«الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية» إلى أين؟

توماس غومارت يحاول الإجابة عن السؤال في كتابه «جنون العالم»

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

«الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية» إلى أين؟

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

في الحديث المطول الذي أدلى به نهاية الأسبوع الماضي، والذي وزّع قصر الإليزيه نصه أول من أمس لمجلة «غران كونتينان» (القارة الكبيرة)، المتخصصة في الدراسات الاستراتيجية والسياسية، وهي إلى حد ما أكاديمية، دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مجدداً وبقوة عن دعوته دول الاتحاد الأوروبي للتمكن مما يسميه «الاستقلالية الاستراتيجية» (أي أوروبا القوية) التي اعتبر أنها «الاحتمال الوحيد لإعادة فرض قيمنا لتجنب الاحتكار الثنائي الأميركي - الصيني والانهيار وعودة القوى الإقليمية المعادية». وكلام ماكرون يمكن النظر إليه على أنه رد مباشر على وزيرة الدفاع الألمانية أنيغريت كرامب - كارنباور التي دعت مؤخراً إلى «التخلي عن أوهام الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي». ووفق المسؤولة الألمانية المشككة، فإن الأوروبيين «لن يتمكنوا من لعب دور أميركا كضامن للأمن». وبالمقابل، يؤكد ماكرون أنهم «في حاجة إلى مواصلة بناء استقلاليتهم لأنفسهم كما تفعل الولايات المتحدة لنفسها وكما تفعل الصين لنفسها». وفي أي حال، فإن الرئيس الفرنسي يرى أن واشنطن «لن تحترم الأوروبيين كحلفاء لها إلا إذا كانوا جادين مع أنفسهم وكانوا سياديين في مسائلهم الدفاعية».
يبين هذا الجدل كم أن موضوع «الاستقلالية الاستراتيجية» يعتمل الفضاء الأوروبي. وما أجج النقاش الداخلي بين أعضائه تعاطي الرئيس الأميركي مع الحلف الأطلسي والشكوك الأوروبية بنوايا واشنطن. دونالد ترمب اعتبر أن الحلف «عفا عليه الزمن». وخلال السنوات الأربع المنقضية، عاش الأوروبيون «على أعصابهم» بسبب انعدام اليقين إزاء ما تريده واشنطن وما تنوي فعله. من هنا، مسارعة باريس وبرلين، عبر مقال مشترك لوزيرَي خارجية البلدين هايكو ماس وجان إيف لودريان، نشر في ثلاث صحف رئيسية أوروبية وأميركية، إلى دعوة الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن إلى «تعزيز وحدة الحلف الأطلسي»، وإلى أن يعمل الجانبان الأوروبي والأميركي معاً من أجل «ابتكار معطى جديد». ويرى الوزيران، أن وصول بايدن إلى البيت الأبيض يمكن أن يشكل عاملاً دافعاً بهذا الاتجاه.
على ضوء ما تقدم، يمكن أن يفهم الإلحاح الفرنسي ممثلاً بالرئيس ماكرون في طرح ملف تعتبره باريس حيوياً. ولهذا الملف؛ كرس توماس غومارت، مدير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، كتابه الصادر حديثاً تحت عنوان «جنون العالم، التحديات الجيوسياسية العشرة»، وأحدها مستقبل الاتحاد الأوروبي بين قوتين مهيمنتين (الولايات المتحدة والصين)، والدور الذي تستطيع أوروبا أن تلعبه إذا أرادت أن تكون كتلة رائدة لها موقعها على الصعيد العالمي وليس تابعاً للولايات المتحدة أمنياً وسياسياً.

لماذا السعي الأوروبي لـ«الاستقلالية الاستراتيجية»؟
حقيقة الأمر، أن فصول الكتاب العشرة كافة مترابطة فيما بينها. إلا أن عنوان الفصل المكرس للاتحاد الأوروبي (أوروبا التائهة) يعكس إلى حد كبير مقاربة وتحليل المؤلف الذي يرى أن القارة القديمة «تواجه تحدياً مزدوجاً: التحدي الوجودي من جهة، وتحدي تكيفها مع عالم اليوم من جهة أخرى». يضاف إلى ذلك عنصران رئيسيان: الأول، أن أوروبا تفتقر اليوم لمن «يجسد» طموح الاستقلالية الاستراتيجية. وقد يكون الكاتب في ذلك قد انتقص من الدور الذي يريد الرئيس ماكرون أن يلعبه على المسرح الأوروبي. والثاني تراجع تمسك الأوروبيين بالبناء الأوروبي الذي هو محصلة عقود من الجهود الجماعية. صورة الاتحاد، أنه «تراكم فضاءات متعددة، فضاء شينغن، فضاء اليورو، الفضاء الأوروبي الشامل...»، ومنطقة ازدهار اقتصادي متراجعة عن منطق القوة السائد حالياً في العالم. والحال أن الاتحاد ما زال بناءً سياسياً هشاً قائماً على التخلي عن أجزاء من السيادة الوطنية وعلى مبدأ التضامن والاندماج. والتحدي الرئيسي الذي يواجهه عنوانه المسعى ليكون لاعباً له تأثيره في العولمة واستعادة الحيوية الاقتصادية تمكنه من المنافسة على مستوى العالم، والأهم أن يتوصل لاكتساب المصداقية الجيوسياسية للتمكن من الدفاع عن نفسه» بحيث لا يبقى مرتهناً للإرادة الأميركية ومظلتها النووية.
المفارقة التي يتوقف عندها الكتاب تكمن في أن أوروبا كانت القوة المهيمنة في العالم منذ القرن الـ15 وحتى القرن الـ19؛ وذلك بفضل تفوقها التكنولوجي الذي جاء بعد الكشوف الجغرافية التي حققها بحارتها الكبار ومكّنتها من استعمار أميركا والتواجد في غالبية أصقاع العالم. أوروبا كانت «سيدة العولمة». إلا أن الحربين القاتلتين اللتين أشعل نارها الأوروبيون (الحربان العالميتان الأولى والثانية) قلصتا الهيمنة الأوروبية ونقلتاها إلى الضفة الأطلسية الأخرى، كما استولدت القوة السوفياتية ووفرت الشروط لقيام الحرب الباردة التي جعلت أوروبا تحت العباءة الأميركية. من هنا، وفق قراءة الكاتب، فإن قيام الكتلة الأوروبية التي تغير اسمها مع مرور العقود ليتحول إلى «الاتحاد الأوروبي» كان هدفه الأول منع قيام حروب إضافية بين الأوروبيين، وهو ما تحقق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قبل 75 عاماً، حيث عاشت أوروبا أطول فترة سلام وازدهار. إلا أنه لم يفض إلى قيام أوروبا القوة السياسية والعسكرية المتمتعة بالاستقلالية الاستراتيجية، حيث إن أوروبا ينطبق عليها القول إنها «مارد اقتصادي ولكن رجليه من طين». فأهم كتلة اقتصادية في العالم غير قادرة على التدخل في جوارها المباشر، أكان في المتوسط أو في أفريقيا، أي في المناطق التي تعرف العديد من البؤر المتفجرة، كما أن مبدأ الإجماع في السياسة الخارجية يشل حركتها. ولعل أبلغ دليل على ذلك فشلها في التوافق على سياسة موحدة للتعامل مع الهجرات المكثفة وغير الشرعية التي تصل إلى شواطئها من بلدان شمال أفريقيا وعبر تركيا ومن مياه المتوسط ما يشكل لها تحدياً رئيسياً، خصوصاً على الصعيدين السياسي والاجتماعي، ناهيك عن الصعوبات الثقافية والأعمال العنفية والإرهابية التي ضربت العديد من مدنها. ووفق الإحصائيات التي يوردها المؤلف، فإن 1.8 مليون مهاجر دخلوا إلى الاتحاد في عام 2015 غالبيتهم إلى ألمانيا. ورغم تراجع تيار الهجرات، فإن المهاجرين ما زالوا يتدفقون على الشواطئ الأوروبية، والأوروبيون ضائعون وتائهون، ويراهنون هنا على ألمانيا للجم التدفق، وهناك على سلطات ليبية غير موجودة لمنع انطلاقهم من مرافئها. إلا أن قناعتهم الراسخة أن هذا التيار لن يتوقف مهما اشتدت الإجراءات الأمنية ومخيمات اللاجئين غير الإنسانية، أكانت في الجزر اليونانية أو على الشاطئ الأفريقي ستبقى مصدر صداع لهم ودليلاً على عجزهم.
تبين دراسة صادرة عن المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، أن مفهوم «الاستقلالية الاستراتيجية» ظهر في الكتابات الفرنسية منذ نحو العقد. ففي «الكتاب الأبيض» الصادر في العام 2013 الذي يرسم السياسة الدفاعية الفرنسية ورد هذا المفهوم 15 مرة، كما ورد 28 مرة في مجلة «الاستراتيجية الدفاعية والأمن الوطني» لعام 2017، منها سبع مرات تحت مسمى «الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية». كذلك أخذ هذا المفهوم في الظهور في الوثائق الأوروبية منذ عام 2013، لكن ظهوره تكاثر في السنوات الأخيرة، ليس فقط في الوثائق الرسمية ولكن أيضاً في تصريحات المسؤولين الأوروبيين. لكن تجدر الإشارة إلى أن مشروع «الاستقلالية الاستراتيجية» لا يلقى فقط معارضة وزيرة الدفاع الألمانية «التي تعكس الموقف الألماني الرسمي الذي تعبر عنه المستشارة الألمانية»، بل خصوصاً شرق ووسط أوروبا التي خرجت حديثاً من سيطرة العباءة الروسية وانضمت إلى الحلف الأطلسي ولا تريد بأي يحال أن تقايض المظلة الأميركية «ومن ضمنها النووية» القائمة بمظلة أوروبية غير موجودة؛ إذ في الحلف الأطلسي الذي انضمت إليه تلك الدول سريعاً بعد انهيار حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفياتي ضمانة لعدم الرجوع إلى الوراء. ويعني ذلك عملياً أن العديد من السنوات سيمر قبل أن تتحول الاستقلالية الاستراتيجية إلى واقع. وفي أي حال، يؤكد خبراء الشأن الأوروبي أن ترجمة «مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية» يختلف بين طرف وآخر، حيث إن بعضهم يراه «الى جانب» الحلف الأطلسي، بينما يريده البعض الآخر «بديلاً عنه». لكن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يعني، وفق الكاتب، أن عضواً رئيسياً يملك القوة النووية ويتمتع بمقعد دائم في مجلس الأمن وبحق النقض «الفيتو» قد افتقده الأوروبيون في بحثهم عن الاستقلالية. من هنا، إصرار باريس وبرلين على بقاء لندن طرفاً في اتفاقيات الصناعات الدفاعية المشتركة. ثم هناك عامل آخر عنوانه في واشنطن. فمن المتفق عليه أن رئاسة ترمب دفعت الأوروبيين إلى السعي لتحقيق «الاستقلالية» الموعودة. لكن مع وصول بايدن إلى البيت الأبيض واستعداده لتوثيق العلاقة مجدداً مع الجناح الأوروبي للحلف لا يمكن استبعاد أن تضعف حماسة دعاة الاستقلالية. ومن المرجح أن يكون هذا العامل هو الدافع الذي جعل وزيرة الدفاع الألمانية تستبعد الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، علماً بأن برلين أعربت عن «قلقها» عندما كشفت إدارة ترمب عن رغبتها في تخفيض أعداد القوات الأميركية المرابطة على الأراضي الألمانية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ ما يعني ضمناً أنها تسعى إلى «إغواء» واشنطن ودفع إدارة بايدن القادمة إلى تناسي ما كانت تريده الإدارة السابقة.

