«الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية» إلى أين؟

توماس غومارت يحاول الإجابة عن السؤال في كتابه «جنون العالم»

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

«الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية» إلى أين؟

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

في الحديث المطول الذي أدلى به نهاية الأسبوع الماضي، والذي وزّع قصر الإليزيه نصه أول من أمس لمجلة «غران كونتينان» (القارة الكبيرة)، المتخصصة في الدراسات الاستراتيجية والسياسية، وهي إلى حد ما أكاديمية، دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مجدداً وبقوة عن دعوته دول الاتحاد الأوروبي للتمكن مما يسميه «الاستقلالية الاستراتيجية» (أي أوروبا القوية) التي اعتبر أنها «الاحتمال الوحيد لإعادة فرض قيمنا لتجنب الاحتكار الثنائي الأميركي - الصيني والانهيار وعودة القوى الإقليمية المعادية». وكلام ماكرون يمكن النظر إليه على أنه رد مباشر على وزيرة الدفاع الألمانية أنيغريت كرامب - كارنباور التي دعت مؤخراً إلى «التخلي عن أوهام الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي». ووفق المسؤولة الألمانية المشككة، فإن الأوروبيين «لن يتمكنوا من لعب دور أميركا كضامن للأمن». وبالمقابل، يؤكد ماكرون أنهم «في حاجة إلى مواصلة بناء استقلاليتهم لأنفسهم كما تفعل الولايات المتحدة لنفسها وكما تفعل الصين لنفسها». وفي أي حال، فإن الرئيس الفرنسي يرى أن واشنطن «لن تحترم الأوروبيين كحلفاء لها إلا إذا كانوا جادين مع أنفسهم وكانوا سياديين في مسائلهم الدفاعية».
يبين هذا الجدل كم أن موضوع «الاستقلالية الاستراتيجية» يعتمل الفضاء الأوروبي. وما أجج النقاش الداخلي بين أعضائه تعاطي الرئيس الأميركي مع الحلف الأطلسي والشكوك الأوروبية بنوايا واشنطن. دونالد ترمب اعتبر أن الحلف «عفا عليه الزمن». وخلال السنوات الأربع المنقضية، عاش الأوروبيون «على أعصابهم» بسبب انعدام اليقين إزاء ما تريده واشنطن وما تنوي فعله. من هنا، مسارعة باريس وبرلين، عبر مقال مشترك لوزيرَي خارجية البلدين هايكو ماس وجان إيف لودريان، نشر في ثلاث صحف رئيسية أوروبية وأميركية، إلى دعوة الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن إلى «تعزيز وحدة الحلف الأطلسي»، وإلى أن يعمل الجانبان الأوروبي والأميركي معاً من أجل «ابتكار معطى جديد». ويرى الوزيران، أن وصول بايدن إلى البيت الأبيض يمكن أن يشكل عاملاً دافعاً بهذا الاتجاه.
على ضوء ما تقدم، يمكن أن يفهم الإلحاح الفرنسي ممثلاً بالرئيس ماكرون في طرح ملف تعتبره باريس حيوياً. ولهذا الملف؛ كرس توماس غومارت، مدير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، كتابه الصادر حديثاً تحت عنوان «جنون العالم، التحديات الجيوسياسية العشرة»، وأحدها مستقبل الاتحاد الأوروبي بين قوتين مهيمنتين (الولايات المتحدة والصين)، والدور الذي تستطيع أوروبا أن تلعبه إذا أرادت أن تكون كتلة رائدة لها موقعها على الصعيد العالمي وليس تابعاً للولايات المتحدة أمنياً وسياسياً.

لماذا السعي الأوروبي لـ«الاستقلالية الاستراتيجية»؟
حقيقة الأمر، أن فصول الكتاب العشرة كافة مترابطة فيما بينها. إلا أن عنوان الفصل المكرس للاتحاد الأوروبي (أوروبا التائهة) يعكس إلى حد كبير مقاربة وتحليل المؤلف الذي يرى أن القارة القديمة «تواجه تحدياً مزدوجاً: التحدي الوجودي من جهة، وتحدي تكيفها مع عالم اليوم من جهة أخرى». يضاف إلى ذلك عنصران رئيسيان: الأول، أن أوروبا تفتقر اليوم لمن «يجسد» طموح الاستقلالية الاستراتيجية. وقد يكون الكاتب في ذلك قد انتقص من الدور الذي يريد الرئيس ماكرون أن يلعبه على المسرح الأوروبي. والثاني تراجع تمسك الأوروبيين بالبناء الأوروبي الذي هو محصلة عقود من الجهود الجماعية. صورة الاتحاد، أنه «تراكم فضاءات متعددة، فضاء شينغن، فضاء اليورو، الفضاء الأوروبي الشامل...»، ومنطقة ازدهار اقتصادي متراجعة عن منطق القوة السائد حالياً في العالم. والحال أن الاتحاد ما زال بناءً سياسياً هشاً قائماً على التخلي عن أجزاء من السيادة الوطنية وعلى مبدأ التضامن والاندماج. والتحدي الرئيسي الذي يواجهه عنوانه المسعى ليكون لاعباً له تأثيره في العولمة واستعادة الحيوية الاقتصادية تمكنه من المنافسة على مستوى العالم، والأهم أن يتوصل لاكتساب المصداقية الجيوسياسية للتمكن من الدفاع عن نفسه» بحيث لا يبقى مرتهناً للإرادة الأميركية ومظلتها النووية.
المفارقة التي يتوقف عندها الكتاب تكمن في أن أوروبا كانت القوة المهيمنة في العالم منذ القرن الـ15 وحتى القرن الـ19؛ وذلك بفضل تفوقها التكنولوجي الذي جاء بعد الكشوف الجغرافية التي حققها بحارتها الكبار ومكّنتها من استعمار أميركا والتواجد في غالبية أصقاع العالم. أوروبا كانت «سيدة العولمة». إلا أن الحربين القاتلتين اللتين أشعل نارها الأوروبيون (الحربان العالميتان الأولى والثانية) قلصتا الهيمنة الأوروبية ونقلتاها إلى الضفة الأطلسية الأخرى، كما استولدت القوة السوفياتية ووفرت الشروط لقيام الحرب الباردة التي جعلت أوروبا تحت العباءة الأميركية. من هنا، وفق قراءة الكاتب، فإن قيام الكتلة الأوروبية التي تغير اسمها مع مرور العقود ليتحول إلى «الاتحاد الأوروبي» كان هدفه الأول منع قيام حروب إضافية بين الأوروبيين، وهو ما تحقق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قبل 75 عاماً، حيث عاشت أوروبا أطول فترة سلام وازدهار. إلا أنه لم يفض إلى قيام أوروبا القوة السياسية والعسكرية المتمتعة بالاستقلالية الاستراتيجية، حيث إن أوروبا ينطبق عليها القول إنها «مارد اقتصادي ولكن رجليه من طين». فأهم كتلة اقتصادية في العالم غير قادرة على التدخل في جوارها المباشر، أكان في المتوسط أو في أفريقيا، أي في المناطق التي تعرف العديد من البؤر المتفجرة، كما أن مبدأ الإجماع في السياسة الخارجية يشل حركتها. ولعل أبلغ دليل على ذلك فشلها في التوافق على سياسة موحدة للتعامل مع الهجرات المكثفة وغير الشرعية التي تصل إلى شواطئها من بلدان شمال أفريقيا وعبر تركيا ومن مياه المتوسط ما يشكل لها تحدياً رئيسياً، خصوصاً على الصعيدين السياسي والاجتماعي، ناهيك عن الصعوبات الثقافية والأعمال العنفية والإرهابية التي ضربت العديد من مدنها. ووفق الإحصائيات التي يوردها المؤلف، فإن 1.8 مليون مهاجر دخلوا إلى الاتحاد في عام 2015 غالبيتهم إلى ألمانيا. ورغم تراجع تيار الهجرات، فإن المهاجرين ما زالوا يتدفقون على الشواطئ الأوروبية، والأوروبيون ضائعون وتائهون، ويراهنون هنا على ألمانيا للجم التدفق، وهناك على سلطات ليبية غير موجودة لمنع انطلاقهم من مرافئها. إلا أن قناعتهم الراسخة أن هذا التيار لن يتوقف مهما اشتدت الإجراءات الأمنية ومخيمات اللاجئين غير الإنسانية، أكانت في الجزر اليونانية أو على الشاطئ الأفريقي ستبقى مصدر صداع لهم ودليلاً على عجزهم.
تبين دراسة صادرة عن المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، أن مفهوم «الاستقلالية الاستراتيجية» ظهر في الكتابات الفرنسية منذ نحو العقد. ففي «الكتاب الأبيض» الصادر في العام 2013 الذي يرسم السياسة الدفاعية الفرنسية ورد هذا المفهوم 15 مرة، كما ورد 28 مرة في مجلة «الاستراتيجية الدفاعية والأمن الوطني» لعام 2017، منها سبع مرات تحت مسمى «الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية». كذلك أخذ هذا المفهوم في الظهور في الوثائق الأوروبية منذ عام 2013، لكن ظهوره تكاثر في السنوات الأخيرة، ليس فقط في الوثائق الرسمية ولكن أيضاً في تصريحات المسؤولين الأوروبيين. لكن تجدر الإشارة إلى أن مشروع «الاستقلالية الاستراتيجية» لا يلقى فقط معارضة وزيرة الدفاع الألمانية «التي تعكس الموقف الألماني الرسمي الذي تعبر عنه المستشارة الألمانية»، بل خصوصاً شرق ووسط أوروبا التي خرجت حديثاً من سيطرة العباءة الروسية وانضمت إلى الحلف الأطلسي ولا تريد بأي يحال أن تقايض المظلة الأميركية «ومن ضمنها النووية» القائمة بمظلة أوروبية غير موجودة؛ إذ في الحلف الأطلسي الذي انضمت إليه تلك الدول سريعاً بعد انهيار حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفياتي ضمانة لعدم الرجوع إلى الوراء. ويعني ذلك عملياً أن العديد من السنوات سيمر قبل أن تتحول الاستقلالية الاستراتيجية إلى واقع. وفي أي حال، يؤكد خبراء الشأن الأوروبي أن ترجمة «مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية» يختلف بين طرف وآخر، حيث إن بعضهم يراه «الى جانب» الحلف الأطلسي، بينما يريده البعض الآخر «بديلاً عنه». لكن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يعني، وفق الكاتب، أن عضواً رئيسياً يملك القوة النووية ويتمتع بمقعد دائم في مجلس الأمن وبحق النقض «الفيتو» قد افتقده الأوروبيون في بحثهم عن الاستقلالية. من هنا، إصرار باريس وبرلين على بقاء لندن طرفاً في اتفاقيات الصناعات الدفاعية المشتركة. ثم هناك عامل آخر عنوانه في واشنطن. فمن المتفق عليه أن رئاسة ترمب دفعت الأوروبيين إلى السعي لتحقيق «الاستقلالية» الموعودة. لكن مع وصول بايدن إلى البيت الأبيض واستعداده لتوثيق العلاقة مجدداً مع الجناح الأوروبي للحلف لا يمكن استبعاد أن تضعف حماسة دعاة الاستقلالية. ومن المرجح أن يكون هذا العامل هو الدافع الذي جعل وزيرة الدفاع الألمانية تستبعد الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، علماً بأن برلين أعربت عن «قلقها» عندما كشفت إدارة ترمب عن رغبتها في تخفيض أعداد القوات الأميركية المرابطة على الأراضي الألمانية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ ما يعني ضمناً أنها تسعى إلى «إغواء» واشنطن ودفع إدارة بايدن القادمة إلى تناسي ما كانت تريده الإدارة السابقة.

ماذا تعني «الاستقلالية الاستراتيجية»؟
قد يعتقد البعض أن هذا المبدأ يعني فقط الميدان العسكري، وهو ما يجانب الحقيقة؛ إذ إن المفهوم المشار إليه هو – بداية - ذو بعد سياسي رئيسي يتداخل مع الأبعاد التي تتناول مسائل الطاقة والتكنولوجيا والوصول إلى المعادن النادرة وإلى الفضاء الخارجي وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الصناعي، وغيرها من الأبعاد التي من دون السيطرة عليها لن تتمكن أوروبا من الوصول إلى مرحلة «الاستقلالية الاستراتيجية». وجاء وباء «كوفيد - 19» ليبين انكشاف بلدان الاتحاد الأوروبي إزاء الصين والهند وعدم قدرته على توفير الأدوية واللقاحات والكمامات وأجهزة التنفس الصناعي بسبب سياسات المجموعات الصناعية الأوروبية في العقود المنصرمة التي فضلت ركوب قطار العولمة والانغراس في البلدان التي توفر لها أكبر قدر من الربحية بسبب ضعف الرواتب واليد العاملة. ومن غير توافر هذه العناصر، سيكون من الصعب على أوروبا أن تتحول إلى قطب فاعل إزاء ومؤثر إلى جانب قوى ثلاثة الولايات المتحدة والصين وروسيا رغم أن تياراً فكرياً واستراتيجياً يعتبر أن روسيا ليست قوة اقتصادية، بل إن حضورها مرده فقط لكونها قوة عسكرية «ونووية» تحاول العودة إلى المسرح العالمي من خلال اللجوء إليها «كما في أوكرانيا وسوريا وليبيا وجنوب القوقاز...».
يعتبر توماس غومارت أن عوامل عديدة داخلية «طاردة» تلعب ضد تحقيق ما يعتبره بعض الأوروبيين «الهدف الأسمى»، وأولها تراجع تعلق الأوروبيين بالاتحاد ووجود نزعات «انفصالية» داخله كما في إسبانيا مع «كاتالونيا»، وفي بريطانيا «اسكوتلندا»، وإيطاليا «لومبادريا»، وفرنسا «كورسيكا»، ناهيك عن خروج بريطانيا منه. ثم هناك عاملان ديموغرافي واقتصادي: سكان الاتحاد لن يشكلوا في السنوات القليلة المقبلة سوى 7 إلى 8 في المائة من البشرية، في حين نسبة كبار السن سوف تتنامى. واقتصادياً، ستتراجع رتبة الاتحاد؛ إذ إن حصته من الناتج العالمي الخام كانت في عام 2012 تزيد على 23 في المائة، ستتقلص إلى 15.5 في المائة، بينما حصة الصين مثلاً ستستمر بالنمو لتصل إلى 24.9 في المائة «مقابل 11.5 في المائة في عام 2012».
يعتبر المؤلف أن تمسك الأوروبيين بـ«الإدارة التعددية لشؤون العالم» يسير بعكس التيار السائد الذي تنهجه القوى الرئيسية الثلاث، من هنا الحاجة إلى أن تثبت أوروبا موقعها. ورغم العقبات المشار إليها التي تعيق الوصول إلى «الاستقلالية الاستراتيجية»، فإن الأوروبيين يتعاونون في المجال العسكري الذي كان عماده فرنسا وألمانيا وبريطانيا. وثمة علامات استفهام تطرح بشأن لندن وما إذا كان خروجها من الاتحاد سيجعلها تتخلى عن البرامج العسكرية أو الصناعات الدفاعية الأوروبية التي كانت ضالعة فيها، وسيدفعها للالتصاق بواشنطن أي بالحلف الأطلسي. وفي أي حال، يعتبر الكاتب أن المحور الفرنسي - الألماني سيبقى في المستقبل كما كان في الماضي الأساس الذي بني عليه الاتحاد والقوة الفاعلة التي يمكن أن تدفع لمزيد من الاندماج.

تهديد من الداخل
يقول المؤلف «إن أوروبا تستشعر (جنون العالم) (عنوان الكتاب) أكثر من غيرها من بين مناطق العالم. والسبب أن نخبتها والمواطنين يرون أنها لم تعد تمسك مصيرها بيديها. أوروبا فرضت إيقاعها على العالم طيلة خمسة قرون وجاءت الحربان العالميتان لتقضيا عليه إلى أن جاء المشروع الأوروبي القائم على التصالح بين الشعوب الأوروبية ليعدي الأمل. والحال أنه اليوم مهدد من الداخل في حين يخضع لضغوط من الخارج، وهو الطي يفرض إيقاعه. وهذا الواقع لا يتعين أن يدفعنا إلى الإحباط، بل إلى بذل جهود مضاعفة من أن نستمر في التأثير على العولمة». ويتوقف المؤلف عند «الاستحقاقات» أو التحديات التي يتعين على الاتحاد أن يواجهها «الآنية ومتوسطة وبعيدة الأجل» ليبقى طرفاً فاعلاً، مشدداً على أن أوروبا كـ«كتلة» قادرة على التأثير أكثر من أي دولة بمفردها وفي منظاره «ميزات» أوروبية يمكن أن يكون لها وزنها في العالم المعولم مثل استمرار أوروبا كقطب جاذب قوتها الاقتصادية وليبراليتها وأسلوب الحياة الأوروبي والقوة «الناعمة»... وفي هذا كله، لا يجافي المؤلف الحقيقة والواقع. إلا أن أوروبا بذلك تبقى بعيدة وبعيدة جداً عن أن تتمكن من «الاستقلالية الاستراتيجية» التي يقدر أن تبقى حلماً للقادم من الأجيال.


مقالات ذات صلة

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

كتب كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

ثمة كتب تُعيد رسم خرائط الفهم، لا تضيف معلوماتٍ جديدة فحسب، بل تُزلزل ما استقرّ في الأذهان من يقينيات.

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب عبد الله العروي

الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

نشر الزميل د. هاشم صالح، صفحة «كتب» بتاريخ 4 مارس (آذار) مقالاً بعنوان «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث».

د. نادية هناوي
ثقافة وفنون أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق أدريانا كاريمبو (غيتي)

أدريانا كاريمبو: كتاب عن الحبّ وذكريات من بلد لم يعد موجوداً

وصلت إلى عاصمة النور وكادت تفقد أحلامها، فقد أسكنوها في شقة مع عدد من العارضات المبتدئات وبقيت 5 أيام من دون طعام.

«الشرق الأوسط» (باريس)

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

إيميليو جِنتيليه
إيميليو جِنتيليه
TT

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

إيميليو جِنتيليه
إيميليو جِنتيليه

ثمة كتب تُعيد رسم خرائط الفهم، لا تضيف معلوماتٍ جديدة فحسب، بل تُزلزل ما استقرّ في الأذهان من يقينيات. وكتاب المؤرخ الإيطالي إيميليو جِنتيليه «قبل أن يصبح الدوتشي»، الصادر حديثاً في ترجمته الفرنسية عن دار نشر «سيرتامين»، هو من هذا الصنف النادر من الكتب، فهو لا يُحاكم موسوليني ولا يُعظّمه، بل يُعيد تشريح ظاهرته بعين الطبيب الشرعي: كيف وُلد الشيطان قبل أن يتحول إلى أيقونة؟

لمن لا يعرف الكاتب إيميليو جِنتيليه فهو أستاذ فخري في جامعة لاسابينزا بروما وصاحب أكثر من عشرين مؤلفاً في تاريخ الفاشية الإيطالية، وهو يُعدّ اليوم المرجع الأول عالمياً في هذا الحقل حيث قضى نصف قرن يفحص هذه الظاهرة من زوايا متعددة: آيديولوجيتها وطقوسها وعلاقتها بالدين.

في هذا الكتاب يهتم جِنتيليه بمرحلة غالباً ما أُسدل عليها الستار في الدراسات الكبرى عن موسوليني، تلك المرحلة السابقة لصعوده إلى السلطة وتحديداً السنوات الممتدة بين نشاطه في الجناح اليساري للحزب الاشتراكي الإيطالي ونهاية عشرينات القرن الماضي. يبدأها الكاتب بطفولة بنيتو موسيليني في كنف أسرة يسارية بسيطة: أب حدّاد وناشط اشتراكي وأم معلمة متدينة، ثم مرحلة سفره إلى سويسرا بحثاً عن عمل، وطرده بسبب تزوير جواز سفره، غير أن هذا الطرد حوّله إلى بطل في أوساط الاشتراكيين الإيطاليين المهجرين الذين احتجّوا لأجله وأعادوا إليه اعتباره. عاد موسيليني إلى إيطاليا ليُكمل تشكيله الآيديولوجي في المواجهة الأكثر إثارة في مسيرته، حيث حضر عام 1904 نقاشاً علنياً مع قسٍّ إنجيلي حول وجود الله فرفع ساعته ووجّه تحدياً شهيراً: «أمنح الله خمس دقائق ليُصيبني بالصاعقة إن كان موجوداً. إذا انقضت هذه الدقائق دون أن يفعل شيئاً، فذلك دليل على أنه غير موجود». هذه اللحظة ترسم المزاج الذي طبع خطابه طوال سنوات وهو خطاب مسرحي، استفزازي، ومُحكم في توظيف الكلمة بوصفها أداةَ تعبئة.

في عام 1911 سيق موسوليني إلى السجن خمسة أشهر بسبب تحريضه ضد الحرب الليبية، تلك الحرب التي رأى فيها استغلالاً للعمال في خدمة مصالح البرجوازية، سمعته كمعارض اشتراكي بدأت تنتشر وهو في السجن، حيث كتب سيرته الذاتية الأولى وتدريجياَ ارتفع اسمه وطار صيته في أوساط الاشتراكية الثورية الإيطالية.

الحجّة الجوهرية لكتاب إيميليو جِنتيليه تقوم على مادة أولية ثرية استثنائية: وهي كتابات موسوليني ذاته، مقالاته في جريدة «أفانتي» لسان الحزب الاشتراكي حين كان مديرها، ثم في «إيل بوبولو ديتاليا» التي أسّسها بعد قطيعته مع الحزب الاشتراكي عام 1914، فضلاً عن خطبه وتقارير الشرطة عنه ومراسلاته الخاصة، حيث يستعرض المؤلف هذه الوثائق بدقة المؤرِّخ، لرصد الكيفية التي تحوّل بها معجم موسوليني السياسي: من لغة الصراع الطبقي والأممية الاشتراكية إلى خطاب الإرادة والقوة والأمة و«العنف الخلّاق».

يجمع المؤلف في منهجه بين مسارين متوازيين: سرد زمني لمراحل حياة موسوليني السياسية، وتحليل موضوعي لبنية الفاشية الأولى ومعجمها، وفي الصميم أطروحة مفاجئة في بساطة صياغتها وهي كالتالي: الفاشية الإيطالية لم تولد في قلب اليمين المحافظ ولا في دهاليز الكاثوليكية السياسية، بل انبثقت من رحم اليسار الثوري ذاته، بوصفها تمرّداً على الاشتراكية المؤسّسية كما فهمها جيل الحرب. فموسوليني الذي كان عام 1912 زعيم الجناح الأقصى داخل الحزب الاشتراكي الإيطالي ومدير صحيفته المركزية «أفانتي»، والرجل الذي أقصى الإصلاحيين ورفع لواء الثورة الاجتماعية دون هوادة، هذا الرجل نفسه تحوّل في غضون سنتين فقط إلى داعية للحرب بوصفها «ثورةً بديلة»، قبل أن يُقصى من الحزب ويؤسس صحيفته وحركته الجديدة.

يُظهر جِنتيليه أن هذا التحوّل لم يكن ارتداداً خيانياً مفاجئاً، بل كان متدرِّجاً وذا منطق داخلي مفهوم. وكان موسوليني قد أعلن لصديقه المثقف بريتسوليني آنذاك أن لديه إحساساً بأنه «ضيف غريب حتى وسط الثوريين». كما يكشف كتاب «قبل الدوتشي» بتفصيل نادر كيف أنه لم يتخلَّ في البداية عن قاموس الثورة والعداء للرأسمالية، بل أعاد توجيهه: حيث أحلّ «الأمة البروليتارية» محل «البروليتاريا الأممية»، وأبدل بـ«الحزب الاشتراكي» «الفصائل» والكتائب المسلحة، واستعاض عن «الصراع الطبقي» بـ«الصراع الحضاري القومي». وهذا الانزياح المفهومي التدريجي، من الماركسية إلى القومية الثورية المتعطشة للعنف، ليس قطيعةً كاملةً مع اليسار، حسب جِنتيليه، بقدر ما هي انزياح جذري في داخله: حيث تستبقي لغته الثورية الجياشة وتُفرغها من محتواها الاجتماعي وترفدها بنفَس قومي وحيوي.

يستخلص جِنتيليه من تحليله التاريخي لبدايات موسوليني استنتاجاً نظرياً بالغ الأهمية: الفاشية ليست برنامجاً عقائدياً مكتملاً بل هي «تركيب» من النفي والإثبات، من التمرد على القديم واستحضاره في الوقت نفسه

من أبرز ما يميّز هذا الكتاب عن الدراسات السابقة حول موسوليني: تأكيده الصريح على هشاشة موقع الرجل في السنوات التي سبقت تأسيس النظام الفاشي، فموسوليني الذي جسّد صورة القائد الكاريزمي القوي الذي يقرأ النفوس ويعبّر عن روح الجماهير، لا أثر له في صفحات جِنتيليه التي تستحضر بدله الشاب الذي يتخبّط ويتذبذب ويواجه الفشل المتكرر دون أن يفقد براعته في إعادة اختراع نفسه. انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) 1919 البرلمانية كانت أبلغ تعبير عن هذه الهشاشة: لم يحصل موسوليني في ميلانو إلا على بضعة آلاف من الأصوات، مقابل مئات الآلاف للحزب الاشتراكي، في هزيمة مدوّية دفعته جديّاً إلى التفكير في الانسحاب من الحياة السياسية. ثم أتت المرحلة اللاحقة 1920-1922، حيث بنى موسوليني نفسه وحركته من جديد على قاعدة العنف المنظّم والتحالفات الانتهازية مع الملكية والجيش والبرجوازية الكبيرة الخائفة من المّد الشيوعي.

يقدّم جِنتيليه من خلال هذه التفاصيل صورة لزعيم هو في جوهره «مغامر في كل الدروب»، رجل يتقدّم بالتجربة والخطأ، يتلاعب بمواقفه بعقل براغماتي قاسٍ، ولا يتردد في نقض ماضيه الاشتراكي الثوري إذا اقتضت معادلة السلطة ذلك. يستخلص جِنتيليه من تحليله التاريخي لبدايات موسوليني استنتاجاً نظرياً بالغ الأهمية: الفاشية ليست برنامجاً عقائدياً مكتملاً وموحَّداً، بل هي «تركيب» من النفي والإثبات، من التمرد على القديم واستحضاره في الوقت نفسه. فهي تعادي الكاثوليكية المؤسّسية وتتحالف مع الكنيسة عند الحاجة، وثورية في لغتها لكنها رفيقة للملكية والمؤسسة العسكرية، ومناهضة لـ«العالم البرجوازي» ومُوظِّفة لماله في تمويل العنف السياسي. هذا التناقض ليس عرضاً لضعف آيديولوجي بقدر ما هو القوة الحقيقية للفاشية بحسب جِنتيليه: قدرتها على استقطاب مجموعات اجتماعية متباينة في وقت واحد. دار النشر الفرنسية «سيرتامين» التي تولّت نشر الترجمة الفرنسية المزودة بمقدمة المؤرخ فريدريك لو موال، وصفت هذه الدراسة البالغة 344 صفحة بأنها «درس تاريخي بالغ الدقة» يبّدد مختلف المختزلات والمسلّمات المتعلقة بالفاشية ومولدها العاصف.


الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

عبد الله العروي
عبد الله العروي
TT

الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

عبد الله العروي
عبد الله العروي

نشر الزميل د. هاشم صالح، صفحة «كتب» بتاريخ 4 مارس (آذار) مقالاً بعنوان «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث». وقد جاءنا التعقيب التالي على المقال):

- هل فعلاً نفعنا المستشرقون نفعاً لا أغراض من ورائه ولا مصالح أو مطامح أو مطامع بالسيطرة علينا؟

من الجميل أن يندفع الكاتب في التعبير عن حماسته لموضوع ما من الموضوعات، فيدبج مقالة ملأى بخواطر، تثير في نفوس القراء الاهتمام. وقد تنجح في نقل عدوى الحماسة إليهم فيكون الكاتب محققاً لغرضه من مقالة تبدو في ظاهرها موضوعية، بينما هي باطنياً تغص بالذاتية. وتكمن حراجة هذا التفاوت بشكل مخصوص في ذاك النوع من الموضوعات الإشكالية التي تنطوي على كثير من الاختلاف والتشكيك مثل موضوعه «الاستشراق».

وليس مما يلذ في الحماسة المفرطة علو كعب الأنوية، فيغتبط كاتب المقالة أو يغتمُّ على هواه من دون أن يكترث إن كان ذلك يرضي القراء أو لا. صحيح أنَّ من الجائز له أن يكشف لنفسه عن خواطره متجنياً ومقصراً أو موبخاً ومقرعاً، غير أنَّ من غير الجائز له أن يفترض أن تلك الخواطر سترضي القراء جميعهم.

أسوق هذه التوطئة وأنا بصدد التعقيب على مقالة الأستاذ هاشم صالح «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث» المنشورة 4 مارس 2026 في جريدة «الشرق الأوسط». وفيها مجَّد الكاتب «الاستشراق» بعمومه ومجمله، أعني الأوروبي القديم والأميركي الجديد أيضاً. ومصدر هذا التمجيد متأتٍ من حماسته في تبني فكرة «أنَّ الاستشراق هو العلم الذي يشق دياجير الظلام. ثم يشتمون الاستشراق بعد كل ذلك... فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضرُّ أنفسنا كثيراً» فكأن المستشرقين أفاضوا في نعمهم على الثقافة والفكر إفاضة تحتاج منا نحن العرب تحميد قضهم وتبجيل قضيضهم من دون أي استثناء.

برنارد لويس

ونظراً للحماسة الكبيرة التي اعترت الكاتب، لم يقصر في التعبير عن هذا التبجيل بجمل رنانة من قبيل أن الاستشراق «كشف الكشوف، فتح الفتوح.

إضاءات تتلوها إضاءات عن تراث العرب والإسلام» و«العلم الذي ينير الأبصار» والمحصلة من وراء ذلك كله أنوية التعبير الذاتي «شكراً لهم وألف شكر... أشعر بأني أولد من جديد». ولكن هل فعلاً كان الاستشراق علماً وعبقرية؟ وهل فعلاً نفعنا المستشرقون نفعاً لا أغراض من ورائه ولا مصالح أو مطامح أو مطامع بالسيطرة علينا وإنما هي «متعة الكشف العلمي التي لا تعادلها متعة»!

ما لا ريب فيه أنَّ جهود المستشرقين ليست جميعها على حالة واحدة. الأمر الذي لا يسمح لنا أن نصفهم بالعموم وصفاً إيجابياً؛ فالقدماء منهم غير الجدد. ومناهجهم التي لم تتجاوز الفرويدية والماركسية والداروينية والتاريخية المادية، تطورت اليوم إلى مجموعة اختصاصات، ولكل اختصاص مناهجه الخاصة. ولا نعدم أن كثيراً من أولئك وهؤلاء كانوا دائمي التركيز على ترويج فكرة أنّ العصور الوسطى - التي شهدت قيام الحضارة العربية الإسلامية - كانت مرحلة انحطاط، وأنَّ العرب لم ينهضوا من سباتهم إلا بسبب الحملات التبشيرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وعلى صعيد الأدب العربي، شكك المستشرقون في كثير من المصادر والأصول الأدبية، وعدُّوها غير عربية.

ولقد فات كاتب المقالة موضع التعقيب وهو يستشهد بالموسوعة الإسلامية وغيرها التحفظات الكثيرة التي سجلها الباحثون العرب عليها. ومن خلالها أكدوا أنَّ للاستشراق علاقة وثقى بالمركزية الغربية والسلطة الاستعمارية، مؤشرين على مواطن تعصب المستشرقين بمقاييسهم المادية من أجل تغريب الفكر الإسلامي وإثارة الشبهات حول وقائع مهمة مثل «ثورة الزنج» والقرامطة والحلاج والباطنية و«إخوان الصفا»، ناهيك عن تصويرهم الصراعات في زمن الرسول الكريم والخلفاء الراشدين بأنها سياسية دارت بين يمين ويسار، وتصويرهم الإسلام ثورة مجتمعية وليس رسالة سماوية إنسانية، وكذلك وصفهم التصوف بأنه ثورة على الإسلام ورجوع به إلى التثليث المسيحي، وعدّهم الفلسفة الإسلامية ثمرة الفلسفة اليونانية... إلى آخر ذلك من التصورات التي كان لها أكبر الأثر في صياغة رؤى غربية عن الإسلام، ساهمت في تشكيل مواقف الغرب من الشرق عامة وبلاد العرب خاصة.

وهنا نتساءل هل ثمة من ينكر أنَّ المستشرق كارل هيرش بيكر، مؤسس مجلة الإسلام الألمانية قام بدراسات تخدم الاستعمار الألماني في احتلال أفريقيا؟ وهل ثمة من ينكر أن المستشرق بارتولد مؤسس مجلة عالم الإسلام خدم مصالح الروس في السيطرة على آسيا الوسطى؟ ثم أليس المستشرقون هم الذين صوروا أحداث عام 1860 على أنها فتنة بين المسلمين ومسيحيي لبنان لأجل عزل هذا البلد عن الدولة العثمانية؟.

وإذا تركنا ذلك كله، وأقررنا بأن المستشرقين قدموا لنا علوماً ونظريات، فإن ذلك يبقى أيضاً نسبياً بمحدودية أي علم، وعدم ثبات أي نظرية بوصف النظرية مجموعة فروض تقبل الصواب والخطأ ومن ثم لا وجود لعلم نظري يقدم تفسيراً أصيلاً ونهائياً للحياة التي هي نفسها لا ثبات فيها ولا كمال.

ومعلوم أن الاستشراق القديم «الأوروبي» كان قد تجرأ على الإسلام والقرآن ونبينا الرسول الكريم. أما الاستشراق الجديد «الأميركي» فعرف كيف يتلفع بالثقافة والفكر واجهة، يداري من خلالها على أغراضه السياسية. فغدت الدراسات الثقافية طريقاً للخوض في مسائل الذات والآخر والهوية والهامش والتابع وما إلى ذلك من ثيمات تكشف عن حقيقة أنّ الصراع بين الشرق والغرب هو صراع فكري.

ومنذ أن أكَّد إدوارد سعيد حقيقة أن لا وجود لمؤسسة تعليمية عربية قادرة على مضاهاة ما لدى جامعات أكسفورد وهارفارد من مجلات ومراكز أبحاث، فإن الحاجة ما تزال ماسَّة إلى إقامة مشروع «بناء دائرة معارف إسلامية جديدة» نستطيع من خلالها مواجهة موقف التنقيص من الإسلام وخصوصية الذات العربية. ومن دون ذلك يظل الاتباع حاكماً علينا، مصيباً ذواتنا بالعمى المعرفي فنرى «الشخصيات الاستشراقية كبرى» تجدد نفسها ومناهجها، بينما لا نقدر نحن على ذلك.

ومن ثم يكون واجباً «ألا يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام، لا في جامعة السوربون، ولا جامعة القاهرة...» بهذا الشكل الاتباعي، نبقى ملزمين بأن نردد بلا اكتراث أقوال تلك الشخصيات مثل أرنست رينان الذي يرى أن عنصرنا العربي أبعد ما يكون عن العلم والفلسفة أو نؤيد المستشرق جيب في قوله إن حضارة العرب أسطورة وأن الفلاسفة المسلمين في العصور الوسطى كانوا مجرد ناقلين ووسطاء للتراث اليوناني والروماني!.

ومن يقل عكس ذلك فموسوم بـ«الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين والمكفر لهم بشكل مسبق» وهكذا تبقى القناعة راسخة بـ«شتان ما بين عقلية القرون الوسطى وعقلية القرون الحديثة»، وكأن عقلية القرون الوسطى لم تنتج إرثاً فلسفياً كبيراً كان سبباً في بزوغ فلسفة القرون الحديثة. وستنسحب تلك القناعة أيضاً على قرننا الحالي؛ حتى لا أصالة لدى الباحث العربي إلا إذا كان طالباً يتلقف ما يبتكره الغربيون من مناهج علمية حديثة «يطبقها على تراثنا» ومن دون ذلك ستحكمه «العقلية الأصولية» التي غرق برنارد لويس في البحث فيها، وستهيمن عليه «الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية»، وهذا نسف متحمس وغير مشروع لمئات الأعمال البحثية التي تبناها المفكرون العرب، ورفضوا من خلالها وصاية الغرب الفكرية علينا مثل عبد الله العروي وهشام جعيط وأنور عبد الملك وهادي العلوي ومهدي العامل ومحمد أركون وغيرهم.

ولقد أجحف الكاتب هاشم صالح بحق المفكر إدوارد سعيد حين وسم موقفه من نقد الاستشراق بالوقوع في «الفخ»، مع أن سعيداً أول مفكر من أصل عربي واجه الفكر الغربي من عقر داره، وتصدى له بلغته نفسها، فكشف حقيقة أن علاقة الغرب بالشرق علاقة حكم وهيمنة أوروبية على كل الشعوب، وأن الاستشراق صنيعة الجغرافيا المتخيلة أكثر من كونه حقيقة طبيعية. وهذا كله أثَّر بشكل جوهري في أجيال من الباحثين الغربيين الذين صاروا - في الثلاثين سنة الأخيرة - يرفضون مفردة الاستشراق، واستبدلوها بـ«الدراسات الشرقية» وصاروا يستنكفون من وسمهم بالمستشرقين، ويفضلون بدلها لفظة «مستعربين».

أما ما أضافه إدوارد سعيد للطبعة الثانية من كتابه ذائع الصيت «الاستشراق» فكان رداً على بعض نقاده. وبه وطَّد نظريته في أن الثقافة والعلم مجرد قناع تخفى الغرب السياسي خلفه «أعتقد شخصياً أن القيمة الكبرى للاستشراق تكمن في كونه دليلاً على السيطرة الأوروبية الأميركية على الشرق أكثر من كونه خطاباً صادقا حول الشرق» الاستشراق، ص 50. ووصف الذين نقدوا كتابه بأنهم «ليسوا في حقيقة الأمر من المناهضين للإمبريالية، بل في صفوف عملائها السريين» تعقيبات على الاستشراق، ص 47. وننصح بأمانة أن تُعاد قراءة هذين الكتابين قراءة ثاقبة من أجل التخلص من «مستنقع التخلف»،

بيد أن هذا كله لا يقرُّ به من يتحمس للاستشراق فيراه «وحده الذي كشف لنا عن الصورة التاريخية والواقعية الحقيقية» و«حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عنا» ومن تستحكم عليه الحماسة والاتباعية، فلن يرى أنوار تلك العصور الذهبية، وسيسأل نفسه: «متى سيدخل العرب التاريخ من جديد»؟ وهو ما ختم الكاتب صالح مقالته به، فجافى لغة النقد التي تتقبل الرد والخصومة والجدال والحوار. ودخل في منطقة الأنا المتعالية حيث الذات تُصادر غيرها بوصفها هي السائلة المجيبة معاً!.


فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك
TT

فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك

يمكن القول إنه بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت عدة شخصيات استشراقية كبرى. وهي التي ألقت أضواء ساطعة على تراثنا العربي الإسلامي فجددته ونورته بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. نذكر من بينها لويس ماسينيون، ومونتغمري واط، وريجيس بلاشير، وهنري كوربان، وهنري لاوست، وجاك بيرك، وكلود كاهين، وروجيه أرنالديز، وجورج مقدسي، ومكسيم رودنسون، وبرنارد لويس، وتيلمان ناجيل، وجوزيف فان آيس، وأندريه ميكل، وجاكلين شابي، وعشرات غيرهم. ويمكن القول إن إضاءات الاستشراق نفذت إلى عمق أعمق التراث. ولكن من يتجرأ على ترجمة كتبه الأمهات؟ لم تخلقه أمه بعد. هنا يوجد كشف الكشوف، فتح الفتوح. إضاءات تتلوها إضاءات عن تراث العرب والإسلام. حفر أركيولوجي في الأعماق، أعماق تراثنا العربي الإسلامي. نزول إلى الطبقات السفلية التحتية، إلى أسفل طبقة، إلى أعمق طبقة... هذا هو العلم الذي ينير الأبصار. هذا هو العلم الذي يشق دياجير الظلام. ثم يشتمون الاستشراق بعد كل ذلك؟ منذ أربعين سنة وأنا أحلم بتأليف كتاب جديد بعنوان: «الحفر الأركيولوجي في الأعماق وتحرير التراث من التراث أو تحرير الروح من الروح». وعجزت عنه. ولكن عبقرية الاستشراق توصلت إليه. شكراً لهم وألف شكر. ماذا أريد أكثر من ذلك؟ لأول مرة أشعر بأني أولد من جديد. لأول مرة أشعر بأني أتحرر من حالي وتراكماتي وانسدادات آفاقي. لأول مرة أشعر بأن روحي أصبحت حرة طليقة في عالم عربي مقيد بالأصفاد. ولكن إلى حين...

إدوارد سعيد

هذا، وقد حققت الدراسات الاستشراقية إنجازات ضخمة طيلة الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية. ويعود الفضل في ذلك إلى تجدد مناهجها قياساً إلى أجيال المستشرقين السابقين في القرن التاسع عشر حتى منتصف العشرين. فالعلم تغير بطبيعة الحال، وكذلك المنهج والمصطلح. هذا لا يعني إنكار أهمية الإنجازات التي حققها المستشرقون الطليعيون الأوائل. فهي أكثر من ضرورية. ولها فضل السبق. ومن أهم المشاريع الجماعية الكبرى في هذه الفترة نذكر أولاً «الموسوعة الإسلامية» في طبعتها الثانية. وهي أفضل من الأولى وأكثر اتساعاً وشمولاً. إنها تمثل العلم الاستشراقي بالمعنى الرصين والدقيق للكلمة. وقد ساهم فيها باحثون عرب ومسلمون، وليس غربيون فقط. ولكن كلهم «مستشرقون» بالمعنى العلمي والإيجابي للكلمة: أي يحسنون تطبيق المنهج التاريخي الحديث على تراثنا العربي الإسلامي ويسيطرون على المنهج والمصطلح. والموسوعة الإسلامية كنز لا ينضب من المعلومات والتحليلات عن هذا التراث الضخم والعريق. ولا يمكن أن يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام، لا في جامعة السوربون، ولا جامعة القاهرة، ولا جامعة الرياض، ولا جامعة أبوظبي، ولا كل جامعات العالم. ثم ظهرت بعدها في السنوات الأخيرة موسوعة جديدة مهمة، هي «الموسوعة القرآنية». وقد أشرفت عليها باحثة أميركية كبيرة. وشارك فيها أيضاً باحثون مسلمون وغير مسلمين من أمثال نصر حامد أبو زيد، ووداد القاضي، ومحمد أركون، وعشرات غيرهم. وصدرت في خمسة أجزاء، ثم أضيف إليها جزء سادس كفهرس شامل للمشروع. وهي تعكس النظرة التاريخية الحديثة للقرآن الكريم. وبالتالي يمكن للقارئ أن يقارنها بالنظرة التبجيلية التقليدية السائدة منذ قرون. فرق كبير وتحرير أكبر... ونحن نعتقد أن النظرة العلمية والتاريخية والفلسفية توسع الإيمان وتجعله مستنيراً ناضجاً ولا تنقضه إطلاقاً. إنها تنقض فقط الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين والمكفر لهم بشكل مسبق. فهناك الإيمان الذي يحيي وينعش، وهناك الإيمان الذي يعمي ويقتل. وشتان ما بينهما. شتان ما بين عقلية القرون الوسطى وعقلية القرون الحديثة.

ولا ننسى «القاموس الموسوعي للقرآن الكريم» من تأليف الباحث الجزائري الراحل مالك شبل. وينبغي أن نضيف إلى كل ذلك «قاموس القرآن الكريم» الذي صدر في باريس وشارك في إنجازه ما لا يقل عن ثمانية وعشرين باحثاً أكاديمياً مسلماً وغير مسلم. هكذا نلاحظ أن الاستشراق بالمعنى العلمي الأكاديمي للكلمة لم يعد محصوراً بالباحثين الأجانب، وإنما أصبح يشمل أيضاً الباحثين العرب والمسلمين. وأقصد بهم أولئك الذين يشتغلون في جامعات الغرب ويتقنون مناهج البحث العلمي ويحسنون تطبيقها على تراثهم الإسلامي كما يحسن فلاسفة الغرب تطبيقها على تراثهم المسيحي. وهذا قد يخفف من حدة العداء للاستشراق والمستشرقين في الأوساط العربية والإسلامية المحافظة أو المؤدلجة أكثر من اللزوم. فالتعاون الفكري بين الباحثين العرب والباحثين الأجانب يساهم مساهمة فعّالة ليس في إنارة التراث وتخليصه من براثن الظلاميين فقط، وإنما يساهم أيضاً في تدشين حوار الثقافات والحضارات.

ينبغي العلم أن أقطاب الكنيسة الكاثوليكية هاجموا سابقاً تطبيق المناهج الحديثة على التراث المسيحي بذات العنف الذي يهاجم به الشيوخ التقليديون حالياً الاستشراق لأنه طبق ذات المنهجية على تراثنا العربي الإسلامي. العقلية الأصولية واحدة مهما اختلفت الأديان والمذاهب. التعصب هو التعصب والانغلاق هو الانغلاق. وهذا يعني أن المعركة ضد الأصولية الانغلاقية التكفيرية سوف تحصل في الجهة العربية الإسلامية كما كانت قد حصلت في الجهة المسيحية الأوروبية.

إنها لمصيبة كبرى أننا ابتلينا بهذه الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية التي تحارب تطبيق المناهج العلمية الحديثة على تراثنا بحجة حمايته من عدوان الاستشراق والمستشرقين! وقد سقط في هذا الفخ باحثون كبار مبدعون كإدوارد سعيد. ناهيك عن أنور عبد الملك وآخرين. وهكذا قدموا للأصوليين محاجات حداثية أو قل ضمانات حداثية كانت تنقصهم بشكل موجع. لقد قدموا لهم سلاحاً فعالاً لكي يجلدوننا به. شيء مؤسف جداً ولكن هذا ما حصل. أحياناً يلعب المثقف الحداثي دور «الأبله المفيد» لقضية غير قضيته، بل معاكسة لقضيته. ولله في خلقه شؤون. على أي حال، فقد تراجع إدوارد سعيد عن ذلك في الطبعة الثانية لكتابه الشهير، بعد أن أدرك حجم الحماقة التي ارتكبها. أقصد بعد أن أدرك كيف يستغل الأصوليون بكل لهفة أبحاثه لخدمة قضيتهم الظلامية المضادة لقضيته التنويرية. عندئذ أحسّ بهول ما ارتكب. فكيف يمكن أن نخرج من مستنقع التخلف الذي سقطنا فيه؟ إذ أقول: ذلك لا يعني أني أعتبر الأبحاث الاستشراقية بمثابة المعصومة. لا، أبداً. لا عصمة في العلم. ولكن على الأقل لنطلع على أبحاثهم قبل أن ننتقدها إذا كنا نستطيع أن نرتفع إلى مستواها طبعاً. كيف يمكن أن نهاجمهم وندينهم قبل أن نطلع على ما فعلوه وأنجزوه. ينبغي العلم أن الصورة التي نمتلكها عن تراثنا هي صورة تبجيلية أو أصولية تقليدية، عفى عليها الزمن. وبالتالي فالاستشراق هو وحده الذي كشف لنا عن الصورة التاريخية والواقعية الحقيقية. فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضرّ أنفسنا كثيراً. لماذا؟ لأننا نؤخر تحررنا الفكري بكل بساطة، ونظل مقطوعين عن ركب العلم والحضارة إلى ما لا نهاية. وعلى أي حال، فإن المثقفين العرب لا يستطيعون القيام بما فعله الاستشراق من عمل فكري تحريري لسببين: أولاً لأنهم غير مسيطرين على المنهج والمصطلح. وبالتالي غير قادرين على تطبيق المناهج الحديثة على التراث. وثانياً لأنهم على فرض أنهم يمتلكون ذلك فإنهم لا يتجرأون على الاقتحام الفكري إلا إذا غادروا بلدانهم العربية وأقاموا في بلدان الغرب لحماية أنفسهم من غضب الشارع وزمجرات الأصوليين. في كلتا الحالتين لم يبقَ لنا إلا الاستشراق الذي قدّم لنا أكبر خدمة مجاناً. لقد حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عنا. ولم يكن دافعه إلى ذلك السيطرة ولا الهيمنة، وإنما حبّ الفضول المعرفي ومتعة الكشف العلمي التي لا تعادلها متعة. ولو كنت صاحب قرار في العالم العربي لأمرت فوراً بفتح مركز كبير للترجمة في المشرق أو المغرب متخصص بنقل أمهات الكتب الاستشراقية فقط إلى لغتنا العربية. هذه هي الطريقة الوحيدة لكي نتحرر من رواسب الماضي والانغلاقات الطائفية والمذهبية التي تنغص عيشنا وتسمم وجودنا وتمزق شعوبنا ومكوناتنا الاجتماعية. ليس بالعقلية التكفيرية القديمة سوف نبني وحدتنا الوطنية ونهضتنا الإشعاعية والحضارية المقبلة.

ومؤخراً صدر في باريس كتابان موسوعيان أساسيان بعنوان «قرآن التاريخ»، و«محمد التاريخ». آلاف الصفحات لكل واحد. أي القرآن الكريم مدروساً من وجهة نظر تاريخية وفلسفية محضة. وكذلك النبي الأكرم مفهوماً على ضوء أحدث المناهج والكشوفات بصفته أحد أعظم الشخصيات التي أثرت على التاريخ البشري. والسؤال المطروح الآن: متى سينقل العرب كل هذه الكنوز المعرفية إلى لغة الضاد؟ متى سيدخل العرب التاريخ من جديد؟