عمرو موسى: الفيصل رفض الأحلام «الشيطانية» للمعلم وإزاحة رفيق الحريري مرتبطة بما نشاهده في لبنان الآن

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (1)

عمرو موسى ورفيق الحريري في أحد لقاءاتهما (غيتي)
عمرو موسى ورفيق الحريري في أحد لقاءاتهما (غيتي)
TT

عمرو موسى: الفيصل رفض الأحلام «الشيطانية» للمعلم وإزاحة رفيق الحريري مرتبطة بما نشاهده في لبنان الآن

عمرو موسى ورفيق الحريري في أحد لقاءاتهما (غيتي)
عمرو موسى ورفيق الحريري في أحد لقاءاتهما (غيتي)

بعد 3 سنوات من إصدار الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى الجزء الأول من سيرته الذاتية، يصدر قريباً كتابه الثاني بعنوان «سنوات الجامعة العربية» عن «دار الشروق»، وهو من 19 فصلاً، موزعة على 574 صفحة من القطع الوسط.
يميط موسى في كتابه الذي تنشر «الشرق الأوسط» بعضا مما ورد فيه على 7 حلقات بدءاً من اليوم (السبت)، اللثام عن أسرار 10 سنوات (2001 - 2011)، مليئة بالأحداث الجسام في بلاد العرب، كان خلالها أمينا عاما لجامعة الدول العربية، إذ لم تُترك قضية سياسية، في أي بقعة من بقاع العالم العربي من محيطه إلى خليجه، كانت الجامعة وهو شخصياً، طرفاً فيها إلا وتناولها.
في هذه الحلقة من الكِتاب الذي خَصص له فصلين على مساحة 90 صفحة، تناول دوره في حل الأزمة السياسية التي ضربت لبنان منذ نزول المعارضة اللبنانية بزعامة «حزب الله» وحليفه الماروني «التيار الوطني الحر» إلى الشارع مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2006؛ للمطالبة بإسقاط حكومة فؤاد السنيورة، وصولاً إلى اتفاق الدوحة في سنة 2008.
في 14 فبراير (شباط) 2005 كنت في مكتبي في جامعة الدول العربية أجهّز للسفر إلى عدن لحضور أول انعقاد للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعة العربية خارج مقرها، والذي كان سيفتتحه الرئيس اليمني علي عبد الله صالح. كنت أتابع «قناة الجزيرة» التي أعلنت فجأة وقوع انفجار ضخم في بيروت، وقد يكون أصيب فيه الرئيس رفيق الحريري. تنقلت بين المحطات الفضائية إلى أن وصلت إلى «قناة العربية» وسمعت إعلان مصرع رفيق الحريري، مع 21 شخصا.
اتصلت بمدير مكتبي، وطلبت منه ترتيب سفري إلى لبنان فوراً، واتصلت بوزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي وقلت له إنني لن أتمكن من الحضور بسبب ما حدث، وإنني سأتوجه إلى لبنان.
اتصل بي بعد قليل الرئيس علي عبد الله صالح، مشدداً على ضرورة حضوري إلى اليمن، قائلا: يا أخ عمرو إيه الحكاية دي؟
قلت له: يا سيادة الرئيس هناك أولويات... سأتوجه إلى بيروت وأعتذر منك.
أرجوك أن تقبل اعتذاري لأن اغتيال رفيق الحريري فاجعة عربية وتطور خطير جداً، ولا بد أن يكون أمين عام الجامعة العربية موجوداً في لبنان.
قال لي بطريقته: لا لا لا ملكش حق. حضورك ضروري.
عندما تعبت من إقناعه، قلت له: على أي الأحوال يا سيادة الرئيس، لن أحضر إلى اليمن اليوم.
سافرت في اليوم ذاته إلى بيروت، ومن المطار إلى قصر الحريري. وجدت نجليه سعد الدين وبهاء. قدمت لهما واجب العزاء، وكان القصر يموج باللبنانيين. كنت أول المعزين من خارج لبنان، وأخذت العزاء معهما أيضاً، وبقيت في القصر حتى ساعة متأخرة من الليل. الطريف في هذا الظرف الحزين، أن أول وزراء الخارجية العرب الذين وصلوا إلى بيروت كان الدكتور أبو بكر القربي، وزير خارجية اليمن الذي لم يحضر أيضاً اجتماع عدن.
