تنويع مزيج الطاقة «خيار حتمي» مع نمو الاستهلاك في السعودية

رئيس «الطاقة» في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية لـ «الشرق الأوسط» : 50 مليار دولار استثمارات القطاع حتى 2023

السعودية تدفع نحو مشروعات الطاقة المتجددة مستفيدة من مساحتها الشاسعة... وفي الإطار د. حسام قاسم (الشرق الأوسط)
السعودية تدفع نحو مشروعات الطاقة المتجددة مستفيدة من مساحتها الشاسعة... وفي الإطار د. حسام قاسم (الشرق الأوسط)
TT

تنويع مزيج الطاقة «خيار حتمي» مع نمو الاستهلاك في السعودية

السعودية تدفع نحو مشروعات الطاقة المتجددة مستفيدة من مساحتها الشاسعة... وفي الإطار د. حسام قاسم (الشرق الأوسط)
السعودية تدفع نحو مشروعات الطاقة المتجددة مستفيدة من مساحتها الشاسعة... وفي الإطار د. حسام قاسم (الشرق الأوسط)

توقع «المركز الوطني للطاقة المتجددة» بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، الرياض، زيادة نمو استهلاك الطاقة إلى 120 غيغاواط، مشيراً إلى أن «رؤية السعودية» وضعت أهدافاً مبدئية تصل إلى مستوى 50 في المائة من الطاقة المتجددة في عام 2030، ما يجعل تنويع مزيج الطاقة خياراً ضرورياً للبلاد.
وقال رئيس «المركز الوطني للطاقة المتجددة» بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية الدكتور حسام قاسم، في حوار لـ«الشرق الأوسط»، إن المملكة تخطط إلى أن تستثمر ما يُقدَّر بـ50 مليار دولار في مجال الطاقة المتجددة، خلال الخمسة أعوام المقبلة، إلى 2023. حيث إنه من المؤمل أن يحقق ذلك الاستثمار هدف 28 غيغاواط من السعة المتجددة المنفذة، الذي سيرتفع إلى 59 غيغاواط في عام 2030.
وتابع رئيس «المركز الوطني للطاقة المتجددة» بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، إن «تنويع مزيج الطاقة أمر حيوي وضروري إذا ما وضعنا بالاعتبار نسبة نمو الاستهلاك للطاقة في العقد الأخير، حيث ارتفع بنسبة 60 في المائة»، متوقعاً أن يتزايد ارتفاع الاستهلاك من 63 غيغاواط في 2019 إلى 120 غيغاواط في عام 2030.

مزيج الطاقة
حول عناية السعودية بملف مزيج الطاقة، يضيف قاسم: «استثمر صندوق الاستثمارات العامة في شركات الطاقة المتجددة العالمية العملاقة، حيث كان أحد أهم مشاريع صندوق رؤية (سوفت بانك) السعودي الياباني هي مشاريع الطاقة الشمسية، كما أن رفع حصة الصندوق في شركة «أكواباور» السعودية من 33 في المائة إلى 50 في المائة برهان على جدية الصندوق في الاعتماد على الطاقة الشمسية في مجالات الاستثمارات العالمية».
ولفت إلى أن صندوق الاستثمار الصناعي كذلك، أطلق برنامج «متجددة» المصمم لدعم الشركات المحلية المهتمة بالاستثمار والصناعة في مجال الطاقة المتجددة، حيث خصص ما لا يقل عن مليار ريال (266 مليون دولار) لدعم التصنيع المحلي ومخططات إنتاج الطاقة المستقلة، بقروض مريحة تمتد لعشرين سنة، وبنسبة تصل إلى 75 في المائة من تكلفة المشروع؛ بما يمكّن المصنعين المحليين الاستفادة من برنامج المتجددة في صناعات الطاقة الشمسية.

مشاريع تحت التنفيذ
وحول المشروعات القائمة وتحت التنفيذ، أوضح قاسم: «على صعيد المشاريع الميدانية، الاهتمام منصبّ في استراتيجية مزيج الطاقة منذ العامين الماضيين بشكل واضح، حيث تم إنشاء محطة سكاكا - شمال المملكة - للطاقة الشمسية بسعة 300 ميغاواط وتوصيلها بالشبكة الكهربائية في العام الماضي، كما أن مشاريع أخرى في مراحل تنفيذ مختلفة يصل مجموع سعتها إلى 3 غيغاواط منتشرة في أنحاء المملكة».
ولفت قاسم إلى أن محطة سكاكا للطاقة الشمسية حققت نسبة 100 في المائة من توطين القوى العاملة، كما حققت محتوى محلياً بمقدار 30 في المائة في مراحل التطوير والبناء، كما بدأت بتغذية الشبكة الوطنية وضخ أحمال مكافئة لـ45 ألف منزل، كما حققت إزاحة 500 طن من الانبعاثات الكربونية السنوية.
الأرخص عالمياً

وشدد رئيس المركز الوطني للطاقة المتجددة بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية على أن سعر إنتاج وحدة الطاقة في المملكة هي الأرخص عالمياً على الإطلاق، بقيمة 8 هللات سعودية (2.1 سنت)، مبيناً أن قائمة المشاريع والمخططات التي تنوي المملكة تنفيذها تتلخص في 6 مشروعات عملاقة في الفترة المقبلة، تشمل محطات طاقة شمسية في الفيصلية (600 ميغاواط) وجنوب جدة (300 ميغاواط) ورابغ (300 ميغاواط) والقريات (200 ميغاواط) والمدينة المنورة (50 ميغاواط) ورفحاء (20 ميغاواط).
وأكد قاسم، أنه اختيرت تلك الأماكن بعناية فائقة اعتماداً على مستويات الإشعاع الشمسي العمودي وحركة الغبار ودرجات الحرارة، إذا كان من الممكن قياس نجاح محطة سكاكا على المحطات المخططة الأخرى، مشيراً إلى أن المملكة في طريقها لقيادة العالم أجمع في مجال الطاقة المتجددة.

طاقة الرياح
وعلى صعيد طاقة الرياح، أوضح قاسم أن هناك جهوداً مماثلة نُفّذت، متوقعاً أن يضخ مشروع دومة الجندل - شمال المملكة - لطاقة الرياح طاقة لأحمال مكافئة لـ70 ألف منزل، مبيناً أن مشاريع الطاقة النظيفة الأخرى كانت من ضمن قائمة اهتمامات الحكومة السعودية، مبيناً أن مشاريع إنتاج الهيدروجين الأخضر باستخدام الطاقة المتجددة والهيدروجين الأزرق باستغلال عمليات المواد الهيدروكربونية هي على قدم وساق، خصوصاً في مدينة المستقبل «نيوم».
وعلى صعيد الصناعة قال قاسم إن برنامج تطوير الصناعات الوطنية والخدمات اللوجيستية (ندلب)، أحد برامج «رؤية 2030»، وصف قطاع الصناعات المتجددة بأنها قطاع واعد ومستهدف، مشيراً إلى أن الدراسات تؤكد أن توطين صناعات الطاقة المتجددة تخفض التكاليف بنسبة 8 في المائة مقارنة بالاستيراد من الصين (باعتبارها أرخص الدول)، خاصة إذا ما تم التركيز على أجزاء اللوح الشمسي المعتمد على الزجاج والموصلات والمواد الهيدروكربونية، التي يمكن أخذها من الصناعات المحلية.
ولفت إلى أن وزارة الصناعة السعودية تشرف على تنفيذ ذلك البرنامج، حيث دعمت عدة مبادرات في مجال صناعات الطاقة المتجددة، لا سيما دعم مجالات البحث والتطوير كإحدى ركائز تطوير المحتوى المحلي، حيث حددت الوزارة ما يقارب من نسبة 20 في المائة من نسبة توطين إلزامية للصناعات المتجددة.

موضع قيادة
وقال قاسم: «بالإضافة إلى مكامن الطاقة الهيدروكربونية والغاز الطبيعي ومكامن المعادن النبيلة والنادرة، فإن السعودية تتمتع أيضاً بمصادر طاقة متجددة جمّة ومتنوعة؛ ما يجعلها في حالة تموضع ممتازة للقيادة في مجال الطاقة المتجددة، حيث عملت المملكة في السنين الأخيرة على الاستفادة من طاقتي الشمس والرياح ليس في مجال إنتاج الكهرباء فقط، بل وامتد لتطبيقات أخرى حيوية، مثل تحلية المياه المالحة والتكييف المناطقي الشمسي والتسخين الصناعي».
وتابع أن «هذه الأهداف ليست مفيدة للبيئة وتخفيف الانبعاثات فقط، بل تكمن أهميتها في تخفيف الضغط الناتج عن نمو الاستهلاك الداخلي المطرد على الطاقة ومصادر النفط والغاز في المملكة، وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضيفة، أو المحافظة على نسبة تصدير عالية من الإنتاج اليومي».
وأوضح أن «رؤية 2030» حفزت قطاع الطاقة المتجددة في السعودية، لوضوح الأهداف والخطط، واعتمادها على الأرقام، فضلاً عن اعتمادها على مقاييس أداء واضحة ومتسقة مع أفضل المعايير الممارسة في المجال، مبيناً أنها وضعت بالاعتبار معايير تحسين البيئة، ومزيج الطاقة، وزيادة نسبة المحتوى المحلي لصناعات الطاقة المتجددة، ومعايير الوظائف التي ستخلقها صناعات الطاقة المتجددة، ومستوى التنافسية العالمية في الطاقة المتجددة، والدفع بتحسين الأطر التنظيمية والقانونية لتحفيز اقتناء واستخدام الطاقات المتجددة، ولم تغفل أيضاً مجال الأبحاث والتطوير في الطاقة المتجددة.

البحث والتطوير
وعلى صعيد الأبحاث والتطوير بمجال الطاقة المتجددة بالسعودية، قال قاسم: «تضافرت جهود عدة جهات وهيئات حكومية للرفع من مستوى استخدام وتطوير صناعة الطاقة الشمسية بالمملكة.
تقنياً»، وأضاف قاسم: «أولت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية اهتماماً شديداً بتقنيات الطاقة المتجددة، وأنشأت مشاريع بارزة مثل محطة تحلية المياه بالطاقة الشمسية في الخفجي (شمال شرقي السعودية) والتبريد الشمسي بالعيينة (قرب الرياض) ومشاريع الموثوقية ونقل تقنيات سلسلة القيمة المختلفة المختصة بالطاقة الشمسية». تشريعياً وتنظيمياً، يزيد قاسم: «قامت مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة بجهود لتحفيز التعاون بين القطاع الصناعي والبحثي بالمملكة وتطوير الكفاءات وتحديد الاتجاهات الوطنية فيما يختص بمزيج الطاقة والطاقة المتجددة والذرية عموماً».
ولفت إلى أن السعودية خطت خطوات ضوئية في مجال الطاقة المتجددة في ظرف وقتي وظرف مكاني حساس ومعقد جداً يمر به قطاع الطاقة والاقتصاد بشكل كامل في العالم، رغم ظروف أزمات في أسعار النفط وجائحة «كوفيد - 19».



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.