السيرة المجهولة لعبد الحميد يونس... حافظ تراث الأدب الشعبي في مصر

السيرة المجهولة لعبد الحميد يونس... حافظ تراث الأدب الشعبي في مصر

مصطفى جاد يلقي الضوء على محطات منها
الاثنين - 15 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 30 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15343]

يستعيد الباحث د. مصطفى جاد فصولاً من السيرة المجهولة لرائد دراسات تراث الأدب الشعبي في مصر الدكتور عبد الحميد يونس (1910 - 1988)، الذي تحول التراث الشعبي على يديه من خواطر واجتهادات فردية إلى علم مستقل له شروطه ومناهجه البحثية.
ويقول جاد في بداية كتابه «قصة التراث الشعبي العربي - رحلة في عقل وفكر عبد الحميد يونس رائد علم الفولكور» الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب أنه يكتب عن رجل عرفه جيداً، واقترب منه وتعايش معه عشر سنوات اطلع خلالها على بعض من سيرة حياته والعصر الذي عاش فيه، حيث حكي له العديد من التجارب حفلت بقصص نجاحات وانكسارات مثل قصة فقد بصره عام 1926 وهو لم يزل في زهرة العمر بسبب لعب الكرة حين ارتطم بالأرض، وكيف دخل الجامعة وحصل على ليسانس الآداب متفوقاً على جميع أقرانه ليصبح أستاذاً، ثم حصوله على جوائز وأوسمة في مصر والعالم العربي. ثم يتحدث عن مأساة أخرى في حياته، حين رزق بابن فقد البصر هو أيضاً، حين كان في السادسة من العمر. ورغم ذلك، نجح الابن أحمد يونس في الحصول على أعلى الدرجات العلمية من أوروبا في الفلسفة، ولمع اسم أحمد يونس في عالم الصحافة والأدب.
ولد عبد الحميد يونس بمحافظة الشرقية (شرق دلتا مصر) وتخرج في قسم اللغة العربية من جامعة القاهرة وحصل على الماجستير في سيرة الظاهر بيبرس والدكتوراه في السيرة الهلالية كما أسس لبحث الأدب الشعبي والفولكلور من خلال مؤلفاته ومنها «الأسطورة والفن الشعبي». وساهم في تأصيل مفهوم الدراما الشعبية والمسرح الشعبي من خلال كتابه «خيال الظل». واشترك في تأسيس وترجمة دائرة المعارف الإسلامية منذ عام 1993. ويعود إليه الفضل في تأسيس مركز دراسات الفنون الشعبية الذي يقوم على الجمع الميداني وتصنيف التراث الشعبي، كما ارتبط الدكتور يونس ارتباطاً وثيقاً بالصحافة فأسهم مع المفكر سلامة موسى في تحرير «المجلة الجديدة» ومجلة «المصري»، وأسس ورأس تحرير مجلة «الفنون الشعبية».


مع الحكيم ومحفوظ


يذكر المؤلف أنه كان يرافق أستاذه الدكتور يونس في رحلته السنوية إلى الإسكندرية في فترة الثمانيات، حيث اللقاءات الممتعة التي تجمع يونس مع كل من توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ في مقهى يسمى «الشانزليزيه».
ويروي تفاصيل تلك اللقاءات لا سيما الطريف منها، موضحاً أن محفوظ كان يأتي في موعده تماماً ويبرح المكان في موعد لا يتغير. أما الحكيم فيأتي في العاشرة صباحاً، وقد اتفق مع صاحب المقهى ألا يدفع الحساب في مقابل جلوسه على المقهى، إذ «يكفي صاحب المقهى أن يعرف الناس أن توفيق الحكيم يذهب إلى مقهاه»! وعندما رشح الدكتور يونس لجائزة الدولة التقديرية قطع نجيب محفوظ والحكيم إجازة الإسكندرية ليذهبا إلى القاهرة ويدليا بأصواتهما لصالح الدكتور يونس ويعودا مرة أخرى.


مع عبد الناصر والسادات


قدم المهندس محمود يونس أحد أبطال معركة تأميم قناة السويس الشهير بـ«رجل ليلة التأميم» أخيه الأصغر للرئيس عبد الناصر قائلاً: «أقدم لك أخي عبد الحميد يونس، الرجل الوحيد في هذا البلد الذي أخاف منه!
ويذكر المؤلف أن علاقة محمود بأخيه كانت شديدة الخصوصية وحافلة بالمواقف الإنسانية التي تجاوزت مجرد علاقة الأخ بأخيه رغم اختلاف مجال كلا منهما. يقول محمود يونس: أخي أديب وأنا لم أقرأ رواية في حياتي! وكان محمود أشبه بالفليسوف كانط يحسب مواعيده بالثواني حتى أن سفير إنجلترا عندما أراد مقابلته رفض محمود يونس أن يقابله لأنه تأخر سبع دقائق عن موعده! ويعلق الدكتور عبد الحميد يونس على جملة أخيه التي لم ينسها أبداً قائلاً: «لا أدري لماذا قدمني محمود يونس لعبد الناصر بهذه الطريقة لكن الموقف ليس غريباً منه على أي حال فعلاقتي بأخي وصلت من الثقة والاحترام مما يجعله يتباهى بي بأي مكان رغم أن شهرته في هذا الوقت كانت تفوق شهرتي بكثير وكنت إذا زرته في مكتبه سرعان ما يلغي أي شيء مشغول به ويستقبلني بترحاب شديد ويقدمني لمن معه في كبرياء ويصر أن يصطحبني حتى باب السيارة».
أما عن علاقة الدكتور يونس بالرئيس السادات فيروى المؤلف كيف كانت السيدة جيهان السادات تدرس في قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب جامعة القاهرة وسط جيل الأساتذة من كبار الأكاديميين. وعينت معيدة بالكلية وبدأت في الإعداد لنيل درجة الماجستير وكان الدكتور يونس يتحاشى أن يدرسها في أي مرحلة ليتجنب أي شبهة مجاملة. ويستشهد الدكتور يونس بهذا الحوار الذي دار بينه وبين الدكتور عبد العزيز الأهواني أستاذ الأدب الأندلسي عندما سألته السيدة جيهان السادات عما إذا كان الأستاذ يونس يريد شيئاً فرد الدكتور الأهواني قائلاً: «من الذي يطلب من الآخر، التلميذ أم الأستاذ؟ كان موضوع الرسالة في قسم اللغة العربية وآدابها بعنوان (شيلي في الأدب العربي في مصر) للطالبة جيهان صفوت رءوف، وكان المشرف على الرسالة الدكتورة سهير القلماوي. كانت هذه المرة الأولى التي يسمع فيها الدكتور يونس اسم جيهان السادات مختلفاً، فهي دائماً سيدة مصر الأولى واسمها المعروف للجميع هو جيهان السادات، ومن ثم فقد استغرق في الدهشة وهو يسمع الدكتورة سهير القلماوي تقدم للرسالة وصاحبتها بهذا الاسم. وعند انتهاء المناقشة التف الجميع يهنئون جيهان السادات وأنور السادات الذي بدأ في المغادرة غير أنه توقف بين الجموع ملتفتاً إلى مكان الدكتور يونس قائلاً: فين الدكتور عبد الحميد يونس؟. يروي المؤلف تفاصيل الواقعة قائلاً: رغم الضجيج والزحام فقد استطعت أن أسمع الجملة على لسان الرئيس وهو ملتفت ناحية الدكتور الذي أخبرته أن «الريس» يسأل عنه وفي ثوانٍ قليلة تحرك بعض أفراد الأمن والكاميرات وآخرون نحو الدكتور يونس وكنت حريصاً على أن أهبط به بهدوء حتى لا يتعثر وسط الزحام، وما إن اقتربت به على بعد متر تقريباً من الرئيس، وإذ بالدكتور يونس يفلت من يدي رغماً عنه ويدخل دائرة بشرية محكمة حول الرئيس بحيث لا يقترب منه أحد وحاولت جاهداً اختراقها دون جدوى.
ويوضح الباحث أن الدكتور يونس والسادات كانا من أوائل المحررين والمؤسسين لصحيفة «الجمهورية» ونشأت بينهما علاقة صداقة وود في هذا الإطار قبل أن يصبح رئيساً.


Art

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة