«الشعور بالمسؤولية» يدفع بأطفال إدلب للخروج من المدارس إلى «أعمال مميتة»

«الشعور بالمسؤولية» يدفع بأطفال إدلب للخروج من المدارس إلى «أعمال مميتة»

«الشرق الأوسط» ترصد تفاقم ظاهرة «العمال الجدد» في شمال غربي سوريا
الجمعة - 19 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 04 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15347]

تفاقمت ظاهرة عمالة الأطفال في شمال غربي سوريا بسبب الفقر والحاجة إلى المال للعيش واستمرار الحياة، وباتت خطيرة تهدد مستقبل وحياة آلاف الأطفال في إدلب ومناطق أخرى خارج سيطرة النظام.

الطفل أحمد عمره 12 عاماً، نازح من محافظة حمص وسط سوريا، في منطقة الدانا شمال إدلب، يعمل لمدة 10 ساعات يومياً في ورشة تصليح وتسوية السيارات. يقول إن والده عاجز عن العمل وسد حاجة أسرته بسبب إصابة تعرض لها قبل نزوحهم من محافظة حمص ولجوئهم إلى مخيم «دير حسان» الحدودي شمال سوريا، حيث إن نقص المساعدات الإنسانية من قبل المنظمات والجهات الداعمة، وتردي أوضاعهم المعيشية، دفعا به وأخاه محمد إلى البحث عن عمل يؤمن الحد الأدنى من مستلزماتهم اليومية، حيث لا يتوفر بكثرة في سوق العمل سوى الأعمال المجهدة مثل ورش تصليح السيارات ومتاجر الحديد وورش البناء ومستلزماته.

ويضيف أنه يخرج وأخوه كل يوم صباحاً إلى العمل في الورشة إلى جانب 3 أطفال آخرين ويعملون طيلة ساعات اليوم في صيانة السيارات، وغالباً ما يتعرض لإصابات، لكن يوم الخميس بالنسبة له يوم فرح أشبه بيوم العيد، عندما يحصل على أجره الأسبوعي بنحو 60 ليرة تركية أو ما يعادل 12 دولاراً أميركيا، ويعود إلى منزله ويقدم المبلغ لوالدته التي تدبر شؤون الأسرة وتؤمن الغذاء والدواء ومستلزمات حياتية يومية لباقي أفردها.

أما الطفل يوسف، من ريف إدلب الجنوبي وعمره 13 عاماً، فإن والده توفي منذ 3 أعوام، ويعمل لمدة 8 ساعات يومياً بأجر يومي 10 ليرات تركية، في تعبئة الفحم الذي يستعمل للتدفئة في فصل الشتاء، حيث بدت ثيابه مغطاة بطبقة سميكة من الفحم، إلى جانب أطفال آخرين في الورشة ذاتها. ويضيف أن الأمر الذي فرض عليه العمل في هذه المهنة الصعبة هو واقع الحياة المعيشية الصعبة التي تعاني منها أسرته وشعوره بالمسؤولية تجاه إخوته الصغار وأمه، وأنه فضل التنازل عن التعليم مقابل ألا يرى باقي إخوته بحاجة إلى الحد الأدنى من المال يومياً في تأمين مصاريفهم اليومية

من جهته، يقول الناشط الحقوقي فيصل الأحمد إنه ليست هناك أرقام وإحصاءات دقيقة للأطفال المنخرطين في سوق العمل، وتحديداً الأعمال المجهدة... «بإمكاننا القول إن نسبتهم نحو 20 في المائة من نسبة الأطفال النازحين في شمال غربي سوريا، وذلك من خلال جرد وإحصاء نسبي بين عدد أفراد الأسر النازحة وأعمارهم وعدد الأطفال الذين يتلقون التعليم في المدارس الرسمية وغير الرسمية في المخيمات والمناطق الخارجة عن سيطرة النظام».

ويضيف أن «حالة الفقر المدقع الذي يعيشه الأهالي دفعت بالأطفال إلى البحث عن أعمال بغض النظر عما إذا كانت مجهدة أم غير ذلك، مقابل الحصول على المال لمساعدة أهاليهم في سد حاجاتهم الحياتية، حيث نشاهد يومياً مئات الأطفال يذهبون صباحاً للعمل في الورش والمعامل والمراكز التجارية، وأطفالاً يجرون عربات حديدية في الشوارع لبيع الكعك وبعض المأكولات وسط زحمة سير الآليات، مما يشكل حتماً خطراً على حياتهم». ولفت إلى أنه يموت أطفال نتيجة تعرضهم لحوادث سير أثناء ذهابهم أو عودتهم من العمل، إضافة إلى موت بعض الأطفال نتيجة إصابات خطيرة أثناء العمل.

من جهتها، تقول معلمة في إحدى المدارس ضمن مخيمات البردقلي: «هناك 3 أسباب رئيسية تساهم في تسرب الأطفال من المدارس وحرمانهم من التعليم. السبب الأول هو جهل الأهالي بأهمية تعليم أطفالهم؛ حيث يفضلون إكسابهم مهنة للعمل فيها في المستقبل على التعليم. والسبب الثاني هو الفقر والجوع في معظم الأوقات، الذي تعيشه أغلب الأسر النازحة في الشمال السوري، مما يدفع بالأهالي إلى إرسال أبنائهم للعمل أكثر من إرسالهم للمدارس لتلقي التعليم، بهدف الحصول على المال ومساعدتهم على مصاريف الحياة وأعبائها. أما السبب الأهم فهو عدم توفر أي جهة دولية أو رسمية تعمل على توجيه الأطفال وتشجيعهم على تلقي التعليم من جهة؛ ومن جهة ثانية معظم المدارس ودور التعليم في المخيمات غير مدعومة ولا تتلقى الدعم المالي الكامل في تأمين التدفئة في القاعات أو الخيام ومستلزمات التعليم الأخرى، وصعوبة الوصول إلى المدارس بسبب وعورة الطرق المؤدية إليها؛ الأمر الذي يقف عائقاً أمام الطفل في الذهاب إلى المدرسة، مما يفتح ذلك الباب أمام الأطفال للتفكير في ممارسة الأعمال وكسب المال».

ولفتت إلى استمرار تفاقم ظاهرة تسرب الأطفال من المدارس وممارستهم الأعمال، وأنها حتماً تشكل خطراً كبيراً على مستقبل آلاف الأطفال شمال غربي سوريا، وأن «ذلك ينذر أيضاً بجيل جاهل مستقبلاً لا يعرف حتى كتابة اسمه أو قراءة أي كلمة».

ويقول مدير «مدرسة الأمل» في مخيم أطمة الحدودي: «لدينا على القيود في مدرستنا 257 طفلاً من الذكور، بينما لا يوجد منهم على مقاعد التعليم سوى نحو 150 طفلاً، وبعد الاطلاع، تبين أن نحو 160 طفلاً يتغيبون لأسابيع بسبب خروجهم مع ذويهم للعمل في قطاف الزيتون، وبالطبع ذلك يؤثر تماماً على عامهم الدراسي وحرمانهم من التعليم والانتقال إلى مراحل تعليمية أعلى».

ولفت إلى أن هذه الظاهرة لا تقتصر على مدرسته فحسب؛ «بل تشمل معظم مدارس المخيمات»، مطالباً الجهات والمنظمات الدولية بحماية الأطفال السوريين حرصاً على مستقبلهم التعليمي من خلال تشجيعهم على التعليم ودعم المدارس.


سوريا أخبار سوريا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة