عاماً لها. قصدت أول ما قصدت مكتب الأمين العام في الطابق الأول، ومعي السفير سمير سيف اليزل، وهو شخصية تنفيذية جيدة، انتدبته معي من وزارة الخارجية للإشراف على الشؤون المالية والإدارية بالجامعة. جلست أولاً في صالون المكتب، هالني أن الأنوار في الطابق كله خافتة، ودهانات الحوائط أكل عليها الزمان وشرب! قلت لسيف اليزل هذا المنظر يجب أن يتغير على الفور. افتحوا النوافذ، ادهنوا الحوائط بألوان فاتحة، واجعلوا الإضاءة زاهية كي لا تشجع على النوم!
كدت أجن عندما وقعت عيني على أسلاك التليفونات التي كان بعضها في الهواء أو على الحوائط. قلت إذا كان هذا المنظر في مكتب الأمين العام، فما بالنا ببقية المكاتب؟! طلبت حضور مدير الشؤون الإدارية. قلت له: هذا المنظر لا أراه في الغد. قال الرجل: «حاضر يا فندم... لكن امنحنا وقتاً لأن الأمر مرتبط بمصلحة التليفونات». قلت: عندك إلى نهاية الأسبوع، مفيش حاجة اسمها أسلاك في الهوا وتحت الشبابيك وتحت السجاجيد وعلى الحوائط... الكلام ده ما يمشيش... فاهم؟ قال لي: حاضر. استغرق تغيير هذا الوضع أسبوعين، ولكنه تغيّر بالفعل.
على صعيد تطوير مبنى الأمانة العامة للجامعة العربية عرضت المملكة المغربية تطوير قاعة من قاعات الجامعة، وتم ذلك بالفعل على الطراز المعماري المغربي الجميل، وطورت الصين قاعة ثانية هدية لي شخصياً. ثم غيرنا من ترتيب جلوس الوفود في القاعات، فكان يبدأ بالياء وينتهي بالألف، فأصدرت أوامري بأن يبدأ بالعكس، فكل وفد يدخل يجد نفسه جالساً في غير المكان الذي اعتاده لعشرات السنين. أجريت ذلك كله لإحداث الشعور بأن هناك وضعاً جديداً في الجامعة - على الأقل من حيث الشكل - يبدأ من مكان الجلوس، ولون الحوائط وفتح الأبواب والنوافذ المغلقة... إلخ.
- فريق العمل بالجامعة
اقتناعي كان راسخاً بأنه لا تطوير لمنظومة العمل العربي المشترك دون تطوير الكادر البشري من العاملين في الجامعة العربية والمؤسسات التابعة لها. بدأت ألتقي العاملين في شكل مجموعات، كل مجموعة تضم خمسة أو ستة أفراد لفرز من يمكن الاعتماد عليهم. من ضمن من قابلت ابنة الدكتور أحمد فتحي سرور، وكان رئيساً لمجلس الشعب وقتها. سألتها: أنت متعلمة فين؟ قالت: في مدرسة «المير دي ديو» la Mère de Dieu الفرنسية. لكنها قالت إنها نسيت اللغة الفرنسية، إذ لم تستخدمها منذ أن تخرجت.
قلت لها: هذا أول وآخر لقاء معك... اذهبي إلى المركز الثقافي الفرنسي وتعالي بعد ثلاثة أشهر تستعيدين فيها اللغة. إذا رجعت من دون شهادة إجادة الفرنسية لا مكان لك في الجامعة العربية. ذهبت تشتكي لوالدها، فقال لها: ما قاله لك عمرو موسى هو عين العقل. يجب أن تستعيدي لغتك. ووبخها. وقد كان، وعادت بعد أن استعادت قدرتها على التواصل بالفرنسية، وأصبحت مديرة لإدارة، مجدة ومجيدة في عملها.
خلال أول شهرين من اللقاءات مع العاملين اخترت منهم نحو 30 فرداً يمكن الاستثمار فيهم والاعتماد عليهم. وبدأت أكلفهم بمهام، وجدت أن تعليمهم راقٍ ولديهم الاستعداد للتطوير والعمل. كانوا لا يقلون في المستوى عن العاملين في أي منظمة أخرى... فقط يحتاجون التوجيه والثقة.
- أحداث 11 سبتمبر 2001
نحو أربعة أشهر فقط مرت على تسلمي مهام منصبي أميناً عاماً للجامعة العربية، عندما تعرضت الولايات المتحدة الأميركية لهجمات 11 سبتمبر سنة 2001. وبينما أنا منهمك في إعادة هيكلة الأمانة العامة للجامعة لتتواكب مع النقلة النوعية التي أنشدها للعمل العربي المشترك، حدثت تلك الفاجعة المروعة ذات الآثار السياسية المدمرة.
كنت في مكتبي بمقر الأمانة العامة للجامعة العربية يوم 11 سبتمبر 2001 عندما دخل أحد مساعدي مسرعاً في حدود الثالثة و10 دقائق بعد ظهر القاهرة (8:10 صباحاً بتوقيت نيويورك): سيادة الأمين العام... سيادة الأمين العام... أرجوك افتح التلفزيون. الولايات المتحدة تتعرض لهجوم جوي.
على الفور فتحت محطة CNN وإذا بها تبث صورة لطائرة تصطدم بأحد برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وتحدث فجوة كبيرة في الواجهة، وتنتشر سحابة دخان ضخمة من الطوابق العليا. لم تمر سوى 4 دقائق فقط على فتح التلفزيون وإذ بنا نفاجأ بطائرة ثانية تصطدم بوسط البرج الثاني من مركز التجارة العالمي وتحدث انفجاراً قوياً. قلت: يا إلهي... ما هذه الحرب التي تبث على الهواء مباشرة!! إنها أميركا... القوة الجبارة في العالم... أيعقل أن نظامها الأمني هش إلى هذه الدرجة؟!
- من فعلها يا ترى؟
دعوت إلى اجتماع فوري لعدد من المستشارين والمساعدين، وتحدثت إلى وزير الخارجية المصرية، أحمد ماهر السيد. تحدثت تليفونياً إلى عدد من وزراء الخارجية العرب وكان منهم وزير الخارجية السوري فاروق الشرع، الذي كان بالفعل مقدراً لخطورة الموقف، وتعّدى الأحداث في ذاتها إلى التفكير في عواقبها، ومن ثم بدأ مسار من التشاور بيننا فيما يجب أن نقوم به في الإطار العربي، وأخطرته بأنني أفكر جدياً في عمل تقوم به الجامعة العربية إعداداً واستشرافاً لردود الفعل على هذا الحدث الجلل.
عندما بدأت التقارير التي تبثها وكالات الأنباء وتذيعها القنوات الأميركية تشير إلى الاشتباه في تورط عرب في تلك الهجمات، قلت لزملائي: هذا ما كنت أتحسب له... ينتظرنا عمل شاق وطويل قد يستغرق سنوات، بعد أن أصبح العرب ودينهم الرئيسي (الإسلام) في موضع الاتهام.
طلبت من المساعدين المتابعة الدقيقة وموافاتي بالتطورات، وانهمكت في اتصالاتي مع قادة ووزراء عرب، بعضها تم بناء على طلبي، وبعضها تم بناء على طلبهم. في اليوم الثاني والثالث تلقيت طلبات من قنوات تلفزيونية أميركية للتعليق على الأحداث... الجامعة العربية مدعوة للتعليق على عدوان مواطنين عرب على مدن الولايات المتحدة... ذكر المستشارون أنه يجب تجنب الحديث في العلن باسم الجامعة العربية قبل اجتماع مجلسها على أعلى مستوى ممكن، وذكر آخرون أن التلفزيون الأميركي يحاول توريط الجامعة... إلخ.
لكنني كنت عازماً على الرد على الاتهامات التي تطال كل العرب وكل المسلمين، ووجدتها فرصة لا يصح إضاعتها لتأكيد دور الجامعة العربية باعتبارها متحدثاً باسم الدول العربية في مثل تلك الظروف، فوافقت على لقاء أكثر من برنامج، منها لقاء محطة NBC التي كانت أول المحطات الأميركية التي وصلت القاهرة.
قبل اللقاء أجريت عدداً من الاتصالات بالوزراء العرب وكذلك بالسفراء العرب المعتمدين لدى الجامعة وأخطرتهم بأنني سوف أتحدث إلى وسائل الإعلام العالمية فوراً، للتنديد بالحدث الإرهابي، ولتعزية الولايات المتحدة، ولإعلان رفض أي علاقة لهذه الحفنة من الأفراد المنحرفين المتهمين بالضلوع في الجريمة بمسار السياسة أو الدبلوماسية أو العلاقات العربية مع الولايات المتحدة، وأن الخلافات لا تحل هكذا.
- هجمة شرسة على العرب والمسلمين
تعرض المسلمون، وبخاصة العرب منهم في الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا في أعقاب أحداث 11 سبتمبر لموجة شرسة من الاضطهاد والتمييز، باعتبار أن أصابع الاتهام وجهت ضد عرب يدينون بالإسلام في الضلوع في تنفيذها. والحق أن التربة الأميركية والغربية كانت في تلك الأثناء - وما زالت - خصبة لمشاعر العداء والكراهية للمسلمين والعرب، وجاءت هذه الأحداث، لتمثل الذروة في التعبير عن هذه المشاعر السلبية تجاهنا. واستناداً إلى جريمة كانت بالفعل شنيعة.
أذكر أن رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق سيلفيو برلسكوني صرح في أعقاب أحداث 11 - 9 من برلين أن «الحضارة الغربية تفوق الثقافة الإسلامية، وأنه ليس للإسلام بصمات على الحضارة العالمية»، وهو ما رددت عليه حينئذ بمنتهى القوة؛ فقلت إن تصريحات رئيس الوزراء الإيطالي «تجاوزت حدود العقل... لا نعتقد أن هناك حضارة متفوقة، وإذا كان قد قال ذلك الكلام فهو مخطئ تماماً، وعليه أن يعتذر»، وهي التصريحات التي نقلتها عني وكالات الأنباء وأشارت إليها كبريات الصحف العالمية.
وبالفعل تراجع برلسكوني عن تلك التصريحات العنصرية، فبعد أن قال في البداية، إن فهمه أسيئ، وإن كلماته أخرجت عن السياق، اجتمع مع سفراء دول إسلامية ودبلوماسيين كبار، وقال لهم إن التصريحات المثيرة للجدل، التي زعم فيها تفوق الحضارة الغربية على الإسلام، قد نسبت إليه زوراً، وإنه «لم يتفوه قط بهذه الكلمات».
كما زرت الولايات المتحدة في نوفمبر 2001 لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي اقتصرت فعالياتها بسبب أحداث 11 - 9 على أسبوع واحد. التقيت خلال تلك الزيارة عدداً من المسؤولين الأميركيين، الذين بدوا في معظمهم على الأقل ممتنين لتصريحاتي التي أدانت بقوة هذه الأحداث. أكدت لهم أن العالم العربي يقف مع بلادهم ضد الإرهاب المخرب والمدمر‏. وقلت إن ما حدث من اعتداءات لم يتم باسم الشعوب العربية والإسلامية أو بتكليف منها. لال زيارتي للولايات المتحدة عقدت عدداً من الاجتماعات مع الجاليات العربية هناك، أولها كان في واشنطن‏. استمعت إلى مشاكلهم المتعددة. ونصحتهم بضرورة وجود صوت عربي يتحدث باسمهم‏. وناقشت ذلك خلال لقائي مع وزير الخارجية الأميركية كولن باول ومع آخرين في الإدارة الأميركية، مؤكداً على أن موضوع التمييز ضد العرب لا يمكن ولا يصح أن يستمر.
- «حوار الحضارات‏، تواصل لا صراع»
الحقيقة أنني خلال المناقشات مع عدد من المسؤولين والمثقفين الغربيين لمست أن بعضهم لا يتفق مع الحملة ضد العرب‏، وأنهم مدركون لخطورة تلك الحملة، ويرون أن العرب يجب أن يردوا عليها‏. وهو ما زاد من عزمي على عقد مؤتمر «حوار الحضارات‏، تواصل لا صراع» بمقر جامعة الدول العربية يومي 26‏ و‏27‏ نوفمبر 2001، بحضور أكثر من 100 مفكر عربي ذوي صلة بالوضع السياسي والثقافي في الدول الغربية‏، يمثلون الدول العربية والجاليات العربية في الدول الأجنبية‏.
لقد ناقش المشاركون على مدى يومي الحوار 40 ورقة عمل مقدمة للمؤتمر، إلى جانب ورقة العمل‏‏ التي أعدتها الأمانة العامة للجامعة العربية بشأن الخطوط العريضة للحوار، وذلك من أجل الخروج بخطة عمل للتحرك السريع ضد الهجمات الغربية على العرب والمسلمين، مع عرض الخطة بالكامل على الحكومات العربية وعرضها كذلك على القمة العربية التي كان مقرراً عقدها في بيروت في مارس (آذار) 2002. وهو ما تم.
وجه البعض انتقادات للمؤتمر، فقال: بدلاً من أن تقوم جامعة الدول العربية بدعوة المفكرين والمثقفين من كافة العالم الإسلامي، باعتبار أن الحوار سيكون بين الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات، فقد اقتصرت على دعوة مثقفين عرب فقط، وهو ما رددت عليه في حينه بأننا نعمل على تحريك التعاون العربي - العربي والفهم المشترك كمقدمة ضرورية للعمل على إطلاق تعاون عربي - إسلامي للمواجهة المشتركة للتحدي الحضاري القائم.
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
TT

«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)

أشعل مشروع «ذا سباين» جدلاً حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر، مجدداً التساؤلات بشأن النمو اللافت لاستثمارات قطاع العقارات لا سيما في ظل شكاوى مصريين من ظروف اقتصادية صعبة ومحاولات حكومية لتخفيف وطأتها.

وأعلن هشام طلعت مصطفى، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لـ«مجموعة طلعت مصطفى» المصرية، خلال مؤتمر صحافي بحضور رئيس الوزراء، مساء السبت، عزم المجموعة بناء مدينة جديدة متعددة الاستخدامات شرق القاهرة بتكلفة 1.4 تريليون جنيه مصري (27 مليار دولار) على مساحة نحو 2.4 مليون متر مربع، تجمع بين الوحدات السكنية والمرافق التجارية والفندقية والتجزئة والترفيه والمساحات الخضراء.

وتحمل المدينة اسم «ذا سباين»، ويجري تطويرها بالشراكة مع البنك الأهلي المصري، برأس مال مدفوع قدره 69 مليار جنيه (1.3 مليار دولار).

مدبولي خلال كلمته عن المشروع (مجلس الوزراء)

وأثار المشروع جدلاً على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات عن تمويله. وبينما انتقد عدد من الرواد هذا الكم من الاستثمارات في بناء «مدينة فارهة» تضاف إلى مثيلاتها اللاتي «لا يستطيع غالبية المصريين السكن فيها»، وإلى نحو 12 مليون وحدة سكنية مغلقة بحسب بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء»، دافع آخرون عن المشروع، وعدُّوه وسيلة لتحقيق التنمية والرواج الاقتصادي، وأرجعوا الجدل بشأنه إلى أن تمويله مصري على عكس مشروعات أخرى لمدن فارهة تنفَّذ باستثمارات عربية.

وأشار عدد من رواد مواقع التواصل في تعليقاتهم إلى أن «المبلغ المعلن هو إجمالي ما سينفَق على المشروع خلال مدة تنفيذه التي قد تتجاوز 10 سنوات»، لافتين إلى أن «جزءاً من تمويل المشروعات العقارية عادة ما يعتمد على ما يدفعه الراغبون في شراء وحدات فيه من مقدمات حجز وأقساط».

وكتب أحد المعلقين أن «المشروعات الضخمة مثل (ذا سباين) لا تؤثر في قطاع واحد فقط، بل تُنشّط الاقتصاد بشكل متكامل، وتسهم في تنويع مصادر الدخل».

وعدَّ المدون المصري لؤي الخطيب، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إطلاق المشروع «ناسفاً ادعاءات انهيار الاقتصاد» المصري.

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قد أكد في كلمته خلال إطلاق «ذا سباين» أن «المشروع يحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة»، مشيراً إلى توقيع عقود مشروعات كبرى مماثلة في القاعة نفسها من قبل، بينها مشروعات في الساحل الشمالي في إشارة إلى (مشروع رأس الحكمة باستثمارات إماراتية)، لافتاً إلى «أن الشيء المهم جداً هو أننا نطلق هذا المشروع العالمي بكل المقاييس، في خضم حروب وصراعات جيوسياسية بهذا الحجم الكبير، تفرض حالة من عدم اليقين بالمستقبل، أو عدم استشراف شكل المنطقة أو العالم».

وقال مدبولي إن «المشروع سيوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه، كما يضع مصر في مصاف الدول التي استثمرت بصورة كبيرة للغاية في إنشاء مثل هذه النوعية من المراكز التي تسمى مراكز مالية وإدارية وتجارية».

وعدّ الإعلان عن المشروع «دليلاً على أمن مصر، لا سيما أنه ينطلق في خضم أوضاع عالمية وإقليمية تخلق حالة من عدم اليقين».

وتشهد حركة البناء والتشييد نمواً ملحوظاً في مصر، لا سيما أن كثيراً من المصريين يعدون العقارات مخزن قيمة تتزايد أهميته في ظل ظروف عدم اليقين الحالية.

ويرى الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة أن «السوق العقارية أحد القطاعات النامية بقوة في مصر»، موضحاً أن «حجم الاستثمارات المعلن في (ذا سباين) هو قيمة المبلغ الذي سينفَق على إنشاء المشروعات في مدى زمني يصل إلى 15 عاماً، كما أن جزءاً من التمويل سيكون من مقدمات الحجز، كما هو الحال في معظم المشروعات المماثلة».

وأضاف بدرة لـ«الشرق الأوسط»: «العقار هو الملاذ الآمن للمصريين، وهناك طلب على هذا النوع من المشروعات، سواء في الداخل أو من الخارج (أجانب ومستثمرين)»، لافتاً إلى أن شركات العقارات الكبرى «لن تقدم على مشروع بهذا الحجم دون دراسة تؤكد أن السوق تسمح، وتحتاج للمزيد»، وأكد أن «الحديث عن فقاعة عقارية في مصر ليس له أساس».

يتفق أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في «بولد روتس - مصر» للتسويق العقاري، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر دولة نامية، ومن طبيعة الدول النامية أن تشهد نمواً في السوق العقارية تزامناً مع نموها السكاني».

وأضاف: «هناك تباين في حجم الطلب خلال الربع الأول من العام الحالي بين شركات حققت نمواً ومبيعات كبيرة، وأخرى شهدت ركوداً، معظمها من الشركات حديثة العهد بصناعة العقار»، مرجعاً التباين إلى «حالة عدم اليقين التي رافقت الأحداث الجيوسياسية»، لكنه أكد أن «حجم الطلب والمبيعات يشهد نمواً لدى الشركات ذات الخبرة الطويلة التي تنفذ مشروعات كبرى على غرار (ذا سباين)»، وتابع: «مشروعات المدن الكبرى تخاطب عادة الشرائح العليا من المجتمع والمستثمرين والأجانب».


الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
TT

الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

وصف الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، زيارته إلى فرنسا بأنها «خطوة مهمة» في مسار تعزيز «العلاقات القائمة على الثقة» بين البلدين، وذلك في ختام زيارة استمرت 4 أيام.

وقال ولد الغزواني في تدوينة على منصة «إكس»: «في ختام زيارة الدولة التي قمت بها إلى فرنسا، أود أن أعرب عن خالص امتناني لصديقي فخامة الرئيس إيمانويل ماكرون على حفاوة الاستقبال، وثراء المباحثات التي جمعتنا».

وأضاف: «‏لقد شكلت هذه الزيارة محطة مهمة في تعزيز شراكة دولتينا، القائمة على الثقة والطموح ورؤية مشتركة لمواجهة التحديات الكبرى في عصرنا».

الرئيس الفرنسي وقرينته لدى استقبال رئيس موريتانيا وقرينته (الرئاسة الموريتانية)

وكانت الرئاسة الموريتانية قد احتفت بالزيارة، وقالت إنها المرة الأولى التي يقوم فيها رئيس موريتاني بزيارة دولة إلى فرنسا منذ 64 عاماً. وبدا واضحاً أن الهدف منها هو تأسيس «شراكة استراتيجية» بين البلدين، وسط تراجع النفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا والساحل.

وعقب استقباله في قصر الإليزيه، أشاد ماكرون خلال مؤتمر صحافي بمستوى العلاقات بين البلدين، ووصف موريتانيا بـ«الشريك الأساسي» لفرنسا.

«آخر الحلفاء»

حظيت زيارة الرئيس الموريتاني إلى باريس باهتمام الإعلام الفرنسي، حيث كتبت صحيفة «ليبراسيون» أن ماكرون يسعى لتعزيز العلاقات «مع آخر حلفائه في منطقة الساحل»؛ في إشارة إلى القطيعة بين فرنسا وأغلب مستعمراتها السابقة في الساحل، خصوصاً مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وظهور تيارات سياسية معادية لفرنسا في منطقة غرب أفريقيا، لصالح الصعود الروسي والصيني.

وقالت الصحيفة إن باريس ونواكشوط تربطهما «علاقات تعاون عسكري طويلة الأمد»، مشيرة إلى أن هذا التعاون استمر على الرغم من أن موريتانيا لم يسبق لها أن احتضنت أي قاعدة عسكرية فرنسية.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

أما صحيفة «لو موند» فقد نشرت موضوعاً تحت عنوان: «آخر حليف موثوق به لفرنسا في منطقة الساحل... الرئيس الموريتاني يرغب في تعزيز تعاونه العسكري مع باريس»، وأشارت إلى أنه بعد طرد القوات الفرنسية من دول الساحل «باتت موريتانيا تقدم نفسها كآخر حليف متبقٍّ لفرنسا في المنطقة».

في السياق نفسه، نشر المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية موضوعاً تحدث فيه عن العلاقات بين فرنسا وموريتانيا، ورأى أنها «نموذج للعلاقات الهادئة بين باريس ومستعمرة سابقة»، مضيفاً أن ولد الغزواني «حليف موثوق به في منطقة عانت فيها فرنسا انتكاسات كبيرة في السنوات الأخيرة».

الحضور الاقتصادي

رغم التركيز الكبير والواضح على الملف الأمني والتعاون العسكري بين باريس ونواكشوط، كان الجانب الاقتصادي حاضراً هو الآخر بقوة، حيث شهدت الزيارة سلسلة من اللقاءات الاقتصادية رفيعة المستوى، ركزت على تعزيز الشراكة الثنائية، وتوسيع مجالات التعاون بين البلدين.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في قصر الإليزيه بباريس (الرئاسة الموريتانية)

وافتتح الرئيس الموريتاني من باريس المنتدى الاقتصادي الموريتاني - الفرنسي، حيث دعا إلى توسيع الاستثمارات الفرنسية في بلاده، خصوصاً في القطاعات الحيوية كالتعدين والطاقة والبنى التحتية، مؤكداً أن موريتانيا توفر فرصاً واعدة ومناخاً استثمارياً جاذباً.

وزار ولد الغزواني مدينة بريست الفرنسية، حيث اطَّلع على تجارب فرنسية في مجال الصناعات والبحوث البحرية، بما في ذلك زيارة شركة «PIRIOU» والمعهد الفرنسي لعلوم البحار.

مكانة دولية

الوزير الأول الموريتاني، المختار ولد أجاي، وصف الزيارة بأنها «محطة ناجحة وموفقة»، وقال إنها «عكست مستوى متقدماً من علاقات التعاون بين البلدين».

ونشر ولد أجاي تدوينة على «فيسبوك» قال فيها إن الزيارة «دليل جديد على المكانة التي باتت تحتلها موريتانيا على الساحة الدولية»، مشيراً إلى أن ماكرون قدم موريتانيا على أنها «نموذج في تبنِّي نهج قائم على الاستقلال الاستراتيجي والمسؤولية».

وخلص الوزير الأول إلى أن نتائج الزيارة من شأنها تعزيز الشراكة بين البلدين، وفتح آفاق جديدة للتعاون في مختلف المجالات؛ بينما لم يصدر أي بيان مشترك حول نتائج الزيارة.

علاقة مضطربة

ترتبط موريتانيا وفرنسا بعلاقات شديدة التعقيد، بدأت منذ بداية القرن العشرين حين دخلت فرنسا الأراضي الموريتانية كقوة استعمارية، ولكنها منحتها الاستقلال عام 1960.

غير أن قوى معارضة آنذاك ظلت تعد ذلك الاستقلال «شكلياً»؛ لأن الإدارة وقيادة الجيش والأمن كانت بيد الفرنسيين، كما أن الثروات المعدنية هي الأخرى كانت تهيمن عليها شركات فرنسية، جرى تأميمها فيما بعد، في عام 1974.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي بباريس (الرئاسة الموريتانية)

ومنذ الاستقلال، مرت العلاقات بفترات من التقلب، وصولاً إلى ذروة التوتر عام 1999 حين طردت موريتانيا المسؤولين العسكريين الفرنسيين وقوات كانت تتولى مهام تدريب وتأطير العسكريين الموريتانيين. وجاء القرار على خلفية اعتقال ضابط موريتاني في باريس في إطار اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان.

وعادت العلاقات بين البلدين إلى التهدئة ثم القرب الوثيق، خصوصاً مع تصاعد خطر الإرهاب والتطرف في منطقة الساحل، وموجة الانقلابات في دول الساحل، وطرد القوات الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد، ثم خروجها فيما بعد من كوت ديفوار والسنغال، وفقدان باريس كثيراً من مراكز قوتها التقليدية.


مصر تشدد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تشدد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

جددت مصر التأكيد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت أو أي دولة عربية. وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الأحد، خلال استقباله وزير خارجية الكويت الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، أن «أمن الكويت وسائر الدول العربية هو امتداد طبيعي لأمن مصر القومي»، حسب إفادة رسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية.

وشدد السيسي على «دعم مصر الكامل لأمن واستقرار الكويت ولما تتخذه من إجراءات لحماية مقدرات شعبها».

ونقل بيان الرئاسة المصرية تثمين وزير الخارجية الكويتي «المواقف التاريخية لمصر في دعم أمن وسيادة واستقرار الكويت، ووقوفها الدائم إلى جانب أمن دول الخليج العربي»، معرباً عن «تطلع بلاده إلى تكثيف التشاور والتنسيق مع مصر، بما يسهم في الحفاظ على السلم والاستقرار الإقليمي وصون أمن الدول العربية».

وعقد السيسي جلسة مباحثات مع وزير الخارجية الكويتي تناولت تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات، لا سيما الاستثمارية والتجارية، حسب الإفادة. كما عقد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الكويتي جراح الصباح جلسة مشاورات سياسية تناولت الجهود الرامية إلى وقف التصعيد وإنهاء الحرب، ومستجدات المفاوضات الأميركية - الإيرانية، حسب المتحدث باسم الخارجية المصرية.

