إعلاميون أجانب في القاهرة : المصريون يفضلون الجيش على «الإخوان»

فولكهارد فيندفورد عميد المراسلين الأجانب
فولكهارد فيندفورد عميد المراسلين الأجانب
TT

إعلاميون أجانب في القاهرة : المصريون يفضلون الجيش على «الإخوان»

فولكهارد فيندفورد عميد المراسلين الأجانب
فولكهارد فيندفورد عميد المراسلين الأجانب

مباراة ساخنة في تغطية الأحداث ومحاولات كشف الحقائق كانت هي السمة المميزة في أداء الإعلاميين الموجودين على أرض مصر خلال الأحداث المشتعلة التي يشهدها الشارع المصري على مدار الأسابيع الأخيرة منذ أحداث 30 يونيو (حزيران) الماضي وما تبعها من تطورات سريعة بداية من عزل الرئيس مرسي وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين من مناصبهم الرفيعة التي سيطروا عليها، ومرورا بأحداث رابعة العدوية وما أعقبها من تفجر للعنف الدموي في مختلف أرجاء مصر، نهاية بالقبض على كوادر «الإخوان» وقياداتهم وعلى رأسهم مرشدهم محمد بديع. وفى خضم ذلك، برز الإعلام عنصرا حيويا وفعالا في المشهد السياسي المصري، وهو ما دفع ثمنه غاليا كثير من الإعلاميين كما حدث مع عميد المراسلين الأجانب ومدير مكتب جريدة «دير شبيغل» الألمانية بالقاهرة فولكهارد فيندفورد عندما كاد يفقد حياته يوم أحداث رمسيس الساخنة.
رغم خطورة الموقف الأمني بمصر، فإن الساحة المصرية شهدت وجودا إعلاميا مكثفا من المراسلين الأجانب، كما شهدت الفترة الأخيرة وصول عدد كبير ممن أرسلتهم مؤسسات إعلامية كبرى خصيصا لتغطية الأحداث بمصر ومتابعتها؛ منهم إعلاميون من التلفزيون الياباني والتلفزيون الكوري ووكالة الأنباء الروسية و«وول ستريت» و«فوكس نيوز جورنال» الأميركية، هذا بالإضافة إلى مراسلين من سويسرا وتركيا والصين واليابان وإسبانيا وغيرهم من الجنسيات المعنية بالتغطية الإعلامية.
وبحكم خلفياتهم ومرجعياتهم الثقافية والسياسية المختلفة ووجودهم في قلب الحدث بصفتهم مراسلين لبلادهم في مصر، فإن آراءهم ومواقفهم وتقييمهم للمشهد في الشارع المصري يكون أيضا مختلفا وغير متحيز لعدم انتمائهم لأي من الطرفين المتنازعين. ومن هذا المنطلق، قامت «الشرق الأوسط» بجولة صحافية تواصلت خلالها مع بعض الإعلاميين الأجانب بمصر لاستطلاع آرائهم ووجهة نظرهم المحايدة بعيدا عن أي تحيز أو تعاطف.
وكان المثير في الأمر أنه على تباين رؤاهم ومواقفهم من الأحداث بمصر، فإنهم جميعا كانوا يتحدثون بلهجة تتسم بالحذر والتحفظ على الرغم من أن عملهم هو الكلام وتبادل النقاش وتوجيه الأسئلة بجرأة بحثا عن الحقيقة من أجل المعرفة. فعندما سألتهم «الشرق الأوسط» بدا أن كثيرا منهم لا يحب الانخراط في الحديث عن السياسة ولا إبداء الرأي أو التحليل للصحافة!! وكان الغريب أيضا أن الإعلاميين الغربيين كانوا الأكثر حذرا في الحديث، وبعضهم بادر بالاعتذار عن تكملة الحوار تخوفا من حساسية مواقفهم - على حد تعبيرهم - بينما بدا المراسلون الشرقيون سواء من الصين أو اليابان أو روسيا أكثر مرونة في الحديث عن آرائهم، ولكن اللافت للنظر أيضا أن هناك حالة مشتركة بينهم جميعا من الغموض وعدم وضوح الرؤية وفهم ما يدور على الأرض.
الأميركية ليلى مكاوي مراسلة «وول ستريت جورنال» الأميركية قالت: «إنني في مصر منذ الثلاثين من يونيو، وخلال تلك الفترة عايشت أحداثا كثيرة ساخنة، وقد نصحونا أن نكون حذرين قدر الإمكان بسبب حجم المخاطر الموجودة التي نواجهها في عملنا وسط الأحداث الساخنة، وأحيانا يطلبون منا البقاء بالمكتب وعدم الخروج أثناء المواجهات الساخنة. وعلى الرغم من كوننا نعمل في جريدة اقتصادية، فإننا غير منقطعين عن السياسة لارتباطها ارتباطا قويا بالاقتصاد، ومن ثم فالتغطية السياسية مطلوبة، وهو ما يجعلنا قريبين من الأحداث، لكننا لا نستطيع الحكم على ما يجري في مصر لأننا ينقصنا كثير من المعلومات الضرورية للتحليل السليم والموضوعي. لقد قمنا بمتابعة أحداث حرق الكنائس في المنيا، وكذلك أحداث مذبحة قسم شرطة كرداسة التي قتل فيها عدد من الضباط، هذا بالإضافة إلى متابعة الأوضاع الاقتصادية المتردية في مصر بسبب عدم الاستقرار السياسي».
