مارك مازيتي: طائرات من دون طيار.. الحرب الأكثر سرية في تاريخ أميركا

يرى أن «سي آي إيه» والبنتاغون تبادلا الأدوار

مارك مازيتي و غلاف الكتاب
مارك مازيتي و غلاف الكتاب
TT

مارك مازيتي: طائرات من دون طيار.. الحرب الأكثر سرية في تاريخ أميركا

مارك مازيتي و غلاف الكتاب
مارك مازيتي و غلاف الكتاب

مارك مازيتي حاصل على جائزة «بوليتزر» للصحافة، ويعمل مع صحيفة «نيويورك تايمز»، مغطيا أخبار الأمن القومي، منذ عام 2006. قبل ذلك، وبعد أن حصل، في عام 1998، على درجة الماجستير من جامعة أكسفورد، عمل في مجلة «إيكونومست»، وفي مجلة «يو إس نيوز»، ثم في صحيفة «لوس أنجليس تايمز».
في أواخر عام 2007 كشف خبر تدمير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) عن أشرطة الفيديو التي تصور تعذيب معتقلي منظمة القاعدة، وغيرهم من الإرهابيين.
وأخيرا، نشر أول كتاب له: «واي أوف ذا نايف» (وسيلة السكين: سي آي إيه، جيش سري، وحرب في نهايات الأرض. دار نشر بنغوين). والكتاب، كما وصفه هو، عن «تحول وكالة الاستخبارات المركزية، وفرقة (سبيشيال فورسيز) (العمليات الخاصة) إلى آلات لصيد الناس، وقتلهم، وذلك في الأماكن المظلمة في العالم. هذه هي الطريقة الأميركية الجديدة للحرب». وهنا مقابلة معه عن ظروف تأليف الكتاب:

* لماذا العنوان: «وسيلة السكين»؟
- مرة قال جون برينان، مستشار الأمن الوطني للرئيس أوباما، الذي أصبح، فيما بعد، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، إن الولايات المتحدة بدلا من استعمال «المطرقة» في حربها ضد الإرهاب، قادرة على الاعتماد على «المشرط». قصد بذلك أن هذا النوع الجديد من الحرب، بدلا من الحروب التي تكلف الكثير من أرواح الأميركيين والمال، صار مثل جراحة من دون مضاعفات، جراحة سهلة وسريعة.
لكن، واقعيا، هذه الحرب الجديدة التي تقودها «سي آي إيه» هي مثل عملية جراحية بالسكين، مثل «وسيلة السكين». ثم إنها خلقت لنا مزيدا من الأعداء، وقللت أصدقاءنا. وتركت في المنطقة مزيدا من عدم الاستقرار في المستقبل.
للمرة الأولى في تاريخنا، وفي تاريخ الحروب، يمكن قتل الأعداء وهم على مسافة آلاف الأميال. الآن، يقدر الرئيس الأميركي، بدلا من إعلان حرب على بلد ما، أن يجتمع مع مستشاريه داخل البيت الأبيض، وينظر إلى قائمة بالأسماء، ويشير إلى اسم ليقتل صاحبه في باكستان، أو أفغانستان، أو اليمن، أو بلد آخر بعيد.
في الحقيقة، ليست هذه «وسيلة السكين» فقط.. إنها «وسيلة السكين بعيد المدى».
* كيف بدأت كل هذه الأشياء؟
- مباشرة بعد هجمات 11-9، جاء إلى واشنطن السير ريتشارد ديرلاف، مدير الاستخبارات البريطانية (إم 16)، ليعبر عن تضامنه مع «سي آي إيه». وأيضا، أعطاها جميع ملفاته عن منظمة القاعدة.
أنت قد تعرف أن البريطانيين لم يكونوا فقط رواد التجسس الحديث في العالم، ولكنهم كانوا ماهرين أيضا في جمع وحفظ أسرار حكومات الشرق الأوسط. عندما دخلنا نحن الحرب العالمية الثانية، كان البريطانيون هم أساتذتنا في فن التجسس، خاصة لأن طريقة تجسسنا كانت مختلفة عن الطريقة البريطانية. لست أنا، ولكن ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت، هو الذي قال: «يطالب المزاج الأميركي بنتائج سريعة ومذهلة، بينما تركز السياسة البريطانية على المدى الطويل». وقال تشرشل أيضا إن الجنود الأميركيين يعتمدون كثيرا على نسف مستودعات الأسلحة، وقطع خطوط التليفون، ووضع ألغام على طرق الإمدادات، وممارسة لعبة «كاوبوي وهنود حمر»، بل إن تشرشل حذر من أن طريقتنا في الحرب يمكن أن تسبب متاعب للحلفاء.
لكن كانت تلك الحرب العالمية الثانية. أما الآن فهذه هي الحرب العالمية ضد الإرهاب، التي برهنا فيها للبريطانيين، ولبقية العالم، على أن طريقتنا في التعامل مع عدونا لا تختلف عنهم فقط، ولكن أيضا، مذهلة. وقالت لي مصادر في «سي آي إيه» إن أحد المسؤولين البريطانيين هتف، بعد مشاهدة شريط فيديو لطائرة من دون طيار تقتل الأعداء في أفغانستان، قائلا: «هذه تقريبا مثل رياضة، أليست كذلك؟».
* في الماضي، كان محظورا على «سي آي إيه» قتل الأجانب بعد فضيحة «ووترغيت»، وبعد كشف عمليات قتل سابقة، وبعد كشف محاولات لقتل زعماء أجانب، مثل الرئيس الكوبي فيدل كاسترو. متى تغير ذلك؟
- حتى قبل هجمات 11-9 عام 2001، وقبل الأمر السري الذي أصدره الرئيس السابق جورج بوش الابن لمدير «سي آي إيه» بالعودة إلى القتل، كانت «سي آي إيه» أعدت ملفات فيها معلومات وصور وفيديوهات عن أشخاص يمكنها أن تقتلهم.
لهذا، خلال الأسابيع القليلة بعد الهجمات، عقد اجتماع في مكتب نائب الرئيس ديك تشيني، وحضره مسؤولون كبار في «سي آي إيه»، وقدموا له صورا وأشرطة فيديو لشخصيات يمكنهم قتلها، إذا صدرت لهم أوامر. من بين هذه الشخصيات، اثنان: مأمون الدركزنلي، سوري يعتقد أنه شارك في خطط هجمات 11-9 وكان يعيش في ألمانيا. والدكتور عبد القدير خان، رائد القنبلة النووية الباكستانية، وكان يعتقد أنه سرب أسرارا نووية إلى إيران، وليبيا.
كان هدف ذلك الاجتماع مع تشيني واضحا: «إذا كنا نقدر على أن نقترب من هؤلاء الناس، ونصورهم، فلا بد أننا نقدر على قتلهم بمجرد أن تقول: أوكي». وقال تشيني: «أوكي».
وخلال أشهر قليلة، نقل مئات الجواسيس إلى قسم مكافحة الإرهاب في رئاسة «سي آي إيه». وبنيت مكاتب خشبية على عجل. ولتسهيل التنقل من مكتب إلى آخر، وسط غابة من المكاتب، وضعت أسماء شوارع، منها: «شارع أسامة» و«طريق الظواهري». ووضعت لافتة عملاقة مكتوب عليها: «اليوم هو 12-9-2001». ويشير ذلك إلى أن الإرهابيين يقدرون على الهجوم على أميركا في أي يوم من الأيام التالية. ولهذا، يجب قتلهم قبل أن يقتلونا.
* الآن، بعد عشر سنوات، وفي عهد أوباما، وزمن طائرات «درون» (من دون طيار).. هل تفاقم الأمر؟
- إذا كان بوش هو الذي بدأ القتل، فإن أوباما تابعه ثم زاده، لكنه حرص على أن يكون سرا. هذه النقطة الأخيرة هي الأهم. وهي موضوع كتابي.
لكن المفارقة هي أن عمليات «درون» لم تكن سرية. كيف يمكن أن تكون سرية؟ لأنها بعيدة عنا؟ في عصر الإنترنت؟
في العام الماضي، داخل غرفة في المحكمة الفيدرالية في واشنطن، كان فريق من ثلاثة قضاة ينظر في قضية رفعها اتحاد الحريات المدنية الأميركي (إيه إل سي يو)، طالب فيها بإنهاء سرية عمليات القتل المستهدف. وانتقد القاضي ميريك غارلاند محامي «سي آي إيه» لأنه رفض حتى الاعتراف بوجود طائرات «درون»، بينما كان أوباما نفسه تحدث عن الموضوع (تفاخر به خلال الحملة الانتخابية عام 2012).
وقال القاضي لمحامي «سي آي إيه»: «تطلب منا أن نقول بأن الإمبراطور يرتدي ملابس بينما يعترف الإمبراطور نفسه بأنه عار».
* انتقد بعض الناس كتابك بسبب العنوان، والأهم من ذلك، بسبب محتواه. وقالت المجلة الأسبوعية المحافظة «ويكلي ستاندرد» إن قتل أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة وعدو أميركا رقم واحد، حدث بالأساليب نفسها التي انتقدتها في كتابك؟
- نعم، نجح هذا النوع الجديد من الحرب نجاحات كثيرة، بما في ذلك قتل بن لادن، ولكنه سهل علينا إعلان الحرب على القاصي والداني. وسهل علينا قتل أعدائنا، وجعل قتل عدو أسهل وأسرع من التفاوض معه.
هذا هو موضوع كتابي. لا يركز كتابي على ما ينبغي، أو ما لا ينبغي، بقدر ما يركز على جمع المعلومات لما يحدث. كيف نقدر على أن نحكم في موضوع من دون أن نعرف معلومات عنه؟ لهذا، قررت أنا، المراسل الصحافي، أن أكتب كتابا عن ما حدث، حسبما أعرف.
طبعا، الشعب الأميركي هو الحكم النهائي. لكن، كيف يحكم إذا لم يعرف؟ وشجعني على كتابة هذا الكتاب قرار الحكومة أن يكون هذا النوع من الحرب سرا، وبالتالي، أن لا يقدر الشعب الأميركي على أن يعرف ما يحدث، ناهيك عن أن يحكم عليه.
* لسنوات كثيرة، كنت تغطى نشاطات «سي آي إيه»، بما في ذلك طائرات «درون»، وغيرها من النشاطات السرية جدا. كيف تتأكد من مصادرك؟ وما درجة مصداقية كتابك؟ ومصداقيتك؟
- ليس سهلا تغطية حرب مستمرة، ناهيك عن أنها سرية. لكن، ظللت أعتمد على مئات من المصادر، في الولايات المتحدة وفي الخارج. أولا، أطلب من هؤلاء أن يسمحوا لي بنشر أسمائهم. إذا وافقوا، أنشرها. وإلا تشكل المعلومات أرضية لي (من دون ذكر المصدر). أنا أعرف جيدا أن هذه ليست الطريقة المثلى. لكن، على الأقل، أستطيع نشر المعلومات من أولئك الذين يعرفونها أكثر من غيرهم. وعلى أي حال، هذا جزء من مخاطر العمل.
* انتقدتك مجلة «ويكلي ستاندرد» على ما ذكرته من تعاون «سي آي إيه» مع أجهزة استخبارات أجنبية. وقالت المجلة إن هذا التعاون لم يؤثر على مبادئ وعمليات «سي آي إيه» بالصورة التي قدمتها في كتابك؟
- كتبت أنا عن اعتماد «سي آي إيه»، المفاجئ والكبير، على هذه الاستخبارات الأجنبية مباشرة بعد هجمات 11-9، وكتبت عن مشاركة «سي آي إيه» في بعض نشاطات استخبارات حكومات استبدادية. وقلت إن هذا فتح الباب أمام تأثرها بأجندة تلك الاستخبارات، وتلك الحكومات.
نقطة أخرى: عندما حدث الربيع العربي، لم تكن «سي آي إيه» تعرف أشياء كثيرة عن قوات المعارضة في تلك الدول، وذلك بسبب تحالفاتها السابقة مع استخبارات الأنظمة القديمة. رأيي هو أن مثل هذا التعاون ربما يساعد «سي آي إيه» في المدى القصير. لكن، في المدى الطويل، ستعرف «سي آي إيه»، وستعرف حكومتنا النتائج السلبية لهذا التعاون، خاصة الصورة السلبية لنا في العالم.
* قالت صحيفة «واشنطن تايمز» تعليقا على كتابك إنه مهما كانت أخطاء عمليات طائرات «درون»، فقد قل عدد الجنود الأميركيين الذين يقتلون في الحرب ضد الإرهاب؟
- نعم، هناك جانب إيجابي لعمليات «درون». وكما نعرف كلنا، لم تعد منظمة القاعدة قوية كما عرفناها في هجمات 11-9، قتل كثير من قادتها بطائرات «درون»، وبوسائل أخرى.
لكن، حجتي الرئيسية هي التأثير الطويل الأجل لهذه الحرب السرية، إذ يزيد عدد المتطرفين، ويزيد عدد أعدائنا، خاصة في الدول الإسلامية، حيث الجزء الكبير من الحرب ضد الإرهاب.
كيف سيتطور هذا الوضع في المستقبل؟ الوقت مبكر جدا لمعرفة الإجابة، لكن يبقى السؤال: هل نحن نخلق مزيدا من الإرهابيين كلما نقتل الإرهابيين؟
* مرة، أيضا انتقدتك صحيفة «هافينغتون بوست»، وانتقدت زميلك في صحيفة «نيويورك تايمز» ديفيد سانغر، وقالت إنكما تعتمدان كثيرا على مصادر مجهولة، مدنية وعسكرية (سانغر فائز بجائزة بوليتزر للصحافة، ومؤلف كتابين: «كونفرنت آند كونسيل» (واجه وأخفِ: حروب أوباما السرية، والاستخدام المفاجئ للقوة الأميركية). وكتاب «إنهريتانس» (الورثة: العالم الذي يواجهه أوباما، وتحديات القوة الأميركية).
- أنا متأكد من أن سانغر يستطيع الدفاع عن نفسه. بالنسبة لي، قلت إنني أتمنى لو أن كل المصادر التي أعتمد عليها توافق على نشر أسمائها. يوافق بعضها، ولا يوافق الآخرون. وفي كتابي، توجد أسماء كثير من المسؤولين الذين حضروا اجتماعات هامة، ثم تحدثوا معي عنها، ووافقوا على نشر أسمائهم.
وتوجد نقطة أكثر أهمية: الذين انتقدوني وأشرت إليهم تحدثوا عن مواضيع جانبية، مثل: مصادر، وأخطاء، وانتصارات. ونسوا الصورة الكبيرة.
ليس كتابي قائمة بأخطاء «سي آي إيه»، أو قائمة انتصاراتها. كتابي عن ظاهرة خطيرة، هي: تحول «سي آي إيه» إلى وكالة قتل؟
نعم، فشلت «سي آي إيه» في التنبؤ بربيع العرب، وبسقوط حائط برلين. لكن، ليس هذا هو اهتمامي الأول. اهتمامي الأول هو أن «سي آي إيه» صارت مثل البنتاغون (تقتل أكثر)، وصار البنتاغون مثل «سي آي إيه» (يجمع المعلومات أكثر).
عدم وضوح الخطوط والتخصصات هو الذي أركز عليه. وهذا النوع الجديد من الحروب، خارج مناطق الحرب، هو الذي يهمني.
منذ أن أعطى الرئيس السابق جورج بوش الابن «سي آي إيه» سلطات واسعة، بعد هجمات 11-9 صارت آلة لقتل الناس، ولصيد الناس، حول العالم.
لهذا أقول: مهما كانت الحجج، في هذا الجانب، أو ذاك، عن هذه التفاصيل، أو تلك، تبقى الحقيقة: هذه ليست «سي آي إيه» الأصلية.
* لكن، يبدو أن الشعب الأميركي والكونغرس غير قلقين. في الشهر الماضي، وللمرة الأولى، ومع دعم عضو واحد فقط في الكونغرس، هو ألان غريسون (ديمقراطي من ولاية فلوريدا)، ظهر باكستانيون من الذين استهدفتهم طائرات «درون» خلال جلسة استماع في الكونغرس. وظهرت «نبيلة»، الفتاة التي قتلت «درون» بعض أفراد عائلتها.
- نعم، حضرت أنا جلسة الاستماع تلك. وكانت أول مرة أسمع فيها القصص التي قصها الشهود. كانت مناسبة نادرة، ورائعة.
ولأني أومن بأن الخطوة الأولى هي تسليط الأضواء على هذه الحرب السرية، يتبادر سؤالان إلى ذهني: هل ستؤدي جلسة نبيلة إلى الشفافية؟ هل سيحصل مزيد من الانفتاح؟ لكن الاستراتيجية العامة في الكونغرس، وطبعا داخل إدارة أوباما، هي الصمت. ويظل الانفتاح نادرا جدا من جانب الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء. الاستراتيجية هي تأييد، ليس فقط عمليات طائرات «دورن» والقتل المستهدف، ولكن، أيضا، ستار السرية الذي يحيط بها.
* أليس هناك تناقض بين إهمال نبيلة (الفتاة الباكستانية التي كادت «سي آي إيه» تقتلها) وبين الضجة الضخمة حول «ملالا» (الفتاة الباكستانية التي كادت طالبان تقتلها)؟
- سمعت أن ملالا عندما قابلها الرئيس أوباما في البيت الأبيض، اشتكت من عمليات طائرات «درون». لكن، نعم، يوجد إقبال أكثر على ملالا بسبب التيارات السياسية في الكونغرس، ووسط الشعب الأميركي، كما ذكرت لك.
* لماذا هذا الدعم لعمليات «درون»، وللقتل المستهدف، من جانب كل من السياسيين، والشعب الأميركي؟
- سيبقى السياسيون دائما سياسيين. ستكون عيونهم دائما تتطلع نحو الانتخابات المقبلة، بهدف إعادة انتخابهم.
ويجد الشعب الأميركي نفسه في الوسط، لسبب بسيط وهو أنه لا يعرف ما فيه الكفاية.
ولنكن منصفين له، ليست هناك طريقة معينة يمكن أن يعرف بها تفاصيل مواضيع حكومية، وسياسية، واقتصادية كثيرة، ومعقدة: «درون»، «أوباما كير» (برنامج التأمين الصحي)، «ديفيست» (العجز في الميزانية).
هكذا يعمل نظامنا الديمقراطي: ننتخب السياسيين ليحكموا بما فيه مصلحة الوطن، لكنهم أحيانا يهتمون بمصالحهم الخاصة، ثم نغضب منهم، ثم نعود وننتخبهم.
انظر إلى استطلاعات الرأي الأخيرة حول شعبية أعضاء الكونغرس. إنها في القاع تقريبا.
أما بالنسبة للشعب الأميركي، على الأقل نظريا، فهو يدعم القوانين والسياسات التي تحميه من الأعداء. وعندما يقول له السياسيون إن «درون» تقتل الأعداء من دون أن تعرض جنودنا للخطر، يرد: لم لا؟ وأعتقد أن هذا هو السبب الرئيسي لمعارضة الأميركيين إرسال قوات أميركية إلى سوريا.
ضربات من الجو؟ لا مشكلة. جنود أميركيون على الأرض؟ لا.
هذه هي الحرب من دون مخاطر. يؤمن الناس بكثير من الأشياء وهم لا يعرفون ما فيه الكفاية عن الأسباب والعواقب، عن الصورة الكبيرة.
لهذا، كتبت هذا الكتاب: خطوة صغيرة واحدة نحو الانفتاح، ونحو مزيد من الشفافية، عن هذه الحرب الأكثر سرية في تاريخنا.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».