كمال جنبلاط شاعر الاستعارات القصوى والفرح المأساوي

لم يتسع لكشوفه الروحية والرؤيوية «قميص» السياسة الضيق

كمال جنبلاط
كمال جنبلاط
TT

كمال جنبلاط شاعر الاستعارات القصوى والفرح المأساوي

كمال جنبلاط
كمال جنبلاط

الكتابة عن كمال جنبلاط هي في كثير من وجوهها مجازفة غير مأمونة. ليس فقط لأنه أحد العلامات القليلة الفارقة في تاريخ لبنان الحديث، أو لأن حقل اهتماماته المتعدد يجعله رجالاً كثراً في رجل، أو «مفرداً بصيغة الجمع»، على حد تعبير أدونيس، بل لأنه شخصية مركبة تتدرج في سلوكياتها ومستويات تعبيرها من الظاهر المنكشف الذي تحتل السياسة سطحه المرئي، وصولاً إلى الأغوار العميقة للفلسفة والفكر والشعر والتأمل الوجودي. وقد تكون الفجوة القائمة بين المستويين السياسي والعرفاني، في شخصية السياسي المفكر اللبناني، هي المصدر الأبرز لمكابدات نفسه الممزقة بين براغماتية سياسية يصعب تجنبها في بلد كلبنان، تتحول فيه السياسة إلى معادل طبيعي للشطارة والنفاق وسرقة المال العام، وتوقٍ صوفي للانصهار في العالم والتوحد مع إيقاعه المتناغم.
على أن ذلك الانشطار الحاد بين الواقعي والمتخيل عند جنبلاط الذي ولد في مثل هذه الأيام قبل مائة وثلاثة أعوام كان بمثابة الجرح المؤسس لكل عبقرية فردية، والمصدر الأهم لكل تعبير خلاق. ذلك أن الترابي في الإنسان المبدع يبدو وكأنه يحن إلى سماويته، في حين أن السماوي بالمقابل يتوق إلى التجسد في حقيقة أرضية. ولعل المتنبي هو الترجمة الإبداعية لهذه العلاقة الجدلية بين الأقنومين، حيث إن تربعه على عرش الشعر، بما هو رمز لأنا الإنسان العليا، لم يحل دون سعيه الممض إلى الظفر بسلطة، ولو متواضعة، على رقعة الجغرافيا السياسية. كأنه بذلك كان يريد أن يجمع بين مجد السيف ومجد القلم، أو بين سلطة المجاز وسلطة الواقع. ولم يكن كمال جنبلاط بمنأى عن هذا المأزق الحاد بين السلطتين. ورغم أنه عمل جاهداً على حل التناقض الضدي بينهما، عبر اعتماد البراغماتية السياسية حيناً، والطوباوية المفرطة وشعرنة السياسة حيناً آخر، فإن ما يجمعه بالمتنبي، رغم محدودية الحيز الذي خصصه جنبلاط للشعر، كان ذلك الغضب المحتقن داخل النفس، والتمرد على السائد، وصولاً إلى مصيرهما المأساوي المتشابه.
ولعل أحد مظاهر تلك الثنائية الضدية يتجلى بوضوح من خلال الانشطار الجنبلاطي بين موجبات الاهتمام بالجماعة المحلية الحاضنة، بما تفرضه من تقاليد وسلوكيات شعبية، واعتقاد راسخ بأن السياسة الحقة لا يجب أن تكون رهينة لدى القاعدة العريضة التي غالباً ما تتحكم بها الغرائز والعصبيات والأهواء. وبقدر ما ركز جنبلاط على اضطلاع «الشخصية القائدة المسؤولة» بدورها الأساسي في تسيير دفة السلطتين، الرسمية والحزبية، أكد بالمقابل على مقولة سان سيمون حول دور النخب السياسية والفكرية والاقتصادية في صناعة التاريخ. وهو ما يؤكد عليه قائد الحركة الوطنية اللبنانية في غير موضع ومناسبة. فهو يشير في كتابه «آفاق نورانية» إلى «الأقليات الفاعلة» التي تلعب دوراً شديد الأهمية في عملية التنوير والتقدم الاجتماعي، وفي الحيلولة دون وقوع الدول والمجتمعات الديمقراطية فريسة للجهل والتخلف والفوضى. وهو يرى أن «ما يريده الشعب أو يبتغيه، أو خاصة يشتهيه، قد لا يكون من مصلحته بتاتاً»، وأن النخب المثقفة المتنورة منوطة بتعميق الوعي الجمعي وترشيده وإخراجه من مستنقع التخلف والجهل والإذعان.
وما يصح عنده على السياسة يصح على الفلسفة والفكر والشعر. فهو إذ يأخذ بمبدأ الأقلية الفاعلة الذي نادى به كل من جون ستيوارت مل وآرنولد توينبي، على الصعيدين السياسي والفكري، يلتقي في نظرته إلى الشعر مع الكاتب المكسيكي أوكتافيو باث الذي ينحاز إلى نخبوية الإبداع الشعري، ويرى أن المجددين الكبار، كبودلير ورامبو ومالارميه وفاليري وغيرهم، لم يجدوا في البداية من ينتصر لمغامرتهم التجديدية سوى أقلية محدودة من القراء، ولكنها «الأقلية الهائلة» التي تزداد رقعتها باستمرار، وتؤسس يوماً بعد يوم لكثرتها اللاحقة. وفي مجموعته الشعرية «فرح»، يكشف كمال جنبلاط، من خلال مقالة له بعنوان «أفضل الشعر»، عن معرفة عميقة بهذا الفن. وهو يقسم الشعراء إلى مراتب ثلاث: الأولى سفلية يشغلها أولئك الذين يكتفون بوصف الأغراض والصور الحسية والعواطف التي يقع عليها النور، وهم في الحقيقة ليسوا بشعراء؛ والثانية يشغلها الذين لا يكتفون بوصف المحسوسات والأغراض بحد ذاتها، بل بتفاعلها مع النور المنعكس عليها، دون التفات إلى مصدر هذا النور وينبوعه، وهم الشعراء المتفوقون. أما الثالثة، فيشغلها أولئك الذين غاصوا إلى لجة النور واتحدوا بجوهره، قبل أن يفيقوا من غشيتهم ليرووا ما سبروا غوره، وليكونوا شهوداً عليه. وهؤلاء هم الشعراء العظام الذين يتلمسون الشعر «فيما يتعدى الحرف»، وفيما هو أبعد من الأوزان والقوافي والزخارف الشكلية.
ويبدو الشعر عند كمال جنبلاط، وفي ديوانه «فرح» على وجه الخصوص، أقرب إلى «الشطح» الصوفي منه إلى المشاعر العادية، وإلى الحدس منه إلى الحواس. كما أن قصائده المختزلة تنقسم بشكل شبه متساوٍ بين المقطوعات النثرية ومقطوعات الشعر الخليلي التي يستقيم وزنها حيناً ويختل حيناً آخر. وهو ما يشير إليه ميخائيل نعيمة في مقدمة الديوان، مرجحاً أن المؤلف، شأنه في ذلك شأن سائر الصوفيين، كان يؤثر إبقاء النص على الصورة التي «تنزّل» بها دون تعديل. والأرجح أن «ناسك الشخروب»، محق فيما ذهب إليه لأن معظم النصوص الخليلية كانت سليمة الوزن سلسة الإيقاع، ومن ينظم بهذه السلاسة قادر -لو أراد- على تجنب أي خلل وزني. وهو ما يشير إليه صاحب الديوان دون مواربة. أما التعريض المباشر الذي يرد في المقدمة بالشعراء الذين يستجدون الألم ويتوسلونه طريقة للعب على العواطف وابتزاز الجمهور، فيمكن لدائرته أن تتسع لتطال معظم الشعر العربي المثخن بالتفجع والنبرة الحزينة والنزوع الرثائي. في حين أن شعراء الفرح كانوا قلة نادرة. صحيح أننا نتلمس وجوهاً للفرح في شعر سعيد عقل، ولكنه فرح كرنفالي متأت من التحليق فوق الحياة والانفصال عن الواقع، بقدر ما هو نوع من الانتشاء باللغة، بلاغة وإيقاعاً ومهارات. أما فرح كمال جنبلاط فهو يأتي من الجهة المعاكسة تماماً، حيث الانغماس الكلي بالوجود، والانصهار في أتونه المشتعل. كما أنه ربيب تلك النعمة التي تنسكب على الشاعر المتصوف من «قوارير النور» النافية للعدم، حيث الكائنات في انبثاقها الدائم تُواصل نوعاً من العود الأبدي، أو نكوصاً متجدداً باتجاه المصدر. وسواء تعلق الأمر بالأساطير أو الأديان، فإن فكرة الموت والانبعاث تجد في حبة القمح المدفونة في التراب تجسّدها الأمثل:
الحنطة تنمو وترتفع على القبر
وتجد في ترابه مصدراً وينبوعاً من القوة
هل طُمر الميت في الأديم؟
سيان أكان ذلك أم لم يكن: ها هو يعلو كالسنبلة
وما الشكل إلا خدعة الوهم
وتحت الغلافات المتحركة الهاربة
يدق بضرباته قلب الطاقة الكونية
الذي لا يتبدل ولا يؤول إلى العدم

من جهة أخرى، لا يبدو الفارق واسعاً لدى كمال جنبلاط بين الشعر والفلسفة، بل هو من القلائل الذين لا يربطون الشعر بالغنائية والبلاغة الفائضة والبوح الرومانسي العاطفي، بل بالمعرفة والفكر وإشراقات الداخل. وهو تبعاً لذلك لا يرى فارقاً بين الفلسفة والشعر، سوى ذلك المتعلق باللغة والأسلوب، حيث يخفف الثاني من جفاف الأولى، وحيث يحل الحدس والتوهج القلبي والتخييل التصويري محل برودة العقل وصرامة اللغة والأسلوب. وهو إذ يلتقي مع المعري في إعلاء العقل، والربط بين الشعر والفكر، يلتقي من ناحية أخرى مع الشاعر الألماني نوفاليس الذي يرى أن في داخل كل شاعر قدراً غير قليل من التبصر والاستشراف، ولذلك «فكل شعر حقيقي هو بالضرورة ذو منشأ ديني». كما أن صاحب «الحياة والنور» الذي وافق محيي الدين بن عربي في اعتقاده بوحدة الوجود، رأى في الأديان المختلفة وجوهاً لحقيقة واحدة، تقوم على الحب والأخلاق ونشدان المطلق النوراني الذي يجب على الجميع أن يتحلقوا حول كعبته المقدسة:
طفْ معي، يا أخي، كما تدور الأفلاك،
حول البيت العتيق،
مكة الحق، حجرة الشمس الحقيقية
التي لا تغرب عن وجود الإنسان
واسجدْ وإياي في استشراف سورة النور
عندما يعلو لهب الشعلة في المشكاة

تتحول اللغة هنا إلى معادل رمزي للتجربة، وإلى إشارات غامضة على طريق الكشوف الأخيرة. وقد بذل جنبلاط في بحثه عن الحقيقة كل ما يستطيعه من جهد، جامعاً بين فلسفة هرمس حول تجدد الولادات، وتعاليم البراهما والفيدا الهندية التي تنادي بوحدة المصائر البشرية والكونية التي تدور حول محورها النوراني من جهة، وتعمل على مصالحة الإنسان مع نفسه ومع الوجود من جهة أخرى. وإذ أنصت الرجل طويلاً وعميقاً إلى مرشده الأكبر سري أتمانندا، على ما يروي إيغور تيموفييف في كتابه «الرجل الأسطورة»، أدرك تمام الإدراك أن السعادة الحقيقية لا تتلمس عن طريق التجاور المكاني وحده، وليس بالضرورة أن يسافر إلى «الهند السعيدة» لكي يبلغها، بل يمكنه تلمسها في مكان إقامته الأصلي. وحيث كانت دير القمر تتوسط المسافة الفاصلة بين بيروت والمختارة، بلدته في مرتفعات الشوف، بدت له البلدة في أثناء رحلات الذهاب والإياب أشبه بطريق الشهود السالكين نحو محور الدائرة وعين المرآة، فكتب من وحيها:
دار القمر واستدار
في العمامة البيضاء،
وفي تقدمة الخبز، رمز الوحدة الجوهرية
آه لو كانوا يعرفون، فيما يتعدى الأديان
وفي رقصة الحق وفرح التكوين،
في بهجة الولادة، وفي بيوت الله
أي في قلوب المؤمنين

وكما كان اللفظ عند صاحب «هذه وصيتي» بمثابة جسد المعنى، وثوبه القابل للتبدل، فقد كانت الحياة بالنسبة إليه هي قشرة الوجود الحقيقي وحجابه التي تحول كثافتها دون الانتقال إلى صُلب الكينونة الحقة التي يمثلها الموت. لذلك فهو لم يهرب من مواجهة مصيره، حين عرف بالمكيدة الخسيسة التي تدبر للنيل منه. ولم يكن أمراً بغير دلالة أن يواجه كمال جنبلاط الطلقات التي سددت نحو رأسه وأنحاء جسده على طريق المختارة بعينين مفتوحتين وهدوء نفسي وقلبي قل نظيره، بل بدا في سريرته يشكر قاتليه على فعلتهم لأنهم بانقضاضهم على الجسد المثقل بأحماله ومكابداته وفروا لروحه الأسيرة وسيلة ملائمة للانتقال من مختارة الشكل إلى مختارة المعنى، وسبيلاً للتحليق في عوالم الفرح الأثيري والغبطة المطلقة.



وزارة الثقافة السعودية تنتقل لمقرها الجديد في الدرعية

يُجسّد المقر الترابط القوي بين الثقافة السعودية وتاريخها العريق (واس)
يُجسّد المقر الترابط القوي بين الثقافة السعودية وتاريخها العريق (واس)
TT

وزارة الثقافة السعودية تنتقل لمقرها الجديد في الدرعية

يُجسّد المقر الترابط القوي بين الثقافة السعودية وتاريخها العريق (واس)
يُجسّد المقر الترابط القوي بين الثقافة السعودية وتاريخها العريق (واس)

أكملت وزارة الثقافة السعودية رسمياً انتقالها إلى مقرها الجديد الذي طوّرته شركة «الدرعية» بالحي الشمالي في المشروع الحضري المتكامل، ما يعكس تنامي الحضور المؤسسي للجهات الثقافية الوطنية ضمنه. ويأتي هذا الانتقال امتداداً لمذكرة التفاهم الموقعة بين الوزارة وهيئة تطوير بوابة الدرعية منتصف عام 2022، التي أرست منذ ذلك الحين أسس التعاون في مجالات التنسيق والتطوير وتنفيذ المشاريع والمبادرات والفعاليات الثقافية ضمن المخطط العام لـ«مشروع الدرعية». من جانبه، أوضح الرئيس التنفيذي لمجموعة شركة الدرعية، جيري إنزيريلو، أن تطوير مقر الوزارة الرئيس ضمن المخطط العام للمشروع، يعكس العمل المتسارع في تطوير الدرعية لتكون مدينةً حضريةً متكاملةً للعيش والعمل والزيارة، عادّاً انتقالها محطة مهمة في تطوير بيئات العمل والمساحات المكتبية بمعايير عالمية.

يقع مبنى وزارة الثقافة على مساحة تبلغ 33 ألفاً و168 متراً مربعاً (واس)

بدوره، أكّد المتحدث الرسمي للوزارة، عبد الرحمن المطوع، أن هذه الخطوة تُجسّد الترابط القوي بين الثقافة السعودية وتاريخها العريق، وتُمثّل امتداداً لجهود الوزارة الرامية إلى تحقيق التكامل مع المواقع التاريخية ذات القيمة الحضارية، بما يُسهم في إبراز العمق الثقافي للمملكة، وترسيخ مكانة الدرعية مركزاً ثقافياً وتاريخياً عالمياً، وتعزيز دورها مركزاً وطنياً للثقافة والفنون. ويُعد المقر، الذي يقع على مساحة تبلغ 33 ألفاً و168 متراً مربعاً، أكبر مبنى مكتبي مستقل في الدرعية، حيث صُمّم لاستيعاب فرق عمل الوزارة ومتطلباتها التشغيلية، مع توفير بيئة عمل متكاملة مدعومة ببنية تحتية رقمية متقدمة، وتصاميم مكتبية مخصصة، ومرافق عالية الجودة. ويعكس المبنى التراث والإبداع السعودي، إذ استُلهم تصميمه من العمارة النجدية التقليدية، وحصل على اعتماد نظام «LEED» العالمي لتصنيف المباني الخضراء، إذ نال الشهادة الذهبية وفق الإصدار الرابع (LEED v4) في «تصميم وتشييد المباني: تطوير الهيكل والواجهات».

يُعد مقر وزارة الثقافة أكبر مبنى مكتبي مستقل في الدرعية (واس)

كما حصد شهادة «مستدام» التجارية الذهبية ضمن نظام التقييم الوطني للمباني الخضراء، وهو ما يؤكد النهج المستدام في اعتماد كفاءة الطاقة، وترشيد استهلاك المياه، وإدارة النفايات، والصحة والرفاه، بما يتماشى مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030». ويندرج تطوير المقر ضمن توجه الشركة الذي يعتمد التخطيط الحضري المدروس في مشاريعها، ورؤيتها طويلة المدى لترسيخ مكانة الدرعية مركزاً رائداً للثقافة والتعليم والفنون والترفيه، مستندةً إلى موقعها الفريد الذي يضم حي الطريف التاريخي المُدرج على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي، فضلاً عن مجموعةٍ متنوعةٍ من الوجهات الثقافية والتاريخية. وتعمل الشركة على تنفيذ مشروع حضري متكامل بقيمة تبلغ 236 مليار ريال سعودي (63 مليار دولار أميركي)، استقطب ما يزيد على 5 ملايين زيارة، وشهد عام 2024 افتتاح عددٍ من الوجهات الرئيسية، من بينها فندق «باب سمحان»، و«الزلال»، وهي وجهة متعددة الاستخدامات نابضة بالحياة تجمع المطاعم والتجزئة والمساحات المكتبية ضمن بيئةٍ أصيلة.

وتتواصل أعمال التطوير حيث يستهدف مشروع الدرعية استقبال أكثر من 50 مليون زائرٍ سنوياً بحلول عام 2030، وتوفير 180 ألف وظيفة، واستيعاب نحو 100 ألف نسمة.


ماري - إلسا سغوالدو: «الثورة الصامتة» يبرز بطولات نسائية خلال الحرب العالمية

عُرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
TT

ماري - إلسا سغوالدو: «الثورة الصامتة» يبرز بطولات نسائية خلال الحرب العالمية

عُرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة السويسرية ماري - إلسا سغوالدو إن فيلمها الروائي «الثورة الصامتة (À bras-le-corps – Silent Rebellion)» انطلق من سؤال أساسي عن معنى استقلال المرأة، والثمن الذي يمكن أن تدفعه في سبيل امتلاك حياتها واتخاذ قراراتها. وأوضحت أن الفكرة تشكّلت تدريجياً من خلال الاستماع إلى نساء من عائلتها وأخريات عشن ظروفاً مختلفة خلال الفترة التي يستعيدها الفيلم. وقد كشفت لها تلك الأحاديث عن تجارب نسائية تبدو في ظاهرها عادية، لكنها كانت تخفي وراءها قدراً كبيراً من الصعوبة والمقاومة والبطولة.

وأوضحت سغوالدو، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أن البحث في حكايات النساء «لم يكن يهدف إلى إعادة إنتاج وقائع تاريخية محددة، بقدر ما كان محاولة لفهم الطريقة التي عاشت بها النساء في تلك الحقبة، وما إذا كان مسموحاً لهن أصلاً بأن يحلمن». وأشارت إلى أن الأسئلة التي طرحتها على النساء الأكبر سناً قادتها إلى إدراك أن كثيراً من الإجابات التي حصلت عليها يعبّر عن تجربة جيل أو جيلين كاملين.

مخرجة الفيلم ماري - إلسا سغوالدو (مهرجان لوكارنو)

وعُرض «الثورة الصامتة» ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو السينمائي»، في تجربة تمثّل أول فيلم روائي طويل للمخرجة السويسرية ماري - إلسا سغوالدو. والفيلم إنتاج مشترك بين سويسرا وبلجيكا وفرنسا، وتدور أحداثه خلال الحرب العالمية الثانية حول «إيما»، وهي فتاة في الـ15 من عمرها تَحمِل بعد تعرّضها للاغتصاب، فتجد نفسها في مواجهة مجتمع ريفي بروتستانتي محافظ يفرض قيوداً صارمة على النساء، ويحاول التحكّم في حياتها وجسدها ومستقبلها. وفي حين تعيش القريةُ أجواءَ الحرب، تبدأ «إيما» رحلة شاقة لاستعادة قدرتها على تقرير مصيرها، متحدّيةً القواعد الاجتماعية والأخلاقية السائدة من حولها.

وقالت المخرجة إن سؤال الاستقلال كان حاضراً منذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها كتابة الفيلم، مشيرةً إلى أنها كانت تسأل نفسها عن «معنى أن تكون المرأة مستقلة، والثمن الذي يمكن أن تدفعه مقابل هذا الاستقلال».

وأضافت أن العمل لم ينطلق من رغبة في تقديم خطاب مباشر عن المرأة، «وإنما من محاولة لفهم التجارب التي عاشتها نساء حقيقيات، وكيف كانت القيود الاجتماعية والعائلية والدينية تحدّد نطاق الخيارات المتاحة أمامهن». وقالت: «تحدّث فريق الفيلم إلى نساء من عائلات مختلفة، إضافةً إلى أخريات عشن تلك الفترة أو عرفنها من قرب. وتركّزت الأحاديث على تفاصيل حياتهن اليومية، وما كنّ يحلمن به، وما إذا كانت لديهن القدرة على التعبير عن تلك الأحلام».

عملت المخرجة على تقديم فيلمها من قصص استمعت إليها (الشركة المنتجة)

وتؤكد أن هذه الأسئلة جعلتها تكتشف أن كثيراً من النساء لم يكنَّ يملكن حتى المساحة التي تسمح لهن بالتفكير في الاستقلال بوصفه خياراً شخصياً؛ «لأن المجتمع كان يُحدِّد لهن مسبقاً ما يمكن أن يفعلنه وما لا يمكن أن يفعلنه».

وتُشدِّد المخرجة السويسرية على أن اختيارها فتاة في الـ15 من عمرها لتكون محور الأحداث كان قراراً مقصوداً، موضحة أن هذه المرحلة العمرية تُمثِّل، بالنسبة إليها، «لحظة شديدة الأهمية في تكوين الإنسان؛ لأنها فترة التجارب الأولى التي يمكن أن تؤثر لاحقاً في الطريقة التي يتعامل بها الشخص مع حياته ويتخذ بها قراراته». وأشارت إلى أنها لم تكن تريد أن تفرض على الجمهور حكماً مسبقاً على ما تعيشه «إيما»، وإنما أرادت أن تمنحه فرصة اكتشاف تجربتها خطوة خطوة.

وأضافت أن وجود الشخصية والمُشاهد عند النقطة المعرفية نفسها كان مهماً بالنسبة إليها، ليكتشف الجمهور ما يحدث لـ«إيما» بالتزامن معها، لا من موقع مَن يعرف كل شيء عنها وعن مستقبلها. وأكدت أن «إيما» نفسها لا تمتلك، في البداية، الكلمات اللازمة لوصف ما يحدث لها؛ «ولذلك يتقدَّم المُشاهد معها تدريجياً نحو فهم التجربة»، وهو ما عدَّته أحد الأسباب الرئيسية لاختيار هذه السن للشخصية.

ورأت سغوالدو أن تجارب هؤلاء النساء انطوت على قدر من البطولة الصامتة التي لا تَظهر بالضرورة في الأحداث الكبرى؛ «إذ بدت حياتهن، من الخارج، عادية ومألوفة، لكنها كانت، في جوهرها، سلسلة متواصلة من المقاومة اليومية ومحاولات انتزاع مساحة للعيش والاختيار». ومن هذا المنطلق، وُلدت شخصية «إيما»، التي أرادت من خلالها أن تجعل تلك البطولة الخفية مرئية، وأن تقدّم نموذجاً لفتاة لا تعلن تمرّدَها عبر الشعارات أو المواجهات المباشرة، وإنما تكتشف تدريجياً قدرتها على مقاومة ما يُفرض عليها، من خلال قرارات تبدو صغيرة، لكنها تترك أثراً عميقاً في مسار حياتها.

وأشارت إلى أن التحدي الأكبر في إنجاز الفيلم لم يكن خلال التصوير، بقدر ما كان في الرحلة الطويلة التي سبقته؛ «بدءاً من كتابة السيناريو، ووصولاً إلى تأمين التمويل»، خصوصاً أن «الثورة الصامتة» يمثِّل تجربتها الأولى في إخراج فيلم روائي طويل، بعد عدد من الأفلام القصيرة.

عُرض الفيلم في مهرجانات عدَّة (الشركة المنتجة)

وأوضحت أن خوض تجربة إخراج الفيلم الأول ينطوي على صعوبات خاصة لأي مخرج، لكنها واجهت أيضاً تساؤلات إضافية بشأن قدرتها على إنجاز المشروع؛ مما جعلها مطالبة بإقناع المحيطين بها أولاً بجدوى الفكرة، ثم بإقناع جهات التمويل بأن هذه الحكاية تستحق أن تجد طريقها إلى الشاشة.

وأضافت أن جزءاً من الصعوبة ارتبط بفكرة سائدة عن نوعية القصص القادرة على جذب الجمهور؛ إذ «كان هناك مَن يفضِّل الحكايات الأعلى صخباً، والمواجهات الواضحة، والأحداث الكبيرة التي تفرض حضورها مباشرة على الشاشة».

في المقابل، كانت سغوالدو ترى أن قوة الفيلم تكمن تحديداً في النقيض من ذلك؛ أي في «التفاصيل الصغيرة، والحياة اليومية، والأشياء التي قد تبدو عادية لأول وهلة، لكنها تكشف، عند النظر إليها من قرب، عن حجم القيود التي كانت تواجهها النساء».

وأشارت المخرجة إلى أن هذا الجانب كان مهماً بالنسبة إليها؛ «لأن الفيلم لا يحاول تقديم الماضي بوصفه زمناً مغلقاً لا علاقة له بالحاضر، وإنما يفتح مساحة للتفكير في قضايا لا تزال حاضرة في حياة النساء». ولفتت إلى أن بعض الأسئلة التي تطرحها قصة «إيما» بشأن الحرية والاختيار والقدرة على تقرير المصير لا تزال قابلة للنقاش اليوم، حتى وإن تغيّرت الظروف الاجتماعية والتاريخية.


«إيما» تفهم 17 لغة... ولهجة يوركشاير تهزمها

«إيما» تسمع المرضى (عيادة أطباء تودينغتون)
«إيما» تسمع المرضى (عيادة أطباء تودينغتون)
TT

«إيما» تفهم 17 لغة... ولهجة يوركشاير تهزمها

«إيما» تسمع المرضى (عيادة أطباء تودينغتون)
«إيما» تسمع المرضى (عيادة أطباء تودينغتون)

يبدو أن الذكاء الاصطناعي بات قادراً على التحدث مع الجميع، لكن «إيما»، موظفة الاستقبال الافتراضية المستخدمة في عدد من عيادات أطباء الأسرة ببريطانيا، تواجه مشكلة غير متوقعة: لهجة يوركشاير.

وحسب صحيفة «الغارديان»، تلقت هيئة «Healthwatch Rotherham» شكاوى من مرضى في جنوب يوركشاير قالوا إن «إيما» تجد صعوبة في فهم لهجاتهم المحلية «الثقيلة». وفي بعض الحالات، كان الحل الأسرع والأكثر حسماً هو إغلاق الهاتف.

وقالت كيم غليسون، مديرة الهيئة، لـ«بي بي سي»، إن اختلاف اللهجات والنبرات في جنوب يوركشاير يمثل تحدياً للنظام. ونقلت عن أحد المرضى قوله: «لم أتمكن مطلقاً من جعلها تفهمني، وانتهى بي الأمر بإغلاق الهاتف وعدم المحاولة مجدداً لحجز موعد».

وتستخدم عيادات أطباء الأسرة «إيما» للرد فوراً على مكالمات المرضى، بهدف تقليص طوابير الانتظار الهاتفية الطويلة. وتستطيع التقنية، بحسب الشركة المطورة، التعامل مع 17 لغة إلى جانب الإنجليزية، لكنها تبدو أقل براعة عندما يتعلق الأمر ببعض اللهجات الإنجليزية المحلية.

«إيما» تفهم 17 لغة (عيادة أطباء تودينغتون)

وقالت غليسون إن الهيئة استمعت أيضاً إلى كبار السن والمحاربين القدامى، الذين أشار بعضهم إلى صعوبة التعامل مع النظام والتنقل بين خياراته. واضطر بعض المرضى إلى العودة شخصياً إلى العيادات بعدما فشلت محاولاتهم للوصول إلى الطبيب عبر الهاتف.

وترى «Healthwatch» أن المشكلة أكثر أهمية بالنسبة إلى أقل الأشخاص ثقة بالتكنولوجيا الرقمية أو المرضى من ذوي الإعاقة، مؤكدة أن عيادات أطباء الأسرة ملزمة قانوناً بتوفير «تعديلات معقولة» لمن يحتاجون إليها، ووسائل بديلة للوصول إلى الخدمات.

في المقابل، دافعت شركة «QuantumLoopAI»، المطورة لـ«إيما»، عن نظامها، مؤكدة أنه صُمم لفهم مجموعة واسعة من اللهجات وأنماط الكلام. وقالت إن «إيما» لا تتخذ قرارات طبية، وإن المكالمة يمكن تحويلها إلى موظف بشري إذا لم تتمكن من فهم المريض، كما يمكن للمتصل طلب التحدث إلى شخص حقيقي في أي وقت.

وبينما يطمح الذكاء الاصطناعي إلى التخلص من طوابير الانتظار، يبدو أن «إيما» اكتشفت أن الوصول إلى الطبيب قد يكون أسهل أحياناً من الوصول إليها. فبعد كل شيء، قد يكون فهم لهجة يوركشاير الثقيلة أصعب من التحدث بـ17 لغة!