عمرو موسى: الفيصل رفض الأحلام «الشيطانية» للمعلم وإزاحة رفيق الحريري مرتبطة بما نشاهده في لبنان الآن

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (1)

عمرو موسى ورفيق الحريري في أحد لقاءاتهما (غيتي)
عمرو موسى ورفيق الحريري في أحد لقاءاتهما (غيتي)
TT

عمرو موسى: الفيصل رفض الأحلام «الشيطانية» للمعلم وإزاحة رفيق الحريري مرتبطة بما نشاهده في لبنان الآن

عمرو موسى ورفيق الحريري في أحد لقاءاتهما (غيتي)
عمرو موسى ورفيق الحريري في أحد لقاءاتهما (غيتي)

بعد 3 سنوات من إصدار الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى الجزء الأول من سيرته الذاتية، يصدر قريباً كتابه الثاني بعنوان «سنوات الجامعة العربية» عن «دار الشروق»، وهو من 19 فصلاً، موزعة على 574 صفحة من القطع الوسط.
يميط موسى في كتابه الذي تنشر «الشرق الأوسط» بعضا مما ورد فيه على 7 حلقات بدءاً من اليوم (السبت)، اللثام عن أسرار 10 سنوات (2001 - 2011)، مليئة بالأحداث الجسام في بلاد العرب، كان خلالها أمينا عاما لجامعة الدول العربية، إذ لم تُترك قضية سياسية، في أي بقعة من بقاع العالم العربي من محيطه إلى خليجه، كانت الجامعة وهو شخصياً، طرفاً فيها إلا وتناولها.
في هذه الحلقة من الكِتاب الذي خَصص له فصلين على مساحة 90 صفحة، تناول دوره في حل الأزمة السياسية التي ضربت لبنان منذ نزول المعارضة اللبنانية بزعامة «حزب الله» وحليفه الماروني «التيار الوطني الحر» إلى الشارع مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2006؛ للمطالبة بإسقاط حكومة فؤاد السنيورة، وصولاً إلى اتفاق الدوحة في سنة 2008.
في 14 فبراير (شباط) 2005 كنت في مكتبي في جامعة الدول العربية أجهّز للسفر إلى عدن لحضور أول انعقاد للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعة العربية خارج مقرها، والذي كان سيفتتحه الرئيس اليمني علي عبد الله صالح. كنت أتابع «قناة الجزيرة» التي أعلنت فجأة وقوع انفجار ضخم في بيروت، وقد يكون أصيب فيه الرئيس رفيق الحريري. تنقلت بين المحطات الفضائية إلى أن وصلت إلى «قناة العربية» وسمعت إعلان مصرع رفيق الحريري، مع 21 شخصا.
اتصلت بمدير مكتبي، وطلبت منه ترتيب سفري إلى لبنان فوراً، واتصلت بوزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي وقلت له إنني لن أتمكن من الحضور بسبب ما حدث، وإنني سأتوجه إلى لبنان.
اتصل بي بعد قليل الرئيس علي عبد الله صالح، مشدداً على ضرورة حضوري إلى اليمن، قائلا: يا أخ عمرو إيه الحكاية دي؟
قلت له: يا سيادة الرئيس هناك أولويات... سأتوجه إلى بيروت وأعتذر منك.
أرجوك أن تقبل اعتذاري لأن اغتيال رفيق الحريري فاجعة عربية وتطور خطير جداً، ولا بد أن يكون أمين عام الجامعة العربية موجوداً في لبنان.
قال لي بطريقته: لا لا لا ملكش حق. حضورك ضروري.
عندما تعبت من إقناعه، قلت له: على أي الأحوال يا سيادة الرئيس، لن أحضر إلى اليمن اليوم.
سافرت في اليوم ذاته إلى بيروت، ومن المطار إلى قصر الحريري. وجدت نجليه سعد الدين وبهاء. قدمت لهما واجب العزاء، وكان القصر يموج باللبنانيين. كنت أول المعزين من خارج لبنان، وأخذت العزاء معهما أيضاً، وبقيت في القصر حتى ساعة متأخرة من الليل. الطريف في هذا الظرف الحزين، أن أول وزراء الخارجية العرب الذين وصلوا إلى بيروت كان الدكتور أبو بكر القربي، وزير خارجية اليمن الذي لم يحضر أيضاً اجتماع عدن.
في اليوم الثاني، كان تشييع الجنازة، ولم تكن الدولة اللبنانية مستعدة، وبالنظر إلى الوضع الأمني المتفاقم في بيروت في هذا الوقت، وضعني الصديق العزيز الرئيس نبيه بري تحت رعايته الأمنية عبر حراسة مجلس النواب.
كان واضحاً أن بعض أقطاب الطائفة السنية وبعض الأحزاب المارونية وغيرها، يشيرون بأصبع الاتهام إلى سوريا في جريمة اغتيال الحريري. وبعضهم أشار بأصبع الاتهام إلى «حزب الله»، ولكن بالأساس كان الاتهام موجهاً إلى سوريا، فوجدت أن أفضل شيء يقوم به الأمين العام للجامعة العربية أن يسافر إلى سوريا ويتحدث مع الرئيس بشار الأسد.
في اليوم الثالث على اغتيال الحريري، طلبت زيارة سوريا. قالوا لي: تفضل فوراً. توجهت في حراسة شديدة للغاية من قبل الحكومة اللبنانية حتى وصلت الحدود السورية، حيث تسلمني الحرس السوري إلى القصر الرئاسي مباشرة. استقبلني الرئيس بشّار وكان الحديث صريحاً جداً، وما قيل عن أن بشّار كان كثير الكلام قليل العمل ليس بالضرورة صحيحاً.
قلت له: يا سيادة الرئيس، إنني جئت من لبنان حيث المشاعر ثائرة بعد ما حدث، وإن مصرع رفيق الحريري لن يمر بسهولة، وإن موضوع الوجود السوري أصبح الآن مطروحاً بقوة، وهناك مطالبة كبيرة جداً بانسحاب القوات السورية، أصحاب هذه المطالب لا يتحدثون من فراغ عن انسحاب القوات السورية، بل يتحدثون استناداً إلى القرار 1559، الذي اتخذه مجلس الأمن في 2 سبتمبر (أيلول) 2004. أنا أنقل هذا الكلام وأسمع اتهامات واضحة لسوريا بمقتل الحريري، ومن ثم فإن الوقت مناسب لإعادة النظر في موضوع الوجود السوري في لبنان للتهدئة وإدخال عناصر إيجابية إلى موقف مليء بالسلبيات.
قال لي: أنا أول رئيس سوري يسحب قوات من لبنان، فقد كان هناك أكثر من 60 ألف عسكري سوري عند وصولي إلى الحكم، خفضت العدد إلى 35 ألف عسكري الآن، ومستعد أن أسحب وسأسحب قوات إضافية، ولا مانع لدي أن أسحب جميع القوات. فسألته: هل أستطيع يا سيادة الرئيس أن أعلن أنك قررت سحب الجيش السوري من لبنان؟
فقال: نعم، تستطيع إعلان ذلك، فأنا قلت لك إنني سأسحب الجيش.
خرجت وأعلنت أن الرئيس بشار الأسد فعلاً قرر سحب القوات السورية، وأنه سيبدأ بهذا قريباً، وأظنني قلت إن ذلك سيتم في إطار وقت محدد. حضر لقائي مع الرئيس وزير الخارجية فاروق الشرع. وتناولت الغداء معه، وكنت كلما أثير الموضوع، لم يكن الشرع يتمادى في الحديث عن سحب القوات. كان يريد تجاهل هذا الموضوع. لم يكن فاروق الشرع مرتاحاً لما قلته لعدد من الصحافيين السوريين من أن الرئيس قرر بدء انسحاب الجيش السوري من لبنان.
- حرب تصريحات
غادرت سوريا براً إلى بيروت وعدت بالطائرة إلى القاهرة ووصلتها مساء. فتحت الراديو في السيارة وسمعت على الـ«بي بي سي»: كذّب مسؤولون سوريون ما ذكره الأمين العام لجامعة الدول العربية عن أن الرئيس بشار الأسد تحدث إليه عن سحب القوات من لبنان.
استشطت غضباً، واتصلت فوراً بفاروق الشرع، فسألني: ماذا تريدنا أن نفعل؟
قلت: لقد استمعتَ شخصياً إلى الرئيس بشار وتأكيده بدء سحب القوات وعلى الطريق نحو سحبها نهائياً، وأنه وافق على أن أصرح بذلك. ومن ثم أرجو سحب هذا البيان وتأكيد تصريحي كأمين عام للجامعة بعد لقائي بالرئيس، وتجنب أن ندخل في حرب تصريحات لأنني سوف أصر طبعاً على ما ذكرته بعد اللقاء.
قال: حسناً سأعرض الموضوع على الرئيس.
وبعد دقائق حدثني وزير الإعلام السوري، وقال إن لديه تعليمات بأن يعود إلي لأذكر له ما أريد إذاعته وسيذيعون ما أريد.
كان واضحاً أن الرئيس الأسد أمر بإصدار تصحيح يؤكد أن الرئيس قال هذا الكلام للأمين العام، وهذا شيء مهم يدل على المصداقية، في حين أن المساعدين أو الإدارة السورية حاولت أن تضع غطاء على انسحاب القوات السورية، وربما كانت ضد هذا الانسحاب، إنما الرئيس كان واضحاً في تفكيره وفي حركته، وبدأ فعلاً بتخفيض القوات ثم سحبها كلها.
- دوافع الاغتيال
في تفسيري لدوافع اغتيال الحريري أقول: إنه كان زعيماً قادراً على أداء الزعامة وممارسة القيادة، كما كان ذا هيبة خاصة، سواء في أوساط سنة لبنان أو في الأوساط السياسية والاقتصادية والمجتمعية في لبنان كله، ثم إن وجود رجل في حجم الحريري على قمة الطائفة السنية كان يعني ثقلاً لا يمكن تجاهله في مواجهة ثقل (حزب الله). إن إزاحة الحريري من الطريق كان لحسابات إقليمية بعيدة المدى، ويرتبط بها جزء مهم مما نشاهده في لبنان الآن.
بين مارس (آذار) ويونيو (حزيران) 2006 توصّل مؤتمر الحوار الوطني اللبناني بمشاركة الزعماء والأقطاب، إلى توافق بشأن المحكمة الدولية والعلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا وترسيم الحدود، وتحديدها في مزارع شبعا، وحول السلاح خارج المخيمات الفلسطينية، وجرى نقاش جدي لم يستكمل بشأن سلاح «حزب الله».
أشعرنا الحوار الوطني أن الأمور تمضي إلى صيف لبناني هادئ، خصوصاً على الحدود الجنوبية مع إسرائيل، لكن لم يمض وقت طويل على تلك الأجواء الباعثة على التفاؤل في لبنان. ففي 12 يونيو - تموز 2006 هاجمت قوة تابعة لـ{حزب الله» اللبناني موقعاً عسكرياً إسرائيلياً على الحدود، ونتج عن هذه العملية أسْر جنديين إسرائيليين؛ إضافة إلى مقتل 8 آخرين. ردت إسرائيل على هذه العملية بقصف مفرط القوة مثل الذي نفذته على غزة قبلها بأيام.
كان هناك انقسام عربي فيما يخص ما أقدم عليه «حزب الله» من تصعيد مع إسرائيل، حيث اعتبرت مصر والسعودية أن هذه مغامرة من جانب الحزب؛ وهنا يجب أن أقول إن إدارة السياسة العربية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بأزمة ممتدة الجذور منتشرة الفروع تتصل بسياسات عالمية ومصالح متناقضة لدول كبرى مثل الصراع العربي - الإسرائيلي، لا يمكن ولا يصح أن تترك لتتأثر بحركات حزب أو جماعة أو عصبة. كما لا يصح أن تكون الحركة السياسية العربية رهناً لسياسة ذات مرجعية غير عربية. ومن ثم، لم أكن مرتاحاً لمسار الأمور على الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية.
من هذا المنطلق، صغت موقف الجامعة العربية وحركتها السياسية في ذلك الوقت دون مساس بموقف الجامعة الثابت إزاء أحد أصول المشكلة، أي الاحتلال الإسرائيلي والممارسات الإسرائيلية التي لا يمكن قبولها أو التسليم بها على الإطلاق.
فور وقوع العدوان دعت الكويت بالتنسيق معي لاجتماع عاجل لوزراء الخارجية العرب بمقر الجامعة العربية بالقاهرة أعددته فوراً، وهو ما جرى في 15 يوليو (تموز) 2006، بعد 3 أيام من بدء العدوان الإسرائيلي. شهدت الجلسة الثانية المغلقة للاجتماع مشادات كلامية حادة بين الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي، ونظيره السوري (وليد المعلم)، بدأ الأمر بقول المعلم مخاطباً الوزراء المجتمعين، وأنا هنا أتحدث من محاضر الاجتماع:
أريد أن أشاطركم بعض أحلامي المجنونة، أقول مجنونة لأنها لا توائم الأوضاع العربية الراهنة أو الأوضاع الدولية... حلمت بأن اجتماعناً سيبدأ بدقيقة صمت على أرواح شهداء غزة ولبنان، وأن الأمين العام سيدعو إلى اجتماعنا هذا في غزة... حلمت أن نجتمع في إحدى قرى الجنوب اللبناني في منزل أم سمير قنطار؛ لنعرف منها معنى الصبر والانتظار طيلة 30 عاماً لتحرير ابنها (...) أقول: حلمت لأنه لم يبق لنا حق نمارسه سوى الحلم... منعنا من حق الدفاع عن النفس... منعنا من حق دعم المقاومة الوطنية ضد الاحتلال... منعنا من حق إدانة العدوان.
وأنهى الوزير السوري كلمته قائلا: بكل صراحة وصدق... كل كلمة تخرج من هنا تفيد إسرائيل في عدوانها على لبنان سواء باسم العقلانية أو باسم العاطفة لن نكون طرفاً فيها.
- رد الفيصل والصباح
طلب الأمير سعود نقطة نظام للرد على المعلم قائلا: لم أكن أعلم عن الأخ وليد أن سياسته تسير بالأحلام، وفي حلمه اكتشف في بعض ما قيل من المواقف التي أعلنت من بعض الدول العربية ساعدت إسرائيل في هجومها على لبنان... وهذا أولاً كلام غير مسؤول، وثانياً غير صحيح... أنا لا أتصور مثلاً، ماذا سيكون عليه موقف الأخ وليد لو أن منظمة من المنظمات قامت بعدوان على إسرائيل من الجولان... ماذا سيكون الموقف؟ لماذا يكون مسموحاً لمن يريد أن يستخدم الأراضي استخدام الحدود اللبنانية في التهجم على إسرائيل ولا يستخدم الجولان؟ هل إسرائيل هجمت لأننا أصدرنا بياناً؟ إسرائيل هجمت بسبب ما قام به «حزب الله» في المنطقة. أي حلم ذلك الذي يعتقد أن التعقل ومنهج المنطق في اتباع السياسة هو خطأ فادح؟ هذه أحلام شيطانية.
بعد عدد من المداخلات أعطيت الكلمة للدكتور محمد سالم الصباح، وزير خارجية الكويت، فقال رداً على وليد المعلم: جميل وصف أخي أبي طارق عن الأحلام. والأحلام الوردية في بعض جوانبها تعود إلى تناول عشاء خفيف، معلهش اقبلها مني.. ألقي عليك شيئاً من الماء البارد لتصحو من الأحلام؛ لأن الحقائق على الأرض مزعجة، فهذا هو عصر الانشقاقات والانقسامات.
بقيت صامتاً أتابع بدقة كل ما يقال لعلّي أجد ثغرة في حديث أي من الفرقاء تمكنني من إحداث اختراق «يلم الدور» كما نقول في مصر. في الوقت نفسه كان من الصعب تغيير قناعات فريق كبير من دول الجامعة العربية بأن ما يقوم به «حزب الله» ليس مقاومة للاحتلال الإسرائيلي، بقدر ما هو جزء من لعبة سياسية تقودها إيران؛ تأكيداً لدورها الإقليمي المناهض للدور العربي والمصالح العربية.
- اجتماع الوزراء العرب
خلال الأسبوع الأخير من يوليو 2006، شعرت أننا بحاجة لعرقلة مشروع القرار الأميركي - الفرنسي في مجلس الأمن، لأنه يظلم لبنان؛ ولذلك كان الأمر يحتاج إعلاناً قوياً للتضامن مع ذلك البلد العربي الذي يتعرض لعدوان إسرائيلي غاشم؛ ليشعر الجميع أن العرب أجمعين في ظهره. ومن هنا دعوت لاجتماع لوزراء الخارجية العرب في السراي الحكومي في بيروت على أن ينعقد في 7 أغسطس.
انعقد مجلس الجامعة برئاسة الشيخ عبد الله بن زايد، وزير خارجية الإمارات، رئيس الدورة. وقرأ السنيورة بيانه المؤثر. بعدها تحدث عدد من الوزراء معلنين تضامنهم مع لبنان، ثم أخذ الكلمة وزير خارجية سوريا وليد المعلم، ومنذ هذه اللحظة ستتغير الأجواء الودية التي تحيط بالاجتماع، لأنه بعدها سيدخل في سجال طويل مع فؤاد السنيورة بشأن نقاط كثيرة في البيان. قال المعلم في كلمته:
أولاً... أتساءل بعد 26 يوماً ونحن في بيروت والحرب ما زالت مشتعلة... كيف لا نحيي صمود المقاومة الوطنية اللبنانية البطلة التي تخوض أشرس المعارك دفاعاً عن كرامة لبنان وكرامة الأمة العربية؟! فعلاً أستغرب ألا يتضمن مشروع هذا القرار فقرة تعطي الدعم العربي لهذه المقاومة الباسلة بعد 26 يوماً من هذه الحرب الطاحنة (...) وأخيراً أتمنى على دولة الرئيس (يقصد فؤاد السنيورة) - وأنا أشيد بكلمته إشادة تامة - ألا يعني بلدي (سوريا) بعبارة الوصاية، نحن لا نبغي هنا أي وصاية - دولة الرئيس - نحن نتضامن مع لبنان كشعب شقيق، جار لسوريا، وما يصيبه يصيبنا، وشكراً.
كان فؤاد السنيورة قد قال في كلمته إن «لبنان لا يتحمل تكوينه الاجتماعي والسياسي تكرار اجتياحات واعتداءات وصراعات ووصايات محلية أو إقليمية أو دولية، وهي البطحة التي تحسسها وليد المعلم دون سائر من كانوا في الاجتماع!
تحول الاجتماع بعد ذلك إلى سجال مرير وطويل بين المعلم الذي يصر على تحية «حزب الله» في قرار مجلس الجامعة العربية، والسنيورة الذي رد عليه قائلا: (وزراء الخارجية العرب جاءوا إلى هنا لدعم موقف لبناني موحد. أصر المعلم على مطلبه، لكن سائر وزراء الخارجية العرب أيدوا رؤية السنيورة.
في النهاية توصل المجلس لمجموعة من القرارات أهمها تكليف وزير خارجية الإمارات، رئيس مجلس الجامعة، ووزير خارجية قطر بصفته ممثل الدول العربية في عضوية مجلس الأمن والأمين العام لجامعة الدول العربية، لعرض وجهة النظر العربية بشأن الموقف في لبنان، والتشاور معهم في كيفية علاج الموقف الخطير الناجم عن الدمار الكبير الذي تعرض له لبنان والتطورات المرتبطة به.
- السفر إلى نيويورك
من بيروت قررنا السفر مباشرة إلى نيويورك. الشيخ عبد الله بن زايد قال إنه سيعود لأبوظبي ومن هناك سيتوجه لنيويورك، أما حمد بن جاسم فكانت أسرته في هذا الوقت في مدينة كان الفرنسية. ولما أعلنت أنني ووفد الجامعة جاهزون للسفر من بيروت مباشرة إلى نيويورك عرض علي الشيخ حمد بن جاسم أن أستقل والوفد طائرته الخاصة، حيث إنه متوجه مباشرة مع توقف بسيط في فرنسا في الطريق إلى نيويورك.