ماذا تعني «الاستقلالية الاستراتيجية»؟
قد يعتقد البعض أن هذا المبدأ يعني فقط الميدان العسكري، وهو ما يجانب الحقيقة؛ إذ إن المفهوم المشار إليه هو – بداية - ذو بعد سياسي رئيسي يتداخل مع الأبعاد التي تتناول مسائل الطاقة والتكنولوجيا والوصول إلى المعادن النادرة وإلى الفضاء الخارجي وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الصناعي، وغيرها من الأبعاد التي من دون السيطرة عليها لن تتمكن أوروبا من الوصول إلى مرحلة «الاستقلالية الاستراتيجية». وجاء وباء «كوفيد - 19» ليبين انكشاف بلدان الاتحاد الأوروبي إزاء الصين والهند وعدم قدرته على توفير الأدوية واللقاحات والكمامات وأجهزة التنفس الصناعي بسبب سياسات المجموعات الصناعية الأوروبية في العقود المنصرمة التي فضلت ركوب قطار العولمة والانغراس في البلدان التي توفر لها أكبر قدر من الربحية بسبب ضعف الرواتب واليد العاملة. ومن غير توافر هذه العناصر، سيكون من الصعب على أوروبا أن تتحول إلى قطب فاعل إزاء ومؤثر إلى جانب قوى ثلاثة الولايات المتحدة والصين وروسيا رغم أن تياراً فكرياً واستراتيجياً يعتبر أن روسيا ليست قوة اقتصادية، بل إن حضورها مرده فقط لكونها قوة عسكرية «ونووية» تحاول العودة إلى المسرح العالمي من خلال اللجوء إليها «كما في أوكرانيا وسوريا وليبيا وجنوب القوقاز...».
يعتبر توماس غومارت أن عوامل عديدة داخلية «طاردة» تلعب ضد تحقيق ما يعتبره بعض الأوروبيين «الهدف الأسمى»، وأولها تراجع تعلق الأوروبيين بالاتحاد ووجود نزعات «انفصالية» داخله كما في إسبانيا مع «كاتالونيا»، وفي بريطانيا «اسكوتلندا»، وإيطاليا «لومبادريا»، وفرنسا «كورسيكا»، ناهيك عن خروج بريطانيا منه. ثم هناك عاملان ديموغرافي واقتصادي: سكان الاتحاد لن يشكلوا في السنوات القليلة المقبلة سوى 7 إلى 8 في المائة من البشرية، في حين نسبة كبار السن سوف تتنامى. واقتصادياً، ستتراجع رتبة الاتحاد؛ إذ إن حصته من الناتج العالمي الخام كانت في عام 2012 تزيد على 23 في المائة، ستتقلص إلى 15.5 في المائة، بينما حصة الصين مثلاً ستستمر بالنمو لتصل إلى 24.9 في المائة «مقابل 11.5 في المائة في عام 2012».
يعتبر المؤلف أن تمسك الأوروبيين بـ«الإدارة التعددية لشؤون العالم» يسير بعكس التيار السائد الذي تنهجه القوى الرئيسية الثلاث، من هنا الحاجة إلى أن تثبت أوروبا موقعها. ورغم العقبات المشار إليها التي تعيق الوصول إلى «الاستقلالية الاستراتيجية»، فإن الأوروبيين يتعاونون في المجال العسكري الذي كان عماده فرنسا وألمانيا وبريطانيا. وثمة علامات استفهام تطرح بشأن لندن وما إذا كان خروجها من الاتحاد سيجعلها تتخلى عن البرامج العسكرية أو الصناعات الدفاعية الأوروبية التي كانت ضالعة فيها، وسيدفعها للالتصاق بواشنطن أي بالحلف الأطلسي. وفي أي حال، يعتبر الكاتب أن المحور الفرنسي - الألماني سيبقى في المستقبل كما كان في الماضي الأساس الذي بني عليه الاتحاد والقوة الفاعلة التي يمكن أن تدفع لمزيد من الاندماج.

تهديد من الداخل
يقول المؤلف «إن أوروبا تستشعر (جنون العالم) (عنوان الكتاب) أكثر من غيرها من بين مناطق العالم. والسبب أن نخبتها والمواطنين يرون أنها لم تعد تمسك مصيرها بيديها. أوروبا فرضت إيقاعها على العالم طيلة خمسة قرون وجاءت الحربان العالميتان لتقضيا عليه إلى أن جاء المشروع الأوروبي القائم على التصالح بين الشعوب الأوروبية ليعدي الأمل. والحال أنه اليوم مهدد من الداخل في حين يخضع لضغوط من الخارج، وهو الطي يفرض إيقاعه. وهذا الواقع لا يتعين أن يدفعنا إلى الإحباط، بل إلى بذل جهود مضاعفة من أن نستمر في التأثير على العولمة». ويتوقف المؤلف عند «الاستحقاقات» أو التحديات التي يتعين على الاتحاد أن يواجهها «الآنية ومتوسطة وبعيدة الأجل» ليبقى طرفاً فاعلاً، مشدداً على أن أوروبا كـ«كتلة» قادرة على التأثير أكثر من أي دولة بمفردها وفي منظاره «ميزات» أوروبية يمكن أن يكون لها وزنها في العالم المعولم مثل استمرار أوروبا كقطب جاذب قوتها الاقتصادية وليبراليتها وأسلوب الحياة الأوروبي والقوة «الناعمة»... وفي هذا كله، لا يجافي المؤلف الحقيقة والواقع. إلا أن أوروبا بذلك تبقى بعيدة وبعيدة جداً عن أن تتمكن من «الاستقلالية الاستراتيجية» التي يقدر أن تبقى حلماً للقادم من الأجيال.


مقالات ذات صلة

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ثقافة وفنون أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق أدريانا كاريمبو (غيتي)

أدريانا كاريمبو: كتاب عن الحبّ وذكريات من بلد لم يعد موجوداً

وصلت إلى عاصمة النور وكادت تفقد أحلامها، فقد أسكنوها في شقة مع عدد من العارضات المبتدئات وبقيت 5 أيام من دون طعام.

«الشرق الأوسط» (باريس)
ثقافة وفنون أنتونيس في مكتبه

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات.

آدم نوسيتر
ثقافة وفنون يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

عن دار «منشورات الربيع» بالقاهرة صدرت رواية «المساكنة الملعونة» للكاتبة السورية سوسن جميل حسن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك
TT

فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك

يمكن القول إنه بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت عدة شخصيات استشراقية كبرى. وهي التي ألقت أضواء ساطعة على تراثنا العربي الإسلامي فجددته ونورته بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. نذكر من بينها لويس ماسينيون، ومونتغمري واط، وريجيس بلاشير، وهنري كوربان، وهنري لاوست، وجاك بيرك، وكلود كاهين، وروجيه أرنالديز، وجورج مقدسي، ومكسيم رودنسون، وبرنارد لويس، وتيلمان ناجيل، وجوزيف فان آيس، وأندريه ميكل، وجاكلين شابي، وعشرات غيرهم. ويمكن القول إن إضاءات الاستشراق نفذت إلى عمق أعمق التراث. ولكن من يتجرأ على ترجمة كتبه الأمهات؟ لم تخلقه أمه بعد. هنا يوجد كشف الكشوف، فتح الفتوح. إضاءات تتلوها إضاءات عن تراث العرب والإسلام. حفر أركيولوجي في الأعماق، أعماق تراثنا العربي الإسلامي. نزول إلى الطبقات السفلية التحتية، إلى أسفل طبقة، إلى أعمق طبقة... هذا هو العلم الذي ينير الأبصار. هذا هو العلم الذي يشق دياجير الظلام. ثم يشتمون الاستشراق بعد كل ذلك؟ منذ أربعين سنة وأنا أحلم بتأليف كتاب جديد بعنوان: «الحفر الأركيولوجي في الأعماق وتحرير التراث من التراث أو تحرير الروح من الروح». وعجزت عنه. ولكن عبقرية الاستشراق توصلت إليه. شكراً لهم وألف شكر. ماذا أريد أكثر من ذلك؟ لأول مرة أشعر بأني أولد من جديد. لأول مرة أشعر بأني أتحرر من حالي وتراكماتي وانسدادات آفاقي. لأول مرة أشعر بأن روحي أصبحت حرة طليقة في عالم عربي مقيد بالأصفاد. ولكن إلى حين...

إدوارد سعيد

هذا، وقد حققت الدراسات الاستشراقية إنجازات ضخمة طيلة الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية. ويعود الفضل في ذلك إلى تجدد مناهجها قياساً إلى أجيال المستشرقين السابقين في القرن التاسع عشر حتى منتصف العشرين. فالعلم تغير بطبيعة الحال، وكذلك المنهج والمصطلح. هذا لا يعني إنكار أهمية الإنجازات التي حققها المستشرقون الطليعيون الأوائل. فهي أكثر من ضرورية. ولها فضل السبق. ومن أهم المشاريع الجماعية الكبرى في هذه الفترة نذكر أولاً «الموسوعة الإسلامية» في طبعتها الثانية. وهي أفضل من الأولى وأكثر اتساعاً وشمولاً. إنها تمثل العلم الاستشراقي بالمعنى الرصين والدقيق للكلمة. وقد ساهم فيها باحثون عرب ومسلمون، وليس غربيون فقط. ولكن كلهم «مستشرقون» بالمعنى العلمي والإيجابي للكلمة: أي يحسنون تطبيق المنهج التاريخي الحديث على تراثنا العربي الإسلامي ويسيطرون على المنهج والمصطلح. والموسوعة الإسلامية كنز لا ينضب من المعلومات والتحليلات عن هذا التراث الضخم والعريق. ولا يمكن أن يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام، لا في جامعة السوربون، ولا جامعة القاهرة، ولا جامعة الرياض، ولا جامعة أبوظبي، ولا كل جامعات العالم. ثم ظهرت بعدها في السنوات الأخيرة موسوعة جديدة مهمة، هي «الموسوعة القرآنية». وقد أشرفت عليها باحثة أميركية كبيرة. وشارك فيها أيضاً باحثون مسلمون وغير مسلمين من أمثال نصر حامد أبو زيد، ووداد القاضي، ومحمد أركون، وعشرات غيرهم. وصدرت في خمسة أجزاء، ثم أضيف إليها جزء سادس كفهرس شامل للمشروع. وهي تعكس النظرة التاريخية الحديثة للقرآن الكريم. وبالتالي يمكن للقارئ أن يقارنها بالنظرة التبجيلية التقليدية السائدة منذ قرون. فرق كبير وتحرير أكبر... ونحن نعتقد أن النظرة العلمية والتاريخية والفلسفية توسع الإيمان وتجعله مستنيراً ناضجاً ولا تنقضه إطلاقاً. إنها تنقض فقط الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين والمكفر لهم بشكل مسبق. فهناك الإيمان الذي يحيي وينعش، وهناك الإيمان الذي يعمي ويقتل. وشتان ما بينهما. شتان ما بين عقلية القرون الوسطى وعقلية القرون الحديثة.

ولا ننسى «القاموس الموسوعي للقرآن الكريم» من تأليف الباحث الجزائري الراحل مالك شبل. وينبغي أن نضيف إلى كل ذلك «قاموس القرآن الكريم» الذي صدر في باريس وشارك في إنجازه ما لا يقل عن ثمانية وعشرين باحثاً أكاديمياً مسلماً وغير مسلم. هكذا نلاحظ أن الاستشراق بالمعنى العلمي الأكاديمي للكلمة لم يعد محصوراً بالباحثين الأجانب، وإنما أصبح يشمل أيضاً الباحثين العرب والمسلمين. وأقصد بهم أولئك الذين يشتغلون في جامعات الغرب ويتقنون مناهج البحث العلمي ويحسنون تطبيقها على تراثهم الإسلامي كما يحسن فلاسفة الغرب تطبيقها على تراثهم المسيحي. وهذا قد يخفف من حدة العداء للاستشراق والمستشرقين في الأوساط العربية والإسلامية المحافظة أو المؤدلجة أكثر من اللزوم. فالتعاون الفكري بين الباحثين العرب والباحثين الأجانب يساهم مساهمة فعّالة ليس في إنارة التراث وتخليصه من براثن الظلاميين فقط، وإنما يساهم أيضاً في تدشين حوار الثقافات والحضارات.

ينبغي العلم أن أقطاب الكنيسة الكاثوليكية هاجموا سابقاً تطبيق المناهج الحديثة على التراث المسيحي بذات العنف الذي يهاجم به الشيوخ التقليديون حالياً الاستشراق لأنه طبق ذات المنهجية على تراثنا العربي الإسلامي. العقلية الأصولية واحدة مهما اختلفت الأديان والمذاهب. التعصب هو التعصب والانغلاق هو الانغلاق. وهذا يعني أن المعركة ضد الأصولية الانغلاقية التكفيرية سوف تحصل في الجهة العربية الإسلامية كما كانت قد حصلت في الجهة المسيحية الأوروبية.

إنها لمصيبة كبرى أننا ابتلينا بهذه الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية التي تحارب تطبيق المناهج العلمية الحديثة على تراثنا بحجة حمايته من عدوان الاستشراق والمستشرقين! وقد سقط في هذا الفخ باحثون كبار مبدعون كإدوارد سعيد. ناهيك عن أنور عبد الملك وآخرين. وهكذا قدموا للأصوليين محاجات حداثية أو قل ضمانات حداثية كانت تنقصهم بشكل موجع. لقد قدموا لهم سلاحاً فعالاً لكي يجلدوننا به. شيء مؤسف جداً ولكن هذا ما حصل. أحياناً يلعب المثقف الحداثي دور «الأبله المفيد» لقضية غير قضيته، بل معاكسة لقضيته. ولله في خلقه شؤون. على أي حال، فقد تراجع إدوارد سعيد عن ذلك في الطبعة الثانية لكتابه الشهير، بعد أن أدرك حجم الحماقة التي ارتكبها. أقصد بعد أن أدرك كيف يستغل الأصوليون بكل لهفة أبحاثه لخدمة قضيتهم الظلامية المضادة لقضيته التنويرية. عندئذ أحسّ بهول ما ارتكب. فكيف يمكن أن نخرج من مستنقع التخلف الذي سقطنا فيه؟ إذ أقول: ذلك لا يعني أني أعتبر الأبحاث الاستشراقية بمثابة المعصومة. لا، أبداً. لا عصمة في العلم. ولكن على الأقل لنطلع على أبحاثهم قبل أن ننتقدها إذا كنا نستطيع أن نرتفع إلى مستواها طبعاً. كيف يمكن أن نهاجمهم وندينهم قبل أن نطلع على ما فعلوه وأنجزوه. ينبغي العلم أن الصورة التي نمتلكها عن تراثنا هي صورة تبجيلية أو أصولية تقليدية، عفى عليها الزمن. وبالتالي فالاستشراق هو وحده الذي كشف لنا عن الصورة التاريخية والواقعية الحقيقية. فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضرّ أنفسنا كثيراً. لماذا؟ لأننا نؤخر تحررنا الفكري بكل بساطة، ونظل مقطوعين عن ركب العلم والحضارة إلى ما لا نهاية. وعلى أي حال، فإن المثقفين العرب لا يستطيعون القيام بما فعله الاستشراق من عمل فكري تحريري لسببين: أولاً لأنهم غير مسيطرين على المنهج والمصطلح. وبالتالي غير قادرين على تطبيق المناهج الحديثة على التراث. وثانياً لأنهم على فرض أنهم يمتلكون ذلك فإنهم لا يتجرأون على الاقتحام الفكري إلا إذا غادروا بلدانهم العربية وأقاموا في بلدان الغرب لحماية أنفسهم من غضب الشارع وزمجرات الأصوليين. في كلتا الحالتين لم يبقَ لنا إلا الاستشراق الذي قدّم لنا أكبر خدمة مجاناً. لقد حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عنا. ولم يكن دافعه إلى ذلك السيطرة ولا الهيمنة، وإنما حبّ الفضول المعرفي ومتعة الكشف العلمي التي لا تعادلها متعة. ولو كنت صاحب قرار في العالم العربي لأمرت فوراً بفتح مركز كبير للترجمة في المشرق أو المغرب متخصص بنقل أمهات الكتب الاستشراقية فقط إلى لغتنا العربية. هذه هي الطريقة الوحيدة لكي نتحرر من رواسب الماضي والانغلاقات الطائفية والمذهبية التي تنغص عيشنا وتسمم وجودنا وتمزق شعوبنا ومكوناتنا الاجتماعية. ليس بالعقلية التكفيرية القديمة سوف نبني وحدتنا الوطنية ونهضتنا الإشعاعية والحضارية المقبلة.

ومؤخراً صدر في باريس كتابان موسوعيان أساسيان بعنوان «قرآن التاريخ»، و«محمد التاريخ». آلاف الصفحات لكل واحد. أي القرآن الكريم مدروساً من وجهة نظر تاريخية وفلسفية محضة. وكذلك النبي الأكرم مفهوماً على ضوء أحدث المناهج والكشوفات بصفته أحد أعظم الشخصيات التي أثرت على التاريخ البشري. والسؤال المطروح الآن: متى سينقل العرب كل هذه الكنوز المعرفية إلى لغة الضاد؟ متى سيدخل العرب التاريخ من جديد؟


الذكاء الاصطناعي يكشف عن نصوص مجهولة من ملحمة جلجامش

جلجامش وأنكيدو
جلجامش وأنكيدو
TT

الذكاء الاصطناعي يكشف عن نصوص مجهولة من ملحمة جلجامش

جلجامش وأنكيدو
جلجامش وأنكيدو

تحت أقبية المتحف البريطاني في لندن، حيث تتجاور العتمة مع الضوء، وحيث يتحوّل الصمت إلى مادة قابلة للإصغاء، ترقد آلاف الشظايا الطينية كأنها أرشيفٌ للإنسان قبل أن يتعلّم الأرشفة. قطعٌ صغيرة، متشققة الأطراف، تحمل في نقوشها المسمارية توتّر البدايات: خوف الكائن من انطفائه، وشغفه بأن يترك أثراً أثقل من جسده وأطول عمراً من أنفاسه. هنا، على طينٍ جفّ فوق ضفاف دجلة، والفرات، كُتبت «ملحمة جلجامش» بوصفها سيرةَ سؤالٍ أكثر منها حكايةَ بطل: سؤال الخلود حين يقترب الموت من القلب.

الطين في هذه الألواح ليس مجرد وسيط كتابة، بل فلسفةٌ كاملة: فكرةٌ تهبط من التجريد إلى الكتلة، تتحوّل إلى جسمٍ يمكن لمسه، وكأن الذاكرة تحتاج وزناً كي تقاوم الريح. الكتبة العراقيون القدماء ضغطوا بمساميرهم على طينٍ طري، فتركوا أثر اليد داخل أثر الحرف، وصنعوا جسراً بين الحضور، والغياب. ثم جاءت النار التي التهمت قصور نينوى، فشوَت الألواح وزادتها صلابة، فصار الخراب شريكاً في البقاء، والكارثة ختمَ حفظٍ غير مقصود على مخطوطات الأرض.

عند تأمل «اللوح الحادي عشر» (لوح الطوفان) الذي اكتشفه جورج سميث عام 1872، نرى الحروف المسمارية وقد برزت متحديةً عوامل التعرية. وقف سميث حينها مذهولاً أمام تطابق النص مع روايات الطوفان الأخرى في الأديان عبر العالم، مدركاً أنه يمسك بأقدم وثيقة أدبية مكتوبة.

تمتلك المكتبات، والمتاحف، والجامعات أكثر من نصف مليون لوح طيني عراقي منقوشة بخط مسماري مثل «اللوح الحادي عشر». لكن العدد الهائل من النصوص، والعدد القليل من قراء الأكادية -وهي لغة لم يتحدث بها أو يكتبها أحد منذ 2000 عام- يعني أن جزءاً صغيراً فقط من هذه الألواح قد ترجم.

على أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً جذرياً في طريقة قراءة هذه النصوص. فبينما كان العلماء يعتمدون على العين المجردة، والذاكرة البصرية لمحاولة مطابقة آلاف الكسر المتناثرة من قبل عدد محدود من الخبراء الذين يتقنون قراءة اللغات المندثرة، دخل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه لاعب محوري في هذه العملية. مشروع «فراغمنتاريوم» بقيادة إنريكي خيمينيز يمثل ثورة حقيقية في هذا المجال. الخوارزميات الآن تمسح صور الكسور الطينية وتعالجها رياضياً لتجد الروابط بين قطعة موجودة في لندن، وأخرى في بغداد، أو ييل.

هذه التقنية وفرت تسريعاً هائلاً لعملية تجميع واستعادة النصوص ومطابقتها. لقد نجحت الأجهزة الذكية في ضم مئات القطع المتناثرة، مضيفة سطوراً جديدة بالكامل للملحمة. الآلة هنا تعمل عيناً ثالثة، ترى الأنماط التي تغيب عن العين البشرية، وتعيد بناء اللغز المعقد الذي تركه الزمن. وبفضلها، بتنا نقرأ تفاصيل دقيقة كانت غائبة لقرون، ونسمع أصواتاً ظلت صامتة تحت ركام التاريخ.

كشفت النصوص التي جُمعت حديثاً عن فصول مجهولة لم تقرأ من قبل في رحلة جلجامش وصديقه إنكيدو. فتخبرنا عن زيارة البطلين إلى مدينة نيبور، المركز الديني للعراق القديم، في محاولة لاسترضاء الإله «إنليل» بعد قتلهما للوحش «خمبابا». هذا التفصيل يضيف بعداً سياسياً ودينياً لرحلتهما؛ فهما لم يكونا مجرد مغامرين، بل كانا يدركان ثقل الخطيئة، وضرورة التكفير عنها أمام سادة المصير.

كذلك، ظهرت نصوص تصف صلاة «ننسون»، والدة جلجامش، وهي تتوجه إلى إله الشمس «شماش» طالبةً منه رعاية إنكيدو ليكون دليلاً لابنها في غابة الأرز. هذه السطور تعمق البعد العاطفي للأمومة، والقلق في الملحمة، وتظهر إنكيدو بوصفه شخصية محورية تستحق الحماية الإلهية بفضل دعوات الأم الملكية.

ومن أكثر الإضافات إثارةً للدهشة تلك المتعلقة بشخصية «أوتنابشتم» (الناجي من الطوفان العظيم). تُظهر الأجزاء الجديدة شعوره بالذنب تجاه العمال الذين بنوا له السفينة. يذكر النص أنه «أغدق» عليهم الشراب، والولائم، بينما كان يعلم في قرارة نفسه أن مصيرهم الغرق المحتوم. كلمة «أغدق» أو «سقى بإسراف» تكشف عن صراع نفسي عميق لدى الناجي، وتجعل منه شخصية تراجيدية تحمل عبء المعرفة وحدها.

تبقى العلاقة بين جلجامش وإنكيدو المحرك الأساسي للملحمة. النصوص الطينية تصف بدقة مشاعر الفقد، والألم. حين مات إنكيدو، رفض جلجامش تسليم جثته للقبر، وظل يراقب صديقه بانتظار عودته للحياة، حتى سقطت دودة من أنفه. هذا المشهد، الذي تصوره الألواح بواقعية فجة، يجسد «الصدمة» الأولى التي تدفع الإنسان للبحث عن الخلود.

صرخة جلجامش: «هل سأكون مثله وأرقد فلا أقوم أبد الآبدين؟» تتردد في أروقة المتحف. إنها صرخة الكائن البشري الذي يعي فناءه. الألواح الجديدة تزيد من وضوح حوارات إنكيدو وهو يحاول ثني جلجامش عن بعض المخاطر، ما يبرز دوره باعتبار أنه صوت للحكمة، والحذر، مقابل اندفاع جلجامش الجامح.

في رحلته اليائسة، يلتقي جلجامش بصاحبة الحانة «سيدوري». النص المسماري يقدم نصيحتها باعتبارها واحدة من أقدم الفلسفات الوجودية التي تدعو لاغتنام اللحظة. تقول له: «اجعل بطنك ممتلئة، افرح ليل نهار... انظر للطفل الذي يمسك بيدك، ولتسر زوجتك في أحضانك». هذه الدعوة للحياة البسيطة، والاستمتاع بالحاضر تقف نقيضاً لسعي جلجامش المستحيل وراء الخلود الجسدي.

تكتسب هذه الكلمات عمقاً أكبر عند قراءتها من على سطح لوح طيني متشقق. إنها تذكير بأن الانشغال بالغد قد يضيّع منا جمال اللحظة الآنية. ورغم تجاهل جلجامش لنصيحتها في البداية، وإصراره على المضي قدماً، فإن الملحمة تنتهي بعودته إلى «أوروك» وتأمله لأسوارها العظيمة، في إشارة لقبوله بأن الخلود يكمن في العمل، والإنجاز البشري الذي يبقى بعد رحيل الجسد.

تطرح الاكتشافات الحديثة ألغازاً جديدة تحفز العقل. أحد السطور التي كشفها الذكاء الاصطناعي يأتي على لسان «أوتنابشتم» موجهاً حديثه لجلجامش: «هل بنوا يوماً قصراً لأحمق؟». هذا التساؤل الغامض يفتح باب التأويلات. هل يقصد أن الخلود والمكانة الرفيعة يتطلبان حكمة لا يملكها المتهورون؟ أم يسخر من سعي جلجامش العبثي؟ يبقى هذا السطر دليلاً على أن النص لا يزال يخفي أسراراً تنتظر الفهم، وأن كل كشف جديد يولد أسئلة إضافية.

إن عملية تجميع الملحمة عملية مستمرة، وحيّة. الآلاف من الكسر الطينية في مخازن المتاحف العالمية تنتظر دورها لتدخل تحت ماسحات الذكاء الاصطناعي. ومع كل قطعة تضاف، تزداد الصورة وضوحاً، وتكتسب الشخصيات عمقاً إنسانياً جديداً. العلماء اليوم، مثل ناثان واسرمان، وأندرو جورج، يؤكدون أن التكنولوجيا تعزز القدرة البشرية، ولا تلغيها؛ فهي تقدم الاحتمالات، وتبقي للعقل البشري مهمة الفهم، والتأويل، واستشعار الجمال الأدبي.

إن إعادة قراءة ملحمة جلجامش عبر نقوش المتحف البريطاني وبمساعدة أحدث معطيات التكنولوجيا الحديثة تجربة فريدة للغاية تفتح الباب أمام حوار حضارات حقيقي، فنحن نستخدم أحدث ما أنتجه العقل البشري من خوارزميات لفهم أقدم ما كتبه العقل البشري من قصص. الطين والسيليكون يلتقيان ليخبرا قصة واحدة: قصة الإنسان الذي يبحث عن معنى، ويواجه الفناء بالبناء، والكتابة.

تظل الملحمة العراقية القديمة نصاً مفتوحاً على الاحتمالات، كتاباً يكتب نفسه باستمرار مع كل شظية تخرج من الظل لتأخذ مكانها في جدارية الخلود. جلجامش، الذي رأى كل شيء، ما زال لديه الكثير ليقوله لنا.


حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.