«سوء حظ»... تاريخ موجز لسيرة خاسر وموت دولة

سهيل سامي نادر كان يريد لحياته أن تمضي في مكان آخر

«سوء حظ»... تاريخ موجز لسيرة خاسر وموت دولة
TT

«سوء حظ»... تاريخ موجز لسيرة خاسر وموت دولة

«سوء حظ»... تاريخ موجز لسيرة خاسر وموت دولة

ليس سوى «سوء حظ»... هكذا ببساطة جارحة يكتب لنا سهيل سامي نادر ذكرياته عن عمله الصحافي في زمن الانقلابات. «سوء حظ»؛ كلمتان نكرتان يتصل بعضهما ببعض لتؤلفا عنواناً مشبعاً بالألم والسخرية والكوميديا السوداء. وهما معاً الصيغة الصادمة التي يجري عبرها اختصار نصف قرن من العذاب الشخصي للكاتب، وهو ذاته بعض تاريخ الصحافة في العراق، وتاريخ العراق في زمن الانقلابات، زمن المحن المتوالدة. فهل كان الأمر مجرد «سوء حظ» لازم واحداً من أبرع صحافيي العراق وأكثرهم مهارة وكفاءة وحظاً سيئاً؟ هل حقاً أن مصائر الناس والبلاد تصنعها الأقدار السيئة والحظوظ المتدنية في بلادنا سيئة الحظ؟
ثلاث قضايا كبرى تعلَّق بها كتاب «سوء حظ... ذكريات صحافي في زمن الانقلابات: المدى، بغداد، 2020»، ولقد تحكمت بالكتاب السيري، فكان تأكيداً لها وترديداً لبراهينها. هذه القضايا عبرت عنها مقدمة الكتاب بصراحة ووضوح كافيين؛ فهي المفاتيح الممهِّدة لعالم الكتاب. أولها مقصده من تركيبة «سوء حظ»، وهي لا تحيل، هنا، إلى مجرد تاريخ شخص مفرد عاش وعمل في إطار زمني محدد؛ إنها تربط «وللدقة علينا، ربما، أن نكتب تعجن!» مصائر أجيال عراقية كثيرة بصفة «سوء حظ» في سياق تاريخ عراقي محدد، إنه ما بعد انقلاب فبراير (شباط) عام 1963، ذلك الحدث الرهيب الذي جعل الكاتب وأقرانه ومن جاء بعدهم «مجرد شريك بسوء حظ ضم أجيالاً من العراقيين فقدوا الأمان وتحولت حياتهم إلى جحيم». نحن هنا إزاء «سوء حظ» وطني يشمل بلاداً كاملة في سياق تاريخي متصل ومعلن. يبدأ الحظ السيئ، شخصياً ووطنياً، بانقلاب فبراير عام 1963. ولا بأس، لكن لماذا يبدأ الكاتب بهذا الانقلاب؛ ألم يعنون الكتاب بقوله: «ذكريات صحافي في زمن الانقلابات»؛ أليس ما حدث قبل مذبحة فبراير هو انقلاب أيضاً، ألم يسمِ الكاتب نفسه ما حدث عام 1958 انقلاباً، ونص على هذه الكلمة في كتابه هذا وفي مقالات سابقة أثارت غضب جماعات سياسية محدَّدة؟ ليس لدي تفسير لما حدث سوى أمر واحد. يتعلَّق بحداثة عهد سهيل سامي نادر، شبابه المبكر بالنسبة لحدث يوليو (تموز) عام 1958، فسهيل المولود في البصرة عام 1943 لعائلة عراقية معروفة بانحيازها اليساري؛ أبوه سامي نادر، مثلاً، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي العراقي، لم يزد عمره، آنذاك، على خمسة عشر عاماً. ماذا يعني هذا؟ لا شيء؛ فسهيل نفسه قد كتب مراراً أن ما حدث عام 1958 هو تمرين أولي على الحياة، وهو مختلف كلياً عن انقلاب فبراير الرهيب الذي دشن الصياغات الكبرى لتأميم الحياة والأمل والخطاب بمستوياته المختلفة في العراق. لكن «سوء حظ» يلتقي هنا، عميقاً، مع السياق المقاوم للقبح وتدمير الحياة السوية في العراق. إنه بعض ما يسميه الكاتب نفسه «تحويل سوء الحظ إلى ضرب من المزاح والمرح»، وهو عندي السبيل المتاحة، الوحيدة ربما، لمقاومة اليأس والخذلان بالضحك والسخرية. في فصول الكتاب، بالضبط، في اللحظات التي نجد فيها سهيل يكتب عن سيرته تحضر السخرية والنكتة المفارقة في لجة الخوف والكراهية المضادة.
