الكشف عن «كعب أخيل» فيروس نقص المناعة البشرية

الكشف عن «كعب أخيل» فيروس نقص المناعة البشرية
TT

الكشف عن «كعب أخيل» فيروس نقص المناعة البشرية

الكشف عن «كعب أخيل» فيروس نقص المناعة البشرية

تمكن باحثون برازيليون من التوصل إلى ما سموه «كعب أخيل» أحد البروتينات المهمة لفيروس نقص المناعة البشرية، وهو البروتين المعروف باسم (Nef). وكعب أخيل مصطلح مستمد من الأساطير اليونانية القديمة ويستخدم للإشارة إلى نقطة ضعف في بناء قوي. وتوصل الباحثون إلى تحديدها في بروتين (Nef)، وهو الضروري لفيروس نقص المناعة البشرية ويمنحه القدرة على إحداث مرض الإيدز، ويمهد ذلك الطريق لتطوير فئة جديدة من الأدوية لاستهدافها.
وكانت نقطة الضعف المقصودة هي اكتشاف الباحثين بنية تربط هذا البروتين، بآخر يسمى (AP - 2)، ووجدوا أن هذا الالتقام الخلوي، هو الذي يمكّن البروتين من تخريب آليات الدفاع للخلايا البشرية، وتمكين فيروس نقص المناعة البشرية من التكاثر وتقريب أعراض الإيدز.
وخلال دراستين نُشرتا في دورية «الطبيعة البنائية والبيولوجيا الجزيئية»، نجح الباحثون أولاً في الحصول على البنية ثلاثية الأبعاد بين بروتيني (Nef) و(AP - 2)، واهتمت دراسات أخرى بإنتاج جزيء يشغل هذه المساحة لمنع تأثيرات البروتين من التقدم، وهذه «الصورة» يمكن أن تكون بمثابة الأساس لتطوير علاجات أخرى مضادة لفيروس نقص المناعة البشرية.
يقول لويس دا سيلفا بجامعة ساو باولو في تقرير نشره الموقع الإلكتروني لمؤسسة أبحاث ساو باولو، الجهة الممولة للأبحاث، في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020: «كان من المعروف أن (Nef) يلعب دوراً حاسماً في تقدم آثار فيروس نقص المناعة البشرية، بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يستمر إنتاج البروتين من المريض في أثناء العلاج أو عند المرضى الذين لديهم حمل فيروسي صغير جداً بحيث لا يمكن اكتشافه، وهذا مرتبط بحالات مَرضية مشتركة للعدوى لا توجد أدوية لاستهدافها».
ومنذ اكتشاف أن الإيدز سببه فيروس نقص المناعة البشرية منذ ما يقرب من 40 عاماً، تعلم العلماء الكثير عن الآليات المعقدة التي يهاجم بها الفيروس جهاز المناعة، ويغزو الخلايا ويتحكم فيها، لكنهم لم يجدوا حتى الآن طريقة لمنع «Nef» مباشرةً، ويعرفون أنه بروتين متعدد الوظائف بآلية معقدة، وأنه ليس جزءاً من بنية فيروس نقص المناعة البشرية، ولكنه يعدل الخلايا للسماح للفيروس بالتكاثر.
وتعمل عدة فئات من العقاقير المضادة للفيروسات القهقرية على جهاز المناعة لمنع المراحل المختلفة من دورة تكاثر فيروس نقص المناعة البشرية، وتقليل الحمل الفيروسي، وحتى وقف تطور المرض.
وتشمل مضادات الفيروسات القهقرية الأكثر شيوعاً مثبطات النسخ العكسي (نيوكليوزيد، والمثبطات العكسية الناسخة غير النيوكليوزيد)، والتي تعطل استخدام الفيروس للنسخة العكسية لنسخ مادته الوراثية والتكاثر داخل الخلايا الدفاعية، وهي تشمل أيضاً مثبطات الإنزيم البروتيني والإنترازي، والتي تعيق تكاثر الفيروس وغزو الخلايا على التوالي، ومثبطات الدخول، التي تمنع الفيروس من غزو خلايا الدفاع عن طريق منع مستقبلات مثل «CCR5».
وكل هذه العقاقير أدت إلى تقدم ملحوظ فيما يتعلق بتقليل معدلات الإصابة بمرض الإيدز والوفيات، لكن المقاومة الفيروسية والآثار الجانبية للأدوية تتطلب بحثاً مستمراً عن طرق جديدة لمكافحة الفيروس. وكان نحو 38 مليون شخص مصابين بالفيروس في جميع أنحاء العالم عام 2019 بما في ذلك 1.8 مليون طفل يبلغون من العمر 14 عاماً أو أقل، وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية والإيدز (UNAIDS)، والذي يقول أيضاً إن 67% حصلوا على العلاج المضاد للفيروسات، وفي البرازيل تُظهر إحصاءات وزارة الصحة إصابة نحو 866 ألف شخص بفيروس نقص المناعة البشرية عام 2019.
ونشر سيلفا ومجموعته البحثية في وقت مبكر من هذا العام دراسة توضح كيف يستخدم «Nef» بروتيناً خلوياً آخر يسمى (AP - 1G2) والرابط بين المسارين، وقامت المجموعة بتحليل تأثيرات «Nef» على الأغشية الداخلية للخلية المضيفة، ووصفت الآليات التي ينتهجها لاستخدام بروتين (AP - 1G2)، وإرسال المستقبل «CD4» إلى اليَحْلُول أو الجسم الحال أو المحلل (عضيات الخلية التي تحتوي على إنزيمات تكسر البروتينات والجزيئات الأخرى)، وهذا يساعد على إطلاق الفيروس من الخلايا لنشر العدوى.
والمستقبل (CD4) هو الذي يستخدمه فيروس نقص المناعة البشرية لغزو الخلايا، من أجل إرسال «CD4» و«MHC – I» إلى اليَحْلُول، يخطف «Nef» بروتيناً خلوياً ثالثاً شائعاً في كلا المسارين (AP - 2)، ويمكن أن تساعد هذه النتائج مجموعات بحثية أخرى في إظهار كيفية تفاعل «Nef» بالضبط مع البروتين الثالث.
من جانبه، يرى الدكتور محمد عواد، استشاري الفيروسات والوبائيات بوزارة الصحة المصرية، أن النجاح في التوصل لنقطة ضعف بروتين الفيروس المسبب لمرض نقص المناعة البشرية، يجعلنا على موعد قريب مع دواء جديد من الأدوية التي يستخدمها المصابون، لكبح جماح الفيروس إلى أقصى حد ممكن، والتقليل من تكاثره، حتى لا يتطور الأمر إلى الإصابة بمرض الإيدز، وهو من شأنه أن يقلل من معدلات الوفاة والمعاناة بسبب الإصابة بالفيروس.
يقول عواد لـ«الشرق الأوسط»: «الدراسة تبشّر بدواء أكثر فاعلية في هذا الإطار، وهو ما من شأنه أن يفيد المريض والمجتمع، حيث إن الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية قادرة على وقف انتشار الفيروس في المجتمع، حيث تقلل من كميته في أجسامهم، مما يجعلهم أقل عرضة لنقله إلى الآخرين».
وأظهرت دراسة واسعة النطاق أجرتها منظمة الصحة العالمية عام 2011 على مستوى عدة بلدان من الشبكة المعنية بتجارب مكافحة فيروس الإيدز، أن هذه الأدوية قادرة على وقف سريان الفيروس بنسبة 96% بين الأزواج في الحالات التي يكون فيها أحدهما حاملاً للفيروس والآخر غير مصاب بعدواه.



أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر

أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر
TT

أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر

أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر

تمكن علماء أميركيون من إعداد أكثر خريطة تفصيلاً حتى الآن توضح كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر. ويقدم هذا «الأطلس الجيني - اللاوراثي» الجديد الذي طوره باحثون في معهد سالك بكاليفورنيا، فهماً أعمق للعمليات البيولوجية المرتبطة بالشيخوخة، وقد يساعد العلماء في فهم أمراض مثل مرض ألزهايمر وباركنسون والتصلب الجانبي الضموري.

ويعاني أكثر من 57 مليون شخص حول العالم من أمراض تنكسية عصبية. ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم كل 20 عاماً مع تقدم السكان في العمر.

وعلى الرغم من أن الشيخوخة تُعدّ العامل الأكبر خطورة للإصابة بهذه الأمراض، فإن العلماء ما زالوا يسعون لفهم الآليات الدقيقة التي تؤدي إلى تغير الدماغ مع مرور الزمن.

وتمثل الدراسة الجديدة التي نُشرت في مجلة «Cell» في 10 مارس (آذار) 2026، خطوة مهمة نحو الإجابة عن هذا السؤال؛ إذ ترسم خريطة للتغيرات الكيميائية الصغيرة التي تطرأ على الحمض النووي «دي إن إيه» (DNA)، وكيف تؤثر في نشاط الجينات داخل الدماغ مع التقدم في العمر.

خريطة مفصلة للدماغ المتقدم في العمر

أنشأ فريق البحث أطلساً واسع النطاق يوضح كيف يؤثر التقدم في العمر في خلايا الدماغ المختلفة ومناطقه المتعددة. وباستخدام تقنيات جينية متقدمة، درس العلماء أكثر من 200 ألف خلية دماغية منفردة، كما حللوا ما يقارب 900 ألف خلية أخرى باستخدام تقنية تُعرف باسم «التحليل الجيني المكاني» أو «علم النسخ المكاني» (spatial transcriptomics) التي تتيح تحديد موقع الخلايا داخل أنسجة الدماغ بدقة.

تغيرات في 36 نوعاً من خلايا الدماغ

ويضم الأطلس 8 مناطق رئيسية في الدماغ، ويغطي التغيرات التي تحدث في 36 نوعاً مختلفاً من الخلايا الدماغية.

وقال عالم الوراثة جوزيف إيكر من مختبر التحليل الجينومي بمعهد سالك للدراسات البيولوجية في كاليفونيا وأحد المشرفين الرئيسيين على الدراسة، إن هذه الخرائط تتيح لنا رؤية كيف يعيد التقدم في العمر تشكيل الدماغ على المستوى الجزيئي، كما توفر إطاراً علمياً يمكن أن يساعد الباحثين في فهم الآليات التي تقف وراء الأمراض التنكسية العصبية.

دور التغيرات اللاجينية

كما ركزت الدراسة بشكل خاص على عملية بيولوجية تُعرف باسم التغيرات اللاجينية (Epigenetics). وعلى عكس الطفرات التي تغير تسلسل الحمض النووي نفسه، فإن هذه التغيرات تتمثل في علامات كيميائية صغيرة ترتبط بالحمض النووي، وتتحكم في تشغيل الجينات أو إيقافها.

وتتراكم هذه العلامات مع مرور الزمن، ويعتقد العلماء أنها تلعب دوراً مهماً في عملية الشيخوخة. ومن أبرز هذه التغيرات ما يُعرف بـ«مثيلة الحمض النووي» (DNA methylation)، وهي إضافة علامات كيميائية إلى الحمض النووي تساعد في التحكم في تشغيل الجينات أو إيقافها، والتي قد تؤثر في وظيفة الخلايا وتسهم في ظهور الأمراض المرتبطة بالعمر.

ومن خلال تحليل أنماط «مثيلة الحمض النووي» في خلايا الدماغ الفردية، اكتشف الباحثون أن الشيخوخة تؤثر في أنواع الخلايا بطرق مختلفة. وقد كانت التغيرات أكثر وضوحاً في الخلايا غير العصبية، وهي الخلايا التي تدعم الخلايا العصبية، لكنها لا تنقل الإشارات العصبية بنفسها.

تنشيط «الجينات القافزة»

وكشف الباحثون أيضاً عن ظاهرة تتعلق بما يسمى «الجينات القافزة» المعروفة علمياً باسم «Transposable elements»، وهي مقاطع من الحمض النووي «دي إن إيه» قادرة على الانتقال من موقع إلى آخر داخل الجينوم، وغالباً ما تبقى خاملة بفضل آليات تنظيم كيميائية مثل «مثيلة الحمض النووي».

وفي الظروف الطبيعية تبقى هذه العناصر غير نشطة بفضل آليات تنظيمية داخل الخلية. لكن الدراسة أظهرت أن هذه الضوابط تضعف مع التقدم في العمر، ما يسمح للجينات القافزة بأن تصبح أكثر نشاطاً. ويعتقد العلماء أن زيادة نشاطها قد تسهم في اضطراب عمل الخلايا، وتراجع وظائف الدماغ مع الشيخوخة.

كما تمكن الباحثون من تحديد مؤشرات حيوية جديدة مرتبطة بشيخوخة الدماغ تتعلق بالطريقة التي يُنظم بها الحمض النووي في بنية ثلاثية الأبعاد داخل الخلية.

مناطق الدماغ لا تشيخ بالطريقة نفسها

ومن النتائج اللافتة أيضاً أن الشيخوخة لا تؤثر في جميع مناطق الدماغ بالتساوي. فحتى النوع نفسه من الخلايا يمكن أن يشيخ بطريقة مختلفة تبعاً لموقعه داخل الدماغ.

وعلى سبيل المثال، أظهرت الخلايا غير العصبية الموجودة في المناطق الخلفية من الدماغ، مستويات أعلى من الالتهاب مقارنة بالخلايا المشابهة في المناطق الأمامية. ويعكس ذلك التعقيد الكبير في عملية شيخوخة الدماغ، وقد يساعد في تفسير سبب تأثر بعض المناطق الدماغية بالأمراض أكثر من غيرها.

مورد علمي مفتوح للعالم

ولتعزيز التعاون العلمي جعل الباحثون كامل قاعدة البيانات متاحة للعلماء حول العالم عبر منصات مثل «خدمات أمازون السحابية» (Amazon Web Services)، و«مجموعة التعبير الجيني» (Gene Expression Omnibus).

وقد بدأ الفريق بالفعل في استخدام هذه البيانات لتطوير نماذج تعتمد على الذكاء الاصطناعي يمكنها التنبؤ بكيفية تغير نشاط الجينات مع تقدم الدماغ في العمر. وفي المستقبل قد تساعد هذه النماذج العلماء في محاكاة عملية شيخوخة الدماغ واكتشاف أهداف علاجية جديدة.

ويأمل الباحثون في أن يسهم هذا الأطلس في تسريع الأبحاث المتعلقة بالشيخوخة وأمراض الدماغ، وأن يفتح الطريق أمام تطوير استراتيجيات جديدة لإبطاء تدهور الدماغ المرتبط بالعمر وتحسين جودة حياة ملايين الأشخاص حول العالم.


الذكاء الاصطناعي يشمّ المرض قبل أن يشعر به المريض

عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض
عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض
TT

الذكاء الاصطناعي يشمّ المرض قبل أن يشعر به المريض

عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض
عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض

في مارس (آذار) عام 2026 نشر فريق بحثي دولي دراسة حديثة في مجلة «Drug Discovery Today» حول مجال علمي ناشئ يُعرف باسم «علم تحليل أنفاس الإنسان» (Breathomics)، وهو علم يعتمد على تحليل المركبات الكيميائية الموجودة في هواء الزفير للكشف المبكر عن الأمراض.

بدايات علم جديد

وأوضح الباحث ميتالي ساهو، من المعهد الهندي للتكنولوجيا في خراجبور (IIT Kharagpur) في الهند، مع فريقه البحثي، أن هواء الزفير يحمل مئات المركبات العضوية المتطايرة التي تعكس ما يجري من العمليات البيولوجية داخل الجسم. وتشير الدراسة إلى أن تحليل هذه المركبات باستخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يفتح باباً جديداً للتشخيص الطبي غير الجراحي، إذ تستطيع الخوارزميات تحليل أنماط هذه الجزيئات بدقة، والتعرّف على إشارات مرضية مبكرة قبل ظهور الأعراض السريرية.

الأنف الإلكتروني يحلل رائحة النفس

> من الرازي إلى الطب الرقمي. قبل أكثر من ألف عام أدرك الطبيب العربي الكبير أبو بكر محمد بن زكريا الرازي أهمية الحواس في التشخيص الطبي. ففي كتابه الشهير «الحاوي في الطب» أشار إلى أن رائحة نفس المريض قد تحمل دلائل مهمة على طبيعة المرض، وأن الطبيب اليقظ يستطيع أن يستشف من هذه الإشارات الحسية ما يعجز عنه الفحص الظاهري أحياناً. ولم يكن هذا الفهم بعيداً عن تقاليد الطب القديم في حضارات أخرى؛ ففي الفلسفة الصينية القديمة دعا كونفوشيوس إلى ضرورة قراءة الإشارات الدقيقة التي يرسلها الجسد، وهو مبدأ تبنّاه الطب الصيني التقليدي لاحقاً حين اعتبر التنفس ورائحة الجسد نافذة لفهم التوازن الداخلي للصحة. واليوم يعود هذا المفهوم القديم في صورة علمية جديدة، لكن هذه المرة عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل الجزيئات الدقيقة في هواء الزفير، ليصبح ما كان حدساً طبياً في الماضي مجالاً متقدماً من مجالات الطب الرقمي الحديث.

> بصمة كيميائية في كل نفس. عندما يتنفس الإنسان يخرج مع هواء الزفير أكثر من ثلاثمائة مركب كيميائي متطاير، تُعرف علمياً باسم المركبات العضوية المتطايرة (Volatile Organic Compounds). وهذه الجزيئات الدقيقة هي نواتج طبيعية لعمليات التمثيل الغذائي التي تجري داخل خلايا الجسم، ولذلك تعكس بصورة غير مباشرة ما يحدث في الأنسجة، والأعضاء المختلفة.

ويعتقد العلماء اليوم أن أمراضاً كثيرة تترك بصمة كيميائية مميزة في هذه المركبات، بحيث يمكن قراءة إشارات المرض من خلال تحليل تركيبة الهواء الخارج من الرئتين. ولهذا يسعى الباحثون في مراكز الطب الرقمي حول العالم إلى تدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي على التعرف على هذه الأنماط الكيميائية المعقدة، أملاً في تحويل نفس الإنسان إلى وسيلة تشخيصية دقيقة قادرة على كشف الأمراض في مراحلها المبكرة.

الذكاء الاصطناعي يقرأ أنفاس الإنسان

مهمات «الأنف الإلكتروني»

> الأنف الإلكتروني. لتطبيق هذه الفكرة عملياً طوّر العلماء أجهزة تُعرف باسم «الأنف الإلكتروني» (Electronic Nose)، وهي أنظمة استشعار متقدمة تحتوي على مستشعرات كيميائية دقيقة قادرة على التقاط المركبات المتطايرة الموجودة في الهواء، وتحليلها. وتعمل هذه الأجهزة على تحويل الإشارات الكيميائية إلى بيانات رقمية، ثم يتولى الذكاء الاصطناعي تحليل هذه البيانات، واكتشاف الأنماط المرتبطة بأمراض محددة.

وفي دراسة علمية نُشرت في مجلة «ساينتيفيك ريبورتس» (Scientific Reports) التابعة لمجموعة نيتشر (Nature)، تمكّن الباحث ديباك أيير من المعهد الهندي للتكنولوجيا في بومباي (IIT Bombay) في الهند مع فريقه البحثي من تطوير نظام يعتمد على الشبكات العصبية الاصطناعية لتحليل مركبات هواء الزفير، وقد أظهر هذا النظام قدرة ملحوظة على التمييز بين الأنماط الكيميائية المرتبطة بحالات مرضية مختلفة.

> اكتشاف الأمراض قبل ظهور الأعراض. من أكثر الجوانب إثارة في هذا المجال هو القدرة المحتملة على اكتشاف المرض قبل ظهور الأعراض السريرية. فقد أظهرت دراسات حديثة أن تحليل المركبات الكيميائية في هواء الزفير يمكن أن يساعد في الكشف المبكر عن أمراض متعددة، من بينها سرطان الرئة، ومرض السكري، وأمراض الكبد، وبعض الالتهابات الرئوية. وتشير الأبحاث إلى أن التغيرات البيوكيميائية المرتبطة بهذه الأمراض تنعكس في تركيبة المركبات العضوية المتطايرة التي يطلقها الجسم مع كل نفس.

وفي دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة ليستر في المملكة المتحدة بالتعاون مع المعهد الوطني البريطاني للبحوث الصحية، نجح العلماء في استخدام خوارزميات التعلم العميق (Deep Learning) لتحليل أنماط هذه المركبات في هواء الزفير، وتشخيص مرض الانسداد الرئوي المزمن (Chronic Obstructive Pulmonary Disease – COPD) بدقة واعدة. ويشير هذا التقدم إلى أن تحليل النفس قد يتحول في المستقبل القريب إلى أداة تشخيصية مبكرة، وقادرة على كشف المرض في مراحله الأولى قبل أن يبدأ المريض بالشعور بالأعراض.

لدى كل إنسان بصمة كيميائية في كل نفس إذ يخرج مع هواء الزفير أكثر من 300 مركب كيميائي متطاير

نافذة جديدة على صحة الإنسان

لا يقتصر تحليل هواء الزفير على أمراض الرئة فحسب، بل يمكن أن يعكس الحالة الصحية العامة للجسم. فالميكروبات التي تعيش في الفم والجهاز الهضمي تنتج مركبات كيميائية دقيقة تنتقل إلى هواء الزفير، وقد تكشف هذه الجزيئات تغيرات في عمليات التمثيل الغذائي، أو في نشاط الجهاز المناعي. ولهذا يرى الباحثون أن النفس البشري قد يحمل معلومات بيولوجية أوسع بكثير مما كان يُعتقد سابقاً.

وفي هذا السياق يشير باحثون في المعهد التقني الفيدرالي في زيوريخ في سويسرا (ETH Zurich) إلى أن تحليل أنماط المركبات الكيميائية في النفس، باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار الدقيقة، قد يسمح برصد مؤشرات حيوية متعددة في وقت واحد. ولذلك يعتقد بعض العلماء أن رائحة الفم قد تتحول في المستقبل إلى مؤشر بيولوجي شامل يعكس الحالة الصحية للإنسان، ويقدم للطبيب نافذة جديدة لفهم ما يحدث داخل الجسم دون الحاجة إلى إجراءات تشخيصية معقدة.

وفي ميدان طبّ المستقبل. قد يأتي يوم يدخل فيه المريض إلى العيادة، فيطلب منه الطبيب ببساطة أن يتنفس في جهاز صغير لبضع ثوانٍ. وخلال لحظات تقوم خوارزمية من الذكاء الاصطناعي بتحليل الهواء الخارج من رئتيه، لتقدم للطبيب تقريراً دقيقاً عن حالته الصحية، وربما تكشف إشارات مبكرة لأمراض لم تظهر أعراضها بعد. عندها قد يتحول نَفَس الإنسان نفسه إلى أداة تشخيصية لا تقل أهمية عن الأشعة، والتحاليل المخبرية.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تطور تقني، بل تحول في فلسفة التشخيص الطبي. فبعد قرون اعتمد فيها الطب على ما يراه الطبيب، أو يشعر به المريض، أصبح العلم قادراً على قراءة اللغة الكيميائية الخفية التي يكتبها الجسم في كل نفس. ومع تقدم أجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي قد يصبح تحليل الزفير واحداً من أبسط وأكثر أدوات الطب دقة في الكشف المبكر عن الأمراض.

وهكذا، بينما يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة الصور الطبية، والبيانات الجينية، والملفات السريرية المعقدة، بدأ اليوم يتعلم قراءة شيء أكثر بساطة... وأكثر إنسانية: أنفاسنا. وربما يحمل كل نفس في المستقبل رسالة طبية صامتة، لا يسمعها إلا العلم.


تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين

تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين
TT

تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين

تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين

انضم ديفيد سنكلير، الأستاذ بجامعة هارفارد والداعي المتحمس إلى إطالة العمر، إلى النقاش عبر منصة «إكس» ليؤكد بشدة على أن: «للشيخوخة تفسيراً بسيطاً نسبياً، ويبدو أن من الممكن دفعها بالاتجاه المعاكس... ستنطلق التجارب السريرية قريباً».

علاج لعكس الشيخوخة

وكان سنكلير يقصد توظيف «إي آر-100» «ER-100». وهو الاسم الرمزي لعلاج طورته شركة «لايف بايوساينسز» ـ شركة ناشئة صغيرة في بوسطن، شارك سنكلير في تأسيسها. وأكد أنها حصلت على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية للمضي قدماً في أول محاولة موجهة لعكس الشيخوخة على متطوعين بشريين.

> «إعادة برمجة الخلايا». وتعتزم الشركة كذلك تجربة علاج أمراض العيون باستخدام مفهوم تجديد جذري يُسمى «إعادة البرمجة» reprogramming، الذي اجتذب حديثاً استثمارات بمئات الملايين من الدولارات وبدعم من شركات تكنولوجية كبرى.

بوجه عام، يعتمد الأسلوب الجديد المقترح على إعادة الخلايا إلى حالة صحية أفضل عبر إعادة ضبط «الضوابط اللاجينية» (المؤثرة على الجينات) epigenetic - مفاتيح تشغيل الجينات التي تحدد ما يجري تفعيله وما يجري تعطيله.

في هذا الصدد، أوضح كارل بفليغر، مستثمر يدعم شركة ناشئة بريطانية أصغر حجماً تُدعى «شيفت بايوساينسز»: «إعادة البرمجة أشبه بالذكاء الاصطناعي في عالم الأحياء».

وتتميز إعادة البرمجة بقوة كبيرة لدرجة قد تثير بعض المخاطر، حتى إنها قد تُسبب السرطان في حيوانات المختبر. ومع ذلك، نجحت النسخة التي تُطورها شركة «لايف بايوساينسز» من هذه التكنولوجيا، في اجتياز اختبارات السلامة الأولية على الحيوانات.

> علاج الغلوكوما. ورغم ذلك، لا تزال هذه التكنولوجيا شديدة التعقيد. مبدئياً، ستسعى الشركة لتجريب العلاج على نحو اثني عشر مريضاً مصاباً بالغلوكوما ـ حالة مرضية يتسبب فيها ارتفاع ضغط العين في تلف العصب البصري. وبحسب وصف الدراسة الذي نُشر للمرة الأولى في ديسمبر (كانون الأول)، سيجري حقن فيروسات (آمنة) تحمل ثلاثة جينات قوية لإعادة البرمجة في عين واحدة لكل مريض.

ولضمان عدم تجاوز العملية الحد المسموح به، ستخضع جينات إعادة البرمجة لسيطرة مفتاح جيني خاص، يتولى تفعيلها فقط في أثناء تناول المرضى جرعة منخفضة من المضاد الحيوي دوكسيسايكلين. ومن المقرر مبدئياً، أن يتناول المتطوعون المضاد الحيوي لمدة قرابة شهرين، مع خضوع آثاره للمراقبة.

وصرّح مسؤولون تنفيذيون بالشركة على مدى أشهر بأن التجربة قد تبدأ هذا العام، وفي بعض الأحيان وصفوها بأنها بداية عهد جديد في مجال جهود مكافحة الشيخوخة. ونقلت مجلة جمعية المهندسين الكهربائيين الأميركيين عن مايكل رينجل، الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة «لايف بيوساينسز»: «إنها خطوة بالغة الأهمية لنا كقطاع. ستكون هذه المرة الأولى في تاريخ البشرية، على امتداد آلاف السنين، التي نبحث فيها عن شيء يُجدّد الخلايا... لذا ترقبوا المزيد».

تحويل الخلية إلى خلية جذعية

> إدخال جينات إلى الخلية. في مجملها، تعتمد هذه التكنولوجيا على اكتشاف حاز على جائزة نوبل، قبل عشرين عاماً، مفاده أن إدخال بضعة جينات فعّالة إلى الخلية يُعيدها إلى خلية جذعية، تماماً مثل تلك الموجودة في الجنين في مراحله المبكرة، والتي تتطور إلى أنواع الخلايا المتخصصة المختلفة. وتُعرف هذه الجينات بـ«عوامل ياماناكا» Yamanaka factors، وقد جرى تشبيهها بزر «إعادة ضبط المصنع» للخلايا.

ومع ذلك، لا يخلو الأمر من خطورة؛ فعند تنشيطها داخل حيوان حي، قد تُسبب ظهور أورام، الأمر الذي دفع العلماء إلى فكرة جديدة أطلق عليها إعادة البرمجة «الجزئية» أو «المؤقتة». وتدور الفكرة على الحد من التعرض لهذه الجينات القوية - أو استخدام مجموعة فرعية منها فقط - على أمل جعل الخلايا تتصرف كخلايا أصغر سناً، دون فقدانها الذاكرة تماماً بخصوص دورها في الجسم.

> برمجة جزئية لإعادة البصر. عام 2020، ادعى سنكلير أن إعادة البرمجة الجزئية هذه قادرة على استعادة البصر لدى الفئران بعد تلف أعصابها البصرية، مشيراً إلى أن هناك أدلة على نمو هذه الأعصاب من جديد. يذكر أن تقريره جرى نشره على غلاف مجلة «نيتشر» المرموقة تحت عنوان «إعادة عقارب الساعة إلى الوراء».

لا يتفق جميع العلماء على أن إعادة البرمجة تُعد فعلاً عكساً للشيخوخة. ومع ذلك، يصر سنكلير على رأيه، مؤكداً على نظرية مفادها أن الفقدان التدريجي للمعلومات الجينية الصحيحة في خلايانا، السبب الرئيس للشيخوخة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن إعادة البرمجة ليست أول حلٍّ لإطالة العمر يروج له سنكلير، مؤلف الكتب الأكثر مبيعاً، الذي يتقاضى أجوراً باهظة مقابل محاضراته في هذا المجال. وقد سبق وأن روّج لفوائد جزيئات تُسمى السيرتوينات sirtuins، بالإضافة إلى الريسفيراترول resveratrol ـ جزيء موجود في النبيذ الأحمر ـ في إطالة العمر.

غير أن بعض النقاد يرون أنه يبالغ كثيراً في تقدير التقدم العلمي. وبلغ ذلك ذروته في مقال نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» عام 2024 وصفه أحدهم بـ«خبير عكس مسار الشيخوخة»، الذي «لم تُحقق شركاته النجاح المنشود».

وناقشت الشركة إمكانية إعادة برمجة أعضاء أخرى، بما في ذلك الدماغ. من جهته، يؤمن مايكل رينجل، مثل سينكلير، بإمكانية تحقيق تجديد كامل للجسم في المستقبل، لكن في الوقت الراهن، من الأفضل اعتبار الدراسة بمثابة إثبات لمفهوم ما، بينما لا تزال بعيدة كل البعد عن تحقيق حلم الشباب الأبدي. في هذا السياق، قال المستثمر بفليغر: «الجانب المتفائل للأمر أن هذا البحث سيحل مشكلة العمى لدى بعض الأشخاص، ويحفز العمل في مجالات أخرى».

علاج مبتكر

يعتمد العلاج الذي ابتكرته الشركة على آلية «تبديل المضادات الحيوية» antibiotic switching، التي تُستخدم في الغالب على حيوانات المختبر، لكنها لم تُجرَّب على البشر من قبل. ونظراً لأن عملية التبديل هذه تنفذ بمكونات جينية مأخوذة من بكتيريا الإشريكية القولونية وفيروس الهربس، فمن المحتمل أن يُسبب هذا رد فعل مناعي لدى البشر، بحسب ما يعتقد العلماء.

وقد يكون اختيار شركة «لايف بيوساينسز» لعوامل إعادة البرمجة - ثلاثة عوامل تُعرف اختصاراً بـOSK - محفوفاً بالمخاطر؛ فمن المتوقع أن تُفعِّل هذه العوامل مئات الجينات الأخرى، وفي بعض الحالات، قد يؤدي هذا المزيج إلى عودة الخلايا إلى حالة بدائية للغاية، تُشبه حالة الخلايا الجذعية.

وأفادت شركات أخرى تُجري أبحاثاً حول إعادة البرمجة، إن تركيزها ينصب على البحث في الجينات التي يجب الاستعانة بها، بهدف تحقيق عكس مسار الزمن دون وقوع آثار جانبية غير مرغوب فيها. وأعلنت شركة «نيو ليميت»، التي تُجري بحثاً مكثفاً عن هذه الجينات، أنها لن تكون جاهزة لإجراء دراسة على البشر قبل عامين. أما شركة «شيفت»، فقد بدأت التجارب على الحيوانات حديثاً.

وقال دانيال آيفز، الرئيس التنفيذي لشركة «شيفت»، في إشارة إلى «لايف بيوساينسز»: «هل عواملهم أفضل طريقة لتجديد شباب العين؟ لا نعتقد ذلك. أعتقد أنهم يعملون بما هو متاح لديهم. ومع ذلك، أعتقد أنهم في وضع متقدم للغاية عن أي شركة أخرى في مجال التجارب على البشر. لقد وجدوا طريقة فعّالة في العين، تشكل نظاماً متكاملاً ومُحكماً. وحتى لو لم تنجح التجربة، يبقى هناك خيار آخر».