نزلت الطائرة في مطار كان في جنوب فرنسا. وذكر لي حمد أنه سوف يتوجه إلى منزله، لرؤية عائلته، وأنه حجز جناحين في فندق «ريتز كارلتون» لي وللوفد، على أن نتوجه لنيويورك صباحاً باكراً، إذ أصبح الوقت متأخراً، وكان السفر من بيروت إلى كان سهلاً؛ لأنه عبر فوق الأجواء الإسرائيلية واختصر وقتاً طويلاً للرحلة!
في هذا الوقت من الصيف تمتلئ كان والكثير من المدن الأوروبية بالسياح العرب، وهو ما كنت أتحسب له. فماذا يقول أي مواطن عربي يشاهد الأمين العام للجامعة العربية في مدينة سياحية في وقت يتعرض فيه لبنان لعدوان إسرائيلي... أكيد بيتفسح!. بالفعل قابلتني سيدة كويتية كبيرة في السن، وأنا داخل إلى الفندق وهي خارجة منه. قالت لي: أنت عمرو؟ قلت: نعم أنا هو. قالت: إزيك يا بني... إزي صحتك إحنا بنحبك... ثم سألت السؤال الذي أتحسب له: أنت بتعمل إيه هنا؟
قلت وأنا في غاية الحرج: الطائرة توقفت في كان وأنا في طريقي للأمم المتحدة في نيويورك للعمل على وقف الحرب على لبنان، ومسافر أول ما يخطروني أن الطائرة جاهزة.
قالت: طيب ربنا يوفقك.
بعد أقل من 20 متراً قابلتني سيدة أخرى وكانت من البحرين. قالت لي: أنت عمرو موسى؟
قلت لها: نعم.
قالت بنبرة متحدية، واضعة يديها في وسطها: وبتعمل إيه هنا... والحرب شغالة على لبنان؟
قلت لها: والله الطائرة عطلت واضطررت للمبيت هنا.
تكرر الموقف كثيراً، إلى أن قررت أقضي سواد الليل في غرفتي إلى أن يمر علي بن جاسم ونتوجه لنيويورك. في المصعد قابلت صديقي العزيز محمد جاسم الصقر، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الكويتي. قلت: له عظيم أني التقيت بك. سألته: إلى أين أنت ذاهب؟
قال: سأذهب للعشاء في أحد المطاعم.
قلت: سأتعشى معك.
وحكيت له أنني كلما قابلت عربياً أو عربية يقولون - ولهم الحق -: لبنان بتحترق وأنت بتصيف في كان؟! وأضطر أشرح مراراً وتكراراً أن الطائرة تعطلت وأني غداً سأتوجه لأميركا. فكاد الصقر يقع مغشياً عليه من الضحك على طرافة الموقف. ودعاني إلى مطعم جانبي داخل الفندق، ولكنه خارج دائرة التجول المعتادة للنزلاء.توجهنا، بن جاسم وأنا ووفد الجامعة، في اليوم التالي إلى نيويورك ولحقنا عبد الله بن زايد، وبدأنا الاتصالات مع معظم الوفود في الأمم المتحدة. طرحنا على مجلس الأمن الدولي خطة النقاط الـ7 التي طرحها رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة لوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان‏.‏ وقلنا للوفود إن هذا تعبير صادق عن الإرادة الجماعية للشعب اللبناني لإنهاء الأزمة‏.‏
انتهى الأمر بأن أصدر مجلس الأمن القرار 1701 في 11 أغسطس 2006، ومن خلال القراءة القانونية للقرار أقول إنه منحاز بدرجة كبيرة لإسرائيل، لكن يمكن اعتباره في حدّه الأدنى أفضل من مشاريع القرارات السابقة التي رفضها «حزب الله» والحكومة اللبنانية على حد سواء. فبحسب حسن نصر الله، كان هذا القرار الأقل سوءاً بين جميع مشاريع القرارات الأخرى.
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.