وحول إذا ما كانت ترى مسؤولية لـ«الإخوان» عما يحدث من تصعيد للعنف لدرجة الإرهاب، تقول مكاوي: «رغم كل هذا العنف، فإنني لا أستطيع أن أربط بسهولة بين (الإخوان) فقط وما يحدث من عنف وتطرف، وهذا ما سنحاول اكتشافه خلال الفترة المقبلة، لأن الحقيقة لم تظهر بعد، وهناك معلومات كثيرة منقوصة». وتضيف: «إنني جئت لمصر مع تولي الرئيس مرسي الرئاسة في العام الماضي، وشهدت أحداثا ساخنة كثيرة وعنفا ومظاهرات غضب، لكنها لم تكن بهذا الشكل الخطير بما فيها مظاهرات وأحداث العنف إبان موضوع الاستفتاء على الدستور». وحول انعكاس ما يحدث بمصر على علاقاتها بالولايات المتحدة الأميركية والغرب بشكل عام، تقول مكاوي: «لا شك أن مصر بثقلها وموقعها المتوسط من العالم تؤثر أحداثها على المحيط الإقليمي والدولي، وبطبيعة الحال، فإن حالة عدم الاستقرار بمصر سينعكس على علاقاتها الدولية». وعن توقعها لمستقبل العلاقات المصرية – الأميركية، قالت: «أتمنى أن تكون جيدة دائما، ولا بد من النظر للأمر بموضوعية، ونتعامل مع الموقف بنضج وليس بأسلوب رد الفعل، وأن نأخذ في الاعتبار أن قرارات الحاضر تؤثر على أجيال المستقبل».
شينيشي آكي ياما، مدير مكتب الشرق الأوسط لجريدة «ماينتشي» اليابانية بالقاهرة، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه يمارس عمله الإعلامي بمصر منذ يناير (كانون الثاني) الماضي وإنه استطاع خلال تلك الأشهر أن يفهم كثيرا من الحقائق حول الشعب المصري، وقال إن ما يجده اليابانيون صعبا على الفهم هو: «لماذا يدعم الناس في مصر الجيش والقوات المسلحة بهذا الشكل؟ فقد عانينا نحن الشعب الياباني طويلا من الحكم العسكري أثناء الحرب مع الصين وما زلنا نذكر الذكريات السيئة والمريرة التي لم تمح من الذاكرة رغم مرور ما يقرب من سبعين سنة على تلك الأحداث، فاليابانيون لا يحبون الجيش ولا يدركون طبيعة الأحداث المختلفة في مصر، وهم يتناقشون كثيرا حول هذا الأمر. ولكنى بصفتي إعلاميا ربما أستطيع تفهم الأمر في مصر، فالناس يفضلون الجيش على (الإخوان)، ويلجأون له بعد غضبهم من حكم مرسي». ويتابع آكي ياما قائلا لـ«الشرق الأوسط»: «لقد ذهبت إلى رابعة العدوية والنهضة ورمسيس، وحقيقة لم أر أي شيء يدل على الإرهاب؛ بل رأيت أناسا عاديين ومسالمين جدا ولا يحملون أسلحة حسب ما شاهدته، ولكن ربما قياداتهم هم الذين يميلون أكثر للعنف ويتحدثون بلهجة متشددة عن الجهاد وخلافه، ولكنهم قليلون بالمقارنة بالأغلبية السلمية الموجودة، فلا شك أن هناك من ينتهجون نهجا أكثر تطرفا، لكن لا نستطيع وصفهم بالإرهابيين، وعلى الرغم من أن بعضهم يحمل سلاحا، فإننا نحتاج لمزيد من الأدلة حتى نستطيع الجزم بأنهم إرهابيون».
وحول مقارنته ما يعايشه حاليا في مصر من أحداث مع مشاهداته في الدول الأخرى التي عمل فيها مراسلا أجنبيا، يقول آكى ياما: «لقد عملت في مختلف المناطق الساخنة منها في سوريا والجزائر ولبنان، وأخيرا مصر، وأعتقد أن الوضع في مصر خطير جدا». وعن مدى شعوره بالخوف في ظل تلك الأحداث، قال: «إنني عرفت الشعب المصري خلال تلك الشهور التي عشتها معهم، ولمست كرمهم وكونهم شعبا مضيافا ومسالما وطيبا، لكن ما أخشاه هو تزايد الأحداث سوءا، فهناك مواجهات كبرى تستمر خلال الفترة المقبلة، ولا يمكن التنبؤ بها على المدى القصير لسرعة تواتر الأحداث، وأعتقد أن جماعة (الإخوان) التي كافحت لسنوات طويلة وعانت كثيرا خلال تلك السنوات، لن تختفي من المشهد ولن تتوقف عن النشاط، أما الجيش فهو الذي على الساحة الآن، والناس تؤيد ذلك، وأعتقد أن الفريق السيسي سيتولى الحكم رسميا للبلاد، وهو ما يتماشى مع رغبات كثير من المصريين بعد الصراع الكبير مع (الإخوان)».
أما كين هايشي مصور وكالة أنباء الصين الرسمية بالقاهرة «شينخوا»، قال لـ«الشرق الأوسط»: «بحكم عملي مصورا صحفيا، فقد ذهبت لمختلف الأماكن الساخنة في مصر، وعشت لحظات صعبة وقت فض اعتصام رابعة العدوية، وشاهدت المسجد محترقا، وصورت الموتى، وذهبت أيضا في رمسيس للتصوير، وكان الوضع غاية في الخطورة.. لقد كان الرصاص كثيفا، لكني لا أستطيع تحديد مصدره، فكانت الاشتباكات عنيفة وخطيرة.. والوضع غريب وصعب الحكم عليه ولا يمكن التأكيد على وجود إرهاب من عدمه، لكن الأمر المؤكد أن ما يحدث هو صراع سياسي محتدم بين (الإخوان) وكل المجتمع المصري بما فيه الجيش وأطراف كثيرة من المصريين، وذلك من واقع مشاهداتي، وهو ما يراه العالم كله، ولا يمكن الإجابة عن أية أسئلة تتعلق بملامح المستقبل لصعوبة الأمر، فالوضع غاية في التعقيد، ولكن ما ألحظه بصفتي مصورا عايش أحداث الثورة المصرية عام 2011 وصولا لأحداث 30 يونيو (حزيران) وتوابعها، أن الفرحة والسعادة التي غطت الوجوه عام 2011 لم تعد موجودة، وأرى مسحات من الحزن تكسو الوجوه الآن بسبب خطورة الموقف».
وحول المواقف التي يتعرض لها بصفته مصورا صحفيا في بؤر الصراع الساخنة بمصر، يقول كين هايشي: «إنني أعاني كثيرا حتى أؤدي عملي، كما أنني أتعرض أحيانا لمن يمنعني من التصوير رغم حصولي على كارنيه صحفي؛ ففي رابعة العدوية لم يسمح لي بتصوير بعض ضباط الشرطة والجيش، رغم أنهم لم يكونوا يفعلون شيئا، ولكني أعتقد أنهم يحاولون عدم الظهور لشعورهم بالحرج مما يحدث. وأنا أتمنى أن تنتهي كل هذه الأحداث الخطيرة في أسرع وقت، خاصة أن هناك خسائر كبيرة، ولكني لن أغادر مصر، فأنا أحب المصريين وكل الصينيين يحبونهم أيضا ويريدون عودة الأمور لطبيعتها حتى يستطيعوا زيارة مصر للسياحة كما كانوا يفعلون، وهناك اهتمام كبير من الشعب الصيني بما يحدث في مصر ويتمنون لها ولشعبها السلامة».
ورغم أنه كبير المراسلين الأجانب وعميدهم بالقاهرة، فإن فولكهارد فينفورد مدير مكتب «دير شبيغل» بالقاهرة، كان من أكثر الإعلاميين الأجانب تحفظا في الحديث معنا وبدت عليه حالة نفسية سيئة بعد نجاته مؤخرا من محاولة اغتيال على يد مسلح خلال أحداث رمسيس الدامية في يوم «جمعة الغضب» الثانية، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه متعب ومريض وإنه عبر عن موقفه ورؤيته للأحداث التي تشهدها مصر في بيان أصدره عقب محاولة اغتياله، الذي طالب فيه بضرورة الحفاظ على حياة الإعلاميين وتوفير الأمان لهم، وأعرب عن مخاوفه الكبيرة من احتمالات الخطر في ظل تصاعد أحداث العنف. كما عبر فولكهارد عن موقفه من الأحداث الجارية في مصر ورأيه فيها، مشيرا إلى أنه يشعر بالإحباط وخيبة الأمل لما يحدث من اعتداءات على الأشخاص والمؤسسات الدينية والصحافيين من قبل متظاهرين يدعون السلمية. وفي مداخلة تلفزيونية، حيا فولكهارد الفريق السيسي ووصف تغطية بعض القنوات للأحداث بأنها غير متوازنة.
وفي تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، قال إنريكي روبيو، مدير المكتب الإقليمي بوكالة الأنباء الإسبانية لمنطقة الشرق الأوسط: «إنني بحكم عملي صحفيا في وكالة أنباء تهتم بالبحث عن الخبر، لا يجب أن يكون لي رأي وأن أكون محايدا تماما، لأننا خبريون، ولكن يمكن أن أعبر عن انطباعي عما يحدث في مصر من خلال انطباع صديق مصري تحدث لي، فأنا قلق جدا ومنزعج من حدة الانقسام التي تشهدها مصر، والواقع أن هذه الحالة ليست وليدة اللحظة؛ وإنما هي حالة موجودة منذ بداية عهد الرئيس مرسي». وحول علاقة «الإخوان» بما يحدث، قال روبيو بتحفظ شديد: «إنني أعتقد أن الإخوان المسلمين هم السبب في كل ما يحدث الآن بمصر».
وعن مخاطر المهنة، قال: «لقد تعرضت للعديد من العنف والمخاطر، وكلنا بصفتنا إعلاميين في هذا المجال معرضون للخطر بسبب خطورة الأحداث، ولكني على المستوى الشخصي، أعيش بمصر منذ سنوات وأعرف المصريين جيدا وأعرف أنهم شعب طيب وودود ولم أكن أبدا لأشعر وسطهم بعدم الأمان». وعن رؤيته للشخصية المصرية وما أصابها خلال تلك السنة من حكم الرئيس مرسي، قال روبيو: لا شك أن هناك تحولا كبيرا في المزاج المصري، فمن خلال معايشتي له، كنت أجد المصريين محبين للحياة دائما سعداء مرحين حتى في اللحظات الصعبة، ويحبون النكتة والطرفة، أما في الفترة الأخيرة، فلا شك أن هذه السمات قد تغيرت للأسف، ولم أعد أرى تلك الضحكة التي من القلب على وجوههم، وهو ما يشير إلى تغير كبير في المزاج العام للمصريين، وربما يرجع ذلك إلى حالة الخوف والقلق التي أصابتهم في الفترة الأخيرة».
وعن موقف العالم الغربي من أحداث مصر، قال روبيو لـ«الشرق الأوسط» إن «العالم الغربي لا يعرف بدقة ما يحدث في مصر، ويحتاج لمزيد من الصبر والتروي حتى يفهم أبعاد الأحداث، ولا أعتقد أنهم سيتخذون موقفا الآن. كما أن الفترة المقبلة ستشهد مزيدا من الأحداث المهمة في مصر مما يصعب التكهن به».



«ريديت»... صعود ظاهرة راهن الجميع على تجاهلها

شعار "ريديت" (آ ف ب)
شعار "ريديت" (آ ف ب)
TT

«ريديت»... صعود ظاهرة راهن الجميع على تجاهلها

شعار "ريديت" (آ ف ب)
شعار "ريديت" (آ ف ب)

حين كان يذكر الفرنسيون شبكاتهم الاجتماعية، نادراً ما كان اسم «ريديت» يقفز إلى الألسنة. إذ ظلّت المنصة الأميركية، لسنواتٍ طويلة، حبيسة صورة نمطية أسهمت في تهميشها، كملجأ لعشّاق البرمجة والألعاب من الشباب المهووسين بالتقنية فقط.

أما اليوم، فقد انقلبت الصورة رأساً على عقب، وصارت المنصة التي وُلدت على الهامش من أكثر المنصّات الرقمية حيوية. وتحوّلت من فضاء يمثل «ثقافةً فرعية هامشية» يُنظر إليها بعين الريبة، إلى فضاءٍ إعلاميّ محترَم تقصده العلامات التجارية وتراقبه غرف التحرير. وبالفعل، تختصر هذا الانقلاب أرقامٌ متصاعدة، وموجة إقبالٍ فرنسية استثنائية تستحقّ التوقّف عندها.

من الظلّ إلى الواجهة

بدأت القصّة عام 2005، حين أطلق شابّان أميركيان من خرّيجي جامعة فيرجينيا، هما ستيف هفمان وأليكسيس أوهانيان - الذي هو بالمناسبة زوج نجمة كرة المضرب العالمية فانيسا وليامز -، موقعاً متواضعاً لتبادل الروابط والنقاشات التقنية برعاية حاضنة «واي كومبيناتور».

من تلك البذرة نشأت شبكةٌ واسعة من المجتمعات المصغّرة المعروفة بـ«الساب- ريديت»، لكلٍّ منها موضوعه وقواعده الخاصة، ويتولّى إدارتها متطوّعون. أما ترتيب ظهور المشاركات، فهو يجري وفق نظام تصويتٍ يرفع الجيّد ويطمر الرديء. وحتى اليوم ظل نشاط المنصة يعتمد على عمل آلاف المشرفين المتطوّعين؛ وهؤلاء يراجعون التعليقات ويحرصون على مناخ الثقة داخل مجتمعاتهم، في نموذجٍ يستند إلى المشاركة لا إلى رقابةٍ مركزية تُملَى من فوق.

هذه البنية التي لطالما عُدَّت عبئاً يبطئ انتشار الموقع بين عامّة الناس، باتت اليوم سرّ قوّته. وبعد سنواتٍ أرهقت فيها المنصّات الكبرى مستخدميها بخوارزمياتها ومحتواها المصقول حتى فقدَ عفويته، عاد الناس يبحثون عمّا افتقدوه: أي مكان للحوار المتأنّي، ولطلب النصيحة، ومقارنة تجارب حقيقية نابعة من أفراد صادقين بعيداً عن المنصّات الأخرى ومنطقها الربحي. وفي هذا المفترق وجد موقع «ريديت» موضعه الطبيعي، بعدما كانت عزلته النسبية تُحسب عليه لا له.

الأرقام المذهلة لتطور «ريديت»

لأخذ فكرة عن هذا النجاح، نشير إلى أنه مع مطلع 2025 تخطّت منصّة موقع «ريديت» عتبة المليار ومائة مليون مستخدمٍ شهرياً، ونحو مائةٍ وثمانية ملايين مستخدمٍ يومياً، حتى باتت - حسب منصّة «سيمراش» لتحليل المواقع سادس أكثر مواقع العالم زيارة، سابقة موقع «ويكيبيديا» نفسه.

وتؤكّد أرقام الشركة هذا النضج بوضوح. فقد دخلت بورصة «وول ستريت» قبل سنتين وحقّقت أرباحها الأولى. ثم جاءت نتائج الربع الأول من 2026 لتؤكّد قوّتها؛ إذ بلغت إيراداتها 663 مليون دولار، بزيادة 69 في المائة عن السنة السابقة، منها 625 مليوناً من الإعلانات وحدها.

كذلك حقّق الموقع ربحاً صافياً بلغ 204 ملايين دولار بعد سنوات من الخسائر. ولم يكن هذا نجاحاً عابراً، بل كان امتداداً لسبعة فصولٍ متتالية تجاوز فيها نموّه 60 في المائة. وهنا، يلخّص ستيف هفمان، المؤسّس والرئيس التنفيذي للموقع، هذه المفارقة بقوله: «لا وجود لذكاءٍ اصطناعي من دون ذكاءٍ حقيقي؛ فالمعرفة لا بدّ أن تأتي من مكانٍ ما، و(ريديت) أحد أهمّ مصادرها». ومن ثم، وصف هفمان منصّة موقعه بأنّها «المكان الأكثر إنسانيةً على الإنترنت»، مشدداً على أنّ ما يمنحها قيمتها في زمن المحتوى المصطنع هو بالضبط كونها فضاءً «يتحدّث فيه الناس إلى الناس عمّا يعنيهم حقّاً».

ستيف هفمان (غيتي)

رسالة يقرأها المعلنون

خلف هذه الأرقام، بلا شك، تكمن رسالةٌ يقرأها المعلنون جيداً. فبيئة «ريديت»، بما تنطوي عليه من مجتمعاتٍ دقيقة التخصّص، تتيح الوصول إلى المستخدم المهتمّ فعلاً بالموضوع، لا إلى جمهورٍ عام. ذلك أن الشركات ما عادت تبحث عن الانتشار الواسع وحده، بل أيضاً عن أماكن يندمج فيها الإعلان مع الحوار، فلا يبدو غريباً أو مُقحماً. بل وذهبت «ريديت» أبعد من ذلك، فصارت تبيع أرشيفها النصّي الهائل عبر عقود ترخيصٍ تُغذّي بها أنظمة الذكاء الاصطناعي، وفي طليعة زبائنها «غوغل» و«أوبن إيه آي».

