كمال جنبلاط شاعر الاستعارات القصوى والفرح المأساوي

لم يتسع لكشوفه الروحية والرؤيوية «قميص» السياسة الضيق

كمال جنبلاط
كمال جنبلاط
TT

كمال جنبلاط شاعر الاستعارات القصوى والفرح المأساوي

كمال جنبلاط
كمال جنبلاط

الكتابة عن كمال جنبلاط هي في كثير من وجوهها مجازفة غير مأمونة. ليس فقط لأنه أحد العلامات القليلة الفارقة في تاريخ لبنان الحديث، أو لأن حقل اهتماماته المتعدد يجعله رجالاً كثراً في رجل، أو «مفرداً بصيغة الجمع»، على حد تعبير أدونيس، بل لأنه شخصية مركبة تتدرج في سلوكياتها ومستويات تعبيرها من الظاهر المنكشف الذي تحتل السياسة سطحه المرئي، وصولاً إلى الأغوار العميقة للفلسفة والفكر والشعر والتأمل الوجودي. وقد تكون الفجوة القائمة بين المستويين السياسي والعرفاني، في شخصية السياسي المفكر اللبناني، هي المصدر الأبرز لمكابدات نفسه الممزقة بين براغماتية سياسية يصعب تجنبها في بلد كلبنان، تتحول فيه السياسة إلى معادل طبيعي للشطارة والنفاق وسرقة المال العام، وتوقٍ صوفي للانصهار في العالم والتوحد مع إيقاعه المتناغم.
على أن ذلك الانشطار الحاد بين الواقعي والمتخيل عند جنبلاط الذي ولد في مثل هذه الأيام قبل مائة وثلاثة أعوام كان بمثابة الجرح المؤسس لكل عبقرية فردية، والمصدر الأهم لكل تعبير خلاق. ذلك أن الترابي في الإنسان المبدع يبدو وكأنه يحن إلى سماويته، في حين أن السماوي بالمقابل يتوق إلى التجسد في حقيقة أرضية. ولعل المتنبي هو الترجمة الإبداعية لهذه العلاقة الجدلية بين الأقنومين، حيث إن تربعه على عرش الشعر، بما هو رمز لأنا الإنسان العليا، لم يحل دون سعيه الممض إلى الظفر بسلطة، ولو متواضعة، على رقعة الجغرافيا السياسية. كأنه بذلك كان يريد أن يجمع بين مجد السيف ومجد القلم، أو بين سلطة المجاز وسلطة الواقع. ولم يكن كمال جنبلاط بمنأى عن هذا المأزق الحاد بين السلطتين. ورغم أنه عمل جاهداً على حل التناقض الضدي بينهما، عبر اعتماد البراغماتية السياسية حيناً، والطوباوية المفرطة وشعرنة السياسة حيناً آخر، فإن ما يجمعه بالمتنبي، رغم محدودية الحيز الذي خصصه جنبلاط للشعر، كان ذلك الغضب المحتقن داخل النفس، والتمرد على السائد، وصولاً إلى مصيرهما المأساوي المتشابه.
ولعل أحد مظاهر تلك الثنائية الضدية يتجلى بوضوح من خلال الانشطار الجنبلاطي بين موجبات الاهتمام بالجماعة المحلية الحاضنة، بما تفرضه من تقاليد وسلوكيات شعبية، واعتقاد راسخ بأن السياسة الحقة لا يجب أن تكون رهينة لدى القاعدة العريضة التي غالباً ما تتحكم بها الغرائز والعصبيات والأهواء. وبقدر ما ركز جنبلاط على اضطلاع «الشخصية القائدة المسؤولة» بدورها الأساسي في تسيير دفة السلطتين، الرسمية والحزبية، أكد بالمقابل على مقولة سان سيمون حول دور النخب السياسية والفكرية والاقتصادية في صناعة التاريخ. وهو ما يؤكد عليه قائد الحركة الوطنية اللبنانية في غير موضع ومناسبة. فهو يشير في كتابه «آفاق نورانية» إلى «الأقليات الفاعلة» التي تلعب دوراً شديد الأهمية في عملية التنوير والتقدم الاجتماعي، وفي الحيلولة دون وقوع الدول والمجتمعات الديمقراطية فريسة للجهل والتخلف والفوضى. وهو يرى أن «ما يريده الشعب أو يبتغيه، أو خاصة يشتهيه، قد لا يكون من مصلحته بتاتاً»، وأن النخب المثقفة المتنورة منوطة بتعميق الوعي الجمعي وترشيده وإخراجه من مستنقع التخلف والجهل والإذعان.
وما يصح عنده على السياسة يصح على الفلسفة والفكر والشعر. فهو إذ يأخذ بمبدأ الأقلية الفاعلة الذي نادى به كل من جون ستيوارت مل وآرنولد توينبي، على الصعيدين السياسي والفكري، يلتقي في نظرته إلى الشعر مع الكاتب المكسيكي أوكتافيو باث الذي ينحاز إلى نخبوية الإبداع الشعري، ويرى أن المجددين الكبار، كبودلير ورامبو ومالارميه وفاليري وغيرهم، لم يجدوا في البداية من ينتصر لمغامرتهم التجديدية سوى أقلية محدودة من القراء، ولكنها «الأقلية الهائلة» التي تزداد رقعتها باستمرار، وتؤسس يوماً بعد يوم لكثرتها اللاحقة. وفي مجموعته الشعرية «فرح»، يكشف كمال جنبلاط، من خلال مقالة له بعنوان «أفضل الشعر»، عن معرفة عميقة بهذا الفن. وهو يقسم الشعراء إلى مراتب ثلاث: الأولى سفلية يشغلها أولئك الذين يكتفون بوصف الأغراض والصور الحسية والعواطف التي يقع عليها النور، وهم في الحقيقة ليسوا بشعراء؛ والثانية يشغلها الذين لا يكتفون بوصف المحسوسات والأغراض بحد ذاتها، بل بتفاعلها مع النور المنعكس عليها، دون التفات إلى مصدر هذا النور وينبوعه، وهم الشعراء المتفوقون. أما الثالثة، فيشغلها أولئك الذين غاصوا إلى لجة النور واتحدوا بجوهره، قبل أن يفيقوا من غشيتهم ليرووا ما سبروا غوره، وليكونوا شهوداً عليه. وهؤلاء هم الشعراء العظام الذين يتلمسون الشعر «فيما يتعدى الحرف»، وفيما هو أبعد من الأوزان والقوافي والزخارف الشكلية.
ويبدو الشعر عند كمال جنبلاط، وفي ديوانه «فرح» على وجه الخصوص، أقرب إلى «الشطح» الصوفي منه إلى المشاعر العادية، وإلى الحدس منه إلى الحواس. كما أن قصائده المختزلة تنقسم بشكل شبه متساوٍ بين المقطوعات النثرية ومقطوعات الشعر الخليلي التي يستقيم وزنها حيناً ويختل حيناً آخر. وهو ما يشير إليه ميخائيل نعيمة في مقدمة الديوان، مرجحاً أن المؤلف، شأنه في ذلك شأن سائر الصوفيين، كان يؤثر إبقاء النص على الصورة التي «تنزّل» بها دون تعديل. والأرجح أن «ناسك الشخروب»، محق فيما ذهب إليه لأن معظم النصوص الخليلية كانت سليمة الوزن سلسة الإيقاع، ومن ينظم بهذه السلاسة قادر -لو أراد- على تجنب أي خلل وزني. وهو ما يشير إليه صاحب الديوان دون مواربة. أما التعريض المباشر الذي يرد في المقدمة بالشعراء الذين يستجدون الألم ويتوسلونه طريقة للعب على العواطف وابتزاز الجمهور، فيمكن لدائرته أن تتسع لتطال معظم الشعر العربي المثخن بالتفجع والنبرة الحزينة والنزوع الرثائي. في حين أن شعراء الفرح كانوا قلة نادرة. صحيح أننا نتلمس وجوهاً للفرح في شعر سعيد عقل، ولكنه فرح كرنفالي متأت من التحليق فوق الحياة والانفصال عن الواقع، بقدر ما هو نوع من الانتشاء باللغة، بلاغة وإيقاعاً ومهارات. أما فرح كمال جنبلاط فهو يأتي من الجهة المعاكسة تماماً، حيث الانغماس الكلي بالوجود، والانصهار في أتونه المشتعل. كما أنه ربيب تلك النعمة التي تنسكب على الشاعر المتصوف من «قوارير النور» النافية للعدم، حيث الكائنات في انبثاقها الدائم تُواصل نوعاً من العود الأبدي، أو نكوصاً متجدداً باتجاه المصدر. وسواء تعلق الأمر بالأساطير أو الأديان، فإن فكرة الموت والانبعاث تجد في حبة القمح المدفونة في التراب تجسّدها الأمثل:
الحنطة تنمو وترتفع على القبر
وتجد في ترابه مصدراً وينبوعاً من القوة
هل طُمر الميت في الأديم؟
سيان أكان ذلك أم لم يكن: ها هو يعلو كالسنبلة
وما الشكل إلا خدعة الوهم
وتحت الغلافات المتحركة الهاربة
يدق بضرباته قلب الطاقة الكونية
الذي لا يتبدل ولا يؤول إلى العدم