محادثات مصرية - كويتية موسعة الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وجدد عبد العاطي التأكيد على «موقف مصر الثابت والداعم لدولة الكويت»، معرباً عن «إدانة القاهرة الكاملة للاعتداءات التي استهدفت أمن واستقرار دولة الكويت، والرفض التام لأي محاولات للمساس بسيادتها».

كما أطلع وزير الخارجية المصري نظيره الكويتي على نتائج زيارته الأخيرة إلى واشنطن والاجتماع الرباعي الذي عُقد السبت في أنطاليا لوزراء خارجية مصر والسعودية وباكستان وتركيا، مشيراً إلى «تأكيد مصر على أهمية مراعاة الشواغل الأمنية لدول الخليج في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية». وشدد عبد العاطي على أن «أمن الكويت يُعد جزءاً لا يتجزأ من أمن مصر»، مؤكداً أهمية تعزيز التنسيق والعمل المشترك بين الدول العربية لمواجهة التحديات الراهنة.

وعلى صعيد العلاقات الثنائية أعرب الوزيران عن التطلع لعقد الدورة الرابعة عشرة للجنة المشتركة بين البلدين قبل نهاية العام الحالي، بما يسهم في دفع مسارات التعاون المشترك إلى آفاق أرحب، حسب السفير تميم خلاف.

وأكد عبد العاطي «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية»، منوهاً إلى «الفرص الواعدة التي يجب اغتنامها في قطاعات البنية التحتية والتطوير العقاري والصناعة والطاقة»، ومشيراً إلى «ضرورة تعزيز التعاون الثلاثي في القارة الأفريقية بالتنسيق مع الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية والصندوق الكويتي للتنمية».

وزيرا خارجية مصر والكويت يترأسان مشاورات سياسية في القاهرة ويؤكدان عمق العلاقات الأخوية بين البلدين (الخارجية المصرية)

بدوره، أكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن أهمية زيارة وزير الخارجية الكويتي للقاهرة، كونها تأتي بعد الاجتماعات التي عقدت في أنطاليا بشأن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «عبد العاطي أطلع نظيره الكويتي على تفاصيل ما دار في اللقاءات بشأن إنهاء الحرب، لا سيما مع تعرض الكويت لاعتداءات خلال الحرب».

وأشار إلى أن «المشاورات بين الجانبين تأتي في إطار التنسيق المشترك، وتأكيد التضامن المصري مع الكويت ومع دول الخليج بشكل عام في مواجهة أي اعتداءات».

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير محمد حجازي، أن زيارة وزير خارجية الكويت للقاهرة «تأتي في لحظة إقليمية دقيقة، تتقدم فيها الأزمة مع إيران إلى صدارة مشهد التهديدات»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الزيارة لا تندرج ضمن الروتين الدبلوماسي، بل تعكس إدراكاً مشتركاً لضرورة بناء مقاربة عربية متماسكة لإدارة التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة».

وأشار حجازي إلى أن «العلاقة المصرية - الكويتية مرشحة للانتقال من مستوى التشاور إلى مستوى التنسيق التنفيذي، ويتجلى ذلك في ثلاثة مسارات رئيسية؛ أولاً، توحيد التقديرات الاستراتيجية بشأن التهديدات الإيرانية، وثانياً دعم الجهود الدولية الرامية إلى تأمين الملاحة في الخليج دون عسكرة مفرطة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، ثالثاً تعزيز التنسيق الاقتصادي، خصوصاً في مجالات الطاقة والاستثمار، لتخفيف آثار أي اضطرابات محتملة في الإمدادات».

وقال إن «زيارة الوزير الكويتي إلى القاهرة تمثل خطوة متقدمة نحو بلورة مقاربة عربية عقلانية، تسعى إلى احتواء التصعيد مع إيران دون التفريط في محددات الأمن القومي العربي».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended