مقاتلو سوريا.. 70 فصيلا رئيسيا يتحكمون في 60 % من الجغرافيا

قدرات قوات المتشددين تهدد فعالية خطط تدريب المعتدلين

مقاتلو سوريا.. 70 فصيلا رئيسيا يتحكمون في 60 % من الجغرافيا
TT

مقاتلو سوريا.. 70 فصيلا رئيسيا يتحكمون في 60 % من الجغرافيا

مقاتلو سوريا.. 70 فصيلا رئيسيا يتحكمون في 60 % من الجغرافيا

لا ينظر إلى المقاتلين السوريين المعارضين المعتدلين الذين تنوي تركيا تدريبهم على أراضيها، بدءا من أوائل الربيع المقبل، على أنهم القوة الكافية لقتال المتشددين في سوريا.
فالمقاتلون الـ5000 الذين يتحضرون للانخراط في معسكرات التدريب التي ستشرف عليها وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، لا يساوون جزءا يسيرا من تعداد المقاتلين السوريين المتشددين الذين يسيطرون على أكثر من 60 في المائة من الجغرافيا السورية، بدءا من الحدود العراقية شرقا، وصولا إلى الحدود التركية شمالا، إضافة إلى نقاط تجمعهم في الداخل والوسط وجنوب البلاد على الحدود الأردنية.
لا تملك قيادة الجيش السوري الحر تقديرات واضحة حول أعداد المقاتلين المتشددين في سوريا، وسط معلومات عن انشقاقات وانضمامات، وتبدل شهري لخريطة الولاءات في البلاد. جلّ ما تملكه، ترجيحات بأن يكون عدد مقاتلي تنظيم داعش «يفوقون الـ20 ألف مقاتل، بعد سيطرة التنظيم على أرياف دير الزور، وإجبار المقاتلين المعارضين المتخاصمين معه، على الانضمام إلى صفوفه أو الرحيل عن المنطقة»، كما تقول مصادر في «الحر» لـ«الشرق الأوسط»، بينما تقدر أعداد المقاتلين المنضوين إلى «جبهة النصرة»، وهي ذراع تنظيم القاعدة في سوريا، بنحو 15 ألف مقاتل. وتقول المصادر إن أعداد «النصرة»، إذا ما أضيف إليها حلفاؤها، مثل «جند الشام» و«جند الأقصى» وكتائب إسلامية متشددة أخرى موجودة في الشمال وريف دمشق «يضاعف أعداد المقاتلين في محورها، ويجعلها القوة الموازية لـ(داعش) في عدد المقاتلين».
يعقّد انتشار أكثر من 70 فصيلا سوريا معارضا في البلاد، المشهد السوري، ما يصعب مهام الجيش السوري الحر، وقدرته على التأثير، وذلك بعد إقصائه، كما القوات النظامية، من أرياف واسعة من البلاد، وحصر وجوده في المدن، وبعض أرياف المحافظات السورية. ويقول مصدر في الحر: «صحيح أن الجيش السوري الحر يتألف من عدة كتائب وفصائل، لكنهم جميعا يأتمرون من القيادة المركزية، خلافا لفصائل متطرفة متعددة الولاءات، وتنقسم على أنفسها في كثير من المحافظات».
ويتصدر تنظيم داعش القوة العسكرية المعارضة في سوريا، نظرا إلى قدرته المالية وتجهيزاته العسكرية ومعداته وأسلحته، إضافة إلى خبرات مقاتليه، وخصوصا الأجانب منهم، علما بأن التنظيم يعد أكثر الفصائل التي استقطبت مقاتلين أجانب في صفوفها، يزيد عددهم على الـ3 آلاف مقاتل، وينتشرون في مناطق سيطرتها. قدرة «داعش» نفسها، بحسب المصادر: «أهلتها لتكون الأكثر قوة، والأوسع انتشارا وسيطرة في مناطق سورية، إذ تحكم السيطرة على أكثر من 40 في المائة من الجغرافيا المتصلة في البلاد، ولا تزال تقاتل على عدة محاور في الشرق (دير الزور)، وشرق حمص، وشمال البلاد في كوباني (شمال شرقي حلب) ومارع (شمال حلب)، إضافة إلى الشمال (الحسكة) وشمال شرقي حماه».
ولم يكن هذا الواقع قائما، في بداية 2014، قبل أن يتمدد تنظيم «داعش» في شرق البلاد وشمالها، منذ بدء عام 2014. فيما يُرجح أن يسيطر على أراض إضافية في الجنوب والوسط، بعد قضم المساحات التي يسيطر عليها خصومه في المعارضة، وذلك في العام الجديد، في حال لم تُقوّض جهوده التي بدأ التحالف العربي والدولي في ضربها منذ شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.
وبينما يقاتل التنظيم للحفاظ على مكتسبات ميدانية حققها منذ سيطرته على الرقة في سبتمبر 2013. يتقدم ببطء على محوري شرق حمص وشرق حماه باتجاه منطقة السلمية التي تعد أهم النقاط الاستراتيجية بالنسبة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، كونها خط الإمداد الوحيد لقواته من حمص إلى منطقة حلب، حيث يخوض معارك عنيفة ضد مقاتلي المعارضة في محاولة لاستعادة أحياء واسعة في المدينة. ويقول معارضون إن معارك التنظيم تُدار بنظرة استراتيجية، تؤكد أن المقاتلين على الأرض يواكبون بتخطيط دقيق من وحدة القيادة والسيطرة العسكرية في التنظيم، تتيح للمقاتلين إدارة العمليات في مناطق واسعة، في توقيت واحد.
ورغم أن ضربات التحالف قوضت حركته إلى حد كبير، فإن التنظيم لا يزال بقدرة على خوض المعارك المتفرقة عبر شن سلسلة هجمات متزامنة على مقرات للقوات الحكومية ومعارضيه على حد سواء الحسكة وريف حلب، كان آخرها معارك مع الأكراد في الحسكة وكوباني، ومع الجيش السوري الحر و«جبهة النصرة» في مارع شمال حلب، فضلا عن تمدده حديثا إلى القلمون، والأنباء عن سيطرته على القلمون الشرقي، ما وضع مقاتلين معارضين فروا من دير الزور، وأهمهم فصيل «أسود الشرقية»، في مواجهته في القلمون بريف دمشق الشمالي.
ويقول معارضون إن «داعش» تضاعف كثيرة «نتيجة الولاءات التي اشتراها بالمال من مقاتلين متشددين كانوا يخاصمونه، وإجبار آخرين على الانضمام إليه، مقابل تجميد أحكام القتل بحقهم. وبرز ذلك، على نطاق واسع في دير الزور، كما في القلمون، حيث تشير تقديرات المطلعين إلى ارتفاع أعداد مقاتلي داعش من 300 ظهروا في شهر أغسطس (آب) الماضي في معركة عرسال اللبنانية الحدودية مع سوريا، إلى ألف مقاتل في أواخر شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
ويرى معارضون سوريون بارزون أن حركة الانضمام إلى «داعش»، ليست جديدة، وهي «في ازدياد بشكل دائم»، كون التنظيم «أثبت أن لديه قدرة أكبر على المواجهة، وأنه تنظيم قوي قادر على استقطاب المقاتلين في سوريا والمهاجرين إليه رغم أن تقويض حركة نزوح المقاتلين المتشددين إليه من دول العالم».
وخلافا لـ«داعش» الذي يسيطر على أراض جغرافية متصلة في شمال وشرق البلاد، تتوزع قوى «جبهة النصرة» في جنوب البلاد وشمالها ووسطها، إضافة إلى ريف دمشق، تمثل كيانات غير منتظمة، وخاضعة لتغيير جغرافي مستمر بين التقدم والتراجع. لكن أكثر المناطق وجودا للنصرة، تقع في ريف إدلب، وفي درعا والقنيطرة (جنوب البلاد)، إضافة إلى القلمون حيث يبلغ عدد الجبهة نحو 3 آلاف مقاتل، مع بعض الوجود في ريف دمشق وريف حمص الشمالي.
ومنذ ظهور التنظيم في 23 ديسمبر (كانون الأول) 2011. عبر عملية انتحارية في دمشق، بدأ يتمدد على شكل كيانات مستقلة على طول البلاد وعرضها، تأتمر بقيادة واحدة كانت موجودة في دير الزور، وتتبع فقهيا تنظيم القاعدة. قدرة التنظيم المالية، ساهمت في تمدده، وخلق حاضنة شعبية له في الشمال، من خلال التقديمات التي كان يقدمها للجمهور في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام. وبدأ بشراء ولاءات، سرعان ما ضاعفت عدده، قبل أن ينتقل إلى المرحلة الثانية في الصيف الماضي، وهي إقصاء الجيش السوري الحر من مناطق ريف إدلب، بهدف إنشاء كيان مواز لـ«داعش» في الشمال، وذلك بعد أن أعطى زعيمه أبو محمد الجولاني الأمر بأنه «آن الأوان لأن يكون للتنظيم إمارته» في شهر مايو (أيار) الماضي.
ويقول أتباع التنظيم إنه «اتخذ قرارا بمحاربة جميع الفصائل التي تتلقى دعما من الولايات المتحدة الأميركية أو حلفائها أو من دول غربية»، من غير أن ينفي أن «النصرة» تتلقى الدعم من «أشخاص في أوروبا أو أميركا، ولكن ليس عبر الحكومات الغربية». ويؤكد معارضون سوريون مناهضون للنصرة، أن التنظيم المتشدد «أتم الإجراءات العملية والعسكرية في ريف إدلب، تمهيدا لإعلان إمارة له في ريف إدلب، من غير أن تشمل الريف الغربي لحلب كيلا يصطدم مع فصائل عسكرية معتدلة ناشطة هناك مثل (حركة حزم) أو سواها». وقال إن قياديي النصرة في إدلب: «يروجون إلى أنهم لن يعلنوا عن الإمارة في هذا الوقت، لكنهم يطبقون قوانينهم ويحكمون السيطرة العسكرية، ما يعني تنفيذ أحكامهم من غير جلبة إعلامية».
ولم تقاتل «جبهة النصرة» وحدها ضد قوات «جبهة ثوار سوريا» التي يتزعمها جمال معروف، و«حركة حزم» المدعومة أميركيا والمتحالفة معها: «بل شاركت كل من ألوية (صقور الشام) و(أحرار الشام) الإسلامية، التابعة للجبهة الإسلامية في ذلك القتال بضراوة»، ذلك أن بعض الألوية الإسلامية «تجد منذ زمن في قوات معروف عقبة أمام وجودها، نظرا لأنها تستحوذ على معظم الدعم الخارجي»، في حين «تجد النصرة في جبهة ثوار سوريا حليفا للغرب الذي يقوم باستهداف مقراتها عبر غارات التحالف»، وأن «خطوة القضاء على معروف هو استباق لضرب حليف الغرب المرتقب الذي يعتقد أنه سيقوم بمهمة القتال برا ضد النصرة وباقي الفصائل الإسلامية الموضوعة على لائحة أهداف التحالف».
وباتت «النصرة» تسيطر على قسم كبير من ريف إدلب، بعد طرد قوات المعارضة المعتدلة في شهر يونيو (حزيران) الماضي من الريف الغربي للمحافظة، وطرد قوات «جمال معروف» التابعة للجيش السوري الحر من الريف الجنوبي للمحافظة وريف معرة النعمان، أوائل الشهر الماضي.
و«حركة أحرار الشام» مجموعة مقاتلة إسلامية متطرفة معارضة للنظام السوري، وقريبة إجمالا من «جبهة النصرة» التي تقاتل النظام على جبهة، بينما انخرطت أخيرا أيضا في قتال ضد «جبهة ثوار سوريا» التي تضم كتائب عدة مقاتلة ضد النظام، وتمكنت من طردها من مساحات واسعة من ريف إدلب. وكان نحو 50 قياديا في حركة أحرار الشام قتلوا في التاسع من سبتمبر (أيلول) في انفجار نتج عن متفجرات وضعت في مكان قريب من قاعة كانوا يعقدون فيها اجتماعا سريا. وتعد من أبرز الفصائل المقربة من تنظيم القاعدة، إذ كان أحد أبرز قيادييها وهو أبو خالد السوري الذي قتل في حلب في عام 2012 أبرز مساعدي زعيم «القاعدة» السابق أسامة بن لادن.
وبعد الهجمات على المعتدلين، سيطرت «جبهة النصرة» وتنظيم «جند الأقصى» و«حركة أحرار الشام» على معسكر الحامدية بشكل كامل عقب اشتباكات عنيفة مع قوات النظام التي انسحبت باتجاه بلدتي بسيدا ومعرحطاط جنوبا. وبهذه السيطرة على المعسكرين، تمكنت «جبهة النصرة» من ربط ريف إدلب الجنوبي بريف حماه الشمالي، وهي المعركة التي عملت عليها «النصرة» منذ الصيف الماضي، وفشلت بعد تمكن القوات الحكومية بقيادة العميد سهيل الحسن (الملقب بالنمر) من صد هجوم شارك فيه 1500 مقاتل للنصرة، قاده زعيمها أبو محمد الجولاني. وعلى الأثر، أبعدت القوات النظامية قوات النصرة من مناطق بريف حماه.
وتسعى «النصرة» في هذا الوقت، للسيطرة على كامل أرياف محافظة إدلب، وتربطها بريف حماه الشمالي، لتكون المحافظة خاضعة لسيطرتها، ونقطة ارتكاز لها في شمال سوريا غرب مدينة حلب، في مواجهة تنظيم داعش الذي يسيطر على مناطق في شرق حلب.
وعلى المقلب الآخر في البلاد، تعتبر درعا في الجنوب، نقطة ارتكاز للتنظيم المتشدد أيضا. وتتفاوت التقديرات حول أعداد المقاتلين المنضوين تحت جناحها، ففي حين تؤكد مصادر الحر أنهم «لا يتجاوزن الألفي مقاتل»، يقول حقوقيون إن أعداد النصرة وحلفائها من كتائب إسلامية «تزيد على 5 آلاف مقاتل»، لكنها «تقاتل إلى جانب قوات الجيش السوري الحر، ما يرفع عدد المقاتلين في درعا إلى أكثر من 25 ألف مقاتل»، في حين «يستطيع نحو 80 ألفا حمل السلاح».
وتسيطر المعارضة على 80 في المائة من أرياف المحافظة، وكان آخرها التقدم النوعي في بلدة نوى الواقعة في الريف الغربي لمحافظة درعا جنوب البلاد، بعد أشهر من الاشتباكات، وهو ما وصفته مصادر المعارضة السورية بـ«التقدم الاستراتيجي» كونه «يقطع خطوط إمداد النظام إلى محافظة القنيطرة في الغرب، ما يمهد للسيطرة الكاملة على المحافظة» الحدودية مع إسرائيل.
ولا تزال درعا، أكثر المناطق إلى جانب المدن، تتضمن مقاتلين معتدلين، إذ يبلغ عدد الفصائل المقاتلة، 27 فصيلا معتدلا، بحسب ما تقول مصادر الجيش السوري الحر في الجبهة الجنوبية لـ«الشرق الأوسط»، فيما تتوزع القوى الأخرى في ريف دمشق، وداخل مدينة حلب، وفي مدينة إدلب، إضافة إلى مدينة حماه وريفها.
ويعد مقاتلو «الحر» الأكثر وجودا في تشكيلات المعارضة السورية: «لكن قدرتهم مفككة، نظرا إلى انتشارهم الواسع، وضعف الإمكانات العسكرية والتقديمات، ما يجعل جهودهم مجمدة»، كما تقول مصادر الحر لـ«الشرق الأوسط». ورغم عددهم الكبير، فمع الانقسامات التي تزداد على ضوء صعود المجموعات المتشددة، لم يعد يسيطر الحر على أكثر من 5 في المائة من الجغرافيا غير المتصلة، تتوزع على كيانات في الجنوب والوسط والعاصمة والشمال، بعدما كان يسيطر على نحو 20 في المائة من الجغرافيا السورية في عام 2013.
وتكمن قوة المعتدلين الأقوى، في الغوطة الشرقية، نظرا إلى «وجود تشكيلات غير متشددة، يناهز عددها الـ25 ألف مقاتل معتدل في الغوطة الشرقية، بينهم جيش الإسلام الذي يتزعمه زهران علوش، وتمكن من طرد (داعش) من مناطق في الغوطة».
ويعد مقاتلو «الحر» الأكثر عرضة للاستهداف من القوات النظامية، كونهم يقيمون غفي مناطق محاذية لسيطرة النظام، حيث «لا تزال مدفعيته وقواته البرية فاعلة، وخصوصا في المدن وأطرافها»، على النقيض من مواقع سيطرة «داعش» التي لا تستطيع القوات الحكومية استهدافها «إلا عبر الطائرات، ما يجعلها أقل عرضة للقصف من غيرها».



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».