وهناك ما يسميه صاحب رواية التل «سيطرة الأزمان القصيرة» التي تبدو لنا صياغة مختلفة لموت الذاكرة عند العراقيين. نعم، لم يكن سهيل سامي نادر في وارد مناقشة قضية الذاكرة والتذكر في سياق كتابه، هذا شأن آخر لا يتصل ربما بجوهر سيرته المتأثرة بفعل السلطة الضاغط عليه وعلى غيره ولا شك، لكن سيرة الذاكرة وموتها في عقول ومخيال الناس حاضرة، بقوة، ونحن نقرأ ونشاهد فعل السلطة المخرب لكيان الدولة. وإن شئتم يمكننا أن نتحدث عن سيرة موجزة لموت الدولة في العراق برواية سهيل سامي نادر. هل نحن نقوِّل الكاتب ما لم يقله؟ لا أعتقد، فقصر الزمن شاهد ودليل على موت الذاكرة الجمعية في مجتمع ما. تحضر قسوة النسيان المفروض على الناس عبر ما يسميه الكاتب «تراكم المشاكل» بدلاً من تراكم الخبرة. وهو فعل السلطة التي تنتقي أدواتها المخربة، وفي الطليعة منها تدمير ذاكرة المؤسسات بزعم تشييد ذاكرة جديدة. يكتب نادر أن لا أحد يبقى في مكانه طويلاً «يُستبدل الأشخاص عن طريق الغضب أو الترقيات، ويختفي أشخاص عن طريق السجن أو القتل أو الهجرة، وتفسد المؤسسات بألوان من التدخلات السياسية والفكرية والمزاجية». وهذا أسوأ أنواع ألزهايمر الوطني المضاد لفعل الذاكرة. في زمن الانقلابات لا ذاكرة للدولة وشعبها سوى ما يريده القائمون على السلطة.
القضية الثالثة الرئيسية أننا في سياق كتاب ينهمك بكتابة سيرة مهنية دامت خمسين عاماً، وما زالت مستمرة، ولسنا، من ثمَّ، بصدد سيرة ذاتية «شخصية». هل هناك فارق بينهما؟ سهيل سامي نادر نفسه يقول لنا في مقدمته إن محنته في هذا الكتاب انحصرت في عدم التوسع بأمرين: حياته الشخصية والسياسة. لكن متن السياسة توسع كثيراً لأنه جزء أصيل، أو هكذا هو في عراق الانقلابات، فصارت السيرة المهنية بعضاً من مشكلة السلطة في العراق. يسمي الكاتب سيرته «ذكريات»، وهذه الكلمة تضعنا أمام مقدار لا بأس به من الذاتية المتصلة بسيرة الكاتب الشخصية. نتأمل العنوان مجدداً؛ إنه يتحدث عن ذكريات صحافي في زمن الانقلابات، ثمة هنا هامش شخصي يتحرك بموازاة السيرة المهنية، وكلاهما يتشكَّل في إطار زمن سياسي مضطرب. هامش السيرة الشخصية للكاتب يحضر في تفاصيل وفصول متن السيرة، مع حرص كبير على ألا تتحول حياة الكاتب الشخصية إلى مأثرة كبرى، أو كما كتب في رسالة شخصية: «أنا حذر من أن أمنح حياتي قيمة كبيرة». وبتصوري أن هذه القيمة حاصلة لا محالة؛ في الأقل إنها إحدى صياغات الخطاب المضمرة، نجدها في منطق الخاسر سيئ الحظ، صاحب القصة. كذلك في منطق المقاومة الساخرة، في تذكير القارئ المستمر أن ثمة حظاً سيئاً يطارد الكاتب؛ في الخشية من ورطة الكتابة، وفي التشديد على منطق البريء، مصحح الأخطاء.
لا يحيد سهيل سامي نادر عن هذه القضايا الثلاث الرئيسية في فصول وفقرات الكتاب كلها. وعندي أنها المبادئ التي انتظمت وصاغت الكتاب. ولها الفضل كله في تمكين الكاتب من الظفر باللحظات الكبرى في سيرته المهنية، وهي ذاتها، ربما بتصرف، هوامش السيرة الذاتية، مثلما هي المفاصل الكبرى للتاريخ السياسي للعراق. كان منطق الخاسر، سيئ الحظ، مثلاً، وراء اكتشاف مأثرة الستينيين المنسية، إنها في مكان آخر، بعيداً عن الصخب والجدالات الشعرية الكبرى حول البيان الشعري وجماعة كركوك. يعود بنا الكاتب إلى قلب بغداد، بالضبط إلى ساحة التحرير، حيث نصب الحرية الذي دشن الستينات العراقية؛ هنا القصة كلها، فيما جرى نسيانه، إنها مأثرة الفنانين التشكيليين العراقيين التي جرى إهمالها لحساب المنجز الستيني في الشعر والرواية والقصة القصيرة. وأحسب أن الخاسر هو وحده القادر على اكتشاف المهمل الثمين؛ لأنه بعض خسارته. فقد تحول شعر الستينات العراقية إلى محض ظواهر شعرية مهمة ولا شك، فيما ظل الفن حاضراً في الذاكرة والوجدان. ولا رهان على خيارات الناس؛ عندما جعلوا من نصب الحرية مكاناً للتنديد والتظاهر ضد السلطة الفاسدة المخربة. لا رهان أبداً، إنما هو بعض مأثرة الفنان الستيني المنسي والمهمل، وهو صنيعه في ذاكرة الأجيال اللاحقة.
ومثلها، بالضبط، قصة موت الذاكرة في زمن تأميم الحياة والخطاب، وهو ما يسميه سهيل سامي «سلطة الأزمان القصيرة»، كما أشرنا سابقاً، فإنها تظهر بصفة الحاكم والمتحكم في متن السيرة المهنية، شأن السيرة الذاتية، فلا طموحات كبيرة، ولكن لا خيبات مدمرة أيضاً. يعرف الخاسر أن لا أمل يُرجى من الكتابة؛ فهي التي ستراكم الحظ العاثر، تستجلبه من كل حدب وصوب حتى لو كان في جزر الواق واق. لكن نادر العارف بطبيعة السلطة في بلاده سمح لنفسه بأن يكتب بدراية ومعرفة وتبصر يُحسد عليها. هل كان الحسد نوعاً من سوء الحظ؟ ربما...
في «سوء حظ» يجهد مصحِّح الأخطاء، كما وصف نفسه في الكتاب بلا قصد وفي سياق محدَّد، أن يتوخى أقصى درجات الموضوعية في كتابة سيرته المهنية؛ فهو يعرف أن كتابة سيرة الذات ورطة لا أصعب منها، وهو يعرف كذلك أنه فخ لا بد منه. فكيف ستكون الحال عندما نكتب عن ذات فاعلة ومبدعة في سياق عراقي ملتبس وعصيب؟ «سوء حظ» إضافة مهمة في النقاش حول الخطاب الثقافي العراقي في عهود ما بعد فبراير 1963 ويتصل بزمن الديكتاتور والاحتلال. وعندي أن الكتاب يضيء مناطق معتمة كان الكاتب قد عاش تفاصيلها وكتب عنها بمنطق العارف الأمين المصحِّح للأخطاء، لا سيّما في حالة العراق الذي أُحرقت مكتباته وسجلاته ووثائقه، فصار تاريخه الثقافي مشاعاً للمدَّعين. «سوء حظ» تاريخ موجز لسيرة الخاسر، سيئ الحظ، لكنه كذلك تاريخ موجز للبلاد سيئة الحظ.
* ناقد عراقي



الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
TT

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

ودّع الوسط الفني في مصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الذي قدم العديد من الأعمال المسرحية المهمة على مدى تاريخه الفني الذي بدأ منتصف الثمانينات من القرن الماضي، كما شارك في العديد من الأعمال الدرامية لتي قدم فيها أداءً متميزاً.

ونعت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، الفنان القدير ياسر صادق، الذي وافته المنية، الخميس، «بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع، قدّم خلالها نموذجاً للفنان المثقف الملتزم بقضايا مجتمعه، فأسهم بإخلاص في إثراء الحركة المسرحية والفنية في مصر، سواء من خلال أعماله الإبداعية أو إدارته للمؤسسات الثقافية، تاركاً بصمة واضحة في وجدان جمهوره وتلاميذه ومحبيه»، وفق بيان للوزارة.

ونعت نقابة المهن التمثيلية الفنان الراحل، وقالت في بيان: «رحل الفنان القدير بعد مسيرة فنية مشرفة قدّم خلالها العديد من الأعمال التي تركت أثراً واضحاً في الساحة الفنية، وكان مثالاً للفنان الملتزم صاحب الحضور الهادئ والروح الطيبة».

ونعى المخرج هشام عطوة، رئيس قطاع المسرح في وزارة الثقافة، الفنان، قائلاً في بيان: «فقدنا اليوم شخصية فنية جادة، قدمت العديد من الأعمال الفنية الناجحة»، مشيراً إلى ما قدمه الفنان القدير ياسر صادق من جهود مخلصة بالوزارة أثْرت العمل الثقافي.

الفنان ياسر صادق (وزارة الثقافة)

وقدم الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق العديد من الأعمال في التلفزيون والسينما والمسرح، وحصل على جوائز عديدة بالمسرح الجامعي منذ بداية دخوله مجال الفن، منها مخرج أول جامعة القاهرة وممثل أول الجامعة، ثم ممثل أول الجامعات المصرية عام 1985، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل والإخراج وتخرج فيه عام 1994، وشغل منصب مدير عام المسرح الحديث، ثم رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

ونعى رئيس دار الأوبرا المصرية، الدكتور علاء عبد السلام، صادق وقال إن «الراحل ترك بصمات واضحة في الساحة الإبداعية بأعمال بارزة، كما شارك بجهود دؤوبة ورؤية فريدة فى إثراء ميدان الثقافة المصرية».

ونعى المخرج عادل حسان، مدير المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الفنان الراحل، وقال: «لقد كان الراحل رئيساً للإدارة المركزية للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية لمدة أربع سنوات، قدم خلالها العديد من الإنجازات الإدارية الملموسة داخل هذا الصرح الفريد بوزارة الثقافة، كما أثرى الساحة الفنية المصرية بأعمال خالدة، وترك بصمة مميزة في وجدان الجمهور وذاكرة الفن المصري، وتميز الفقيد بإخلاصه لفنه».

وبالإضافة إلى شهرته في التمثيل والإخراج المسرحي، حيث قدم العديد من الأعمال من بينها «لكع ابن لكع» في مسرح الجامعة، ومسرحية «سي علي وتابعه قفة» و«حوش بديعة»، فقد شارك الفنان الراحل في العديد من الأعمال السينمائية والدرامية وعرف بأدواره البارزة في المسلسلات التاريخية مثل «أبو حنيفة النعمان»، و«عصر الأئمة» و«القضاء في الإسلام» و«ابن حزم»، وأحدث أعماله التاريخية كان ضمن مسلسل «الحشاشين»، وشارك في مسلسل «المداح» و«عهد أنيس» في السنوات الأخيرة، كما شارك في العديد من الأفلام من بينها «امرأة هزت عرش مصر» و«دانتيلا» و«بالألوان الطبيعية».


هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
TT

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام؛ نظراً لصيام ساعات طويلة يليها تناول وجبات دسمة بعد الإفطار.

ويسعى كثير من الناس خلال الإفطار لتعويض الطاقة المفقودة بسرعة، وغالباً ما يكون البروتين جزءاً كبيراً من وجبات الإفطار والسحور، سواء من اللحوم الحمراء أو البيضاء، أو منتجات الألبان.

ويؤكد خبراء التغذية أن البروتين عنصر أساسي لبناء العضلات، وصيانة الأنسجة، ودعم جهاز المناعة. وتحتوي اللحوم، والأسماك، والدواجن، والبيض، على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، في حين يمكن الحصول على البروتين النباتي من مصادر مثل البقوليات والمكسرات. والسؤال هنا: هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان مفيد أو ضار للصحة؟

تشير الدكتورة فينا في، أخصائية التغذية السريرية في الهند، إلى أن البروتين الحيواني يمتصه الجسم بكفاءة أكبر مقارنة بالمصادر النباتية، ويمنح شعوراً بالشبع لفترة أطول، ما يساعد على التحكم في الشهية خلال الإفطار بعد يوم طويل من الصيام، حسب شبكة «إنديا تي في» الهندية.

وتضيف أن قوائم الإفطار غالباً ما تركز على اللحوم، ويمكن أن يكون ذلك مفيداً إذا تم اختيارها بعناية، موضحة أن تناول البروتين باعتدال يبطئ امتصاص الكربوهيدرات، ويساعد على استقرار مستويات السكر في الدم.

وتوصي الدكتورة فينا باختيار مصادر بروتين منخفضة الدهون، وطهيها بطريقة صحية، مثل الدجاج المشوي، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب القلي الذي يزيد من الدهون غير الصحية ويؤدي إلى شعور بالكسل بعد الوجبة.

ووفق الدكتورة روزماي تراوت، أستاذة علوم الغذاء في جامعة دريكسل الأميركية، فإن اللحوم مصدر غني بالبروتين الكامل الذي يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، إضافة إلى فيتامين «B12»، والحديد، والزنك، وفق صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

في حين تشير اختصاصية التغذية الأميركية لورين مانكر إلى أن تناول اللحوم يومياً ممكن إذا كانت طازجة وغير مصنعة وبحصص معتدلة، مع دمجها بالخضراوات والألياف لتحقيق توازن غذائي صحي.

مخاطر الإفراط في البروتين

رغم فوائد البروتين العديدة، يشير خبراء التغذية إلى أن الإفراط في تناوله بشكل يومي، خصوصاً خلال رمضان، قد يؤدي إلى عدة مشاكل صحية؛ فاللحوم الغنية بالدهون تحتوي على كولسترول ودهون مشبعة قد ترفع مستويات الكولسترول الضار في الدم، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب.

عبء إضافي

كما أن تناول كميات كبيرة من البروتين يفرض عبئاً إضافياً على الكلى والكبد، خصوصاً لدى من لديهم مشاكل صحية سابقة. إضافة إلى ذلك، فإن اللحوم المصنعة مثل النقانق واللحم المقدد، تحتوي على ملح وسكر ودهون إضافية، وهي غير مناسبة للاستهلاك اليومي، وقد يرهق الإفراط في البروتين بعد صيام طويل الجهاز الهضمي، مسبباً شعوراً بالثقل أو الانتفاخ أو الإمساك، خصوصاً إذا قل تناول الألياف والخضراوات.

ولتجنب هذه المخاطر، ينصح خبراء التغذية بالاعتدال في حصص البروتين، بحيث لا تتجاوز الوجبة الواحدة 3 إلى 4 أونصات، مع مزج البروتين الحيواني بمصادر نباتية مثل الفاصوليا والمكسرات.

كما يُفضل اختيار البروتين الصحي، مثل الدجاج الأبيض، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب اللحوم المصنعة والمقلية.

ويُنصح أيضاً بتوزيع البروتين على وجبتَي الإفطار والسحور لتقليل الضغط على الجهاز الهضمي، والحفاظ على مستويات الطاقة طوال اليوم، مع التركيز على تناول الخضراوات والألياف التي تساعد على الهضم وتحافظ على صحة الأمعاء، وشرب الماء بانتظام لتعويض السوائل اللازمة لترطيب الجسم بعد الصيام.

أما بالنسبة للكميات الموصى بها، فالجرعة اليومية من البروتين تبلغ 0.8 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم، وقد تختلف حسب مستوى النشاط البدني. ووفقاً لإرشادات النظام الغذائي الأميركي، يُنصح بتناول نحو 26 أونصة؛ أي نحو 736 غراماً، من اللحوم والدواجن والبيض أسبوعياً.


«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

في الفيلم الأرجنتيني «قطار النهر»، لا يبدأ كلُّ شيء من لحظة الهروب، بل من لحظة الشكّ الأولى؛ تلك اللحظة الخفية التي يُدرك فيها طفلٌ أن العالم أكبر من حدود قريته، وأن الصورة التي رسمها في خياله عن المدينة قد تكون أوسع من قدرته على احتوائها.

هنا، لا تبدو المغادرة فعلاً بطولياً ولا نزوة عابرة، بل سؤالاً داخلياً ينمو بصمت حتى يصير قراراً. الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى في الدورة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، كتب السيناريو الخاص به وأخرجه الثنائي الأرجنتيني الشاب لورينزو فيرو ولوكاس فينيالي. لا يتعامل العمل مع الرحلة بوصفها مغامرةً طفولية، بل بوصفها عتبة عبور بين مرحلتين: براءةٍ تعتقد أن الحلم وحده يكفي، ووعيٍ يتعلّم تدريجياً أن الطريق إلى الحلم ليس كما تصوّره الأفلام.

ومن هذه المسافة بين الصورة والواقع، تتشكّل حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتحوّل تدريجياً إلى تأمّل بصري وإنساني في معنى الحرية الأولى، وفي الثمن الصامت الذي يدفعه الإنسان حين يقرر أن يختبر العالم وحده.

مخرجا الفيلم الأرجنتيني (الشركة المنتجة)

تدور القصة حول «ميلو»، الطفل الذي يعيش في قرية أرجنتينية نائية، ويتدرّب يومياً على رقصة المالامبو تحت إشراف والده، ضمن إطار عائلي واضح التوقعات والملامح. ترى الأسرة فيه امتداداً لتقاليدها، بينما يرى هو في نفسه شيئاً آخر لم تتضح ملامحه بعد.

العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيرس، ليست بالنسبة إليه مجرد مدينة؛ إنها صورة تعلّمها من السينما والتلفزيون، مساحة افتراضية للحرية والانطلاق. وحين يقرر أن يستقل القطار ويرحل، فإن الرحلة لا تقوده فقط من الريف إلى العاصمة، بل من طفولة ساكنة إلى تجربة أكثر تعقيداً.

يقول لورينزو فيرو لـ«الشرق الأوسط» إن الدافع الأول وراء «قطار النهر» كان الرغبة في العودة إلى سؤال الطفولة بوصفها أرضاً أولى نفقدها ولا نتوقف عن الحنين إليها، مشيراً إلى أن ما جذبه إلى شخصية «ميلو» هو هذا التناقض الحاد بين الجسد الصغير والحلم الكبير، وبين انضباط التدريب اليومي الصارم ورغبة داخلية في الانفلات واختبار المجهول.

ويضيف أن الطفل في السينما يمتلك قدرة استثنائية على كشف الحقيقة، لأن نظرته لم تُثقل بعد بالحسابات أو المجاملات، ولأنه يعيش اللحظة بعفوية كاملة. وبالنسبة إليه، لم يكن الهدف أن يروي قصة صبي هارب، بل أن يتتبع لحظة وعي تتكوّن ببطء؛ لحظة يبدأ فيها الإنسان الصغير في إدراك أن العالم لا يشبه تماماً ما تخيّله.

ويشير فيرو إلى أن فكرة القطار لم تكن عنصراً سردياً فحسب، بل هي رمز للحركة المستمرة، وللرغبة في تجاوز المألوف حتى من دون ضمانات. فالقطار، في نظره، هو المسافة بين ما نعرفه وما نظن أننا نريده، بين البيت بوصفه أماناً والمدينة بوصفها احتمالاً.

ويؤكد أن «الفيلم يتعمد ترك مساحات صمت طويلة، لأن الصمت ليس فراغاً، بل زمن داخلي يتشكل فيه الإدراك. لحظات الانتظار على الرصيف، والمشي في شوارع لا يعرفها الطفل، والتحديق في وجوه الغرباء؛ كلها ليست تفاصيل عابرة، بل جوهر التجربة»، مشيراً إلى أن «الكاميرا كانت مطالَبة بأن تصبر، وأن تمنح الزمن حقه، لأن التحول الحقيقي لا يحدث في لحظة صاخبة، بل في تراكم لحظات صغيرة لا تكاد تُرى».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في برلين (إدارة المهرجان)

أما لوكاس فينيالي فيؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم يقوم على مفارقة دقيقة تتعلق بـ«ميلو» نفسه؛ فهو يعتقد أنه يهرب من ضغط العائلة وتوقعاتها، لكنه يكتشف أن ما يرافقه في الرحلة ليس مجرد حقيبة صغيرة، بل خوفه وحيرته ورغبته العميقة في أن يُعترف به.

ويقول فينيالي إن الحرية، كما يتناولها الفيلم، ليست شعاراً سهلاً ولا حالة رومانسية، بل وضعية معقّدة؛ فهي تمنح الإنسان مساحة للاختيار، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام مسؤولية هذا الاختيار. ويشير إلى أن الإيقاع البطيء للفيلم كان قراراً مسبقاً اتخذه مع فيرو، لأن التجربة الإنسانية، وخصوصاً في الطفولة، لا تحدث في انفجار درامي واحد، بل في تراكم لحظات صغيرة قد تبدو عابرة.

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

ويؤكد فينيالي أن «منح الزمن حقه داخل الكادر يسمح بظهور تفاصيل لا يمكن كتابتها في السيناريو: نظرة مترددة، وابتسامة خافتة، وخطوة متباطئة فوق رصيف محطة. هذه التفاصيل، في رأيه، هي التي تصنع صدق التجربة».

ويلفت إلى أن «العمل لا يسعى إلى تقديم رسالة مباشرة أو خاتمة مطمئنة، بل إلى خلق حالة شعورية تدعو المشاهد إلى أن يعيش الرحلة مع ميلو، لا أن يكتفي بتفسيرها من الخارج».