من جهة أخرى، لا يبدو الفارق واسعاً لدى كمال جنبلاط بين الشعر والفلسفة، بل هو من القلائل الذين لا يربطون الشعر بالغنائية والبلاغة الفائضة والبوح الرومانسي العاطفي، بل بالمعرفة والفكر وإشراقات الداخل. وهو تبعاً لذلك لا يرى فارقاً بين الفلسفة والشعر، سوى ذلك المتعلق باللغة والأسلوب، حيث يخفف الثاني من جفاف الأولى، وحيث يحل الحدس والتوهج القلبي والتخييل التصويري محل برودة العقل وصرامة اللغة والأسلوب. وهو إذ يلتقي مع المعري في إعلاء العقل، والربط بين الشعر والفكر، يلتقي من ناحية أخرى مع الشاعر الألماني نوفاليس الذي يرى أن في داخل كل شاعر قدراً غير قليل من التبصر والاستشراف، ولذلك «فكل شعر حقيقي هو بالضرورة ذو منشأ ديني». كما أن صاحب «الحياة والنور» الذي وافق محيي الدين بن عربي في اعتقاده بوحدة الوجود، رأى في الأديان المختلفة وجوهاً لحقيقة واحدة، تقوم على الحب والأخلاق ونشدان المطلق النوراني الذي يجب على الجميع أن يتحلقوا حول كعبته المقدسة:
طفْ معي، يا أخي، كما تدور الأفلاك،
حول البيت العتيق،
مكة الحق، حجرة الشمس الحقيقية
التي لا تغرب عن وجود الإنسان
واسجدْ وإياي في استشراف سورة النور
عندما يعلو لهب الشعلة في المشكاة

تتحول اللغة هنا إلى معادل رمزي للتجربة، وإلى إشارات غامضة على طريق الكشوف الأخيرة. وقد بذل جنبلاط في بحثه عن الحقيقة كل ما يستطيعه من جهد، جامعاً بين فلسفة هرمس حول تجدد الولادات، وتعاليم البراهما والفيدا الهندية التي تنادي بوحدة المصائر البشرية والكونية التي تدور حول محورها النوراني من جهة، وتعمل على مصالحة الإنسان مع نفسه ومع الوجود من جهة أخرى. وإذ أنصت الرجل طويلاً وعميقاً إلى مرشده الأكبر سري أتمانندا، على ما يروي إيغور تيموفييف في كتابه «الرجل الأسطورة»، أدرك تمام الإدراك أن السعادة الحقيقية لا تتلمس عن طريق التجاور المكاني وحده، وليس بالضرورة أن يسافر إلى «الهند السعيدة» لكي يبلغها، بل يمكنه تلمسها في مكان إقامته الأصلي. وحيث كانت دير القمر تتوسط المسافة الفاصلة بين بيروت والمختارة، بلدته في مرتفعات الشوف، بدت له البلدة في أثناء رحلات الذهاب والإياب أشبه بطريق الشهود السالكين نحو محور الدائرة وعين المرآة، فكتب من وحيها:
دار القمر واستدار
في العمامة البيضاء،
وفي تقدمة الخبز، رمز الوحدة الجوهرية
آه لو كانوا يعرفون، فيما يتعدى الأديان
وفي رقصة الحق وفرح التكوين،
في بهجة الولادة، وفي بيوت الله
أي في قلوب المؤمنين

وكما كان اللفظ عند صاحب «هذه وصيتي» بمثابة جسد المعنى، وثوبه القابل للتبدل، فقد كانت الحياة بالنسبة إليه هي قشرة الوجود الحقيقي وحجابه التي تحول كثافتها دون الانتقال إلى صُلب الكينونة الحقة التي يمثلها الموت. لذلك فهو لم يهرب من مواجهة مصيره، حين عرف بالمكيدة الخسيسة التي تدبر للنيل منه. ولم يكن أمراً بغير دلالة أن يواجه كمال جنبلاط الطلقات التي سددت نحو رأسه وأنحاء جسده على طريق المختارة بعينين مفتوحتين وهدوء نفسي وقلبي قل نظيره، بل بدا في سريرته يشكر قاتليه على فعلتهم لأنهم بانقضاضهم على الجسد المثقل بأحماله ومكابداته وفروا لروحه الأسيرة وسيلة ملائمة للانتقال من مختارة الشكل إلى مختارة المعنى، وسبيلاً للتحليق في عوالم الفرح الأثيري والغبطة المطلقة.



المصريون يحملون مذاق البيت في حقائب السفر

طائرة مصرية بميناء القاهرة الجوي تستعد للإقلاع (الشرق الأوسط)
طائرة مصرية بميناء القاهرة الجوي تستعد للإقلاع (الشرق الأوسط)
TT

المصريون يحملون مذاق البيت في حقائب السفر

طائرة مصرية بميناء القاهرة الجوي تستعد للإقلاع (الشرق الأوسط)
طائرة مصرية بميناء القاهرة الجوي تستعد للإقلاع (الشرق الأوسط)

على غرار الفنان المصري عادل إمام في فيلم «عنتر شايل سيفه»، حين سافر إلى إيطاليا حاملاً «زلعة المِش»، حمل مسافر قادم من مصر مأكولات من بلاده إلى الولايات المتحدة، قبل أن تضبط سلطات الجمارك وحماية الحدود في مطار ديترويت حماماً نيئاً، وبطاً، وثمار مانغو، وأوراق ملوخية خضراء في أمتعته.

ووفق مقطع نشره الحساب الرسمي لمدير مكتب العمليات الميدانية التابع للجمارك وحماية الحدود الأميركية في ديترويت، رصدت كلبة مدرّبة تلك المنتجات داخل الأمتعة أثناء مرورها على سير الحقائب. وذكّرت الإدارة المسافرين بضرورة الإفصاح عن جميع المواد الغذائية والمنتجات الزراعية التي يحملونها، لتحديد ما يُسمح بإدخاله وتجنّب الغرامات والتأخيرات المحتملة.

وتفتح الواقعة نافذة على عادة مألوفة لدى كثير من المسافرين المصريين، الذين يخصّصون حيزاً من حقائبهم لمأكولات البيت، من المحشي والملوخية إلى الفطير المشلتت والسمن البلدي. فما الذي يدفعهم إلى حمل هذه الأطعمة رغم أعباء السفر وتوافر بعض مكوناتها في بلدان الإقامة؟

طائرة مصرية بميناء القاهرة الجوي تستعد للإقلاع (الشرق الأوسط)

يقول أشرف شريف، وهو مهندس مصري يعمل في إحدى الدول الخليجية، لـ«الشرق الأوسط»: «تبدو حقيبتي للمسافرين العاديين مجرد أمتعة سفر، لكنها بالنسبة لي تشبه سُفرة مصغّرة. ففي كل مرة أستعد فيها لمغادرة القاهرة والعودة إلى مقر عملي، لا بد أن أحمل معي أصناف المحشي والحمام التي تعدّها لي والدتي. نعم، تتوافر المكونات في الخارج، لكن نَفَس الأم وروح البيت اللذين تحملهما هذه المأكولات يكون علاجاً للاغتراب، ولو لأيام قليلة».

وعلى غرار حقيبة شريف، تتنوع الأطعمة التي يصطحبها المغتربون، خصوصاً الأصناف التي يصعب العثور عليها بالمذاق نفسه خارج مصر. وتشمل القائمة الأسماك المملحة، وأبرزها الفسيخ والرنجة والسردين، والمِش والسمن البلدي، والفطير المشلتت والعسل الأسود، إلى جانب التسالي، مثل اللب والترمس والحمص والفول السوداني.

وحسب الدكتورة روضة حمزة، مدرّسة الاقتصاد المنزلي في جامعة العاصمة المصرية، فإن التوابل والخبز المصري المجفف والطيور البلدية وأصناف المحشي من أبرز ما تحمله حقائب المسافرين، لما تتمتع به من نكهات يفتقدها المغترب.

وتشير إلى أن الملوخية تحظى بمكانة خاصة بين هذه الأصناف، موضحة لـ«الشرق الأوسط»: «الملوخية ليست مجرد أكلة شعبية محببة، بل هي وجبة منزلية حميمة ترتبط بذكريات البيت ودفء العائلة، وخصوصاً الأمهات».

وترى روضة حمزة أن حرص المصريين على اصطحاب هذه الأطعمة يجمع بين عوامل إنسانية واقتصادية؛ فإلى جانب الارتباط العاطفي بها، يجد بعض المغتربين أن شراءها من مصر أقل تكلفة، أو أن مذاقها وجودتها يختلفان عما يتوافر في بلد الإقامة.

مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)

ومن المصريين المقيمين في الأردن، يقول عايدي عبد الحافظ لـ«الشرق الأوسط»: «توجد هنا أنواع كثيرة من المأكولات الشهية والجيدة، لكنني أحب كثيراً الطعم المصري الأصيل، لذلك أطلب من أقاربي أو أبناء قريتي بمحافظة الشرقية، قبل قدومهم إلى الأردن، جلب السمن البلدي لاستخدامه في الطهي، إلى جانب بعض التسالي المصرية. وفي المقابل، أردّ لهم هذه الخدمة خلال عودتي من مصر».

وفي تفسيره لهذا السلوك، يرى الباحث في الأنثروبولوجيا وليد محمود أن حمل الأطعمة المحلية أثناء السفر لا يقتصر على المصريين، بل هو سلوك مشترك بين شعوب كثيرة، يرتبط بالرغبة في الاحتفاظ بصلة بالبيئة الأصلية.

ويقول إن الأطعمة التي نشأ عليها الإنسان تصبح جزءاً من ذاكرته الشخصية والجماعية، وإن اصطحابها إلى بلد الإقامة يمنحه إحساساً بالألفة والراحة، خصوصاً عندما يصعب العثور عليها هناك. وينطبق ذلك، بحسب الباحث، على أطعمة مصرية مثل الملوخية والبصارة، التي يرى أن انتشارها خارج المنطقة العربية لا يزال محدوداً مقارنة بأصناف أخرى.

ويلفت محمود إلى قدرة الطعام على استدعاء الذكريات والمشاعر المرتبطة بالماضي؛ لتصبح المأكولات التي يحملها المغترب في حقيبته وسيلة للتخفيف من مشاعر الاغتراب والحفاظ على جذوره الثقافية والغذائية.


زيد أبو حمدان: «بومة» ليس جريئاً بل واقعي

المخرج الأردني خلال حضوره في مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
المخرج الأردني خلال حضوره في مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
TT

زيد أبو حمدان: «بومة» ليس جريئاً بل واقعي

المخرج الأردني خلال حضوره في مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
المخرج الأردني خلال حضوره في مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)

قال المخرج الأردني زيد أبو حمدان إن فيلم «بومة» ليس جريئاً، كما يصفه بعضهم؛ بل هو فيلم حقيقي وواقعي عن أشخاص يعيشون بيننا. وأوضح -في حواره مع «الشرق الأوسط» على هامش مهرجان «الجونة» المصري- أن أغلب الشخصيات التي بحث في ظروفها هم من «مجهولي النسب»، متحدثاً عن أثر فقدان الأمان والحب والرعاية في حياتهم.

وشارك فيلم «بومة» ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في مهرجان «الجونة السينمائي» في دورته التاسعة، ويُعد ثاني أفلام أبو حمدان الطويلة بعد فيلمه الأول «بنات عبد الرحمن» الذي حقق نجاحاً لافتاً. والفيلم من بطولة ركين سعد، وجوانا عريضة، وفرح بسيسو، ومجد عيد، ونبيل الراعي، ومجد حلو.

ركين سعد على ملصق الفيلم (مهرجان الجونة)

ويروي أبو حمدان أن علاقته بفيلم «بومة» بدأت منذ صغره؛ فقد كان يسمع عن فتيات يُقمن في مناطق عشوائية خارج عمَّان، ويهاجمن المحال لسرقتها، ويعتدين على أصحابها. وكان يتساءل عمَّا يدفع فتاة إلى أن تصبح «هجَّامة»، قبل أن يشاهد واحدة منهن وهو في الخامسة عشرة من عمره.

ويلفت إلى أنه خلال عمله على فيلم «بنات عبد الرحمن»، كانت تستفزه شخصية «زينب»، الأخت الكبرى التي أدتها الفنانة فرح بسيسو، وكان يتساءل عن سبب تقديمها مستضعفة هكذا، فقرر أن يكون فيلمه المقبل عن فتاة قوية وعنيفة، تكون نقيضاً لـ«زينب».

ويؤكد أنه بعد بحث ولقاءات كثيرة مع أشخاص لهم علاقات بـ«الهجَّامات»، وجد أن أغلب من تناولهن بحثه ينتمين إلى فئة «مجهولات النسب»، ويقول بأسى: «اكتشفت كمية الظلم التي يعيشها هؤلاء البنات؛ بل والرجال أيضاً، الذين فقدوا منذ مولدهم الأمان، وليست لديهم أوراق ثبوتية».

لقطة من الفيلم (حساب ركين سعد على فيسبوك)

واستغرق الفيلم 3 سنوات بين التحضير والتصوير؛ إذ يؤمن أبو حمدان بضرورة أن تأخذ الأفكار وقتها الكافي على الورق. وانطلقت رحلة تمويله من مهرجان «البحر الأحمر السينمائي»؛ حيث فاز بجائزة تطوير النص، وقدرها مائة ألف دولار، كما حاز دعماً من الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، قدره 70 ألف دولار.

وشهد العرضان الأول والثاني لفيلم «بومة» في «الجونة السينمائي» حضوراً لافتاً، وحظي الفيلم بتصفيق كبير. ويقول أبو حمدان: «أذهلني استقبال كبار نجمات مصر، يسرا وليلى علوي وإلهام شاهين، للفيلم، وقد تحدثن معي عقب العرض وكانت الدموع في أعينهن تأثراً بأحداثه، كما أسعدني الحضور الكبير من الجمهور. وعلى الرغم من أن (بومة) امرأة متوحشة، وتسببت في إيذاء كثير من الناس، فإنها لم تولد متوحشة؛ بل نحن من دفعناها وأمثالها لذلك؛ لأننا لم نمد لهم يد العون».

جانب من كواليس تصوير الفيلم (فيسبوك ركين سعد)

ويكشف أبو حمدان أنه كان يرغب في اكتشاف ممثلة جديدة لتؤدي شخصية الهجَّامة «بومة»، غير أن لقاءً استغرق 7 ساعات مع الفنانة ركين سعد كان كفيلاً باختيارها. ويقول: «لم تكن ركين في بالي، ولكن صديقة لنا سمعت بعملي، فقالت لي إن هذا الدور حلم حياة ركين، وتحدثت إليها، ثم سافرتُ إلى مصر لألتقيها، وجلسنا للتحدث عن الفيلم فترة امتدت 7 ساعات، كنت أحكي لها قصة الفيلم، وكانت منتبهة للغاية ولمحت حُرقة في عينيها، وبكت لأجل (بومة)، ووصلني إحساسها العالي بالشخصية».

ويلفت إلى أنه اشترط التدريب على الدور نحو 6 أشهر، مع الاستعانة بمدرب لحركة الجسد، وأحد السجناء السابقين، لتعليمها كيفية استخدام «الموس» و«المطواة». ويضيف: «وقد عملنا على تغيير ملامح وجهها تماماً، واستمرت التدريبات يومياً معها على الشخصية، وأرى أن أداء ركين هو من أعطى للشخصية أبعادها بالفيلم».

وحازت ركين سعد جائزة أفضل ممثلة بمهرجان «الجونة السينمائي»، وأهدتها إلى أسرة الفيلم، وذكرتهم بالاسم خلال تسلُّمها الجائزة، وفي مقدمتهم المخرج زيد أبو حمدان الذي أكد سعادته بفوزها، مهنئاً إياها على أدائها المتميز لشخصية «بومة»، وعادّاً الجائزة تكريماً لفريق الفيلم كله الذي بذل جهداً كبيراً خلال تصويره.

فريق عمل الفيلم بعد فوز ركين سعد بجائزة أفضل ممثلة بمهرجان الجونة (فيسبوك ركين سعد)

ويرتبط أبو حمدان ارتباطاً وثيقاً بأفلامه، ويقول: «أُعدُّ أفلامي مثل أولادي»، لافتاً إلى أن «الفيلم الثاني يُعد أصعب فيلم»، موضحاً: «لو أن الفيلم الأول لم يلقَ قبولاً فلا بد من أن يعمل المخرج كثيراً ليثبت حضوره، ولو نجح فلا بد من أن يثبت موهبته ليؤكد أن نجاحه لم يكن صدفة».

وصُوِّر الفيلم وسط بعض الأحياء التي تأوي خارجين عن القانون، وفق المخرج الذي وصف ذلك بالمجازفة الكبيرة، ولكنه أراد التصوير في أماكن حقيقية تحقيقاً للمصداقية. ويلفت إلى أن فريق العمل تعرض لهجوم من بعض الأشخاص، مؤكداً أن الدولة تبذل جهوداً كبيرة للقضاء على «البلطجة».

ويضيف أنه اختار الطفلة «سما» التي ترتبط بها «بومة» ضمن أحداث الفيلم، خلال تفقده مواقع للتصوير في «مخيم غزة»، بعدما لفتت نظره وهي تلعب مع الأولاد في الشارع.

ورغم اهتمامه بالمرأة في أفلامه، فإن أبو حمدان يقول إنه لا يحب تصنيفه مخرجاً لأفلام المرأة، مؤكداً أن نساء أسرته، من أمه وجدته إلى عماته، أثَّرن فيه، وأنه أدرك من خلالهن قيماً مهمة تحكم الأسرة، وهو ما جعله متعاطفاً مع المرأة.

ويؤكد أبو حمدان أن هدفه من الفيلم إنساني في المقام الأول: «بصفتي شاباً في مجتمع ذكوري، أتمنى قبل أن نحكم على الناس أن ننظر لهم بعين إنسانية، فلو أن (بومة) وجدت تعاملاً راقياً بصفتها إنسانة، لم تكن كل هذه الجرائم قد وقعت، والفرق بيني وبينها أنني عشت وسط أسرة وبيت وحضن أبي وأمي، فصرت إنسانا سوياً».


خالد الصاوي: أجسد خيرت الشاطر بشكل مختلف في «تمكين»

خالد الصاوي خلال مشاركته في مهرجان الجونة (حسابه على فيسبوك)
خالد الصاوي خلال مشاركته في مهرجان الجونة (حسابه على فيسبوك)
TT

خالد الصاوي: أجسد خيرت الشاطر بشكل مختلف في «تمكين»

خالد الصاوي خلال مشاركته في مهرجان الجونة (حسابه على فيسبوك)
خالد الصاوي خلال مشاركته في مهرجان الجونة (حسابه على فيسبوك)

قال الممثل المصري خالد الصاوي إنه يستعد لتصوير مسلسله الجديد «تمكين» مع المخرج محمد سامي، ويجسد من خلاله شخصية القيادي بجماعة «الإخوان» خيرت الشاطر، مشيراً إلى أن العمل الذي يشترك فيه مع عمرو سعد وياسمين صبري سيعرض خلال رمضان المقبل على الشاشات.

وأضاف الصاوي في مقابلة مع «الشرق الأوسط» على هامش مشاركته في مهرجان الجونة السينمائي، أن الشخصية التي يقدمها للمرة الثالثة بعد ظهوره بها في مسلسلي «الاختيار» و«رأس الأفعى» سوف تظهر بشكل مختلف مع تناول جوانب مغايرة لم تظهر في الأعمال السابقة، لافتاً إلى أن الحديث عن كون العمل بمثابة جزء رابع من مسلسل «الاختيار» لا يبدو دقيقاً لكون الأحداث تتطرق لتفاصيل جديدة مع تفضيله ترك هذا الأمر لمخرج العمل والجمهور عندما يشاهده في رمضان المقبل.

وهذه ليست المرة الأولى التي يجسد فيها خالد الصاوي أدواراً لشخصيات يعرفها الجمهور، فسبق وقدم دور الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والشاعر أحمد فؤاد نجم والسياسي المصري مصطفى أمين في أعمال مختلفة.

وكان الصاوي قد أكد بعد تجسيده خيرت الشاطر للمرة الأولى في «الاختيار» أن تقديمه للدور جعله يشاهد جميع اللقاءات التلفزيونية للقيادي الإخواني، مشيراً إلى أن انخراطه في ثورة 30 يونيو (حزيران) التي أطاحت بتنظيم «الإخوان»، المصنف «إرهابياً» في البلاد، جعلته يتعامل بمنظور مختلف مع الشخصية.

الصاوي قبل فقدان وزنه (حسابه على فيسبوك)

وعبّر الصاوي عن سعادته بردود الفعل على مشاركته في حكاية «ما لم يحكَ عن بني مزار» التي عرضت مؤخراً ضمن مسلسل «القصة الكاملة»، مشيراً إلى أنه منذ معرفته بفكرة القصة وجد فيها العديد من التحديات ليس فقط على مستوى التمثيل، لكن أيضاً الفكرة والمعالجة لواحدة من القضايا التي قيدت ضد مجهول أمام القضاء.

وأكد أن «ثقته في صناع العمل وسابق تعاونه معهم في أعمال أخرى أمور شجعته على خوض التجربة من دون تردد بعد قراءة العمل ليخرج بالنتيجة التي تابعها الجمهور مؤخراً».

على الصعيد السينمائي، أبدى الصاوي حماسه لفيلم «باسط للعضلات»، الذي يجمعه بأحمد مالك وميشيل ميلاد، واكتفى بوصفه بأنه فيلم مهم، مفضلاً ترك تفاصيل شخصيته وأحداث العمل إلى وقت مشاهدته. الفيلم من إخراج خالد منصور، وتأليف محمد الحسيني، وقد انتهى تصويره في أغسطس (آب) الماضي، ضمن مشروعات الصاوي السينمائية الجديدة التي يترقب عرضها قريباً.

وأشار كذلك إلى مشاركته في فيلم «حدوتة» مع أحمد حلمي، من دون الاسترسال في تفاصيله، متمسكاً بتحفظه على حكاية الأعمال قبل عرضها.

وشدد الصاوي على أنه بدأ حياة جديدة عقب استعادة لياقته البدنية، موضحاً أن أصعب ما واجهه قبل اتخاذ هذه الخطوة كان ضيقه من نفسه، وإحساسه بأنه يواصل عادات يعرف ضررها، فجاءت رغبته في التغيير مرتبطة باستعادة احترامه لذاته والثقة بها؛ إذ وجد صعوبة في أن يكون راضياً عن نفسه بينما يتجاهل ما يحتاج إلى إصلاح في حياته.

وأوضح أن الانتقادات التي تناولت مظهره وأداءه وصوته، خصوصاً بعد مشاركته في مسلسلي «المداح» و«سيد الناس»، وافقت شعوراً داخلياً لديه، ودفعته إلى وقفة أكثر صراحة مع نفسه، فكان السؤال الذي واجه به صورته في المرآة هو ما إذا كان هذا خالد الذي يحبه ويرضى عنه، ومن إجابته بدأ التفكير فيما يستطيع فعله، بدلاً من الاكتفاء بالتأثر بما يقوله الآخرون.

خالد الصاوي بدأ حياة جديدة عقب استعادة لياقته البدنية (حسابه على فيسبوك)

وأشار إلى أن رغبته في أن يكون قدوةً للشباب جعلته يشعر بمسؤولية أكبر تجاه اختياراته، فالتأثير في الآخرين، بحسب تجربته، يبدأ بقدرة الإنسان على تطبيق ما يؤمن به، ورغم تعدد الأسباب التي أوصلته إلى تلك المرحلة، رأى أن تجاوزها يقتضي عملاً من الداخل.

وكشف الصاوي عن خضوعه لجراحتين؛ إحداهما لتكميم المعدة والأخرى للمرارة، فيما يواصل التعامل مع مشكلة في الغضروف، موضحاً أن استعادة لياقته استلزمت تغييراً في أسلوب حياته، شمل الانتظام في التمارين الرياضية ستة أيام أسبوعياً ليكون هذا الالتزام جزءاً أساسياً من يومه، بعدما أدرك أثر عاداته السابقة في صحته، وحاجته إلى بذل جهد مستمر لاستعادة قدرته البدنية.

وأضاف أن «الجانب الأصعب في التجربة كان مقاومة نفسه كلما دفعته إلى العودة لما اعتاده، فقرار التغيير كان يحتاج إلى التزام يتجدد مع الممارسة اليومية».