صعود لافت في فرنسا

إلا أن المشهد الفرنسي يبقى أشدّ الفصول إثارة. فبيانات مؤسّسة «ميدياميتري» تضع «ريديت»، لأول مرّة، ضمن أكبر عشر منصّاتٍ اجتماعية في البلاد خلال 2025، بـ12.8 مليون زائرٍ شهرياً، ونموٍّ نسبته اثنين وسبعين في المائة في اثني عشر شهراً، وجمهورٍ تضاعف خمس مرّات خلال خمس سنوات. وبالفعل، صارت «ريديت» فرنسا ساحةً عامة تُطرح فيها شؤون السياسة والمجتمع والعمل والسكن والمال، تغذّيها مجتمعاتٌ قائمة على تبادل النقاش وعرض التجارب اليومية بصراحةٍ قلّ نظيرها في المواقع الأخرى.

وراء هذا الصعود المتميز ثلاثة أسباب: السبب الأول خطوةٌ تقنية ذكية، وهي إطلاق ترجمةٍ آلية فورية تنقل محتوى الموقع كاملاً إلى الفرنسية باستخدام أدوات الترجمة الحديثة، فباتت نقاشاته تظهر في نتائج «غوغل» بالفرنسية. وهكذا صار كثيرون من المستخدمين يصلون إلى الموقع من دون أن ينتبهوا إلى أنّهم يتصفّحون «ريديت».

وثاني سبب هو الحملةٌ الدعائية الواسعة والجريئة التي قامت بها المنصة في شوارع أكبر المدن الفرنسية كباريس، وليون، ومرسيليا وليل، وكان شعارها «بين الغرباء، نستطيع أن نتبادل أطراف الحديث». ولقد لفتت هذه الحملة الواسعة انتباه الفرنسيين إلى هذه المنصّة التي لطالما تجاهلوها.

أمّا السبب الثالث، ولعلّه الأعمق أثراً، فيعود إلى تراجع منافسٍ عريق هو منصّة «إكس»، التي فقدت نحو ستة عشر في المائة من زوّارها في فرنسا خلال سنة واحدة، وهذا بعد استحواذ إيلون ماسك عليها. إذ بلغت أدنى مستوياتها منذ بدء القياس عام 2017. وفي الفراغ الذي خلّفه هذا الانحسار تسلّلت «ريديت» ملتقطة حصّةً من جمهور النقاش العام وتبادل الأخبار.

ولكن، بجانب ما سبق ذكره، يعزو فنسان دوبوا، المسؤول عن «ريديت» في فرنسا، هذا النجاح إلى طبيعة الفرنسيين أنفسهم، قائلاً: «يعشق الفرنسيون النقاش بشغف؛ وهو ما ينعكس في الشعبية المتنامية للموقع. وهدفنا أن نرعى مجتمعاتٍ يتحاور فيها الناس حول ما يهمّهم، ويطلبون النصيحة من غيرهم، ويتعلّمون مهارةً جديدة، أو يجدون فسحةً للترفيه فحسب».

مصدر غني بالمعلومات

والواقع أن ما يزيد من قيمة «ريديت» أنّه غدا، في نظر الإعلاميين، أكثر من مجرّد ظاهرةٍ عابرة في نموّ؛ بل صار أداة عملٍ حقيقية. فهو من جهةٍ مصدر غني بالمعلومات بفضل النقاشات والشهادات التي أصبحت مادّةً خاماً قوية للمقالات والتحقيقات والتحليلات. ومن جهةٍ أخرى، مقياسٌ لنبض الواقع؛ إذ يكشف عما تتداوله مجتمعاته وما تتعرّض له من هواجس وانشغالات قد تتأخّر وسائل الإعلام التقليدية في التقاطها. ولكن، لعل أهم عناصر قوة «ريديت» اليوم «الصدقية» التي يتمتع بها، ذلك أن الظهور في الموقع لا تحكمه الخوارزمية وحدها، بل عبر تقييم وتصويت المستخدمين، حيث تكتسب المشاركة قيمتها بجدارةٍ لا بواسطة الدفع أو الدعاية.

زمن الثقة... لا الصخب

ختاماً، لم يبلغ موقع «ريديت» هذه المكانة بتقليده الإعلام التقليدي، بل لأنّه لبّى حاجةً دفينة لدى جمهورٍ سئم الشبكات الصاخبة، التي تروّج للاصطناع والتكلّف. فهو يمنح المعلنين وعداً عزيز المنال... هو مخاطبة جماعاتٍ متفاعلة من غير أن تبتلعها ضوضاء العالم الافتراضي. وأيضاً، يعيد إلى المستخدمين شيئاً من متعة الحوار المتمهّل المتخصّص، الذي يكون أصدق أحياناً من ثرثرة المنصّات المهيمنة، حيث تُوزن الكلمة بجودتها لا بسرعة رواجها.

بيئة «ريديت»، بما تنطوي عليه من مجتمعاتٍ دقيقة التخصّص، تتيح الوصول إلى المستخدم المهتمّ فعلاً بالموضوع، لا إلى جمهورٍ عام


هل تحقّق إعادة هيكلة متاجر التطبيقات مكاسب للناشرين؟

شعار «أبل» (رويترز)
شعار «أبل» (رويترز)
TT

هل تحقّق إعادة هيكلة متاجر التطبيقات مكاسب للناشرين؟

شعار «أبل» (رويترز)
شعار «أبل» (رويترز)

يبدو أن الناشرين سيتمكنون قريباً من تحقيق عوائد مالية مباشرة عبر تطبيقاتهم، وكذلك الاحتفاظ ببيانات المشتركين، وذلك بموجب قواعد جديدة وضعتها «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية (CMA)» بدءاً من مطلع يوليو (تموز) الجاري. وتتضمن القواعد إعادة هيكلة متاجر التطبيقات بهدف «السماح للمؤسسات بتحصيل عوائد الاشتراكات دون وسيط».

قبل القرارات الجديدة، وعلى الرغم من قدرة الناشرين على بيع الاشتراكات عبر منصتي «آي أو إس iOS» أو «أندرويد»؛ فإن سياسات «أبل» و«غوغل» كانت تفرض عرض المنتجات الرقمية عبر أنظمة الدفع الخاصة بالتطبيقات، وهو ما قد يتضمن عمولات تصل إلى 30 في المائة لصالح الشركة المالكة للمنصّة.

وأيضاً، قيّدت «أبل» الطريقة التي يتاح للناشرين من خلالها توجيه المستخدمين للاشتراك خارج التطبيق، وهذه قيود قد تجعل تحويل مستخدمي التطبيقات إلى مشتركين أكثر صعوبة، وتزيد من الاعتماد القسري على أنظمة الدفع التابعة للمنصات.

تأتي قرارات «هيئة المنافسة والأسواق» عقب تصنيف متاجر التطبيقات التابعة لشركتي «أبل» و«غوغل» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ضمن الشركات «ذات الوضع الاستراتيجي في السوق»، وفقاً لقانون الأسواق الرقمية والمنافسة والمستهلكين، وهو ما يعني «إمكانية إجبار الشركتين من قِبل الجهات التنظيمية على التوقف عن إساءة استخدام هيمنتهما السوقية».

التدابير التي طرحتها «هيئة المنافسة» تهدف، في الواقع، إلى إزالة القيود المفروضة على التوجيه، مما سيسمح للناشرين بتوجيه العملاء نحو خيارات دفع خارج منصات «أبل» و«غوغل»، وتجاوز الرسوم الإلزامية التي تحددها هذه المنصات.

ولقد وصفت «هيئة» الشركتين بأنهما «تديران احتكاراً ثنائياً فعلياً، إذ تعمل 90 في المائة على الأقل من أجهزة المحمول في بريطانيا على منصاتهما».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المصري المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن النقطة الأهم في هذه القرارات هي «تبني المؤسسات علاقة مباشرة مع جمهورها، وهي العلاقة التي تفتقر إليها اليوم بسبب الاعتماد على التطبيقات». وأردف أن المستخدم حالياً يتجه إلى التطبيق لتحميله والاشتراك من خلاله، بينما تُدار عملية الدفع بالكامل داخل التطبيق المقيد من الشركتين، بل يمكنه إلغاء الاشتراك في أي وقت، من دون أن تعلم المؤسسة بذلك إلا في وقت لاحق. ثم أضاف: «لذلك ينبغي على المؤسسات أن تستثمر في بناء قنوات تواصل مباشرة مع جمهورها، مثل النشرات البريدية، وأنظمة إدارة علاقات العملاء، كي تتمكن من التعرف على المشتركين الأكثر ولاءً، وتقديم عروض ومزايا مخصصة لهم».

عمروش أوضح أيضاً أنه من خلال هذه القرارات «تنتقل العلاقة مع العميل إلى خارج متجر التطبيقات، وتصبح المؤسسة قادرة على إدارة التجربة المشتركة معه بصورة أفضل، وزيادة معدلات الاحتفاظ به، ورفع الإيرادات من خلال العروض الشخصية. كما يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلل بيانات العملاء باستمرار، ويقترح أفضل العروض لكل مستخدم، وهو ما كان يصعب تحقيقه عندما كانت العلاقة مع المشترك محصورة داخل التطبيقات فقط».

وتابع عمروش: «أعتقد أن إعادة هيكلة متاجر التطبيقات يُمكن أن تحقق مكاسب حقيقية للناشرين؛ لكن بشرط مهم، هو ألا تبقى الإجراءات شكلية عند مستوى تحسين الشفافية، بل تصل إلى كسر سيطرة المتجر على الدفع (الاشتراك)، وأن تكون العلاقة مباشرة مع القارئ».

يُذكر أن «أبل» كانت قد حدّثت إرشادات «متجر التطبيقات» (App Store) الخاص بها في الولايات المتحدة خلال مايو (أيار) 2025 بهدف السماح للمطوّرين بتوجيه المستخدمين خارج المنصة، استجابةً لأمر قضائي، وهذا بعدما رفعت شركة «إيبك غيمز» دعوى قضائية ضد «أبل» عام 2020 إثر إزالة لعبة «فورتنايت» من المتجر، وتقديم خيار دفع مباشر يتجاوز عمولة الشراء داخل التطبيق.

من جهة ثانية، شرح الحسيني موسى، الخبير المصري في تحليلات الإعلام الرقمي وقياس الأداء، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «ولو كانت الفرصة متاحة الآن، فإن هذه القرارات لن تحقق نتائج ملموسة من دون أن يسعى الناشرون إلى تبني أنظمة اشتراكات خاصة بهم».

واستطرد موضحاً: «يتحقق ذلك من خلال الاستثمار في إدارة بيانات المستخدمين وتحليلها، لتقديم عروض مخصّصة لاهتماماتهم، ومن ثم الاحتفاظ بالمشتركين على نحو متصاعد. ومع أن البنية التحتية للمؤسسات قد لا تكون جاهزة الآن، غير أن هناك حلولاً وخدمات سحابية يمكن أن تسهم في استثمار البيانات بتكلفة أقل».

أما عن المخاوف المتعلقة برد فعل عكسي متوقع من شركات التكنولوجيا، قد يتضمن عرقلة ظهور الناشرين على متاجر التطبيقات، رأى موسى أن «الضمانة الأساسية هي أن القواعد الجديدة أعطت هيئة المنافسة صلاحيات رقابية أكبر، الأمر الذي يمكّنها من التدخل في حال مارست هذه الشركات أي شكل من التمييز ضد تطبيقات معينة، سواءً عبر تقليل ظهورها أو فرض قيود غير مبررة من خلال توقيع عقوبات».

ولكن، على الرغم من ذلك يشير الخبير المصري إلى أنه «ستظل هناك تحديات أمام إثبات أن الشركات تستهدف بممارستها المنافسة المجحفة، لا سيما إذا برّرته المنصات باعتبارات أمنية أو حماية المستخدم، وبالتالي، سيعتمد نجاح القواعد على قوة الرقابة وسرعة تنفيذها».


مقدمات نشرات الأخبار... نصوص تكشف هوية المحطة

الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي
الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي
TT

مقدمات نشرات الأخبار... نصوص تكشف هوية المحطة

الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي
الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي

تُعدّ مقدمة النشرة الإخبارية في المحطات التلفزيونية اللبنانية مرآةً لهويتها السياسية؛ إذ تعكس توجهها التحريري وخطابها الإعلامي، وتشكل البصمة الأولى التي تميزها عن سواها. كما تكشف المقدمة موقف المحطة من أبرز أحداث اليوم قبل الانتقال إلى تفاصيلها.

وعادة ما يتولى رؤساء تحرير نشرات الأخبار كتابة هذه المقدمة، فتأتي في قالب مقال تلفزيوني مباشر يتضمن رأياً واضحاً أو موقفاً صريحاً من الأحداث. وفي أحيان أخرى تُحاك المقدمة بعناية من خلال انتقاء أحداث وربطها في سياق يخدم رؤية المحطة والرسالة التي ترغب في إيصالها إلى المشاهد. أما الأسلوب الثالث، وهو الأكثر صعوبة، فيرتكز على مقاربة موضوعية في اختيار الأحداث، بحيث تكون الأولوية لقيمتها الخبرية، بغض النظر عما إذا كانت تنسجم مع توجه المحطة أو تخدم مصلحتها.

ويعود تقليد مقدمات نشرات الأخبار في المحطات اللبنانية إلى سنوات الحرب الأهلية، حين لم تعد النشرة مجرد عرضٍ للأحداث، بل تحولت إلى منبر يعكس التوجه السياسي للمحطة وموقفها من التطورات الميدانية. وكان تلفزيون لبنان الرسمي من أوائل من اعتمد هذا الأسلوب؛ إذ كانت مقدمة النشرة تعبّر بوضوح عن موقف السلطة اللبنانية من الأحداث الجارية. ومع اشتداد الانقسامات السياسية، انعكس هذا الواقع على الشاشة نفسها، فبرز التباين بين نشرات مركزي المحطة في منطقتي تلة الخياط (بيروت الغربية) والحازمية (بيروت الشرقية). ولم يقتصر الاختلاف على طريقة عرض الأخبار، بل امتد إلى مقدمات النشرات، التي كانت تتحول أحياناً إلى سجال سياسي مباشر، يرد فيه رئيس تحرير أحد المركزين على الآخر بلغة نقدية لاذعة، في مشهد جسّد الانقسام الذي كان يعيشه لبنان آنذاك. وسرعان ما انتقل هذا التقليد إلى محطات تلفزيونية أخرى، فأصبح جزءاً أساسياً من هوية نشراتها الإخبارية. واعتمدته محطات عدة، منها «إل بي سي آي» و«الجديد» و«إم تي في» و«أو تي في» وغيرها، حتى غدت مقدمة النشرة ركناً ثابتاً في برمجة الأخبار، واستُخدمت في مراحل كثيرة منصةً لتبادل الرسائل والاتهامات السياسية بين المحطات.

وليد عبود: مقدمة النشرة

الإعلامي وليد عبّود يعد مقدمة الأخبار تعكس هوية المحطة

تعكس الهوية السياسية للمحطة

يتولى الإعلامي وليد عبود كتابة مقدمة نشرات الأخبار في تلفزيون «إم تي في»، من موقعه كرئيس تحرير، ومستنداً إلى أبرز أحداث اليوم ينسج منها نصاً يربط بين الوقائع المحلية والتطورات الإقليمية والدولية. وفي كثير من الأحيان، تفرض الأحداث الطارئة نفسها، فيجد نفسه مضطراً إلى إعادة صياغة المقدمة بالكامل، أو حتى قلبها رأساً على عقب، لتواكب المستجدات.

يقول وليد عبود في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «تمثل مقدمة النشرة الهوية السياسية للمحطة. سواء حملت رسائل مباشرة أم جاءت بصيغة غير مباشرة، فإن اختيار حدث معين وتسليط الضوء عليه، لا بد أن يعكس توجه المحطة وسياستها».

ويؤكد أنه اضطر مراراً إلى إعادة كتابة المقدمة بسبب تطورات متأخرة، كخطاب للرئيس الأميركي أو حدثٍ أمني أو سياسي مفاجئ يطول لبنان. ويضيف: «يجب أن تواكب المقدمة أي مستجدٍّ بارزٍ على الأرض، وأحياناً تتغير المقدمة بالكامل قبل خمس دقائق فقط من موعد بث النشرة».

وعن تأثيرها في المشاهد والأسلوب المعتمد لجذب انتباهه يقول: «من المهم جداً أن يدرك المشاهد التوجه السياسي للمحطة. وعادة ما يتحول إلى المحطة التي تشبهه فتكون بمثابة مرآة لمواقفه. ومن الضروري محاكاته ببساطة كي تصله رسائل المقدمة بسرعة؛ لذلك نحرص على أن تكون مكثفة، وواضحة، وسريعة الإيقاع، من دون الوقوع في الإثارة المجانية، وأن تعكس في الوقت نفسه رؤية المحطة للأحداث».

مقدمات النشرات... خصوصية لبنانية تكاد تغيب عن الغرب

يُعدّ أسلوب افتتاح نشرات الأخبار بمقدمة مكتوبة بعناية، تربط بين أحداث اليوم وتقدّم قراءة سياسية لها، من الخصوصيات التي تميّز عدداً كبيراً من المحطات اللبنانية والعربية. أما في معظم المحطات الغربية، فتبدأ النشرات مباشرة بعرض أبرز الأخبار. في المقابل، تعكس هذه المحطات توجهها التحريري من خلال طريقة اختيار الأخبار، وترتيبها، وصياغة التقارير المصورة، فضلاً عن النصوص المقتضبة التي تسبقها أو ترافقها.

أما في لبنان، فلا تخفي غالبية المحطات هويتها السياسية، بل تعلنها بوضوح من خلال مقدمة النشرة التي تشكل مساحة للتعليق والتحليل ورسم الإطار الذي ستُقرأ من خلاله أحداث اليوم. وعادة لا تتجاوز مدة المقدمة دقيقتين؛ لأن الإطالة تدفع المشاهد إلى تغيير القناة والانتقال إلى أخرى. لذلك، يحرص المعدّون على التكثيف والإيقاع السريعين، مع المحافظة على شدّ انتباه الجمهور منذ اللحظات الأولى.

بعض مقدمات الإعلامي جان فغالي لا تزال راسخة في الذاكرة الجماعية

علي نور الدين: مقدمة النشرة تشبه المانشيت الرئيسي في الصحيفة

يرى مدير الأخبار والبرامج السياسية في تلفزيون «إن بي إن»، علي نور الدين، أن مقدمة النشرة تكاد تكون ظاهرة لبنانية بامتياز. ويعزو ذلك إلى طبيعة الجمهور اللبناني المسيّس، الذي يميل إلى متابعة التحليلات وإبداء رأيه في التطورات. ويشير في حديثه إلى «الشرق الأوسط» إلى أن المقدمة تعكس الخط التحريري للمحطة، كما تمنح المشاهد خلاصة سريعة عن مضمون النشرة واتجاهها العام.

ويضيف: «لا تعتمد جميع القنوات الأسلوب نفسه في كتابة المقدمات، فبعضها يركز على إيصال الرسائل التي تعكس رؤية المحطة وتوجهاتها. لكن القاعدة الأساسية تبقى أن تكون المقدمة مختصرة، ومكثفة، وقادرة على تلخيص أبرز محاور النشرة وخطها التحريري». ويؤكد أن الاختصار دليل على الحرفية الصحافية، موضحاً: «كلما كانت المقدمة أكثر إيجازاً ازدادت قوتها، إلا إذا فرض حدث استثنائي مساحة أوسع للشرح».

ويعيد نور الدين نشأة هذا التقليد الإعلامي إلى أواخر الحرب الأهلية، وما تلاها من مرحلة اتفاق الطائف وولادة محطات تلفزيونية جديدة؛ حيث سعت كل محطة إلى إبراز هويتها السياسية واستقطاب جمهور يتماهى مع توجهاتها. ويقول: «مقدمة النشرة تشبه المانشيت الرئيسي في الصحيفة، فهي تختصر الموقف وتحدد زاوية تناول الأحداث».

وبحكم عمله في الصحافة المكتوبة أيضاً، يرى نور الدين أن «المقالة البصرية» باتت أكثر تأثيراً في عصر وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث يفضل الجمهور تلقي المعلومات بسرعة واختصار. لذلك، تمتلك مقدمة النشرة قدرة كبيرة على التأثير وبث التفاعل؛ لأنها تقدم قراءة سريعة للأحداث بلغة مكثفة وسهلة التداول.

ويتابع: «في النهاية، لا يمكن لأي محطة أن تكتفي بمخاطبة جمهور يشبهها سياسياً. فإذا أرادت الاستمرار، فعليها أن تتوجه إلى شريحة أوسع من المشاهدين، من خلال أسلوب مهني يجذبهم، سواء اتفقوا مع توجهها أم اختلفوا». ويختم: «أعدّ قناة (إن بي إن) من المحطات التي لا تعتمد الإثارة أو الفضائح في نشراتها الإخبارية، وهذا ما يميزها».

جان فغالي: المهنية قبل السياسة

من جهته، يؤكد رئيس تحرير نشرات الأخبار في «إل بي سي آي»، جان فغالي، الذي أمضى أكثر من أربعة عقود في هذا المجال، أن المحطة تعتمد في مقدماتها خطاً مهنياً أكثر منه سياسياً، قائلاً: «نحرص في (إل بي سي آي) على الموضوعية والدقة في عرض الأخبار. لا ننحاز إلى أي طرف، إلا عندما يتعلق الأمر بانتقاد قضية تمس المصلحة العامة». ويشير إلى أن بعض المقدمات التي كتبها لا تزال راسخة في ذاكرة الجمهور، حسب رأيه، ومن بينها المقدمة التي استُهلت بعبارة «شعب بلا مخ» خلال جائحة كورونا. ويوضح: «هذا النوع من المقدمات ينطلق من موقف واضح تجاه سلوك أو حدث معين، أكثر مما يقدم مجرد تلخيص للأخبار».

ويكشف فغالي أن أي مقدمة لا تُبث قبل إطلاع إدارة المحطة عليها، موضحاً: «صاحب المحطة يتابع النشرة، ولديه أيضاً رؤيته السياسية؛ لذلك لا تمر أي مقدمة قبل موافقته».

أما عن مواصفات المقدمة الناجحة، فيختصرها بالقول: «يجب أن تكون مختصرة، وسريعة، ومكتوبة بلغة بسيطة وجمل قصيرة؛ بحيث تصل إلى جميع المشاهدين بسهولة». ويختم مؤكداً أن غياب المقدمات عن نشرات الأخبار الغربية لا يعني غياب التوجهات السياسية، مضيفاً: «لا توجد مؤسسة إعلامية من دون خط تحريري أو رؤية، لكن طريقة التعبير تختلف من وسيلة إعلامية إلى أخرى».