السيرة المجهولة لعبد الحميد يونس... حافظ تراث الأدب الشعبي في مصر

مصطفى جاد يلقي الضوء على محطات منها

السيرة المجهولة لعبد الحميد يونس... حافظ تراث الأدب الشعبي في مصر
TT

السيرة المجهولة لعبد الحميد يونس... حافظ تراث الأدب الشعبي في مصر

السيرة المجهولة لعبد الحميد يونس... حافظ تراث الأدب الشعبي في مصر

يستعيد الباحث د. مصطفى جاد فصولاً من السيرة المجهولة لرائد دراسات تراث الأدب الشعبي في مصر الدكتور عبد الحميد يونس (1910 - 1988)، الذي تحول التراث الشعبي على يديه من خواطر واجتهادات فردية إلى علم مستقل له شروطه ومناهجه البحثية.
ويقول جاد في بداية كتابه «قصة التراث الشعبي العربي - رحلة في عقل وفكر عبد الحميد يونس رائد علم الفولكور» الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب أنه يكتب عن رجل عرفه جيداً، واقترب منه وتعايش معه عشر سنوات اطلع خلالها على بعض من سيرة حياته والعصر الذي عاش فيه، حيث حكي له العديد من التجارب حفلت بقصص نجاحات وانكسارات مثل قصة فقد بصره عام 1926 وهو لم يزل في زهرة العمر بسبب لعب الكرة حين ارتطم بالأرض، وكيف دخل الجامعة وحصل على ليسانس الآداب متفوقاً على جميع أقرانه ليصبح أستاذاً، ثم حصوله على جوائز وأوسمة في مصر والعالم العربي. ثم يتحدث عن مأساة أخرى في حياته، حين رزق بابن فقد البصر هو أيضاً، حين كان في السادسة من العمر. ورغم ذلك، نجح الابن أحمد يونس في الحصول على أعلى الدرجات العلمية من أوروبا في الفلسفة، ولمع اسم أحمد يونس في عالم الصحافة والأدب.
ولد عبد الحميد يونس بمحافظة الشرقية (شرق دلتا مصر) وتخرج في قسم اللغة العربية من جامعة القاهرة وحصل على الماجستير في سيرة الظاهر بيبرس والدكتوراه في السيرة الهلالية كما أسس لبحث الأدب الشعبي والفولكلور من خلال مؤلفاته ومنها «الأسطورة والفن الشعبي». وساهم في تأصيل مفهوم الدراما الشعبية والمسرح الشعبي من خلال كتابه «خيال الظل». واشترك في تأسيس وترجمة دائرة المعارف الإسلامية منذ عام 1993. ويعود إليه الفضل في تأسيس مركز دراسات الفنون الشعبية الذي يقوم على الجمع الميداني وتصنيف التراث الشعبي، كما ارتبط الدكتور يونس ارتباطاً وثيقاً بالصحافة فأسهم مع المفكر سلامة موسى في تحرير «المجلة الجديدة» ومجلة «المصري»، وأسس ورأس تحرير مجلة «الفنون الشعبية».

مع الحكيم ومحفوظ

يذكر المؤلف أنه كان يرافق أستاذه الدكتور يونس في رحلته السنوية إلى الإسكندرية في فترة الثمانيات، حيث اللقاءات الممتعة التي تجمع يونس مع كل من توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ في مقهى يسمى «الشانزليزيه».
ويروي تفاصيل تلك اللقاءات لا سيما الطريف منها، موضحاً أن محفوظ كان يأتي في موعده تماماً ويبرح المكان في موعد لا يتغير. أما الحكيم فيأتي في العاشرة صباحاً، وقد اتفق مع صاحب المقهى ألا يدفع الحساب في مقابل جلوسه على المقهى، إذ «يكفي صاحب المقهى أن يعرف الناس أن توفيق الحكيم يذهب إلى مقهاه»! وعندما رشح الدكتور يونس لجائزة الدولة التقديرية قطع نجيب محفوظ والحكيم إجازة الإسكندرية ليذهبا إلى القاهرة ويدليا بأصواتهما لصالح الدكتور يونس ويعودا مرة أخرى.

مع عبد الناصر والسادات

قدم المهندس محمود يونس أحد أبطال معركة تأميم قناة السويس الشهير بـ«رجل ليلة التأميم» أخيه الأصغر للرئيس عبد الناصر قائلاً: «أقدم لك أخي عبد الحميد يونس، الرجل الوحيد في هذا البلد الذي أخاف منه!
ويذكر المؤلف أن علاقة محمود بأخيه كانت شديدة الخصوصية وحافلة بالمواقف الإنسانية التي تجاوزت مجرد علاقة الأخ بأخيه رغم اختلاف مجال كلا منهما. يقول محمود يونس: أخي أديب وأنا لم أقرأ رواية في حياتي! وكان محمود أشبه بالفليسوف كانط يحسب مواعيده بالثواني حتى أن سفير إنجلترا عندما أراد مقابلته رفض محمود يونس أن يقابله لأنه تأخر سبع دقائق عن موعده! ويعلق الدكتور عبد الحميد يونس على جملة أخيه التي لم ينسها أبداً قائلاً: «لا أدري لماذا قدمني محمود يونس لعبد الناصر بهذه الطريقة لكن الموقف ليس غريباً منه على أي حال فعلاقتي بأخي وصلت من الثقة والاحترام مما يجعله يتباهى بي بأي مكان رغم أن شهرته في هذا الوقت كانت تفوق شهرتي بكثير وكنت إذا زرته في مكتبه سرعان ما يلغي أي شيء مشغول به ويستقبلني بترحاب شديد ويقدمني لمن معه في كبرياء ويصر أن يصطحبني حتى باب السيارة».
أما عن علاقة الدكتور يونس بالرئيس السادات فيروى المؤلف كيف كانت السيدة جيهان السادات تدرس في قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب جامعة القاهرة وسط جيل الأساتذة من كبار الأكاديميين. وعينت معيدة بالكلية وبدأت في الإعداد لنيل درجة الماجستير وكان الدكتور يونس يتحاشى أن يدرسها في أي مرحلة ليتجنب أي شبهة مجاملة. ويستشهد الدكتور يونس بهذا الحوار الذي دار بينه وبين الدكتور عبد العزيز الأهواني أستاذ الأدب الأندلسي عندما سألته السيدة جيهان السادات عما إذا كان الأستاذ يونس يريد شيئاً فرد الدكتور الأهواني قائلاً: «من الذي يطلب من الآخر، التلميذ أم الأستاذ؟ كان موضوع الرسالة في قسم اللغة العربية وآدابها بعنوان (شيلي في الأدب العربي في مصر) للطالبة جيهان صفوت رءوف، وكان المشرف على الرسالة الدكتورة سهير القلماوي. كانت هذه المرة الأولى التي يسمع فيها الدكتور يونس اسم جيهان السادات مختلفاً، فهي دائماً سيدة مصر الأولى واسمها المعروف للجميع هو جيهان السادات، ومن ثم فقد استغرق في الدهشة وهو يسمع الدكتورة سهير القلماوي تقدم للرسالة وصاحبتها بهذا الاسم. وعند انتهاء المناقشة التف الجميع يهنئون جيهان السادات وأنور السادات الذي بدأ في المغادرة غير أنه توقف بين الجموع ملتفتاً إلى مكان الدكتور يونس قائلاً: فين الدكتور عبد الحميد يونس؟. يروي المؤلف تفاصيل الواقعة قائلاً: رغم الضجيج والزحام فقد استطعت أن أسمع الجملة على لسان الرئيس وهو ملتفت ناحية الدكتور الذي أخبرته أن «الريس» يسأل عنه وفي ثوانٍ قليلة تحرك بعض أفراد الأمن والكاميرات وآخرون نحو الدكتور يونس وكنت حريصاً على أن أهبط به بهدوء حتى لا يتعثر وسط الزحام، وما إن اقتربت به على بعد متر تقريباً من الرئيس، وإذ بالدكتور يونس يفلت من يدي رغماً عنه ويدخل دائرة بشرية محكمة حول الرئيس بحيث لا يقترب منه أحد وحاولت جاهداً اختراقها دون جدوى.
ويوضح الباحث أن الدكتور يونس والسادات كانا من أوائل المحررين والمؤسسين لصحيفة «الجمهورية» ونشأت بينهما علاقة صداقة وود في هذا الإطار قبل أن يصبح رئيساً.



«درنة» يتناولها الملايين منذ قرون تُعدّ الآن «غذاء خارقاً»

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
TT

«درنة» يتناولها الملايين منذ قرون تُعدّ الآن «غذاء خارقاً»

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد «يخنات» الكاريبي، وكذلك طبق «الفوفو» في غرب أفريقيا، وتنتشر بشكل متزايد في متاجر البقالة الأميركية. المثير أنها بدأت تظهر في الأبحاث العلمية لسبب بسيط: يكتشف الباحثون باستمرار مركبات في «اليام» ربما تؤثر على كيفية تعامل الجسم مع السكر، وكيفية حماية الدماغ وإعادة بنائها، حسب موقع «إي سي أو نيوز».

يُذكر أن الادعاء الرئيسي، هنا، ليس أن «اليام غذاء خارق»، بل في أن الأبحاث الأولية، بما في ذلك تجربة سريرية صغيرة على البشر، تشير إلى أن بعض مستخلصات «اليام» قد تُحسّن، بشكل طفيف، بعض جوانب التفكير والذاكرة، بينما تشير دراسات أخرى إلى تحسين التحكم في مستوى السكر في الدم في ظروف محددة.

والآن: ما الصحيح؟ وما هو مجرد احتمال؟ وما الذي يجب تجاهله؟ في الولايات المتحدة، يُستخدم مصطلح «يام» غالباً للإشارة إلى البطاطا الحلوة ذات اللب البرتقالي ـ نبات مختلف تماماً. في المقابل، ينتمي «اليام» الحقيقي إلى مجموعة الديوسكوريا، ويتميز بقشرة أكثر خشونة، ولب أكثر نشوية من معظم أنواع البطاطا الحلوة.

لنبدأ إذن بالمعلومات الأساسية: بحسب مركز بيانات الغذاء التابع لوزارة الزراعة الأميركية، تحتوي حصة 3.5 أونصة من «اليام» النيئ على 118 سعرة حرارية، ونحو 28 غراماً من الكربوهيدرات، و4.1 غرام من الألياف، و1.5 غرام من البروتين.

وأوضح المصدر نفسه أن «اليام» غني، على نحو خاص، بالبوتاسيوم. ويحتوي على 816 ملليغراماً لكل 3.5 أونصة، بالإضافة إلى فيتامين «سي» وفيتامين «ب6». ويرتبط البوتاسيوم بتنظيم ضغط الدم، ويدعم فيتامين «سي» وظائف المناعة. وعليه، يمكن اعتبار «اليام» أكثر من مجرد مصدر «كربوهيدرات رخيصة» في النظام الغذائي.


دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
TT

دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)

أظهرت دراسة سريرية أميركية أن إضافة دواء يخفض الكوليسترول بشكل مكثف إلى العلاج القياسي يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر.

وأوضح الباحثون في مستشفى ماس جنرال بريغهام بالولايات المتحدة، أن النتائج تظهر فائدة خفض الكوليسترول بشكل مبكر في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية، ونُشرت النتائج، السبت، بدورية «JAMA».

ويمكن لمرض السكري أن يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والنوبات القلبية، إذ يؤدي ارتفاع مستويات السكر في الدم لفترات طويلة إلى تلف الأوعية الدموية والقلب، ويسهم في تراكم الدهون والكوليسترول داخل الشرايين. كما أن مرضى السكري غالباً ما يعانون من ارتفاع ضغط الدم أو اختلال الدهون في الدم، ما يزيد من احتمالية انسداد الشرايين وحدوث أزمات قلبية. ومن أهم خطوات الحد من هذه المخاطر، التحكم بمستويات السكر، واتباع نظام غذائي صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام.

وشملت التجربة السريرية 3655 مريضاً يعانون من سكري عالي الخطورة، مثل المرضى الذين يعانون من السكري لأكثر من 10 سنوات، أو يحتاجون إلى الأنسولين يومياً، أو لديهم أمراض الأوعية الدقيقة. وتلقى المشاركون إما حقن «إيفولوكوما» الخافضة للكوليسترول كل أسبوعين وإما دواء وهمي، مع استمرار جميع المشاركين على العلاج القياسي للكوليسترول، بما في ذلك «الستاتينات» و«إزيتيميب».

دواء «إيفولوكوما»

وبعد 48 أسبوعاً، تبين أن دواء «إيفولوكوما» خفّض مستويات الكوليسترول الضار بنسبة تقارب 60 في المائة، ما أسهم في تقليل خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية أو الوفاة بسبب أمراض القلب بنسبة 31 في المائة مقارنة بالعلاج القياسي وحده.

وعلى مدى متابعة استمرت نحو خمس سنوات، سجلت مجموعة «إيفولوكوما» معدل حدوث أحداث قلبية وعائية أولى بنسبة 5 في المائة مقابل 7.1 في المائة في مجموعة الدواء الوهمي.

وأظهرت الدراسة أن معدلات الآثار الجانبية كانت متقاربة بين المجموعتين، ما يشير إلى أن العلاج كان جيد التحمل لدى هذه الفئة من المرضى.

وأشار الباحثون إلى أنه على مدار أكثر من عقد، كان استخدام العلاجات المكثفة لخفض الكوليسترول يقتصر على المرضى الذين لديهم أمراض قلبية معروفة.

وأضافوا أن هذه النتائج تظهر أن خفض الكوليسترول المبكر يمكن أن يمنع أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر، حتى قبل ظهور تصلب الشرايين الكبير. وقد يؤدي استخدام «إيفولوكوما» أو علاجات مكثفة مشابهة إلى تعديل التوصيات الطبية للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية في الفئات عالية المخاطر.

ونوه الفريق بأن تطبيق هذا العلاج على نطاق أوسع يمكن أن يقلل معدلات الوفاة والأمراض القلبية الخطيرة لدى ملايين مرضى السكري حول العالم.


لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
TT

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)

من الأخطاء الشائعة، قصداً أو عن جهل، أن أول فيلم ضمن السينما الإيطالية الواقعية في الأربعينات كان «سارقو الدراجات» لڤيتوريو دي سيكا سنة 1948. والحال أن هذا الفيلم هو من الأعمال التي أسست فعلاً لما يُعرف بالسينما الواقعية الجديدة، لا بدايتها؛ إذ إن السينما الإيطالية، على وجه الخصوص، وكذلك سينمات أخرى عديدة، لم تعرف الواقعية بوصفها منهجاً مستقراً، بل تجلت في أفلام متباعدة وقليلة؛ ما يدفع الناقد إلى إعادة طرح السؤال عن سبب تسميتها «جديدة» إذا لم يكن هناك «قديمة».

البداية الفعلية للواقعية الجديدة

من «هاجس» أول أفلام المخرج (أجاي فيلم)

لكن، بعيداً عن هذه النقطة التي قد تُثير جدلاً يستحضر أعمال السينما الإيطالية الاجتماعية في الفترة الصامتة وما بعدها، هناك فيلم يسبق «سارقو الدرّاجات»، أنجزه لوكينو ڤيسكونتي عام 1943 بعنوان «هاجس» (Obsession). وهو فيلم درامي اجتماعي تدور أحداثه في أتون الحياة في القاع، حول رجل وزوجته ودخيلٍ يقتحم حياتهما، بما يترتب على ذلك من عواطف متشابكة، وما يعقبه من شعور بالذنب والضعف.

بعد انتهاء لوكينو ڤيسكونتي (توفي قبل نحو 50 عاماً) من تصوير بعض مشاهد «هاجس» (بالأبيض والأسود)، أرسل ما صوّره إلى المونتير ماريو سيراندراي، الذي كتب له بعد مشاهدتها: «أحببت هذه المشاهد. لا أعرف كيف أعرّف هذا النوع الجديد من السينما، إلا بأنه واقعية جديدة».

ورد ذلك في كتاب لغايا سرڤاديو الصادر سنة 1983 بعنوان «لوكينو ڤيسكونتي: سيرة»، وعزّزه المؤلف هنري باكون في كتابه الصادر سنة 1998 «ڤيسكونتي: استكشاف الجمال والانحلال» (Visconti: Explorations of Beauty and Decay).

المخرج لوكينو ڤيسكونتي (IMDB)

وسرد ڤيسكونتي هذه الواقعة بنفسه في بعض مقابلاته، مؤكداً أن هذا النعت («واقعية جديدة») لم يكن قد استُخدم من قبل.

والفيلم نفسه ينطق بذلك من خلال واقعية الشخصيات ومشاعرها، وإبقاء الدراما كامنةً غير مُعلنة أو مباشرة. كما يتجلى ذلك في مواقع التصوير ضمن البيئات الفقيرة في المدينة.

أثار الفيلم استياء بعض مشاهديه من أوساط الحكومة الفاشية في عهد بنيتو موسوليني، فغادر بعضهم القاعة قبل انتهاء العرض، واصفين الفيلم بأنه معادٍ لإيطاليا. وأعقب ذلك صدور قرار بمنع عرضه، والحجز على ما أمكن من نسخه.

ثلاثي مختلف

كان لوكينو ڤيسكونتي يساريَّ التوجّه ومعادياً للفاشية، علماً بأنه وُلد عام 1906 في كنف عائلة أرستقراطية مرفّهة وذات تأثير سياسي. خدم في الجيش الإيطالي لمدة عامين (1926-1928)، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية ودخول إيطاليا فيها، اختار أن يتخذ موقفاً معادياً للفاشية.

لكن قبل اندلاع تلك الحرب، قصد ڤيسكونتي فرنسا، حيث تعرّف إلى المخرج جان رينوار، الذي استعان به مساعداً في بعض أفلامه، أولها «يوم في الريف» (A Day in the Country) سنة 1935. واستمر التعاون بينهما حتى مطلع الحرب العالمية الثانية، وهي فترة كانت كافية ليتشرّب خلالها المخرج الإيطالي تأثير أحد أبرز صناع السينما الفرنسية آنذاك.

قد يلاحظ بعض من يشاهد النسخة المتوفرة من «هاجس» تأثيراً آخر؛ فمن قرأ رواية جيمس م. كاين «ساعي البريد يرن مرتين دائماً» (The Postman Always Rings Twice) فسيجد تشابهاً بين العملين. وكان رينوار هو من أعطى الرواية لڤيسكونتي لقراءتها. وتدور أحداثها حول شاب يصل، في خضم أزمة اقتصادية في الولايات المتحدة، إلى محطة بنزين ريفية يملكها رجل متقدّم في السن وزوجته الشابة. يعمل الشاب في المحطة، وسرعان ما تنشأ علاقة بينه وبين الزوجة وتنتهي بقتل الزوج.

غير أن ڤيسكونتي لم ينقل أحداث الرواية كما هي في فيلمه «هاجس»، بل اكتفى بثلاثية الشخصيات مع اختلاف في الوقائع وتوجهاتها العاطفية. ويكفي هنا التأكيد على أن رواية كاين كانت ذات طابع عاطفي - جنائي، في حين جاء فيلم ڤيسكونتي عاطفياً - اجتماعياً.

من الأرض إلى القصر

«موت في ڤينيسيا» مع ديرك بوغارد (ألفا سينماتوغرافيكا)

بعد هذا الفيلم، واصل المخرج مسيرته السينمائية محققاً نجاحاً فنياً كبيراً. وقد برع منذ البداية في معالجة شخصياته وفي إحكام سيطرته على كل تفاصيل العمل، كما يتضح في «الأرض تهتز» (La Terra Trema) سنة 1948. ومع ذلك، فإن هذه الصرامة الإخراجية تبلورت لاحقاً، حين ابتعد عن إنجاز الأفلام ذات التوجهات اليسارية المباشرة، من دون أن يتخلى عن خلفيته الفكرية.

يتناول «الأرض تهتز» حياة صيادين في قرية يواجهون هيمنة التجّار على أرزاقهم، وكيف يستجيب بعضهم بالخضوع، فيما يختار آخرون المقاومة. ورغم أن ڤيسكونتي لم يتخلَّ عن الواقعية التي أرساها منذ أفلامه الأولى، فقد بدأ ينسج أسلوباً فنياً أكثر تركيباً لطرح موضوعاته. ويُعدّ روبرتو روسيلليني الأقرب إليه في هذا المجال؛ إذ انطلق بدوره ضمن تيار الواقعية الجديدة، في حين بدأ ڤيتوريو دي سيكا في هذا المنهج ثم ابتعد عنه لاحقاً، من دون أن يقدّم عملاً يتجاوز أهمية «سارقو الدراجات».

في الستينات، اتجهت أفلام ڤيسكونتي نحو عناية جمالية أعلى، مع نقل الأحداث إلى عوالم القصور والبُنى الطبقية، كما في «الفهد» (The Leopard) عام 1963، و«ساندرا» (1965)، و«الغريب» (عن رواية ألبير كامو، 1967)، ثم «الملعونون» (The Damned) 1969.

وليس من الدقة القول إن هذه الأفلام (وسواها) على مستوى واحد من الجودة، غير أن السمة الأبرز في هذا التحول من حكايات الشوارع والبلدات الصغيرة إلى العالم الأرستقراطي تتجلى بوضوح في «الفهد» و«الملعونون»، ولاحقاً في «موت في ڤينيسيا» (Death in Venice) سنة 1971، المأخوذ عن رواية توماس مان، ثم «لودڤيغ» (1973)، الذي يتناول سيرة ملك باڤاريا في أحداث تمتد بين عامي 1864 و1886.