«تقدميو» الولايات المتحدة أقاموا تاريخياً على ضفتي الانقسام الحزبي

«تقدميو» الولايات المتحدة أقاموا تاريخياً على ضفتي الانقسام الحزبي

لا وجود حقيقياً لأحزاب يسارية بل جماعات ضغط تقيم تحالفات مع الحزب المهيمن
السبت - 13 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 28 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15341]

يوماً بعد يوم، تثبت نتائج الانتخابات الأميركية هذا العام، أن التصويت الشعبي الأكبر الذي شهدته الولايات المتحدة منذ مائة سنة، لم يكن على قاعدة الانقسام الآيديولوجي وحده، ولكن أيضاً جاء استفتاءً على رئاسة دونالد ترمب. بل إن بعض الولايات التي صوتت لترمب، كولاية فلوريدا، صوّت ناخبوها على رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولاراً، بينما صوّت ناخبو كاليفورنيا «الديمقراطية» على قانون يسمح لشركتي «أوبر» و«ليفت» بمواصلة معاملة سائقيهما كمقاولين مستقلين وليس كموظفين.
هنا سرعان ما قفز الحديث للتساؤل عن حقيقة ما إذا كان هناك بالفعل تيار «تقدمي» منظّم، يهدد بتحويل أميركا إلى دولة «اشتراكية». وهو ما حاول ترمب والجمهوريون تحريض الناخبين ضده، فيما كانت الاستطلاعات تشي بأن موجة «التقدميين» اليساريين الشباب مقبلة على اكتساح قواعد الحزب الديمقراطي وتغيير موقعه المعتدل والوسطي. ثم إنه تصاعدت الاتهامات عن الجهة التي تسببت بخسارة الديمقراطيين «فرصتهم» في تحقيق «موجة زرقاء»، ومسؤولية التيار «التقدمي» في تنفير قاعدة كبيرة من الناخبين منهم، ودفع هؤلاء رافضي برنامجهم بكثافة نحو صناديق الاقتراع، ما منح ترمب أصواتاً شعبية لم يحققها أي رئيس جمهوري، منذ هيمن الديمقراطيون على التصويت الشعبي من بيل كلينتون عام 1992 حتى فوز جو بايدن. وعلى هذا رد «التقدميون» بأن برنامجهم أدى إلى «تنشيط» قاعدة الحزب، وشحذ عزيمتها لهزيمة الرئيس ترمب، أي تحقيق «الهدف الأساسي للديمقراطيين في هذه الانتخابات».
- التقدمية حركة إصلاحية
وفق التعريفات الكلاسيكية لـ«التقدمية» في الولايات المتحدة، فإنها فلسفة سياسية وحركة إصلاحية بلغت ذروتها في أوائل القرن العشرين. ونمت مع نمو الطبقة الوسطى الإصلاحية بطبيعتها، كردّ فعل على التغييرات الهائلة التي أحدثها التحديث، مثل نمو الشركات الكبرى والتلوث والفساد المستشري في السياسة الأميركية إبان تلك الفترة.
ورغم وصف الحركة التقدمية الحديثة بأنها علمانية إلى حد كبير بطبيعتها، فإنها كانت تاريخياً متجذرة إلى حد كبير في الدين وتنشط من خلاله. وركزت العديد من المبادئ الأساسية للحركة التقدمية على الحاجة إلى الكفاءة في جميع مجالات المجتمع، والقضاء على الهدر والفساد ودعم أجور العمال وتحسين قوانين عمل الأطفال وتشريعات الحد الأدنى للأجور، وتحديد أيام العمل الأسبوعية وضريبة الدخل المتدرّجة (التصاعدية) والسماح للمرأة بالحق في التصويت. وهي شعارات ومهمات يعود الفضل في تحقيقها للتقدميين الذين كانوا على الدوام جزءاً لا يتجزأ من حركة التغيير التي أوصلت الولايات المتحدة إلى ما هي عليه اليوم.
- مصطلح بلا معنى
وفي حين لا تزال الأهمية النهائية للحركة التقدمية في السياسة الأميركية الحالية مطروحة للنقاش، يتساءل العديد من المؤرخين عن كيفية تعريف الحركة التقدمية. وعمّا إذا كان بالإمكان وصفها بالحركة المنظمة. وعن مدى ارتباطها العضوي بالحياة السياسية الأميركية وبالطبقة الحاكمة؟
ما المواضيع المركزية التي ظهرت في تعريف التقدمية... هل هي ديمقراطية أم نخبوية؟ وهل تدعو للعدالة الاجتماعية أم للرقابة الاجتماعية؟ هل هي مع ريادة الأعمال الصغيرة أم مع الرأسمالية المركزة؟ وما هو تأثير السياسة الخارجية الأميركية على التقدميين... هل يدعون إلى الانعزالية أم التدخل؟ أهم إمبرياليون يدعمون الرأسمالية المهيمنة أم دعاة لتقرير المصير القومي؟ هل هم مع «اليوتوبيا» الأخلاقية... أم أنهم براغماتيون؟
يقول العديد من الباحثين إن مصطلح «التقدمية» أصبح بلا معنى، بينما يصعب الكلام عن وجود حزب «تقدمي»، بمعنى اشتراكي «يساري»، في الولايات المتحدة. إذ يشير المؤرخون إلى أنه بعد أول حركة «تقدمية» في أواخر القرن 19 أوائل القرن 20، صُنِّف حزبان على أنهما «تقدميان»، لكنهما عاشا لفترة قصيرة فقط. ومنذ ذلك الحين لم يظهر في الحياة السياسية الأميركية أي حزب «يساري» أو «تقدمي»، فيما نشط هذا التيار في مراكز أبحاث ودراسات وشخصيات سياسية عامة وبعض الناشطين الآتين من منظمات نقابية وحقوقية واجتماعية، وترقّوا في عملهم السياسي، ليحتلوا مناصب سواء في مجلس النواب أو الشيوخ.
- التقدميون تحالفوا تاريخياً مع الحزبين
وتشير العديد من الدراسات إلى أن التيار التقدمي غالباً ما حجز موقعاً له مع الحزب المهيمن، سواءً كان جمهورياً أو ديمقراطياً. ويلاحظ جاك بالكين الباحث في القانون الدستوري بجامعة ييل العريقة: «هكذا استنفذ نظام ريغان الجمهوري نفسه، ما مهّد الطريق لنظام جديد مع تحالف مهيمن جديد وحزب ديمقراطي جديد». ومع تبخر «الموجة الزرقاء»، يرى البعض أن احتمال خسارة الديمقراطيين مجدداً لانتخابات مجلس الشيوخ، وفشلهم في الحفاظ على أغلبية مريحة في مجلس النواب، قد يستمر لعقد من الزمن على الأقل. لا، بل قد تلقي هذه الخسارة ظلالاً من الشك على قدرة الحزب الديمقراطي على السيطرة على البيت الأبيض في انتخابات عام 2024.
لكن ثمة من يقول إن التحالف الديمقراطي الذي يوحّد غير البيض والمهنيين وسكّان المدن والضواحي «لا يمكن أن يكون مهيمناً ومستقراً إلا إذا تمكن من الاحتفاظ بحصة كبيرة من الطبقة العاملة البيضاء». وغني عن القول إن الالتباسات المحيطة بانحيازات «اليساريين» والتقدميين وعلاقاتهم بقوى الضغط الكبرى، تطرح أيضاً علامات استفهام على مدى ابتعاد هذا التيار عن الطبقة السياسية التي يعلنون اعتراضهم عليها، وعن علاقاتهم بالقوى والاتحادات العمالية والفئات الوسطى على حد سواء.


أميركا حصاد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة