مشجرات أنساب القبائل والعائلات العربية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

مشجرات أنساب القبائل والعائلات العربية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

يصدر في مارس (آذار) المقبل عن دار «الوراق للنشر» بلندن وبيروت وبغداد كتاب «مشجرات أنساب القبائل والعائلات العربية، مع ملاحظات تاريخية وجغرافية» لعالم الاجتماع الألماني فرديناند فوستنفل، وهو من تحقيق وتقديم: ماجد شبر وترجمة: محمود كبيبو
هنا مقتطفات من المقدمة التي كتبها المؤلف:
من الضروري أن أذكر في بادئ الأمر المؤلفات التي اعتمدت عليها عند إعداد مشجرات الأنساب؛ ومن الممكن تقسيم هذه المراجع إلى ثلاث فئات:
1 - المؤلفات النظرية، أي تلك التي تعرض فقط نظام نسب العائلات والأشخاص، وتشمل هذه الفئة تلك الفصول من كتب ابن قتيبة، وأبو الفدا، والنويري، التي يعالج فيها علم الأنساب، ثم المؤلفات الخاصة لمحمد بن حبيب وعبيدللي، وأحمد بن عنبة (عتبة)، والمقريزي.
2 - المؤلفات العملية، أي الكتب البيوغرافية (كتب السيرة) والتاريخية التي تذكر فيها سلسلة نسب بعض الأشخاص ودون انقطاع حتى جد مشهور أو رئيس قبيلة، وتذكر فيها بين حين وآخر علاقة القربى أيضا؛ وتشمل هذه الفئة ابن قتيبة في الجزء البيوغرافي من مؤلفة المرجعي، وابن خلكان، والنووي، وطبقات الحفاظ.
3 - المؤلفات النظرية - العملية، أي الكتب التي يعالج فيها تسلسل نسب قبائل وعائلات معينة عن طريق أشخاص معينين كما في كتاب الطبقات لابن سعد، وكتاب علم الكلمات وعلم الأنساب لابن دريد؛ وينتمي إلى هذه الفئة أيضا الكتب المرتبة أبجديا: لباب، ولب اللباب، ومقالة أبو الفضل المقدسي.
قد لا تكون هناك ضرورة لأن نذكر أن ما من كتاب من هذه الكتب يقدم عرضا بصيغة المشجرات، بل إنها جميعها تعدد النسب بصورة متسلسلة، إذا لم ترد عند كتاب آخرين طريقة عرض مشابهة، كما هي مألوفة عندنا. وبينما تطلق على سلسلة النسب، وخصوصا على الخط المباشر حتى جد مشهور، مثلا من النبي محمد حتى عدنان، التسمية «عمود النسب»، يسمي العرب تفرع النسب من جد واحد «شجرة النسب» ويصورون نسب أسرة معينة على شكل شجرة فعلا مؤلفة من أغصان وفروع. والنموذج المرفق هنا مع الجداول مأخوذ من كتاب ابن خلدون التاريخي استنادا إلى المخطوطة الموجودة في لايدن.
أما فيما يتعلق بأنساب القبائل القحطانية «الإسماعيلية» فلا يوجد في المؤلفات المستعملة هنا اختلافات في المعلومات تستحق الذكر سوى بعض الفوارق الطفيفة عند هذا المؤلف أو ذاك والذي سرعان ما يتبين أنها ناتجة عن الوقوع في خطأ. وهذا الجزء من عملي مثبت تماما بحيث إن الاختلافات التي نجدها عند كتاب عرب، والناجمة غالبا عن أخطاء في النسخ، يجب تصحيحها استنادا إليه. وهناك في هذا الصدد نقطتان يجب أخذهما بعين الاعتبار، تتعلق الأولى بعرض المؤلفين العرب، والثانية بمصداقية هذا العرض. وبما أن جداولنا قد وضعت استنادا إلى أفضل المؤلفين المعترف بهم، فإنها تقدم فكرة صحيحة عما اعتقده وعلمه العرب أنفسهم عن علاقات القربى بين قبائلهم وعائلاتهم، وهذا هو من بادئ الأمر الشيء الرئيس من أجل فهم المؤلفين. من أجل إثبات ذلك نريد الاقتصار على عدد قليل من الأمثلة.
كان لأبي طالب أربعة أبناء: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي، وكان كل منهم أصغر عشرة أعوام عن الذي سبقه؛ وهذا يعني أن عليا كان أصغر من أخيه طالب بمقدار ثلاثين عاما، وهذا هو إذن مقدار الفرق، سواء حسبنا الجيل التالي من أبي طالب حتى ابنه البكر أو حتى ابنه الأصغر، وفي هذه الحالة يمكننا اعتبار العمر الوسطي أربعين عاما أو أكثر قليلا. ويذكر ابن خلكان، أمثلة أخرى من هذا النوع: «محمد بن علي بن عبد الله، أبو أبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور، ولد في عام 60 وتوفي في عام 126؛ وأخوه عبد الصمد ولد في عام 104 وتوفي في عام 185، فكان إذن بين تاريخ ولادتهما 44 عاما وبين تاريخ وفاتهما 59 عاما. وكان عبد الصمد قد قاد قافلة الحج في عام 150، وكان يزيد بن معاوية قد قادها في عام 50؛ وبينما ينحدران كلاهما من عبد مناف في الدرجة السادسة، فقد عاش الأول بعد مائة عام من هذا الأخير». ويذكر ابن قتيبة، موسى بن عبيدة الذي كان عمره يقل 60 عاما عن عمر أخيه عبد الله.
إذا ما افترضنا 40 عاما للجيل الواحد فإن 22 جيلا من النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى عدنان تكون قد استغرقت فترة زمنية قدرها 880 عاما، أي من ميلاد النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - في عام 570م حتى نحو عام 300 قبل الميلاد. وانطلاقا من مبدأ عدد متساو من الأجيال سيعني تقريبا عددا متساويا من السنين، فإن جميع الأشخاص الذين ينحدرون من عدنان في الدرجة الـ22 يجب أن يكونوا قد عاصروا النبي محمد - صلى الله عليه وسلم. وينطبق هذا على مشجراتنا بدقة كبيرة تفوق المتوقع، إذ إن غالبية أوائل معتنقي الإسلام ينتمون إلى الدرجة 20 حتى 24 من عدنان وذلك حسب كونهم أكبر من محمد أو أصغر منه سنا. وإذا ما قارنا الآن فصائل القبائل اليمنية فإننا نلاحظ، وبالتحديد لدى عائلات المدينة، أن معاصري النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ينتمون إلى الدرجة 30 حتى 34، أي أن هناك عشرة أجيال أكثر، أي ما يعادل 10x40 = 400سنة. وهذا يعني أن الجد الأول قحطان يجب أن يكون أقدم من عدنان بمقدار 400 سنة، وبالتالي يجب أن يكون قد عاش في عام 700 قبل الميلاد. وهذا الحساب تثبت صحته لدى الأشخاص والأحداث التي يضطر المرء إلى تحديد زمنهم استنادا إلى دلائل أخرى بسبب نقص المعلومات التاريخية المتوفرة عنهما؛ ومنها، على سبيل المثال، انهيار سد مأرب والهجرة الكبيرة للقبائل اليمنية التي تبعت هذا الحدث، الذي يوضع عادة في القرن الأول بعد الميلاد؛ ونحن نجد قائد هؤلاء المهاجرين على الخط 17 بعد قحطان، أي أنه قد عاش بعد 17x40= 680 عاما من قحطان، وهذا يعني أنه ولد في عام 20 قبل الميلاد وكان في منتصف القرن الأول الميلادي واحدا من أكبر أبناء قبيلته سنا. كما أن العلاقة المفترضة بين الشعبين العربيين الرئيسيين تثبت صحتها أيضا عندما نذكر من كليهما أشخاصا عاصروا بعضهم بعضا، وأيضا وبشكل خاص من زواج نساء يمنيات من رجال العدنانيين «إسماعيليين» أو بالعكس، بحيث يكون عندئذ، بسبب كون القبائل اليمنية تبدأ قبل عشرة أجيال، عدد درجات الأجيال المنحدرة منهن يزيد بمقدار عشر درجات تقريبا عن أجيال الإسماعيليين؛ على سبيل المثال: خندف بنت حلوان كانت زوجة إلياس؛ ومزينة ابنة كلب كانت متزوجة من عمرو بن أد؛ وضرية بنت ربيعة كانت زوجة حلوان ابن عمران. وإن نجد هنا لدى فروع مختلفة، متباعدة عن بعضها، بعد عدة قرون فرقا كبيرا في عدد الحلقات فهذا أمر مفهوم، تماما كما تبين لنا في المثال المذكور أعلاه أنه قد نشأ لدى عدد متساو من ستة أجيال فرق في الزمن قدره 100 عام. وهكذا نجد أيضا أن بعض الأشخاص الذين عاصروا النبي محمدا - صلى الله عليه وسلم - لهم حتى عدنان 17 جدا بينما نجد لدى آخرين 27 جدا. ولهذا السبب اعتبرت الدرجة الـ22 التي يقف عليها النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - الدرجة المتوسطة وفي الوقت نفسه العادية. واعتبارا من هنا نجم التصنيف تلقائيا بحيث إنني اعتبارا من عدنان جعلت القبائل تتعاقب مثل تعاقب الأشخاص الذين يؤدون إلى النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - بخط مباشر.
وبما أن علاقات المؤلفين العرب بقبائلهم لا تهتم إلا نادرا بالتفرعات اللاحقة لتلك التي كانت قائمة في عهد النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنني أنا أيضا اقتصرت في جداولي بصورة عامة على معاصري النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى خلفهم القريب؛ ولم أتابع سلسلة النسب إلا لأشخاص معينين مشهورين وصفت حياتهم في المؤلفات المستعملة، ولكنني لم أتابع بالتحديد عبيدلي وأحمد بن عتبة عن أحفاد علي والتي كان من الممكن أن ينتج عنها بكل سهولة عشرون جدولا آخر لهذه العائلة وحدها. بالمقابل اعتقدت أنه يتعين علي تركيز الاهتمام بشكل خاص على العائلات الحاكمة، لأنه لم يسبق حتى الآن لأي كاتب أوروبي أن عرض مشجرات نسب هذه العائلات بشكل صحيح ولا بشكل مفصل.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.