الحوثيون يفرجون عن مسؤول بارز في المخابرات بوساطة عمانية

توتر في مأرب واستعداد قبلي بآلاف المقاتلين لمواجهة المتمردين

اللواء يحيى المراني
اللواء يحيى المراني
TT

الحوثيون يفرجون عن مسؤول بارز في المخابرات بوساطة عمانية

اللواء يحيى المراني
اللواء يحيى المراني

تتصاعد حالة التوتر في محافظة مأرب شرق اليمن أمس مع تزايد الأنباء عن استعداد الحوثيين لاجتياح المحافظة النفطية، في تطور لافت في البلد المضطرب.
وبينما يتصاعد التوتر في مأرب، شهدت العاصمة اليمنية حادثا أمنيا لافتا إذ فرض المتمردون قرارا بتعيين مسؤول استخبارات موال لهم، في محل مسؤول اعتقل أفرج الحوثيون عنه بعد وساطة عمانية. وأفرج أمس عن اللواء يحيى المراني، مسؤول الأمن الداخلي في جهاز الأمن السياسي (المخابرات) بعد قرابة 3 أسابيع على اعتقاله، تمت بوساطة عمانية وجهود بذلها الدكتور عبد الكريم الإرياني، مستشار الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي. واشترط الحوثيون إقالة المسؤول الأمني البارز مقابل الإفراج عنه وتعيين أحد المحسوبين عليهم بدلا عنه، في الوقت الذي يحكم الحوثيون قبضتهم على مفاصل الأمور وعلى المؤسسات الحكومية والأمنية في البلاد. ومنذ نحو 3 أيام والحوثيون ينفذون سلسلة من الاعتقالات في صفوف معارضيهم من رجال القبائل والقوى السياسية الأخرى في صنعاء وأرحب وإب وغيرها من المناطق.
وقال محمد المراني، نجل اللواء يحيى المراني لـ«الشرق الأوسط» إن الوساطة العمانية جاءت للإفراج عن والده بعد استجابة السلطات للحوثيين وتعيين اللواء عبد القادر الشامي، خلفا لوالده في الأمن الداخلي بجهاز الأمن السياسي. وأكد أنه رغم تنفيذ شروط الحوثيين «فإنهم ماطلوا في الإفراج عنه»، موضحا أن الوساطة العمانية جاءت بعد أن طلب رئيس جهاز الأمن السياسي (المخابرات) حمود خالد الصوفي من المخابرات العمانية التدخل، مشيرا إلى أن العمانيين تدخلوا بدورهم في ملف والده ضمن مجموعة ملفات يقوم العمانيون بالوساطة فيها وأنهم أجروا اتصالات مع المخابرات الإيرانية بهذا الخصوص، لكنه أكد على مماطلة الحوثيين وأن الدكتور الإرياني مارس ضغوطا عليهم بعد تلبية مطالبهم بإقالته من منصبه. ونفى المراني الابن أن يكون والده تعرض للتعذيب الجسدي، لكنه أكد لـ«الشرق الأوسط» أنه خضع لتحقيقات مكثفة طوال 19 يوما ولا يعرف بالضبط طبيعة المعلومات التي كان الحوثيون يسعون للحصول عليها، لأن الوقت لم يسعفه بعد لمعرفة ذلك من والده. ويذكر أن اللواء عبد القادر الشامي الذي طلب الحوثيون أن يحل محل المراني، كان مديرا لسنوات لجهاز المخابرات في محافظة لحج بجنوب البلاد، كما أنه على صلة وثيقة بالرئيس السابق علي عبد الله صالح. وكان المراني عاش لأكثر من عقدين في محافظة صعدة وشغل مديرا للمخابرات هناك خلال الحروب الست بين صنعاء والحوثيين.
في موضوع آخر، افتتح الحوثيون عشرات المكاتب في العاصمة صنعاء بصورة لافتة في الأحياء والمناطق السكنية والتجارية وجميعها مواقع استراتيجية ومبان ضخمة جرى استئجارها بعشرات الملايين من الريالات. ورفعت عليها شعارات الجماعة التي تدعو بالموت لأميركا وإسرائيل. في هذه الأثناء كشف مصدر سياسي يمني لـ«الشرق الأوسط» أن الحوثيين شبه سيطروا على ثاني البنوك في البلاد وهو بنك التسليف التعاوني الزراعي (كاك بنك)، ويجري الصراع، حاليا، لتعيين قيادة جديدة له بعد أن تم تعيين ما يشبه الحارس القضائي من قبل الحوثي لمراقبة الحركة المالية للبنك، وذلك بعد السيطرة على البنك المركزي وغيره من البنوك الحكومية في البلاد.
وفي مأرب، قالت مصادر قبلية لـ«الشرق الأوسط» إن آلاف المقاتلين من رجال القبائل باتوا مستعدين على حدود المحافظة لأي تحرك حوثي للسيطرة على المحافظة النفطية الهامة بالقوة، كما حدث مع بقية المحافظات في شمال البلاد. وكان الرئيس اليمني شكل لجنة برئاسة وزير الدفاع اللواء الركن محمود الصبيحي للإشراف على معالجة قضايا محافظتي مأرب والجوف في ضوء اتفاق السلم والشراكة. وقد رحبت قبائل مأرب بالقرار، وحسب المصادر، فإن الحوثيين سيواجهون بقدر كبير من المقاومة من قبل رجال القبائل في مأرب التي تحشد لهم على الأطراف آلاف المسلحين. وتحتضن مأرب كميات كبيرة من النفط والغاز تمثل عصبا رئيسيا للاقتصاد اليمني، وتعتمد قبائل مأرب على سلاحها الشخصي في مواجهة الحوثيين، في الوقت الذي تحدث شهود عيان عن انسحاب أجزاء من قوات الشرطة العسكرية من المحافظة بصورة مفاجئة خلال الأيام الماضية.
من جانبها، كانت الحكومة اليمنية عقدت، أول من أمس، اجتماعا استثنائيا وقفت فيه أمام جملة من القضايا من بينها سيطرة الحوثيين على مؤسسات الدولة، واستعرضت الحكومة «تقارير بعض الوزارات عن التدخلات غير القانونية في عملها من قبل ما يسمى بـ(اللجان الثورية)، أو من يدعي الانتماء إليها». وجدد مجلس الوزراء، بحسب بيان حكومي «بهذا الخصوص التأكيد على رفضه الكامل لأي تدخل في أداء وعمل مؤسسات الدولة مهما كانت المبررات والحجج، لأن ازدواجية السلطة والمهام بين الرسمي وغير الرسمي لن تحقق سوى العشوائية والفوضى وتكريس الفساد بدلا من محاربته». وأكد أن «أي قضايا أو شبهات فساد يتم التعامل معها عبر الأطر الرسمية»، وأن «الحكومة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات الرادعة بحق كل من يثبت ارتكابه أو تورطه في قضايا فساد وإفساد مهما كان حجمها».
على الصعيد آخر، اغتال مسلحان يستقلان دراجة نارية العقيد عباس المغربي، مدير مركز المعلومات في إدارة أمن محافظة إب بوسط البلاد. وأطلق النار على المغربي أثناء خروجه من منزله أمس متوجها إلى مقر عمله. ومنذ نحو 3 سنوات واليمن يشهد عمليات اغتيالات متواصلة تستخدم فيها الدراجات النارية، وتشير أصابع الاتهام إلى تورط تنظيم «القاعدة» في معظم عمليات الاغتيالات هذه والتي طالت المئات من ضباط جهازي المخابرات وقوات الجيش والأمن بصورة شاملة في عدد من المحافظات اليمنية.
إلى ذلك، أعلنت وزارة الداخلية اليمنية عن قرب توصلها إلى الخلية المتورطة في عمليات الاغتيالات في صنعاء، ونقل مركز الإعلام الأمني التابع للوزارة عن العميد عبد الرزاق المؤيد، مدير أمن شرطة العاصمة قوله إنه تم «توصل الأجهزة الأمنية إلى خيوط هامة ستقودها للقبض على الخلية الإرهابية المتخصصة في تنفيذ جرائم الاغتيالات التي شهدتها العاصمة صنعاء في القريب العاجل». وقال العميد المؤيد لمركز الإعلام الأمني التابع للوزارة إن الأجهزة الأمنية ألقت القبض على شقيق المتهم الرئيسي في تنفيذ عدد من الاغتيالات التي شهدتها العاصمة. وأردف قائلا: «إن نتائج التحقيقات والتحريات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية أظهرت أن السلاح الذي استخدم في اغتيال الدكتور محمد مطهر الشامي هو ذات السلاح الذي استخدم في اغتيال الدكتور محمد عبد الملك المتوكل وكذلك فيصل الشريف وعمليات إجرامية أخرى في العاصمة فضلا عن كون الدراجة النارية التي استخدمت من قبل المسلحين الذين اغتالوا الشامي هي نفس الدراجة النارية المستخدمة لدى اغتيال فيصل الشريف». وأكد مدير شرطة العاصمة اليمنية أن «نتائج التحقيقات والتحريات كشفت أن التنظيمات الإرهابية المرتبطة بالخارج هي الطرف المسؤول عن كل هذه الجرائم البشعة»، موضحا أن «هناك تنسيقا بين كافة الأجهزة الأمنية لضبط عناصر الخلية الإرهابية المتورطة في هذه الجرائم بأسرع وقت ممكن في ضوء مؤشرات تنبئ بقرب سقوطها في قبضة العدالة».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.