في اليوم الثاني، كان تشييع الجنازة، ولم تكن الدولة اللبنانية مستعدة، وبالنظر إلى الوضع الأمني المتفاقم في بيروت في هذا الوقت، وضعني الصديق العزيز الرئيس نبيه بري تحت رعايته الأمنية عبر حراسة مجلس النواب.
كان واضحاً أن بعض أقطاب الطائفة السنية وبعض الأحزاب المارونية وغيرها، يشيرون بأصبع الاتهام إلى سوريا في جريمة اغتيال الحريري. وبعضهم أشار بأصبع الاتهام إلى «حزب الله»، ولكن بالأساس كان الاتهام موجهاً إلى سوريا، فوجدت أن أفضل شيء يقوم به الأمين العام للجامعة العربية أن يسافر إلى سوريا ويتحدث مع الرئيس بشار الأسد.
في اليوم الثالث على اغتيال الحريري، طلبت زيارة سوريا. قالوا لي: تفضل فوراً. توجهت في حراسة شديدة للغاية من قبل الحكومة اللبنانية حتى وصلت الحدود السورية، حيث تسلمني الحرس السوري إلى القصر الرئاسي مباشرة. استقبلني الرئيس بشّار وكان الحديث صريحاً جداً، وما قيل عن أن بشّار كان كثير الكلام قليل العمل ليس بالضرورة صحيحاً.
قلت له: يا سيادة الرئيس، إنني جئت من لبنان حيث المشاعر ثائرة بعد ما حدث، وإن مصرع رفيق الحريري لن يمر بسهولة، وإن موضوع الوجود السوري أصبح الآن مطروحاً بقوة، وهناك مطالبة كبيرة جداً بانسحاب القوات السورية، أصحاب هذه المطالب لا يتحدثون من فراغ عن انسحاب القوات السورية، بل يتحدثون استناداً إلى القرار 1559، الذي اتخذه مجلس الأمن في 2 سبتمبر (أيلول) 2004. أنا أنقل هذا الكلام وأسمع اتهامات واضحة لسوريا بمقتل الحريري، ومن ثم فإن الوقت مناسب لإعادة النظر في موضوع الوجود السوري في لبنان للتهدئة وإدخال عناصر إيجابية إلى موقف مليء بالسلبيات.
قال لي: أنا أول رئيس سوري يسحب قوات من لبنان، فقد كان هناك أكثر من 60 ألف عسكري سوري عند وصولي إلى الحكم، خفضت العدد إلى 35 ألف عسكري الآن، ومستعد أن أسحب وسأسحب قوات إضافية، ولا مانع لدي أن أسحب جميع القوات. فسألته: هل أستطيع يا سيادة الرئيس أن أعلن أنك قررت سحب الجيش السوري من لبنان؟
فقال: نعم، تستطيع إعلان ذلك، فأنا قلت لك إنني سأسحب الجيش.
خرجت وأعلنت أن الرئيس بشار الأسد فعلاً قرر سحب القوات السورية، وأنه سيبدأ بهذا قريباً، وأظنني قلت إن ذلك سيتم في إطار وقت محدد. حضر لقائي مع الرئيس وزير الخارجية فاروق الشرع. وتناولت الغداء معه، وكنت كلما أثير الموضوع، لم يكن الشرع يتمادى في الحديث عن سحب القوات. كان يريد تجاهل هذا الموضوع. لم يكن فاروق الشرع مرتاحاً لما قلته لعدد من الصحافيين السوريين من أن الرئيس قرر بدء انسحاب الجيش السوري من لبنان.
- حرب تصريحات
غادرت سوريا براً إلى بيروت وعدت بالطائرة إلى القاهرة ووصلتها مساء. فتحت الراديو في السيارة وسمعت على الـ«بي بي سي»: كذّب مسؤولون سوريون ما ذكره الأمين العام لجامعة الدول العربية عن أن الرئيس بشار الأسد تحدث إليه عن سحب القوات من لبنان.
استشطت غضباً، واتصلت فوراً بفاروق الشرع، فسألني: ماذا تريدنا أن نفعل؟
قلت: لقد استمعتَ شخصياً إلى الرئيس بشار وتأكيده بدء سحب القوات وعلى الطريق نحو سحبها نهائياً، وأنه وافق على أن أصرح بذلك. ومن ثم أرجو سحب هذا البيان وتأكيد تصريحي كأمين عام للجامعة بعد لقائي بالرئيس، وتجنب أن ندخل في حرب تصريحات لأنني سوف أصر طبعاً على ما ذكرته بعد اللقاء.
قال: حسناً سأعرض الموضوع على الرئيس.
وبعد دقائق حدثني وزير الإعلام السوري، وقال إن لديه تعليمات بأن يعود إلي لأذكر له ما أريد إذاعته وسيذيعون ما أريد.
كان واضحاً أن الرئيس الأسد أمر بإصدار تصحيح يؤكد أن الرئيس قال هذا الكلام للأمين العام، وهذا شيء مهم يدل على المصداقية، في حين أن المساعدين أو الإدارة السورية حاولت أن تضع غطاء على انسحاب القوات السورية، وربما كانت ضد هذا الانسحاب، إنما الرئيس كان واضحاً في تفكيره وفي حركته، وبدأ فعلاً بتخفيض القوات ثم سحبها كلها.
- دوافع الاغتيال
في تفسيري لدوافع اغتيال الحريري أقول: إنه كان زعيماً قادراً على أداء الزعامة وممارسة القيادة، كما كان ذا هيبة خاصة، سواء في أوساط سنة لبنان أو في الأوساط السياسية والاقتصادية والمجتمعية في لبنان كله، ثم إن وجود رجل في حجم الحريري على قمة الطائفة السنية كان يعني ثقلاً لا يمكن تجاهله في مواجهة ثقل (حزب الله). إن إزاحة الحريري من الطريق كان لحسابات إقليمية بعيدة المدى، ويرتبط بها جزء مهم مما نشاهده في لبنان الآن.
بين مارس (آذار) ويونيو (حزيران) 2006 توصّل مؤتمر الحوار الوطني اللبناني بمشاركة الزعماء والأقطاب، إلى توافق بشأن المحكمة الدولية والعلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا وترسيم الحدود، وتحديدها في مزارع شبعا، وحول السلاح خارج المخيمات الفلسطينية، وجرى نقاش جدي لم يستكمل بشأن سلاح «حزب الله».
أشعرنا الحوار الوطني أن الأمور تمضي إلى صيف لبناني هادئ، خصوصاً على الحدود الجنوبية مع إسرائيل، لكن لم يمض وقت طويل على تلك الأجواء الباعثة على التفاؤل في لبنان. ففي 12 يونيو - تموز 2006 هاجمت قوة تابعة لـ{حزب الله» اللبناني موقعاً عسكرياً إسرائيلياً على الحدود، ونتج عن هذه العملية أسْر جنديين إسرائيليين؛ إضافة إلى مقتل 8 آخرين. ردت إسرائيل على هذه العملية بقصف مفرط القوة مثل الذي نفذته على غزة قبلها بأيام.
كان هناك انقسام عربي فيما يخص ما أقدم عليه «حزب الله» من تصعيد مع إسرائيل، حيث اعتبرت مصر والسعودية أن هذه مغامرة من جانب الحزب؛ وهنا يجب أن أقول إن إدارة السياسة العربية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بأزمة ممتدة الجذور منتشرة الفروع تتصل بسياسات عالمية ومصالح متناقضة لدول كبرى مثل الصراع العربي - الإسرائيلي، لا يمكن ولا يصح أن تترك لتتأثر بحركات حزب أو جماعة أو عصبة. كما لا يصح أن تكون الحركة السياسية العربية رهناً لسياسة ذات مرجعية غير عربية. ومن ثم، لم أكن مرتاحاً لمسار الأمور على الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية.
من هذا المنطلق، صغت موقف الجامعة العربية وحركتها السياسية في ذلك الوقت دون مساس بموقف الجامعة الثابت إزاء أحد أصول المشكلة، أي الاحتلال الإسرائيلي والممارسات الإسرائيلية التي لا يمكن قبولها أو التسليم بها على الإطلاق.
فور وقوع العدوان دعت الكويت بالتنسيق معي لاجتماع عاجل لوزراء الخارجية العرب بمقر الجامعة العربية بالقاهرة أعددته فوراً، وهو ما جرى في 15 يوليو (تموز) 2006، بعد 3 أيام من بدء العدوان الإسرائيلي. شهدت الجلسة الثانية المغلقة للاجتماع مشادات كلامية حادة بين الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي، ونظيره السوري (وليد المعلم)، بدأ الأمر بقول المعلم مخاطباً الوزراء المجتمعين، وأنا هنا أتحدث من محاضر الاجتماع:
أريد أن أشاطركم بعض أحلامي المجنونة، أقول مجنونة لأنها لا توائم الأوضاع العربية الراهنة أو الأوضاع الدولية... حلمت بأن اجتماعناً سيبدأ بدقيقة صمت على أرواح شهداء غزة ولبنان، وأن الأمين العام سيدعو إلى اجتماعنا هذا في غزة... حلمت أن نجتمع في إحدى قرى الجنوب اللبناني في منزل أم سمير قنطار؛ لنعرف منها معنى الصبر والانتظار طيلة 30 عاماً لتحرير ابنها (...) أقول: حلمت لأنه لم يبق لنا حق نمارسه سوى الحلم... منعنا من حق الدفاع عن النفس... منعنا من حق دعم المقاومة الوطنية ضد الاحتلال... منعنا من حق إدانة العدوان.
وأنهى الوزير السوري كلمته قائلا: بكل صراحة وصدق... كل كلمة تخرج من هنا تفيد إسرائيل في عدوانها على لبنان سواء باسم العقلانية أو باسم العاطفة لن نكون طرفاً فيها.
- رد الفيصل والصباح
طلب الأمير سعود نقطة نظام للرد على المعلم قائلا: لم أكن أعلم عن الأخ وليد أن سياسته تسير بالأحلام، وفي حلمه اكتشف في بعض ما قيل من المواقف التي أعلنت من بعض الدول العربية ساعدت إسرائيل في هجومها على لبنان... وهذا أولاً كلام غير مسؤول، وثانياً غير صحيح... أنا لا أتصور مثلاً، ماذا سيكون عليه موقف الأخ وليد لو أن منظمة من المنظمات قامت بعدوان على إسرائيل من الجولان... ماذا سيكون الموقف؟ لماذا يكون مسموحاً لمن يريد أن يستخدم الأراضي استخدام الحدود اللبنانية في التهجم على إسرائيل ولا يستخدم الجولان؟ هل إسرائيل هجمت لأننا أصدرنا بياناً؟ إسرائيل هجمت بسبب ما قام به «حزب الله» في المنطقة. أي حلم ذلك الذي يعتقد أن التعقل ومنهج المنطق في اتباع السياسة هو خطأ فادح؟ هذه أحلام شيطانية.
بعد عدد من المداخلات أعطيت الكلمة للدكتور محمد سالم الصباح، وزير خارجية الكويت، فقال رداً على وليد المعلم: جميل وصف أخي أبي طارق عن الأحلام. والأحلام الوردية في بعض جوانبها تعود إلى تناول عشاء خفيف، معلهش اقبلها مني.. ألقي عليك شيئاً من الماء البارد لتصحو من الأحلام؛ لأن الحقائق على الأرض مزعجة، فهذا هو عصر الانشقاقات والانقسامات.
بقيت صامتاً أتابع بدقة كل ما يقال لعلّي أجد ثغرة في حديث أي من الفرقاء تمكنني من إحداث اختراق «يلم الدور» كما نقول في مصر. في الوقت نفسه كان من الصعب تغيير قناعات فريق كبير من دول الجامعة العربية بأن ما يقوم به «حزب الله» ليس مقاومة للاحتلال الإسرائيلي، بقدر ما هو جزء من لعبة سياسية تقودها إيران؛ تأكيداً لدورها الإقليمي المناهض للدور العربي والمصالح العربية.
- اجتماع الوزراء العرب
خلال الأسبوع الأخير من يوليو 2006، شعرت أننا بحاجة لعرقلة مشروع القرار الأميركي - الفرنسي في مجلس الأمن، لأنه يظلم لبنان؛ ولذلك كان الأمر يحتاج إعلاناً قوياً للتضامن مع ذلك البلد العربي الذي يتعرض لعدوان إسرائيلي غاشم؛ ليشعر الجميع أن العرب أجمعين في ظهره. ومن هنا دعوت لاجتماع لوزراء الخارجية العرب في السراي الحكومي في بيروت على أن ينعقد في 7 أغسطس.
انعقد مجلس الجامعة برئاسة الشيخ عبد الله بن زايد، وزير خارجية الإمارات، رئيس الدورة. وقرأ السنيورة بيانه المؤثر. بعدها تحدث عدد من الوزراء معلنين تضامنهم مع لبنان، ثم أخذ الكلمة وزير خارجية سوريا وليد المعلم، ومنذ هذه اللحظة ستتغير الأجواء الودية التي تحيط بالاجتماع، لأنه بعدها سيدخل في سجال طويل مع فؤاد السنيورة بشأن نقاط كثيرة في البيان. قال المعلم في كلمته:
أولاً... أتساءل بعد 26 يوماً ونحن في بيروت والحرب ما زالت مشتعلة... كيف لا نحيي صمود المقاومة الوطنية اللبنانية البطلة التي تخوض أشرس المعارك دفاعاً عن كرامة لبنان وكرامة الأمة العربية؟! فعلاً أستغرب ألا يتضمن مشروع هذا القرار فقرة تعطي الدعم العربي لهذه المقاومة الباسلة بعد 26 يوماً من هذه الحرب الطاحنة (...) وأخيراً أتمنى على دولة الرئيس (يقصد فؤاد السنيورة) - وأنا أشيد بكلمته إشادة تامة - ألا يعني بلدي (سوريا) بعبارة الوصاية، نحن لا نبغي هنا أي وصاية - دولة الرئيس - نحن نتضامن مع لبنان كشعب شقيق، جار لسوريا، وما يصيبه يصيبنا، وشكراً.
كان فؤاد السنيورة قد قال في كلمته إن «لبنان لا يتحمل تكوينه الاجتماعي والسياسي تكرار اجتياحات واعتداءات وصراعات ووصايات محلية أو إقليمية أو دولية، وهي البطحة التي تحسسها وليد المعلم دون سائر من كانوا في الاجتماع!
تحول الاجتماع بعد ذلك إلى سجال مرير وطويل بين المعلم الذي يصر على تحية «حزب الله» في قرار مجلس الجامعة العربية، والسنيورة الذي رد عليه قائلا: (وزراء الخارجية العرب جاءوا إلى هنا لدعم موقف لبناني موحد. أصر المعلم على مطلبه، لكن سائر وزراء الخارجية العرب أيدوا رؤية السنيورة.
في النهاية توصل المجلس لمجموعة من القرارات أهمها تكليف وزير خارجية الإمارات، رئيس مجلس الجامعة، ووزير خارجية قطر بصفته ممثل الدول العربية في عضوية مجلس الأمن والأمين العام لجامعة الدول العربية، لعرض وجهة النظر العربية بشأن الموقف في لبنان، والتشاور معهم في كيفية علاج الموقف الخطير الناجم عن الدمار الكبير الذي تعرض له لبنان والتطورات المرتبطة به.
- السفر إلى نيويورك
من بيروت قررنا السفر مباشرة إلى نيويورك. الشيخ عبد الله بن زايد قال إنه سيعود لأبوظبي ومن هناك سيتوجه لنيويورك، أما حمد بن جاسم فكانت أسرته في هذا الوقت في مدينة كان الفرنسية. ولما أعلنت أنني ووفد الجامعة جاهزون للسفر من بيروت مباشرة إلى نيويورك عرض علي الشيخ حمد بن جاسم أن أستقل والوفد طائرته الخاصة، حيث إنه متوجه مباشرة مع توقف بسيط في فرنسا في الطريق إلى نيويورك.
نزلت الطائرة في مطار كان في جنوب فرنسا. وذكر لي حمد أنه سوف يتوجه إلى منزله، لرؤية عائلته، وأنه حجز جناحين في فندق «ريتز كارلتون» لي وللوفد، على أن نتوجه لنيويورك صباحاً باكراً، إذ أصبح الوقت متأخراً، وكان السفر من بيروت إلى كان سهلاً؛ لأنه عبر فوق الأجواء الإسرائيلية واختصر وقتاً طويلاً للرحلة!
في هذا الوقت من الصيف تمتلئ كان والكثير من المدن الأوروبية بالسياح العرب، وهو ما كنت أتحسب له. فماذا يقول أي مواطن عربي يشاهد الأمين العام للجامعة العربية في مدينة سياحية في وقت يتعرض فيه لبنان لعدوان إسرائيلي... أكيد بيتفسح!. بالفعل قابلتني سيدة كويتية كبيرة في السن، وأنا داخل إلى الفندق وهي خارجة منه. قالت لي: أنت عمرو؟ قلت: نعم أنا هو. قالت: إزيك يا بني... إزي صحتك إحنا بنحبك... ثم سألت السؤال الذي أتحسب له: أنت بتعمل إيه هنا؟
قلت وأنا في غاية الحرج: الطائرة توقفت في كان وأنا في طريقي للأمم المتحدة في نيويورك للعمل على وقف الحرب على لبنان، ومسافر أول ما يخطروني أن الطائرة جاهزة.
قالت: طيب ربنا يوفقك.
بعد أقل من 20 متراً قابلتني سيدة أخرى وكانت من البحرين. قالت لي: أنت عمرو موسى؟
قلت لها: نعم.
قالت بنبرة متحدية، واضعة يديها في وسطها: وبتعمل إيه هنا... والحرب شغالة على لبنان؟
قلت لها: والله الطائرة عطلت واضطررت للمبيت هنا.
تكرر الموقف كثيراً، إلى أن قررت أقضي سواد الليل في غرفتي إلى أن يمر علي بن جاسم ونتوجه لنيويورك. في المصعد قابلت صديقي العزيز محمد جاسم الصقر، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الكويتي. قلت: له عظيم أني التقيت بك. سألته: إلى أين أنت ذاهب؟
قال: سأذهب للعشاء في أحد المطاعم.
قلت: سأتعشى معك.
وحكيت له أنني كلما قابلت عربياً أو عربية يقولون - ولهم الحق -: لبنان بتحترق وأنت بتصيف في كان؟! وأضطر أشرح مراراً وتكراراً أن الطائرة تعطلت وأني غداً سأتوجه لأميركا. فكاد الصقر يقع مغشياً عليه من الضحك على طرافة الموقف. ودعاني إلى مطعم جانبي داخل الفندق، ولكنه خارج دائرة التجول المعتادة للنزلاء.توجهنا، بن جاسم وأنا ووفد الجامعة، في اليوم التالي إلى نيويورك ولحقنا عبد الله بن زايد، وبدأنا الاتصالات مع معظم الوفود في الأمم المتحدة. طرحنا على مجلس الأمن الدولي خطة النقاط الـ7 التي طرحها رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة لوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان‏.‏ وقلنا للوفود إن هذا تعبير صادق عن الإرادة الجماعية للشعب اللبناني لإنهاء الأزمة‏.‏
انتهى الأمر بأن أصدر مجلس الأمن القرار 1701 في 11 أغسطس 2006، ومن خلال القراءة القانونية للقرار أقول إنه منحاز بدرجة كبيرة لإسرائيل، لكن يمكن اعتباره في حدّه الأدنى أفضل من مشاريع القرارات السابقة التي رفضها «حزب الله» والحكومة اللبنانية على حد سواء. فبحسب حسن نصر الله، كان هذا القرار الأقل سوءاً بين جميع مشاريع القرارات الأخرى.
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

جاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقَّى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة ومنها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على باب المرحلة الثانية، لكنه لن يُفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.