11 فناناً عربياً يشاركون في مبادرة لنشر قصص للأطفال

يستوحون إصداراتها من رسوماتهم والتفاعل معهم

الفنانة الأردنية ليلى عودة مع مجموعة من الأطفال
الفنانة الأردنية ليلى عودة مع مجموعة من الأطفال
TT

11 فناناً عربياً يشاركون في مبادرة لنشر قصص للأطفال

الفنانة الأردنية ليلى عودة مع مجموعة من الأطفال
الفنانة الأردنية ليلى عودة مع مجموعة من الأطفال

منذ بداية العام الحالي تبنت دار نشر مصرية هي «المستقبل للتعليم الإلكتروني والنشر»، مشروع إصدار كتب للأطفال تستوحي رسوماتهم التي يبدعونها في الورش التفاعلية أو في منازلهم بعد أن ألزمتهم جائحة كورونا بالجلوس في بيوتهم، وعدم الذهاب لمدارسهم، حيث كان الرسم وسيلة مثلى للعب والتسلية، لدى العديد من الأطفال، وقد تلقفت الدار أعمالهم، وبالتعاون مع فنانين من معظم بلدان الوطن العربي.
أصدرت الدار أكثر من 20 قصة ضمن المشروع الذي يعتمد بالدرجة الأولى على استحياء أفكار القصص من الأطفال أنفسهم، حيث يتفاعل الكتاب والرسامون مع الصور التي يقدمونها، لتكون جزءاً أصيلاً في القصة المصورة. ويعتبر المشروع - بحسب المشاركين فيه - بمثابة ورشة تفاعلية حقيقية مع الأطفال، حيث يجعلهم أساس العملية الإبداعية، ويهدف لأن يكون لديهم شخصياتهم الكرتونية المستوحاة من طبيعتهم وثقافة مجتمعهم بعيداً عن شخصيات الكرتون الغربية.
أما عن الدور الأكبر في المشروع فكان لكاتب الأطفال المصري سيد إبراهيم، الذي يعمل مديراً للتحرير بدار المستقبل للتعليم الإلكتروني والمطبوع. ويقول إنه بدأ العمل منذ ثلاث سنين من خلال صفحته الشخصية على «فيسبوك»، وكان هدفه تحويل رسوم الأطفال «أقل من 12 سنة» إلى شخصيات كرتونية، بدأ يستقبل الرسوم على الصفحة، ومن خلال ورش الأطفال التفاعلية التي كان يشارك فيها، ثم قام بإرسالها إلى أصدقائه من الرسامين في معظم البلدان العربية، كانت استجابتهم كبيرة، وراحوا يحولونها بدورهم إلى قصص كرتونية، ومع الوقت بدأ العمل يأخذ ملامحه ويتشكل تحت اسم «قصص من وحي رسوم الأطفال.«

انطلاقة عربية للمشروع
يشير تقرير حركة النشر في الوطن العربي الصادر عن اتحاد الناشرين العرب في 2018. إلى أن الدعم الأساسي لكتب الأطفال يأتي من الحكومات العربية، وأن 5 في المائة من دور النشر العربية متخصصة في كتب الأطفال، في حين أن 36 في المائة منها تضعها ضمن أولوياتها. وقد كان ذلك سبباً - حسب إبراهيم - لأن تهتم مجلة فارس التي تصدر شهرية عن مؤسسة أخبار اليوم، وتنشر العديد من القصص، وعلى مدار سنة كاملة، حيث كان الأطفال يطالعون قصتين في كل عدد، وقد دفع إقبال الأطفال على المجلة لعمل عدد خاص احتفاءً بالمبادرة، ونشرت 15 قصة في ملحق خاص تحفيزاً للقائمين عليها من الكتاب والفنانين، وتشجيعاً لهم على تقديم المزيد من القصص المستوحاة من رسوم الأطفال.
ولفت إبراهيم إلى أن المشروع شهد مشاركة كثير من الكتاب والفنانين من الجزائر ومصر والمغرب، وسوريا، وفلسطين ولبنان والأردن، والسعودية والإمارات والبحرين وعمان، مما دفع دار المستقبل لتقديم القصص في كتب مصورة، مع الحرص على طبع الصورة التي رسمها الطفل بجانب اسمه وبلده على أغلفة الكتب ليشعر بقيمة رسمه، ويأخذ حقه الإبداعي تماماً أسوة بالكتَّاب والرسامين.
يقول إبراهيم: «إن سلسلة (من وحي رسوم الأطفال) التي بدأت دار المستقبل طباعة قصص منها أوائل العام الحالي، تأتي ضمن سلاسل أخرى، إحداها من وحي تراث الشعوب، نعيد تقديمها للطفل بشكل جديد بعد إخضاعها لعملية تطهير مما بها من عنف وحزن وخرافات أو ثغرات عقائدية، وهناك سلسلة (المكتبة الزرقاء)، وهي إبداع جديد من الكتاب والفنانين، لا علاقة لها بالتراث، كما أن الأطفال لا يشاركون في إصداراتها، وتخطط الدار لصدور أكثر من أربعين كتاباً وقصة تحت شعار السلاسل الثلاث.

تطوير موهبة الطفل
من جهتها كانت الفنانة وكاتبة الأطفال الأردنية ليلى عودة من أوائل الفنانين الذين لفت المشروع نظرهم، واستحوذ على اهتمامهم لأنه حسب قولها لنا يهتم بالطفل وما يحبه، «نحن نكتب ما نتخيل أنه يعجب الطفل أو يلفت نظره، وهناك دائماً دروس أو عبر في قصصنا ككتاب يكتبون للأطفال».
وتضيف: «حين رأيت الرسوم شعرت بانجذاب شديد لها، رسوم الأطفال في رأيي مهمة جداً، فهي تعبر عن مشاعرهم الحقيقية بكل براءة وحب، ومثل هذه القصص لن يصدق أحد كم سترفع من معنوياتهم وتقوي شخصيتهم، خاصة حين يعرفون أن كتاباً ورسامين حقيقيين يحققون في القصص ما أرادوا التعبير عنه برسوماتهم، أنا كتبت لحد الآن ثلاث قصص ونشرت الأولى اليوم، لكن قبل أن أكتب تواصلت مع الطفل وأهله، لأعرف ماذا كان يريد أن يقول من خلال القصة، ولكي أستطيع أن أكتب قصة تعبر عما يريد الطفل صاحب الصورة، وقد قدمت من خلال هذا المشروع، قصة (عنكوب ودبونة)، و(ورقة وعلبة ألوان)، و(حسنات فطاير ودراجة الشطائر) وهذه ليست سوى بداية، وسوف أسعى لكتابة المزيد من القصص ضمن المشروع».
وأشارت ليلى عودة إلى أن «اهتمام الكتّاب بالطفل سيعزز عنده أموراً كثيرة، خاصة ما يتعلق بشخصيته، وسوف يريه اهتمام الآخرين به، وبما يفكر فيه، والهدف هنا أن يعرف أنه إنسان فعال وله دور في المجتمع، فالأطفال بحاجة دائمة لدعم الكبار، أما دور المشروع الفني فواضح جداً، وسوف يطور موهبة الطفل بالرسم والتعبير عما بداخله، ويقدم لنا في المستقبل فنانين من بين هؤلاء نفرح بهم، لأن لديهم خيالاً مدهشاً ورائعاً، ساعدني بأن أكتب أفضل وبسهولة أكثر». وذكر حسام التهامي (فنان ورسام في مؤسسة دار الهلال المصرية) أن تعاونه في مبادرة «قصص من وحي رسوم الأطفال» بدأ منذ ثلاث سنوات، وكانت أول قصة له بعنوان «عندما اختفت الشمس» تأليف الكاتب سيد إبراهيم، وكانت الصورة التي استوحاها منها لطفل اسمه «سلمان ياسر»، وصمم منها 22 مشهداً، أما الكتاب الثاني فكان «عنوانه عندما رقصت الزهور»، وكانت فكرتها مستوحاة من رسمة للطفلة «هنا وليد»، أما القصة الثالثة فكانت بعنوان «فهمني ماذا تريد»، وكانت من تأليف الكاتب عبد الجواد الحمزاوي.
وأشار التهامي إلى أن المبادرة شكلت فرصة للتعاون مع الأطفال، وتهدف لتنمية قدراتهم التخيلية والإبداعية، وتحويل أحلامهم بوجود قصص مطبوعة تحمل رسوماتهم إلى حقائق، ولفت إلى أن نجاح المشروع جاء لأنه من الأطفال وإليهم، فلم يكن الكتاب والرسامون أكثر من وسيط لتقديم رسوماتهم في كتب بإخراج جميل يقرأها معهم أطفال آخرون في كل بلدان الوطن العربي.



ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
TT

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد

دعاء

أعدني للكتاب

لاخضرار يدي

كلما لامست ورقة.

أعدني إلى الراقدين على الرفِ

علّي أتشربُ شيئا

من مدادٍ يسيلُ

حين يزحف ضوءُ

أو يبرق رعدُ.

أعدني لعيني

تسفح الضوءَ فوق الحروف

على المتنِ والهامشِ

أعدني لتلك السلاسل،

طينيةً، رمليةً، صخريةً،

ولا تغلق الحرفَ دوني.

أعدني لمكتبة النهرِ

أقرأ أسماءَ موتاهُ

مفروشة على الماء مثل النجوم،

لمكتبةِ الطيرِ

أقرأ ما حمل الريشُ

قدني إلى مدخل البرجِ

أبسطْ يديّ،

أعنْ قدميّ

لأصعد للبرجٍ حيث كتاب أبي...

 

أمام النهر

قلت: أمضي إلى النهرِ

علّيَ أنسى

شبح البيت، يطرق كل مساء

على الصدرِ...

علّ القواربَ تأخذني

إلى آخر النهرِ

حيث السماء

تتلألأ فوق المياه،

لذاك الضياءِ،

موسيقاه تعزف فوق الضفاف.

قمر جديد

سيهبط فوق الشجر

ويولد ليل جديد.

أتوحد والماءَ،

يصعد نحو السماء

قطرةً...قطرةً.....القوارب تمضي بدوني،

ربما إلى البحرِ،

وأنا أرقب النهرَ...

كان نهراً غريبا.

 

كأني بيت قديم

كأنّيَ بيتٌ قديم

أرمّم أحجارهُ

حجراً... حجراً

كلما مرّت الريحُ بين أركانهِ

وأسدّ الثقوب

ثم تنضح ماء

كلما استدرتُ

سئمتُ

-لا أبا لك-

وأنا أراني

أبدّل عضواً فعضوا

والذين أحبّ مضوا

كلٌ لبيت غريبِ

وقد كنتُ - أذكرُ- بيتاً

كلما بهمُ ضاق يتسعُ

ثمّ أني تعبتُ

من الحلمِ أن أبصر الحلمَ يوماً

ماشياً في الشوارعِ،

وهو يختالُ مرتدياً ثيابي،

يتقافز فوق النوافذ،

ناضحاً ما يشاء

من اللون فوق الرؤوس

فتقوم المدينة

من النوم بيضاء ما مسها ضررُ.

ثمّ أنيَ مني تعبتُ

ومن شبحي

وأنا أنتظر

وقت غارته الأبدية

عند منتصف الليلِ...

كلّ ليلِ.


على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية