مقاتل من مجموعة «فاغنر» يكشف أسرار «المرتزقة» الروس في سوريا

قال في «مذكراته»: قطعنا رؤوس جنود لمنع انشقاق قوات دمشق... وصائدو «داعش» انتقلوا إلى ليبيا

احد عناصر «فاغنر» مارات جابيدولين في الساحل السوري (الشرق الأوسط)
احد عناصر «فاغنر» مارات جابيدولين في الساحل السوري (الشرق الأوسط)
TT

مقاتل من مجموعة «فاغنر» يكشف أسرار «المرتزقة» الروس في سوريا

احد عناصر «فاغنر» مارات جابيدولين في الساحل السوري (الشرق الأوسط)
احد عناصر «فاغنر» مارات جابيدولين في الساحل السوري (الشرق الأوسط)

يبدو «جيش فاغنر» الروسي الذي يضم عناصر قاتلوا في سوريا منذ عام 2015 أحد أبرز التشكيلات العسكرية الخاصة التي أثيرت حولها الكثير من التساؤلات، وأحيط نشاطه بخليط من الغموض والتباين في المعلومات التي تتسرب حوله، مما أكسب أول حديث علني لمقاتل سابق يكشف تفاصيل عن نشاط هذه المجموعة، أهمية خاصة، لا سيما أنه تحدث باسمه الحقيقي في مخالفة واضحة لكل تدابير السرية المفروضة على كل من يشارك في نشاط مجموعات «فاغنر». والأبرز من ذلك أن مارات جابيدولين يستعد لإصدار كتاب هو الأول من نوعه الذي يضم تفاصيل كثيرة لم تكن معروفة عن طبيعة العلاقة داخل هذه المجموعات وطبيعة علاقتها مع القوات السورية من جانب ومع الجيش الروسي النظامي من جانب آخر.
مع الإعلان عن إرسال الكتاب إلى المطبعة في سيبيريا لإصداره قريباً، نجحت شبكة «ميدوزا» الإعلامية التي كانت أول كتب عن نشاط «فاغنر» في سوريا، في الوصول إلى مارات ونشر مقابلة مطولة معه. ورغم أنه سرعان ما أعلن عن سحب الكتاب من المطبعة وحظر نشره، فإن التفاصيل المنشورة تعد أضخم تسريب لمعلومات أحيطت بكتمان لفترة طويلة.
- قطع رؤوس
انضم جابيدولين إلى مجموعة «فاغنر» في بداية أبريل (نيسان) 2015. وبعد مرور أسابيع قليلة تم إرساله إلى سوريا ليتنقل في المناصب داخل الجيش من «جندي» إلى «قائد سرية استطلاع» خلال نشاطه في هذا البلد قبل أن يعود مصاباً بجروح خطرة إلى سان بطرسبورغ للعلاج، مما دفعه لاحقاً إلى التفكير بنشر «مذكراته» عن الحرب السورية. وقد اعترف بأنه بعد تجاوز مرحلة الخطر «أردت أن أعيش بقية حياتي إلى أقصى حد. ونشأت حاجة أخرى علينا أن نقول للناس إن موضوع الشركات العسكرية الخاصة كان محاطاً بخداع كامل من جانب الجيش والسياسيين. العالم كله يعرف، وأنت تخفي الحقيقة عن شعبك».
يقول عن انطباعه الأول أثناء التجهيز للسفر إلى سوريا: «أعجبني على الفور انفتاحهم ومباشرتهم. لم يخف أحد العواقب المحتملة - قالوا بصراحة: يا رفاق، أنتم متجهون إلى الحرب حيث توجد مصالح لدولتنا. استعد لحقيقة أنك ستواجه الموت هناك». وأشار إلى أن الهدف الأول في سوريا كان استعادة السيطرة على حقول النفط.
وقبل الدخول في التفاصيل المتعلقة بآلية إدارة المعارك في سوريا، قال «الكاتب» إنه أراد من خلال كتابه أن يطلع يفغيني بريغوجين ممول مجموعات المرتزقة على حقيقة ما يجري داخل هذه المجموعات، «لعله يكون قادراً على إصلاحها». وزاد: «انطلق من حقيقة أنه لا يعرف حقاً الكثير من الأشياء التي كانت تحدث في سوريا. تهافت المقاتلون بقوة في عامي 2015 و2016 وكان هناك من يقوم بسرقة الأموال من بريغوجين، فقط هو لم يرغب في الاعتراف بذلك. بطريقة ما كان لديه قناعة شديدة أنه كان يعمل بشكل جيد. لكن الحقيقة أن كل ما يجري كان مجرد سرقة، كانوا يشترون معدات لا تعمل، ولم يخدعه فقط أمراء الحرب هناك (في سوريا) فقد خدعه أقرب مساعديه».
وأشار جابيدولين إلى «دافع آخر» لوضع الكتاب، تمثل في الكشف عن أهوال ارتكبت في سوريا، وزاد في إشارة إلى بريغوجين «دعه يدوس علي - الشيء الرئيسي بالنسبة لي هو أنه يعود إلى رشده، بحيث يدفعه الكتاب للإصلاح، لأنك لا تستطيع أن تنجرف في السرية: لماذا تغطي رأسك في كومة تراب بينما العالم كله يعرف؟ الآن، وبسبب بعض الحمقى الذين التقطوا مقاطع فيديو وهم يطرقون بمطرقة ثقيلة أجساد هاربين (من الخدمة العسكرية في الجيش السوري) ويقطعون رؤوسهم بات الجميع يظن أن الشركات الخاصة مجرد غيلان متعطشة للدماء».
وكشف جابيدولين أن قائد المجموعات العسكرية الخاصة ديمتري أوتكين (الذي يحمل لقب فاغنر الذي انسحب على المجموعة كلها) «هو الذي حثهم على القيام بذلك، من أجل ترهيب الفارين الآخرين المحتملين من الجيش السوري. وكما قيل لي، فقد أمر أيضاً بتصوير الفيديو ورفعه على الإنترنت حتى يتمكن كل عناصر الجيش السوري من مشاهدتها».
- نهب آثار؟
وفي جانب آخر، أشار المرتزق الروسي إلى عمليات نهب للآثار جرت بعد السيطرة على مدينة تدمر، وقال: في «تانكودروم» (قاعدة جوية) على سبيل المثال، كانت هناك أحجار قديمة أخذناها من تدمر - ومع ذلك، لم يكن هذا ذا طابع جماعي. ذات مرة كنت أشغل غرفة حيث وجدت قطعة عليها نقش بارز على رف. أعتقد أنها المنصة العلوية لأحد الأعمدة المتكسرة - وهناك تمت كتابة بعض العبارات.
وحول المعارك في سوريا، قال إن قائد مجموعات «فاغنر» في سوريا كان يتصرف «كخبير تكتيكي واستراتيجي، في عام 2017. على سبيل المثال، كان من المستحيل الاستيلاء على حقول النفط بهذه الأسلحة وكمية الذخيرة - كان ذلك ببساطة مستحيلاً. لكن القائد أمر للجيش أن يتقدم، وعندما نتقدم بغباء إلى الألغام، فأنت لم تعد قائداً. أنت رجل أعمال: إذا استوليت على الحقول (النفط)، ستحصل على جائزة. نتيجة لذلك، توقف الجنود عن الوثوق بقادتهم - وهذا ليس السبب الوحيد».
وفي لفتة أخرى، أشار إلى وجود مقاتلين من صربيا في صفوف «فاغنر» في سوريا، كما تحدث عن مستوى الفساد المستشري داخل المجموعة: «أخذ بعض القادة لأنفسهم ما يصل إلى نصف المكافآت المخصصة للفرقة، والباقي - الفتات - تم توزيعه على المقاتلين».
وكشف جانباً من تفاصيل معركة تدمر الأولى: «بعد الاستيلاء الأول على تدمر، امتلأت المستشفيات في كل من حميميم وروسيا بجنودنا. سأل الأطباء: إذن من يقاتل، الجيش أم الشركات العسكرية الخاصة؟ (...) اتخذت الجريمة أشكالاً من هذا القبيل حتى أننا حصلنا منذ بداية عام 2017 على أسلحة منخفضة الجودة. كان الأمر مثيراً للاشمئزاز تماماً، فأنت تعلم أن مواطنيك يخوضون معركة - لذا أمنحهم ما يحتاجون إليه حتى يظل المزيد من الرجال على قيد الحياة».
وزاد أنه إذا لم تسيطر قوات فاغنر على الممر بالقرب من تدمر ولم تدخل المطار المحلي، لكان من المستحيل على الجيش السوري والقوات الروسية الداعمة له الاستيلاء على المدينة. وفي أحد المواقع وصف الجيش السوري بأنه «مؤسسة مترهلة وليست قادرة على شيء».
- صائدو «داعش»
وتطرق إلى إرسال مقاتلين سوريين إلى ليبيا، موضحاً أنه «في وقت لاحق، في عام 2019. تم تسلم أمر بإرسال السوريين من سربنا من (صيادي داعش)»، إلى ليبيا على وجه السرعة، عندما وصلوا إلى هناك، جاءت مكالمة من الرائد: «اسمع، ولكن أولئك الذين أرسلتهم، هل يمكن استخدامهم كمفجرين انتحاريين؟». وأعرب عن دهشة بسبب السؤال.
وفي توضيح لدور «صيادي داعش»، قال المقاتل السابق إن «هذه كتيبة مجندة بالكامل من السوريين، في 2018 وأوائل 2019 عملت مستشاراً لهذه الكتيبة ودربتها. قبل ذلك تظاهر (الصيادون) بأنهم منخرطون في اشتباكات حقيقية: تم الترويج لـ(مزاياهم) القتالية على (تويتر). لكن في الواقع كانت تلك دعايات إعلامية فقط، وتم تصويرهم في الأماكن التي سيطرنا عليها للتو بالفيديو والصور، التي ظهرت بعد ذلك على الشبكات الاجتماعية». كان الهدف أن يظهر للعالم أن «بعض الوحدات السورية وليس شركة عسكرية خاصة روسية تقاتل (داعش)».
وأوضح أنه «في عام 2017 عندما أخذنا تدمر للمرة الثانية، ظهر (الصيادون) فجأة من الخلف وقاموا بالتصوير. كنا قد أنجزنا العمل ووصلنا إلى المطار ولم يأتوا إلا لالتقاط صورة. جميل: أتذكر أنه كانت هناك طلقات، وكيف كانوا يتبعون طريق دباباتنا».
وقال إن أسوأ معاركه كانت «ليلة 8 فبراير (شباط) 2018 على نهر الفرات (الضربة الأميركية على رتل فاغنر قرب دير الزور). لأنني شعرت بالعجز. من يقاتل؟ أنا لم أرَ هذا الخصم! كان العدو هو الطائرات المروحية الأميركية. في ذلك الوقت كان لدي مدفع رشاش قصير، مخصص للقتال المباشر، لكن حتى لو كان لدي سلاح آخر، فلن أحصل على هذه المروحية. كنا عاجزين عن مواجهة شيء غير معروف سيطير الآن ويحطم رأسك».
اللافت أنه رأى أن الخطأ الذي تسبب في مقتل أكثر مائتي مقاتل من غافنر في ذلك اليوم يقع على عاتق القوات النظامية الروسية لأنها عبر خطوط الاتصال مع الأميركيين أصرت على «عدم وجود جنود روس في الموقع».
وفي موقع آخر من «المذكرات» يتحدث الكاتب الذي كان يسمي نفسه مارتين في سوريا، عن تجنيد مقاتلين سابقين في «داعش»، وزاد أنه تم إرسال أسرى من تنظيم «داعش» في بعض المواجهات، ويقول إنه شاهد كيف قام ديمتري أوتكين شخصياً «بتجنيد» هؤلاء السجناء.
وكشف عن تعرض وحدات «فاغنر» في عام 2016. لهجوم طائرة روسية عن طريق الخطأ، موضحاً أن «مواقع المفرزة الرابعة تعرضت لقصف مركز، كان لدينا مراقب جوي حاول تحويل مسار الطائرة، لكن ربما لم يتم إخباره بتغيير الترميزات: لقد استخدم الرموز القديمة، نتيجة لذلك، لقي الكثير من أفراد مجموعتنا مصرعهم في هذه الغارة (...) اندفع الرجال مباشرة إلى مطار (تيفور) لتمزيق هذا الطيار إلى أشلاء، لكن قيل لهم هناك إن الطائرة أقلعت ليس من تيفور، ولكن من حميميم».
وزاد أن إخفاء الحقائق في الخسائر «ميراثنا الوحيد الذي انتقل من نظام إلى آخر: إخفاء الحقيقة عن أنفسنا. شعرت بالخجل من القول إنهم ماتوا في أماكن أخرى. يعرف العالم كله أن شركة عسكرية خاصة روسية تقاتل هنا».



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.