كمال جنبلاط شاعر الاستعارات القصوى والفرح المأساوي

لم يتسع لكشوفه الروحية والرؤيوية «قميص» السياسة الضيق

كمال جنبلاط
كمال جنبلاط
TT

كمال جنبلاط شاعر الاستعارات القصوى والفرح المأساوي

كمال جنبلاط
كمال جنبلاط

الكتابة عن كمال جنبلاط هي في كثير من وجوهها مجازفة غير مأمونة. ليس فقط لأنه أحد العلامات القليلة الفارقة في تاريخ لبنان الحديث، أو لأن حقل اهتماماته المتعدد يجعله رجالاً كثراً في رجل، أو «مفرداً بصيغة الجمع»، على حد تعبير أدونيس، بل لأنه شخصية مركبة تتدرج في سلوكياتها ومستويات تعبيرها من الظاهر المنكشف الذي تحتل السياسة سطحه المرئي، وصولاً إلى الأغوار العميقة للفلسفة والفكر والشعر والتأمل الوجودي. وقد تكون الفجوة القائمة بين المستويين السياسي والعرفاني، في شخصية السياسي المفكر اللبناني، هي المصدر الأبرز لمكابدات نفسه الممزقة بين براغماتية سياسية يصعب تجنبها في بلد كلبنان، تتحول فيه السياسة إلى معادل طبيعي للشطارة والنفاق وسرقة المال العام، وتوقٍ صوفي للانصهار في العالم والتوحد مع إيقاعه المتناغم.
على أن ذلك الانشطار الحاد بين الواقعي والمتخيل عند جنبلاط الذي ولد في مثل هذه الأيام قبل مائة وثلاثة أعوام كان بمثابة الجرح المؤسس لكل عبقرية فردية، والمصدر الأهم لكل تعبير خلاق. ذلك أن الترابي في الإنسان المبدع يبدو وكأنه يحن إلى سماويته، في حين أن السماوي بالمقابل يتوق إلى التجسد في حقيقة أرضية. ولعل المتنبي هو الترجمة الإبداعية لهذه العلاقة الجدلية بين الأقنومين، حيث إن تربعه على عرش الشعر، بما هو رمز لأنا الإنسان العليا، لم يحل دون سعيه الممض إلى الظفر بسلطة، ولو متواضعة، على رقعة الجغرافيا السياسية. كأنه بذلك كان يريد أن يجمع بين مجد السيف ومجد القلم، أو بين سلطة المجاز وسلطة الواقع. ولم يكن كمال جنبلاط بمنأى عن هذا المأزق الحاد بين السلطتين. ورغم أنه عمل جاهداً على حل التناقض الضدي بينهما، عبر اعتماد البراغماتية السياسية حيناً، والطوباوية المفرطة وشعرنة السياسة حيناً آخر، فإن ما يجمعه بالمتنبي، رغم محدودية الحيز الذي خصصه جنبلاط للشعر، كان ذلك الغضب المحتقن داخل النفس، والتمرد على السائد، وصولاً إلى مصيرهما المأساوي المتشابه.
ولعل أحد مظاهر تلك الثنائية الضدية يتجلى بوضوح من خلال الانشطار الجنبلاطي بين موجبات الاهتمام بالجماعة المحلية الحاضنة، بما تفرضه من تقاليد وسلوكيات شعبية، واعتقاد راسخ بأن السياسة الحقة لا يجب أن تكون رهينة لدى القاعدة العريضة التي غالباً ما تتحكم بها الغرائز والعصبيات والأهواء. وبقدر ما ركز جنبلاط على اضطلاع «الشخصية القائدة المسؤولة» بدورها الأساسي في تسيير دفة السلطتين، الرسمية والحزبية، أكد بالمقابل على مقولة سان سيمون حول دور النخب السياسية والفكرية والاقتصادية في صناعة التاريخ. وهو ما يؤكد عليه قائد الحركة الوطنية اللبنانية في غير موضع ومناسبة. فهو يشير في كتابه «آفاق نورانية» إلى «الأقليات الفاعلة» التي تلعب دوراً شديد الأهمية في عملية التنوير والتقدم الاجتماعي، وفي الحيلولة دون وقوع الدول والمجتمعات الديمقراطية فريسة للجهل والتخلف والفوضى. وهو يرى أن «ما يريده الشعب أو يبتغيه، أو خاصة يشتهيه، قد لا يكون من مصلحته بتاتاً»، وأن النخب المثقفة المتنورة منوطة بتعميق الوعي الجمعي وترشيده وإخراجه من مستنقع التخلف والجهل والإذعان.
وما يصح عنده على السياسة يصح على الفلسفة والفكر والشعر. فهو إذ يأخذ بمبدأ الأقلية الفاعلة الذي نادى به كل من جون ستيوارت مل وآرنولد توينبي، على الصعيدين السياسي والفكري، يلتقي في نظرته إلى الشعر مع الكاتب المكسيكي أوكتافيو باث الذي ينحاز إلى نخبوية الإبداع الشعري، ويرى أن المجددين الكبار، كبودلير ورامبو ومالارميه وفاليري وغيرهم، لم يجدوا في البداية من ينتصر لمغامرتهم التجديدية سوى أقلية محدودة من القراء، ولكنها «الأقلية الهائلة» التي تزداد رقعتها باستمرار، وتؤسس يوماً بعد يوم لكثرتها اللاحقة. وفي مجموعته الشعرية «فرح»، يكشف كمال جنبلاط، من خلال مقالة له بعنوان «أفضل الشعر»، عن معرفة عميقة بهذا الفن. وهو يقسم الشعراء إلى مراتب ثلاث: الأولى سفلية يشغلها أولئك الذين يكتفون بوصف الأغراض والصور الحسية والعواطف التي يقع عليها النور، وهم في الحقيقة ليسوا بشعراء؛ والثانية يشغلها الذين لا يكتفون بوصف المحسوسات والأغراض بحد ذاتها، بل بتفاعلها مع النور المنعكس عليها، دون التفات إلى مصدر هذا النور وينبوعه، وهم الشعراء المتفوقون. أما الثالثة، فيشغلها أولئك الذين غاصوا إلى لجة النور واتحدوا بجوهره، قبل أن يفيقوا من غشيتهم ليرووا ما سبروا غوره، وليكونوا شهوداً عليه. وهؤلاء هم الشعراء العظام الذين يتلمسون الشعر «فيما يتعدى الحرف»، وفيما هو أبعد من الأوزان والقوافي والزخارف الشكلية.
ويبدو الشعر عند كمال جنبلاط، وفي ديوانه «فرح» على وجه الخصوص، أقرب إلى «الشطح» الصوفي منه إلى المشاعر العادية، وإلى الحدس منه إلى الحواس. كما أن قصائده المختزلة تنقسم بشكل شبه متساوٍ بين المقطوعات النثرية ومقطوعات الشعر الخليلي التي يستقيم وزنها حيناً ويختل حيناً آخر. وهو ما يشير إليه ميخائيل نعيمة في مقدمة الديوان، مرجحاً أن المؤلف، شأنه في ذلك شأن سائر الصوفيين، كان يؤثر إبقاء النص على الصورة التي «تنزّل» بها دون تعديل. والأرجح أن «ناسك الشخروب»، محق فيما ذهب إليه لأن معظم النصوص الخليلية كانت سليمة الوزن سلسة الإيقاع، ومن ينظم بهذه السلاسة قادر -لو أراد- على تجنب أي خلل وزني. وهو ما يشير إليه صاحب الديوان دون مواربة. أما التعريض المباشر الذي يرد في المقدمة بالشعراء الذين يستجدون الألم ويتوسلونه طريقة للعب على العواطف وابتزاز الجمهور، فيمكن لدائرته أن تتسع لتطال معظم الشعر العربي المثخن بالتفجع والنبرة الحزينة والنزوع الرثائي. في حين أن شعراء الفرح كانوا قلة نادرة. صحيح أننا نتلمس وجوهاً للفرح في شعر سعيد عقل، ولكنه فرح كرنفالي متأت من التحليق فوق الحياة والانفصال عن الواقع، بقدر ما هو نوع من الانتشاء باللغة، بلاغة وإيقاعاً ومهارات. أما فرح كمال جنبلاط فهو يأتي من الجهة المعاكسة تماماً، حيث الانغماس الكلي بالوجود، والانصهار في أتونه المشتعل. كما أنه ربيب تلك النعمة التي تنسكب على الشاعر المتصوف من «قوارير النور» النافية للعدم، حيث الكائنات في انبثاقها الدائم تُواصل نوعاً من العود الأبدي، أو نكوصاً متجدداً باتجاه المصدر. وسواء تعلق الأمر بالأساطير أو الأديان، فإن فكرة الموت والانبعاث تجد في حبة القمح المدفونة في التراب تجسّدها الأمثل:
الحنطة تنمو وترتفع على القبر
وتجد في ترابه مصدراً وينبوعاً من القوة
هل طُمر الميت في الأديم؟
سيان أكان ذلك أم لم يكن: ها هو يعلو كالسنبلة
وما الشكل إلا خدعة الوهم
وتحت الغلافات المتحركة الهاربة
يدق بضرباته قلب الطاقة الكونية
الذي لا يتبدل ولا يؤول إلى العدم

