رحيل المهدي يفتح باب الصراع على «الخلافة»

3 مرشحين من أسرته هم الأوفر حظاً... وتساؤلات عن مصير الحزب

رحيل المهدي يفتح باب الصراع على «الخلافة»
TT

رحيل المهدي يفتح باب الصراع على «الخلافة»

رحيل المهدي يفتح باب الصراع على «الخلافة»

في منتصف هذا العام (2020)، قرر المهدي الانسحاب من «قوى الحرية والتغيير» (الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية) بعد فشلها في الاستجابة لطلب حزب الأمة بإعادة هيكلتها وتحويلها من «تحالف» إلى «جبهة»، وبدأت ملامح ترسيم حلف سياسي جديد يجمع بعض الأطراف التي انشقت عن الحزب، وأحزاباً أخرى وبعض الحركات المسلحة التي كانت لا تزال تفاوض في منبر جوبا بجنوب السودان. وبدا واضحاً كأنما حزب الأمة القومي ينظر تلقاء الانتخابات أكثر من رجاء الحكومة الانتقالية المحاصرة بالأزمات.
وفي غمرة انشغال المهدي بترتيب تحالفاته الجديدة بعد توقيع اتفاق سلام السودان بجوبا، إذا بالحزب الشيوعي يلقي بحجر ثقيل على قوى الحرية والتغيير ويفرض خط تقسيم جديداً للملعب السياسي في السودان، يبدو فيه تحالف المهدي في كفة مقابلة لتحالف يساري يجمع الحزب الشيوعي وتجمع المهنيين السودانيين وحركة تحرير السودان شمال بقيادة عبد العزيز الحلو.
كان واضحاً أن شمس عام 2020 لن تغرب قبل أن تنقسم القوى الحاكمة السودانية رسمياً بين كيانين متنافسين بشراسة على أنقاض الحكومة الانتقالية، لكن رحيل الصادق المهدي المفاجئ يغير المعادلة كثيراً.
رغم الدور المستمر لحزب الأمة القومي في المضمار السياسي السوداني، فإنه لم يكن حزباً مؤسسياً ينهض على هياكل تنظيمية داخل الحزب تحافظ على ثبات خطه السياسي وقراراته ومواقفه. كثير من قادة الحزب أكدوا أن شخصية الصادق المهدي كانت محورية في بناء مواقف الحزب، وفي ترسيخ دعائم الدور الذي يلعبه أفراد أسرته الأقربون.
ورغم قناعاته وأفكاره الديمقراطية كان المهدي حريصاً على تعزيز دور بيته وأسرته في إدارة الحزب وكيان الأنصار. وبعد توقيع اتفاق «نداء السودان» بدولة جيبوتي بين الحكومة السودانية (إبان نظام البشير) وحزب الأمة، الاتفاق الذي أدى إلى نفض الحزب يده من العمل العسكري مع التحالف الديمقراطي السوداني المعارض، المنطلق من العاصمة الإريترية أسمرا، عاد المهدي إلى الخرطوم وأسس مكتباً قيادياً جديداً من 17 عضواً، كان 9 منهم من أعضاء بيته الأقربين.
وفي اجتماع للمكتب القيادي في الفترة ذاتها استمع المكتب القيادي لتقارير عن ثلاث زيارات خارجية، الأولى قام بها المهدي نفسه إلى القاهرة، والثانية الدكتورة مريم الصادق المهدي ابنته إلى كمبالا، والثالثة السيدة سارة المهدي زوجته إلى بيروت؛ مما جعل أحد أعضاء المكتب القيادي يرفع صوته بالاعتراض على احتكار الأسرة تمثيل الحزب. وظلت علاقة بيت المهدي بالحزب واحداً من أهم بنود الخلافات التي أودت في النهاية بوحدة الحزب؛ فخرجت من تحت عباءته خمسة أحزاب تتسمى بالاسم ذاته «حزب الأمة» مع إضافة اسم مشتق للتمييز بينها.
وكان المهدي يقدم إجابة واحدة لسؤال مستمر عن دور أسرته، أنهم حازوا الريادة والقيادة بقدراتهم وتأهيلهم وكسبهم النضالي، وأنه لم يفرض على أحد من أسرته العمل السياسي، بل أتوه طواعية.
وخلال سيرة النضال السياسي في حقبتي الحكومة الحزبية (1986 - 1989) والعمل المعارض في التسعينات لم يظهر من القيادات قريباً من المهدي إلا صديق عمره المقرب الدكتور عمر نور الدائم، وابن عمه السيد مبارك الفاضل المهدي. الأول اختاره الغياب الأبدي، والآخر اختار الانشقاق بنكهة العداوة؛ مما أدى إلى مزيد من الانكفاء على الأسرة الصغيرة التي انخرط غالبية أعضائها من البنات والأبناء وحتى الأصهار في العمل السياسي من أعلى مستويات القيادة في الحزب.
مع رحيل الصادق المهدي يطل السؤال القديم المتجدد عن مصير الحزب بعيداً من البيت، وعن مصير البيت بعيداً من الحزب.
خارج البيت لا يبدو في الأفق السياسي سوى اسم واحد هو اللواء المتقاعد فضل الله برمة ناصر، نائب رئيس حزب الأمة القومي ووزير دفاع سابق، وهو رجل عُرف عنه هدوءه وأدبه الجم، ورغم خبرته الطويلة في العمل العسكري ثم السياسي، لكنه لا يحظى بقوة دفع كافية من مؤسسات الحزب أو حتى قواعده لاعتلاء منصب الرجل الأول في الحزب ليملأ المقعد الشاغر الذي تركه رحيل المهدي.
في المقابل، تطل الأسرة، بيت المهدي بخيارات متعددة تضمن استمرار الجمع بين قيادة الحزب وكيان الأنصار، الحاضنة الشعبية الأقوى للحزب. الاسم الأول المرشح لخلافة السيد الصادق المهدي هو اللواء «متقاعد» عبد الرحمن الصادق المهدي، ابنه الذي ظل شريكاً في أعلى سنام الحكم السابق حتى آخر لحظة لسقوطه في صباح الخميس 11 أبريل (نيسان) 2019.
والمرشح الثاني هو الدكتورة مريم الصادق المهدي الحائزة أيضاً بطاقة «نائب رئيس الحزب»، وهي الممثل السياسي للحزب في غالب النشاطات الحزبية داخل وخارج السودان، وتبدو الأقرب لأبيها في حركته وسكونه السياسي.
والمرشح الثالث المهندس صديق الصادق المهدي، رجل هادئ الطبع، حذر في تعامله وعلاقاته السياسية وحتى الاجتماعية.
رغم أن مريم تتفوق على المرشحين الآخرين في الخبرة والاحتكاك السياسي، فإنها تواجه معضلة حقيقية في كون القواعد الشعبية التقليدية تقدر المرأة ولا تقدر قيادتها للرجل، خاصة في مناطق تركز النفوذ التقليدي للحزب. ومع تضعضع القواعد الاجتماعية التي يعتمد عليها الحزب جماهيرياً، بسبب التآكل العمري ومتغيرات الأجيال الحديثة تبدو التضحية بولاء وعواطف ما تبقى من هذه القواعد الجماهيرية أمراً باهظ التكاليف للحزب؛ مما يضعف فرص مريم في الحصول على مقعد الرئاسة ولو مؤقتاً. هذه المعادلة تمنح الجنرال عبد الرحمن الصادق المهدي فرصاً أوسع تتوافق مع طموحاته في خلافة والده، لكنه هو الآخر يواجه الحاجة الماسة إلى عملية «غسل سياسي لتبييض مشاركته القيادية في النظام السابق»، رغم كونه مقبولاً لقواعد الحزب وبعض قياداته في المستويات الوسيطة.
في كل الأحوال، تتركز المعضلة الأساسية والمأزق الحقيقي الذي يواجه الحزب في الانقسام القديم المتجدد حول دول «بيت المهدي» وأسرته في قيادة مستقبل الحزب.
هذا الانقسام قد يوفر فرصة نادرة لمرشح رابع يأتي من خارج السياق الراهن لحزب الأمة، السيد مبارك الفاضل المهدي، أحد أكثر الساسة السودانيين إثارة للجدل في مواقفه المتقلبة. مبارك المهدي هو ابن عم الراحل انشق عنه في عام 2001 وناصبه عداءً مريراً، لكنه اقترب من مساومة تاريخية تنهي الخصومة وتعود به إلى البيت والحزب قبل أشهر قليلة، وأصبح في مطبخ صناعة التحالف الجديد لحزب الأمة بعد خروجه من قوى الحرية والتغيير. مبارك المهدي، قد يكون ترياقاً مناسباً للخلاف المنتظر حول دور الأسرة في الحزب، فهو سياسي عابر للحواجز النفسية المرتبطة بالعائلة بالنسبة للذين يتحسسون منها، ومقبول للقواعد الشعبية التقليدية التي تمثل الرصيد الجماهيري الموروث.
رحل السيد الصادق المهدي في منعطف تاريخي مصيري للحزب وتحالفه السياسي المنتظر، وللحكم الانتقالي الذي كان أحد أهم مؤسسيه ومثبّتي أركانه.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.