من جهة أخرى، لا يبدو الفارق واسعاً لدى كمال جنبلاط بين الشعر والفلسفة، بل هو من القلائل الذين لا يربطون الشعر بالغنائية والبلاغة الفائضة والبوح الرومانسي العاطفي، بل بالمعرفة والفكر وإشراقات الداخل. وهو تبعاً لذلك لا يرى فارقاً بين الفلسفة والشعر، سوى ذلك المتعلق باللغة والأسلوب، حيث يخفف الثاني من جفاف الأولى، وحيث يحل الحدس والتوهج القلبي والتخييل التصويري محل برودة العقل وصرامة اللغة والأسلوب. وهو إذ يلتقي مع المعري في إعلاء العقل، والربط بين الشعر والفكر، يلتقي من ناحية أخرى مع الشاعر الألماني نوفاليس الذي يرى أن في داخل كل شاعر قدراً غير قليل من التبصر والاستشراف، ولذلك «فكل شعر حقيقي هو بالضرورة ذو منشأ ديني». كما أن صاحب «الحياة والنور» الذي وافق محيي الدين بن عربي في اعتقاده بوحدة الوجود، رأى في الأديان المختلفة وجوهاً لحقيقة واحدة، تقوم على الحب والأخلاق ونشدان المطلق النوراني الذي يجب على الجميع أن يتحلقوا حول كعبته المقدسة:
طفْ معي، يا أخي، كما تدور الأفلاك،
حول البيت العتيق،
مكة الحق، حجرة الشمس الحقيقية
التي لا تغرب عن وجود الإنسان
واسجدْ وإياي في استشراف سورة النور
عندما يعلو لهب الشعلة في المشكاة

تتحول اللغة هنا إلى معادل رمزي للتجربة، وإلى إشارات غامضة على طريق الكشوف الأخيرة. وقد بذل جنبلاط في بحثه عن الحقيقة كل ما يستطيعه من جهد، جامعاً بين فلسفة هرمس حول تجدد الولادات، وتعاليم البراهما والفيدا الهندية التي تنادي بوحدة المصائر البشرية والكونية التي تدور حول محورها النوراني من جهة، وتعمل على مصالحة الإنسان مع نفسه ومع الوجود من جهة أخرى. وإذ أنصت الرجل طويلاً وعميقاً إلى مرشده الأكبر سري أتمانندا، على ما يروي إيغور تيموفييف في كتابه «الرجل الأسطورة»، أدرك تمام الإدراك أن السعادة الحقيقية لا تتلمس عن طريق التجاور المكاني وحده، وليس بالضرورة أن يسافر إلى «الهند السعيدة» لكي يبلغها، بل يمكنه تلمسها في مكان إقامته الأصلي. وحيث كانت دير القمر تتوسط المسافة الفاصلة بين بيروت والمختارة، بلدته في مرتفعات الشوف، بدت له البلدة في أثناء رحلات الذهاب والإياب أشبه بطريق الشهود السالكين نحو محور الدائرة وعين المرآة، فكتب من وحيها:
دار القمر واستدار
في العمامة البيضاء،
وفي تقدمة الخبز، رمز الوحدة الجوهرية
آه لو كانوا يعرفون، فيما يتعدى الأديان
وفي رقصة الحق وفرح التكوين،
في بهجة الولادة، وفي بيوت الله
أي في قلوب المؤمنين

وكما كان اللفظ عند صاحب «هذه وصيتي» بمثابة جسد المعنى، وثوبه القابل للتبدل، فقد كانت الحياة بالنسبة إليه هي قشرة الوجود الحقيقي وحجابه التي تحول كثافتها دون الانتقال إلى صُلب الكينونة الحقة التي يمثلها الموت. لذلك فهو لم يهرب من مواجهة مصيره، حين عرف بالمكيدة الخسيسة التي تدبر للنيل منه. ولم يكن أمراً بغير دلالة أن يواجه كمال جنبلاط الطلقات التي سددت نحو رأسه وأنحاء جسده على طريق المختارة بعينين مفتوحتين وهدوء نفسي وقلبي قل نظيره، بل بدا في سريرته يشكر قاتليه على فعلتهم لأنهم بانقضاضهم على الجسد المثقل بأحماله ومكابداته وفروا لروحه الأسيرة وسيلة ملائمة للانتقال من مختارة الشكل إلى مختارة المعنى، وسبيلاً للتحليق في عوالم الفرح الأثيري والغبطة المطلقة.



سرقة أكثر من 400 ألف قطعة شوكولاته «كيت كات» في إيطاليا

عبوة من بسكويت «كيت كات» المغطى بالشوكولاته معروضة في صالة عرض شركة «نستله» السويسرية العملاقة للأغذية في مدينة فيفي (أرشيفية - أ.ف.ب)
عبوة من بسكويت «كيت كات» المغطى بالشوكولاته معروضة في صالة عرض شركة «نستله» السويسرية العملاقة للأغذية في مدينة فيفي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

سرقة أكثر من 400 ألف قطعة شوكولاته «كيت كات» في إيطاليا

عبوة من بسكويت «كيت كات» المغطى بالشوكولاته معروضة في صالة عرض شركة «نستله» السويسرية العملاقة للأغذية في مدينة فيفي (أرشيفية - أ.ف.ب)
عبوة من بسكويت «كيت كات» المغطى بالشوكولاته معروضة في صالة عرض شركة «نستله» السويسرية العملاقة للأغذية في مدينة فيفي (أرشيفية - أ.ف.ب)

قالت شركة الأغذية السويسرية العملاقة «نستله» إنه تمت سرقة نحو 12 طناً أو 413793 قطعة شوكولاته تحمل علامتها التجارية «كيت كات» بعد انتقالها من موقع الإنتاج في إيطاليا إلى بولندا في وقت سابق من الأسبوع الحالي.

واختفت شحنة الحلوى المقرمشة الأسبوع الماضي بينما كانت في الطريق بين موقعي الإنتاج والتوزيع. وكان من المقرر أن يتم توزيع قطع الشوكولاته على مستوى أوروبا.

وقالت الشركة التي يقع مقرها في بلدة فيفي في سويسرا في بيان إنه «لم يتم العثور على المركبة أو حمولتها». وذكرت الشركة أن قطع الحلوى المفقودة يمكن أن تدخل في قنوات بيع غير رسمية عبر الأسواق الأوروبية، لكن إذا حدث هذا يمكن أن يتم تتبع جميع المنتجات عبر كود فريد مخصص لكل قطعة، وفق ما نقلت وكالة «أسوشييتد برس».

وقال متحدث باسم شركة نستله لصحيفة «الغارديان» إن الشركة تُجري تحقيقاً في الحادثة بالتعاون مع السلطات المحلية وشركاء سلسلة التوريد.

وأكَّد المتحدث عدم وقوع أي إصابات خلال عملية السرقة.

وأفادت شركة «نستله» في بيان لها، مستوحيةً شعار «كيت كات»: «لطالما شجعنا الناس على أخذ استراحة من (كيت كات)، ولكن يبدو أن اللصوص أخذوا الرسالة حرفياً وسرقوا أكثر من 12 طناً من شوكولاتتنا».

أفادت صحيفة «ذا أثليتيك» أن ألواح الشوكولاته المسروقة كانت من خط إنتاج «كيت كات» الجديد بنكهة الـ«فورمولا 1»، والذي جاء بعد أن أصبحت «كيت كات» الراعي الرسمي لشوكولاته «فورمولا 1» العام الماضي. وقد صُممت هذه الألواح على شكل سيارات سباق، مع احتفاظها برقائق الشوكولاته الشهيرة المغطاة بالشوكولاته.


المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
TT

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

جاء المتحف المصري الكبير ضمن الأماكن التي اختارها تقرير عالمي للزيارة خلال 2026، وفقاً لما نشرته مجلة «Time»، مسلطة الضوء على أفضل المعالم السياحية والأثرية على مستوى العالم التي يُنصح بزيارتها خلال عام 2026، وكان المتحف ضمن هذه القائمة.

ووفق بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أشاد التقرير بالمجموعات الأثرية التي تُعرض بالمتحف، ووصفها بـ«الاستثنائية التي تجسّد عراقة الحضارة المصرية عبر آلاف السنين»، مشيراً إلى أن هذا الصرح الثقافي يمثّل إضافة نوعية وداعماً رئيسياً لقطاع السياحة في مصر.

وأضاف التقرير الذي نشرته «تايم»، أن المتحف يُجسّد نقلة نوعية في أساليب حفظ الآثار وصونها، حيث تم تزويد قاعاته بأحدث تقنيات التحكم البيئي بما يضمن الحفاظ الأمثل على القطع الأثرية، لافتاً إلى كنوز الملك توت عنخ آمون التي تُعدّ من أبرز ما يميّز المتحف.

وأشار التقرير إلى أن جاذبية المتحف بالنسبة للعديد من الزائرين تكمن في تقديم تجربة فريدة تجمع بين البساطة والعمق، حيث يتيح لهم فرصة مشاهدة أشهر كنوز الحضارة المصرية في موطنها الأصلي.

افتتاح المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

ويُعدّ المتحف المصري الكبير أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة «حضارة مصر القديمة»، ويمتد على مساحة 490 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 57 ألف قطعة أثرية تروي تاريخ مصر عبر العصور، وتعود أقدم قطعة أثرية فيه إلى 700 ألف عام قبل الميلاد، في حين يرجع تاريخ أحدث قطعة إلى عام 394 ميلادياً. ويضم بهواً رئيسياً به تمثال للملك رمسيس الثاني، بالإضافة إلى الدرج العظيم الذي يمتد على مساحة نحو 6 آلاف متر مربع، بارتفاع يعادل 6 طوابق، وفق بيان سابق لرئاسة مجلس الوزراء المصري.

كما يضم المتحف 12 قاعة عرض رئيسية بمساحة نحو 18 ألف متر مربع، وقاعات عرض مؤقتة بمساحة نحو 1700 متر مربع، وكذلك قاعات لعرض مقتنيات الملك توت عنخ آمون على مساحة تقارب 7.5 ألف متر مربع، وتشمل أكثر من 5 آلاف قطعة من كنوز الملك تُعرض مجتمعة لأول مرة، بالإضافة إلى متحف الطفل بمساحة نحو 5 آلاف متر مربع، ومن المتوقع أن يجذب المتحف نحو 5 ملايين زائر سنوياً.

وعدّ الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، المتحف المصري الكبير «صرحاً متكاملاً يجمع بين الآثار والحضارة والتاريخ والعراقة والتصميم الحديث»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن المتحف «يمثّل نقلة حضارية لعرض الآثار به، ويتفرد ويتميز بأسلوب العرض المتحفي. كما يضم المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، بالإضافة إلى ما يقرب من 20 ألف قطعة أثرية تُعرض لأول مرة».

وأشار عامر إلى أن المتحف قد حصد العديد من الجوائز منها جائزة «فيرساي» العالمية في عام 2024، إذ تم تصنيفه ضمن أجمل 7 متاحف في العالم خلال احتفالية نظمتها «اليونيسكو» في باريس، تقديراً لتميزه المعماري الذي يدمج التراث المصري بالمعايير البيئية العصرية، بالإضافة إلى جائزة الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (فيديك) عام 2024، وأحدث انتعاشة كبيرة للسياحة الثقافية في مصر منذ افتتاحه.

وافتتح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 في حفل أسطوري حضره 119 وفداً دولياً تضمّن رؤساء وملوك وأمراء عدد من الدول، وشهدت الأيام الأولى لافتتاح المتحف أمام الجمهور زخماً كبيراً في الحضور، بمعدل نحو 19 ألف زائر يومياً، وفق ما أعلنه في ذلك الوقت الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف. في حين توقعت وزارة السياحة والآثار أن يزور المتحف يومياً نحو 15 ألف زائر.


رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
TT

رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)

عن عمر يناهز 72 عاماً، غيّب الموت في القاهرة مؤرخ السريالية المصرية، وأحد أبرز قيادات وزارة الثقافة المصرية سابقاً الكاتب سمير غريب، صاحب البصمات الواضحة ومؤسس العديد من المؤسسات الثقافية المصرية مثل صندوق التنمية الثقافية الذي شهدت فترة إدارته ازدهاراً، كما أسس جهاز التنسيق الحضاري ووضع إطار عمله، ولم يتمكن من تفعيل دوره بسبب قلة الإمكانات، وفق قول الفنان التشكيلي محمد عبلة، الذي أضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «سمير غريب أول من كتب عن السريالية في مصر، ووضعها في بؤرة الاهتمام. فحين كان في باريس تعرف على أعمال عدد من فنانيها، وكتب مجموعة من المقالات أصدرها في كتاب فيما بعد، كان وقتها ما زال عدد من فناني السريالية المصريين على قيد الحياة مثل أنور كامل، وكامل التلمساني، وهو ما ساعده في سبر أغوار كثير من الأمور لإصدار كتاب (السريالية في مصر) الذي يعد أهم وثيقة عن السريالية المصرية».

وقام سمير غريب بتنظيم معرض خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) من عام 1987 بعنوان كتابه «السريالية في مصر» في المركز المصري للتعاون الثقافي الدولي بوزارة الثقافة بالقاهرة. وكان هذا المعرض هو الوحيد الذي جمع أعمالاً فنية ووثائق ومتعلقات شخصية لرواد السريالية في مصر، حصل عليها غريب من أُسر الفنانين رمسيس يونان، وفؤاد كامل، وكامل التلمساني، وسمير رافع، وإنجي أفلاطون، وبن بهمان، وإيمي نمر.

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الكاتب سمير غريب، الرئيس الأسبق لجهاز التنسيق الحضاري، وقالت في بيان أصدرته الوزارة، السبت، إن مسيرة الكاتب الراحل حافلة بالعطاء الثقافي والفكري. وكان أحد القامات الثقافية البارزة، وصاحب إسهامات مهمة في دعم الحركة الثقافية في مصر، وأسس وأدار صندوق التنمية الثقافية، وتولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية، قبل أن يُكلَّف برئاسة الأكاديمية المصرية في روما، وصولاً إلى تأسيسه ورئاسته لجهاز التنسيق الحضاري.

وأشارت وزيرة الثقافة إلى أن «سمير غريب كان مثقفاً متفرداً جمع بين الفكر والنقد والعمل المؤسسي، وأثرى الثقافة بعدد كبير من المؤلفات، وكرّس جهده لخدمة الثقافة المصرية، والدفاع عن الهوية الحضارية، ما يجعله واحداً من الرموز التي ستظل حاضرة في الوجدان الثقافي».

سمير غريب خلال مناقشة كتابه «السريالية في مصر» (صفحته على «فيسبوك»)

ولد سمير غريب عام 1954 بمدينة منفلوط بمحافظة أسيوط، وتلقى تعليمه في مدارسها، قبل أن يلتحق بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، حيث حصل على بكالوريوس الصحافة في مايو (أيار) 1975، وبدأ حياته العملية صحافياً في جريدة الأخبار، وفي منتصف الثمانينات كتب مقالات نقدية في الفن التشكيلي عن السريالية في مصر بمجلة الكواكب، ثم أصدرها في كتاب، قبل أن ينتقل للعمل بوزارة الثقافة التي تقلد فيها مناصب عديدة منها وكيل وزارة الثقافة ورئيس قطاع مكتب الوزير، ثم أسس صندوق التنمية الثقافية وتولى رئاسته في أهم فترات ازدهاره، وتولى خلال مسيرته منصب رئيس دار الكتب والوثائق القومية، ورئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ومدير الأكاديمية المصرية للفنون في روما، وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر في مجلس الكاتب الكبير سعد الدين وهبة 1997.

وقال مدير مهرجان الإسكندرية السينمائي، الأمير أباظة، إنه عرف الراحل سمير غريب في منتصف الثمانينات عندما كان يكتب مقالاته عن «السريالية في مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «التقينا خلال هذه المرحلة وتوثقت علاقتنا إلى أن جاء الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق وعينه وكيلاً للوزارة، ثم رئيساً لصندوق التنمية الثقافية، وقتها بدأ اهتمامه الحقيقي بدعم السينما حيث أسس أرشيفاً للصور السينمائية، وقام بشراء نيجاتيف هذه الصور، ودعم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط».

و«أعاد سمير غريب مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والروائية القصيرة بعد توقف سنوات، وعين الناقد السينمائي سمير فريد رئيساً له، كما أشرف على طباعة بانوراما السينما المصرية الروائية التي كانت حجر الأساس في حفظ تاريخ السينما المصرية والتي قام بها الناقد والمؤرخ السينمائي أحمد الحضري والناقد محمد عبد الفتاح، كما أنه قام بإعادة المهرجان القومي للسينما ودمجه مع المهرجان القومي للأفلام القصيرة»، وفق قول أباظة.

وأصدر الكاتب الراحل العديد من المؤلفات النقدية خلال مشواره انصب معظمها على الفن التشكيلي منها «السريالية في مصر» 1986، و«راية الخيال» 1993، و«نقوش على زمن: صفحات من تاريخ الفن التشكيلي» 1997، و«في تأريخ الفنون الجميلة» 1998، و«كتاب الفن» 2003.