نهاية خطابات «الإخوان» و«السرورية» وأدواتهم في السعودية

رموزهم غائبون وحراكهم تحطّم... والمملكة تحصّن التعليم بقرارات تاريخية ومناهج جديدة

نهاية خطابات «الإخوان» و«السرورية» وأدواتهم في السعودية
TT
20

نهاية خطابات «الإخوان» و«السرورية» وأدواتهم في السعودية

نهاية خطابات «الإخوان» و«السرورية» وأدواتهم في السعودية

في الأسبوع الماضي، أصدرت هيئة كبار العلماء السعودية، وهي المؤسسة الدينية الرسمية في المملكة العربية السعودية، بياناً بلغة قوية، حذرت فيه من لبّ الإرهاب الملتصق بالدين الإسلامي، وقالت الهيئة «إن جماعة الإخوان المسلمين إرهابية ولا تمثل منهج الإسلام، وإنما تتبع أهدافها الحزبية المخالفة لهدي ديننا الحنيف، وتتستر بالدين».
وتابعت «منذ تأسيس هذه الجماعة لم يظهر منها عناية بالعقيدة الإسلامية، ولا بعلوم الكتاب والسنة، وإنما غايتها الوصول إلى الحكم، ومن ثم كان تاريخ هذه الجماعة مليئاً بالشرور والفتن، ومن رحمها خرجت جماعات إرهابية متطرفة عاثت في البلاد والعباد فساداً مما هو معلوم ومشاهد من جرائم العنف والإرهاب حول العالم». ثم اختتمت «مما تقدم يتضح أن جماعة الإخوان جماعة إرهابية لا تمثل منهج الإسلام، وإنما تتبع أهدافها الحزبية المخالفة لهدي ديننا الحنيف، وتتستّر بالدين وتمارس ما يخالفه من الفرقة وإثارة الفتنة والعنف والإرهاب، فعلى الجميع الحذر من هذه الجماعة وعدم الانتماء إليها أو التعاطف معها».

25 سنة مرّت على أول عملية إرهابية استهدفت المملكة العربية السعودية، حين استهدف 4 إرهابيين موقعاً في حي العليّا بالعاصمة الرياض، يقطنه أجانب من جنسيات عدة، في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1995.
كان ذلك الحدث نقطة تحول كبرى، وكان أيضاً مبحثاً لاستقصاء الأسباب، وإن كانت القوى الأمنية قد أسرعت الخطى في القبض عليهم. ومع العلم أنه كانت ملامح تدل على أن متشرّبي الفكر الإرهابي جاءوا من رحم خطابات متطرفة وتنظيم «القاعدة» الإرهابي. في ذلك الحدث، وبعد 5 أشهر فقط، أمكن القبض على الفاعلين وهم أربعة من الشباب السعودي، تتراوح أعمارهم بين 24 و28 سنة، بُثت اعترافاتهم تلفزيونياً، وقد استقبلها السعوديون بالشعور بالمفاجأة؛ كونهم لم يشهدوا مثل ذلك من قبل، وإن كانت حادثة «جهيمان» في 1979 لا تزال ضمن المَرويات التاريخية التي ظنوا أنها طويت.
بالنسبة للشبان الأربعة، ثبت وفق التحقيقات التي أعلنت أنهم تلقوا تدريباتهم في أفغانستان، وكانت لهم علاقاتهم مع زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن، وحصلوا على الأسلحة عبر التهريب من اليمن.
الأربعة المغرّر بهم، تلقوا الخطاب السائد في فترة الحرب الأفغانية، وما كان قبله من خطابات مسّت مناهج التعليم، وحين كانت أمواج الخطابات السوداء تحضر عبر مجاميع استغلت المؤسسات الدينية وكذلك التعليمية للحشد والترويج. ومن الخطاب الديني المسيس عبر شخصيات ورموز عدة، بعضهم اعتلى منابر المساجد، استقت عنفها المسلح من كتب تنظيم «الإخوان» وجناح «السرورية» الذي وجد حضوره في السعودية ليكونوا وقود نار، وفي ذلك تفاصيل أُخر.
وتبعت ذلك الحدث الإرهابي الأول، عام 1995، أحداث كان تنظيم «القاعدة» هو المتبني الأول لها، ونفذها أفراد جُنّدوا عن طريق الخطاب المؤدلج، وخاصة في مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول). ومن ثم، شهدت السعودية في فترات متوالية منذ 2003 و2004 أحداثاً إرهابية مدمّرة ذهب ضحيتها عشرات الأفراد من المدنيين، علاوة على عشرات من رجال الأمن.
إلا أن قوات الأمن بدأت كتابة فصول نهاية تنظيم «القاعدة» في السعودية، وأكملت عملية إنهاء وجوده. كذلك كتب القضاء الشرعي سطوراً أخيرة في عام 2016، بعدما أدان في أحكام عدة أصبحت نهائية العشرات منهم، سواءً من عمل في الجانب العسكري، أو الجانب الإعلامي، وأيضاً القلة الذين عملوا على الجانب الشرعي أو التنظيري. وما نتج من تلك الحقبة، أنه يغلب على مختلف التيارات المتطرفة «التراتبية الثلاثية» (العسكري والشرعي والإعلامي) التي غالباً ما يتأقلم بغضها مع بعضها، بل ويشوبها خلافات عدة، ولعل في تفصيل هذه القصص والسرد. لكن الخطاب المؤدلج ظل حيّز التحولات لكل أفراد التنظيمات، رغم التساؤل: هل يوجد منبع بالإمكان تجفيفه وردمه لوقف خطابات تحاول النيل من الجسد السياسي للدولة، أو تحاول غربلة المجتمعات بأفكار مسمومة؟

تحطيم مشروع 40 سنة
في الواقع، لم تأتِ عملية حي العليّا في الرياض، عام 1995، بمحض الصدفة، بل الأكيد أنها كانت نتاج مشروع آيديولوجي، وما سبقه من أحداث وصعود رجال دين حركيين في خطابات ما سُمّي بـ«الصحوة». وهذا ما يؤكده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي؛ إذ قال في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السعودية الأسبوع الماضي «خلال سنة واحدة، استطعنا أن نقضي على مشروع آيديولوجي صُنع على مدى 40 سنة. اليوم لم يعد التطرّف مقبولاً في المملكة، ولم يعد يظهر على السطح، بل أصبح منبوذاً ومتخفياً ومنزوياً. ومع ذلك سنستمر في مواجهة أي مظاهر وتصرفات وأفكار متطرفة. فقد أثبت السعوديون سماحتهم الحقيقية ونبذهم لهذه الأفكار التي كانت دخيلة عليهم من جهات خارجية تسترت بعباءة الدين، ولن يسمحوا أبداً بوجوده بينهم مرة أخرى».
وأوضح الأمير محمد، أن «ظاهرة التطرف كانت منتشرة بيننا. كنا وصلنا إلى مرحلة نهدف فيها، في أفضل الأحوال، إلى التعايش مع هذه الآفة؛ إذ لم يكن القضاء عليها خياراً مطروحاً من الأساس. ولا السيطرة عليها أمر وارد»، وأضاف «قدمت وعوداً في عام 2017 بالقضاء على التطرف فوراً، وبدأنا فعلياً حملة جادة لمعالجة الأسباب والتصدي للظواهر». ثم أكد الأمير محمد بن سلمان، أن «خطاب الكراهية هو الدافع الرئيسي لتجنيد المتطرفين، بما يشمل خطاب الكراهية الذي يستخدم حرية التعبير وحقوق الإنسان كمبرر»، مشيراً إلى أن «هذا الخطاب يستقطب خطاب كراهية مضاداً من المتطرفين، وهو مرفوض بطبيعة الحال».
هذا التصريح هو الأكبر لمسؤول سعودي، أضاء على النقاط الأساسية في مواجهة خطاب مؤدلج، صعّد «نجوم شباك» دينيين كانوا ذوي توجهات تضاد العلاقة التكاملية بين الدين والدولة السعودية المعروفة من تأسيسها، فبات لها اتجاه له مؤيدون تشرّبوا الفكر المضاد لوضع تيار تسرّب من خلاله أفراد وتشكلت تنظيمات.

جماعات إرهابية
في عام 2014، صنّفت السعودية في كيانها السياسي «الإخوان» جماعة إرهابية، وهي الجماعة التي حاولت إحداث تغيير اجتماعي بغية التأثير السياسي، لكن كل المنتجات كانت مليئة بالآلام من رجال دين اتبعوا حراكهم، أو من أخذ موجة أخرى تنبع من الآيديولوجيا الإخوانية ذاتها. والحقيقة، أن السعودية كانت بعيدة عن كل محاولات دينية مسيّسة. بل وواجهت الدولة بكيانها السياسي تلك العتبات، وحققت نجاحها، واستمر ذلك الكيان قوياً. ولعل موقف محاولات الاستقطاب الأشهر حين تصدّى الملك عبد العزيز (الملك المؤسس للكيان السعودي) في لقاء مع حسن البنا (مؤسس «الإخوان») حين طلب منه البنا فتح فرع لـ«الإخوان» في المملكة، وحينها رد الملك «كلنا إخوان ومسلمون». ومن بعدها لم تتوقف محاولات «الإخوان» تأسيس كيان لهم، لكنهم لم يجدوا موطئاً مؤسسياً، بل شكّلوا رموزاً لغايات التجنيد وفق دستورهم، وكتبهم تثبت ذلك، ومعها دلائل التاريخ.
لقد تسلل عدد من أتباع رموز من «الإخوان» إلى دول الخليج والسعودية في أواخر الخمسينات وخلال الستينات من القرن الماضي بعد مواجهة الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، ومحاولتهم اغتياله في «حادثة المنشية» (1954). وفي تلك الفترة، حاولوا إظهار ولاء مزيف، وكان حقل التعليم لهم مكان الولوج، وحقاً تمكّن كثيرون منهم من إبراز حضورهم أمام نهج وسطي سارت عليه السعودية، ثم زاد من حضورهم تسللهم إلى السعودية أيضاً مع بدء «حرب الخليج الثانية» وغزو نظام صدام حسين للكويت، وفي حينه أخذوا منهجاً تبشيرياً قائماً على نهج الحاكمية والتكفير والكراهية، قبل رحلة التحطيم لحضورهم وأدواتهم التي أحدثتها القيادة السياسية في المملكة أخيراً.
هذا، وكان مؤسس تنظيم «الإخوان» حسن البنا، قد صنّف المسلمين بناءً على موقفهم من «الإخوان»، وذكر ذلك تفصيلاً عن هذه الحركة في كتاب جيمس هيوارث دن (المخابراتي البريطاني) في كتابه «الاتجاهات الدينية والسياسية في مصر الحديثة»، الذي أصدرته دار «جداول». إذ ذكر الكتاب، أن البنا يرى، أن «الإخوان هم الأمة الإسلامية». و«المؤمن هو عضو في الإخوان، والذي يتردد في قبول مبادئ الإخوان ينصح بمراقبة تقدم الحركة ودراسة كتاباتها وينعت بالمتردد». ولم يكن لدى البنا أن يقدم للنفعيين سوى العمل الجاد والتضحية، بينما العدو المتحامل على «الإخوان» فيُرجع أمره إلى رحمة الله وهدايته!
كتاب هيوارث دن (المؤلف قبل 70 سنة) من الكتب التي ينفيها «الإخوان» بعد كشفها كثيراً من اتجاهاتهم. ولقد عرّج الكاتب - الذي عايش حسن البنا - على مبادئه السياسية، التي منها تسميته «المرشد العام»، وكذلك على «وجوب تنظيم دروس محاضرات عن الإسلام لتعزيز قضية الإخوان». كما أشار إلى «واجب على كل فرع أن يكون له مكاتب تمثل القضية وحيث يمكن لكل الأعضاء أن يلتقوا»، كما تطرّق إلى تعريف «الإخوان المسلمين» من قبل حسن البنا ليبيّن إلى أي مدى كان يدعو إلى إعادة تجارب النبوة، فاستخدام كلمة «أمة» هو الأهم، لا «الدولة»؟

لم يعد هناك صمت على «السرورية»
من ناحية ثانية، تحدث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إبان زيارته للولايات المتحدة في مارس (آذار) من 2018 مع مجلة «تايم» الأميركية المرموقة، فوصف أتباع «السرورية» بأنهم «الأكثر تطرفاً في الشرق الأوسط... وهم أعلى درجة من جماعة الإخوان المسلمين»، وأردف أن «السروريين مجرمون بموجب قوانيننا، وستجري محاكمتهم متى توافرت الأدلة الكافية ضدهم».
هذه مواجهة سعودية هي ذاتها التي كانت مع رموز «الإخوان»، لكن بطريقة أقوى.
وجدت «الحركة السرورية» استقطاباً في المجتمع السعودي سابقاً، بعدما جاء بها إلى السعودية، رجل الدين السوري محمد سرور بن نايف زين العابدين، ومزجت بين السلفية - لإرضاء التوجه الرسمي للدولة في السعودية - وبين فكر «الإخوان» القائم على تسييس الدين. وللعلم، فإن رجال «الصحوة» في معظمهم داخل المملكة ينتمون إلى هذه الحركة. وعلى الأثر، مع نشوء تيار «الصحوة» المستغلّ موجة «السرورية»، وجد «الإخوان» فرصتهم الذهبية. وبالفعل، جعلوا «السرورية» بمثابة «حصان طروادة» لهم؛ بهدف إبعاد الأعين عن نشاطاتهم واستغلال السلفية مظهراً وعباءة؛ تمهيداً للتمكن من المؤسسات الرسمية، مع الإشارة إلى أن ذلك تزامن مع صعود الثورة الإسلامية (الخمينية) الإيرانية.
ولاحقاً، وجدت دول ترعى «الإخوان» في السرورية منجم ذهب، فاستمالتهم وعززت «نجوميتهم» مبرزة إياهم في منابر إعلامية، أطلوا منها يقدمون الفتاوى وهم خارج المؤسسة الدينية الرسمية، ويأخذون في تقديم خطاب يدخل نسيج المجتمع. وبعد الانتفاضات العربية، اتجه معظم الرموز إلى تركيا، وكانت أساليب تجييشهم مولّد انجذاب إلى بلاد الثورات.
السعودية، من جهتها، أنهت «السرورية»، وهناك من عاد منهم وظهر تلفزيونياً ليتبرأ. في حين قال الدكتور عبد اللطيف آل الشيخ، وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد السعودي، عبر موقع «تويتر» للتواصل الاجتماعي «الإخوان اللامسلمون يمارسون الإرهاب المروّع ضد كل من يحذر من خطرهم أو يكشف منهجهم ويعريه». وأضاف «أخطر وأشر فصائلهم السرورية، وهم يشكلون حكومة عميقة في البلاد التي تبتلى بهم، وينتشرون في مفاصل الدول ويقمعون، بل يدمرون كل من يفضحهم أو يتعرض لهم، سلاحهم الكذب والتزوير والغدر والتخفي وعدم مخافة الله».

تحصين التعليم السعودي
لقد حرص «الإخوان» - ومعهم «السرورية» - على اختراق السعودية. بيد أن جهدهم تحطم، وانكشفت التوجهات التي حاولوا ممارستها، ومعها كل خططهم. ومع سقوط حكمهم في مصر، أصبحت الأرضية التي حاولوا البناء عليها من خلال التعليم، وتحويلها من المعرفية إلى الحركية في السعودية سراباً، بفعل قرارات وإصلاح في المنظومة التعليمية. وخلال العامين الماضيين، أعلنت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض أنها لن تجدد لبعض المتعاقدين السعوديين وغير السعوديين ممن هم متأثرون بالأفكار الإخوانية والداعشية وغيرها. كذلك، صدر قرار من وزير التعليم عام 2016، بسحب نحو 80 كتاباً من مكتبات ومراكز مصادر التعلم في المدارس، من بينها كتاب «الوصايا العشر» لحسن البنا، وكتاب «شبهات حول الإسلام» و«في ظلال القرآن» لسيد قطب.
وأيضاً، كانت من القرارات، قرار وزير التعليم الحالي حمد آل الشيخ، إبعاد المعلمين الذين انتهجوا مخالفات فكرية، وجاء القرار على لسان وزير التعليم نفسه الذي منح مديري التعليم حق «الإبعاد الفوري للعاملين في المدارس ممن لديهم مخالفات فكرية وتكليفهم بأعمال إدارية خارج المدارس بصفة مؤقتة لحين البت في القضية».


مقالات ذات صلة

ترسيم حدود لبنان وسوريا يشكّل الاختبار الأول لعلاقاتهما

حصاد الأسبوع الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي يتوسط الوزيرين منسى وابو قصرة في لقاء التوقيع بمدينة جدة (واس)

ترسيم حدود لبنان وسوريا يشكّل الاختبار الأول لعلاقاتهما

شكّلت الاشتباكات التي شهدتها الحدود الشرقية للبنان منتصف شهر مارس (آذار) الحالي أول اختبار للدولتين اللبنانية والسورية الجديدتين،

بولا أسطيح (بيروت)
حصاد الأسبوع بوندي

بام بوندي... تُدخل على وزارة العدل تغييرات جوهرية في سياق معارك ترمب القضائية

عندما اختار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، المدعية العامة السابقة لولاية فلوريدا، بام بوندي، لتكون أعلى مسؤول عن إنفاذ القانون في البلاد،

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع مبنى إدغار هوفر، مقر "مكتب التحقيقات الفيدرالي" (الأف بي آي) في واشنطن. (آ ب)

منصب المدعي العام أو وزير العدل في الولايات المتحدة

المدعي العام أو المحامي العام أو وزير العدل في الولايات المتحدة هو كبير المسؤولين القانونيين في الدولة أو الولاية، والمستشار القانوني للرئيس الأميركي ولحكام الو

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع البرهان بعد كسبه معركة العاصمة (رويترز)

الحرب السودانية تُنذر بصراع إقليمي

لا تُعدّ تهديدات ياسر العطا الأولى من نوعها؛ إذ دأب على مهاجمة دول الجوار واتهامها بالضلوع في مساندة «قوات الدعم السريع». إذ كان قد اتهم خلال شهر نوفمبر

هشام المياني (القاهرة)
حصاد الأسبوع من آثار هجمات المتمردين في إقليم بلوشستان (آ ب)

باكستان في مواجهة أخطار التمرد المسلح من جديد

تواجه باكستان تصاعداً حاداً في حركة التمرد داخلها مع شن جماعات مسلحة سلسلة من الهجمات العنيفة استهدفت بشكل رئيس قوات الأمن

براكريتي غوبتا (نيودلهي)

ترسيم حدود لبنان وسوريا يشكّل الاختبار الأول لعلاقاتهما

الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي يتوسط الوزيرين منسى وابو قصرة في لقاء التوقيع بمدينة جدة (واس)
الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي يتوسط الوزيرين منسى وابو قصرة في لقاء التوقيع بمدينة جدة (واس)
TT
20

ترسيم حدود لبنان وسوريا يشكّل الاختبار الأول لعلاقاتهما

الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي يتوسط الوزيرين منسى وابو قصرة في لقاء التوقيع بمدينة جدة (واس)
الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي يتوسط الوزيرين منسى وابو قصرة في لقاء التوقيع بمدينة جدة (واس)

شكّلت الاشتباكات التي شهدتها الحدود الشرقية للبنان منتصف شهر مارس (آذار) الحالي أول اختبار للدولتين اللبنانية والسورية الجديدتين، في مقاربة الملفات المعقّدة والمتراكمة التي كان النظام السوري السابق كما الحكومات اللبنانية التي كان يسيطر عليها «حزب الله» تفضّل أن تبقى مجمّدة على حالها تبعاً لمصالح الطرفين. الحدود اللبنانية - السورية تمتد على طول أكثر من 375 كلم. ويُجمع الخبراء على أن تأخر ترسيمها، ووجود عوامل جغرافية واجتماعية تضاف إليها عوامل أخرى سياسية وأمنية، أمور تجعل منها «خاصرة رخوة» للبلدين، قد تشهد تجدد المواجهات العسكرية في أي وقت كان، وبخاصة أن فيها عشرات المعابر غير الشرعية التي تُستخدم لتهريب الأفراد والسلع والسلاح منذ سنوات طويلة.

شهد ملف ترسيم الحدود اللبنانية - السورية خلال الساعات الماضية خرقاً كبيراً بالإعلان من مدينة جدّة عن توقيع اتفاق برعاية ووساطة المملكة العربية السعودية بين وزير الدفاع اللبناني ميشال منسّى ووزير الدفاع السوري مُرهف أبو قصرة، جرى فيه التأكيد على «الأهمية الإستراتيجية لترسيم الحدود بين البلدين، وتشكيل لجان قانونية ومتخصصة بينهما في عدد من المجالات، وتفعيل آليات التنسيق بين الجانبين للتعامل مع التحديات الأمنية والعسكرية على أن يُعقد اجتماع متابعة في المملكة العربية السعودية خلال الفترة المقبلة».

الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي يتوسط الوزيرين منسى وابو قصرة في لقاء التوقيع بمدينة جدة (واس)
الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي يتوسط الوزيرين منسى وابو قصرة في لقاء التوقيع بمدينة جدة (واس)

مصادر مطلعة رأت أن دخول المملكة العربية السعودية على خط الوساطة بين البلدين «يجعل أي اتفاق أو تفاهم أمكن التوصل إليه ملزِماً للطرفين ويعطيه بُعداً أكثر جدية». وما تجدر الإشارة إليه هنا أن الجيش اللبناني ينشر 4 أفواج على طول الحدود اللبنانية - السورية بعدد عناصر يبلغ نحو 4838 عنصراً، يتوزّعون على 108 مراكز من بينها 38 برج مراقبة مجهزين بكاميرات وأجهزة استشعار ليلية، كما كان قد أعلن رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي. إلا أن هذا الواقع لم يحُل دون مواجهات عنيفة شهدتها هذه الحدود بدأت بين العشائر، وانضم إليها «حزب الله» قبل أن تتحوّل بين الجيش اللبناني وقوات الأمن السورية؛ ما أدى إلى مقتل 7 أشخاص في لبنان و3 من الجانب السوري.

التطورات الميدانية

المناطق الحدودية – في شمال شرقي لبنان بالذات - كانت قد شهدت، بعد سقوط النظام السابق في دمشق، اشتباكات متفرقة بين مهرّبين من الطرفين. وأطلقت قوات الأمن السورية خلال شهر فبراير (شباط) الماضي حملة أمنية في محافظة حمص التي تحدّ شمال لبنان وشماله الشرقي؛ بهدف إغلاق الطرق المستخدمة في تهريب الأسلحة والبضائع. وتتهم هذه القوات «حزب الله» بأنه ينشط في رعاية عصابات التهريب عبر الحدود، وأن المواجهات المسلحة التي خاضتها على الحدود الشرقية للبنان شارك فيها عناصر الحزب بشكل مباشر. غير أن قيادة «حزب الله» نفت أي علاقة له بالموضوع.

وفي منتصف الشهر الحالي، بعد مواجهات دامية بين الطرفين على أثر اتهام سوريا عناصر «حزب الله» بدخول أراضيها وخطف وقتل ثلاثة من أفراد الجيش السوري، دخل الجيش اللبناني على الخط بإيعاز من رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون الذي أعطى توجيهاته بالردّ على مصادر النيران والانتشار في بلدة حوش السيد علي التي شهدت أعنف المواجهات. ومن ثم، أوكل الرئيس عون وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي التواصل مع السلطات السورية لحل الأزمة، قبل أن يتسلّم وزير الدفاع منّسى الملف.

الترسيم أولاًفي أي حال، يرى كثيرون أن حل الأزمة الحدودية بين البلدين تبدأ بترسيم الحدود. وحقاً، هذا ما نصّ عليه قرار مجلس الأمن الدولي في عام 2006، وحمل الرقم 1680، ولحظ إلى جانب الترسيم إقامة علاقات دبلوماسية رسمية بين البلدين، كما أكد على وجوب نزع سلاح الميليشيات. غير أن سوريا رفضت، يومذاك، القرار، واعتبرته تدخلاً في شؤونها الداخلية، بينما رحّب به عدد من الدول الغربية بجانب الحكومة اللبنانية.

قوات في المنطقة الحدودية بين سوريا ولبنان (آ ب)
قوات في المنطقة الحدودية بين سوريا ولبنان (آ ب)

العميد المتقاعد خليل الحلو، الباحث اللبناني في الشؤون السياسية والاستراتيجية، يرى أن «مسألة ترسيم الحدود مع سوريا ليست مسألة طوبوغرافية حصراً، إنما لها بُعد اجتماعي باعتبار أن لدى كثيرين من اللبنانيين أملاكاً في الجهة السورية من الحدود، ما يتطلب نقاشات ومفاوضات طويلة». ويلفت الحلو في لقاء مع «الشرق الأوسط» إلى أن «القضية لا تُحل على مستوى وزيري الدفاع أو الجيشين اللبناني والسوري، بل تحتاج إلى مؤتمر قمة بين رئيسي جمهورية البلدين يضم وزراء متخصصين، وهي ورشة إذا ما انطلقت قد تستمر لسنوات».

وفق الحلو، فإن «تطبيق القرار الدولي 1680 مرتبط بشكل أساسي بقدرة الجيش اللبناني على الانتشار لضبط الحدود. وراهناً لديه 4 أفواج حدود برّية وعشرات أبراج المراقبة، كما يمتلك سلاح جو. وبالتالي، إذا ما كُلّف فعلياً ضبط الحدود عبر قرار سياسي واضح، لا بالكلام وحده، فهو قادر على ذلك، من دون تناسي أدوار الأجهزة الأمنية الأخرى في هذا المجال».

للعلم، تربط لبنان وسوريا 6 معابر نظامية، هي:

- معبر المصنع الذي يربط بين بيروت ودمشق من جهة البقاع الشرقي

- معبر جوسية الواقع بين بلدة القاع اللبنانية ومدينة القصير السورية

- معبر مطربا شرقي مدينة الهرمل اللبنانية

- معبر الدبوسية بشمال لبنان

- معبر تلكلخ غربي محافظة حمص، مقابل منطقة وادي خالد في عكار

- ومعبر العريضة قرب الشاطئ الذي يؤدي من شمال لبنان إلى مدينة طرطوس السورية.

أما المعابر غير الشرعية فتعدُ بالمئات.

الرؤية السورية

في هذه الأثناء، ترى جهات رسمية لبنانية، فضَّلت إغفال ذكر هويتها، أن السلطة الجديدة في سوريا «لا تبدو متحمسة أو مستعجلة» لبت الملفات العالقة مع لبنان، سواء الملف الحدودي أو ملف اللاجئين أو سواها من الملفات؛ نظراً لأن أولوياتها لا تزال محصورة بضبط الوضع في الداخل السوري، ومعالجة مئات الملفات لتسهيل أمور الناس داخل البلاد. وتشير مصادر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى وجود علامات استفهام حول قدرة السلطات الجديدة هناك من الإمساك بكامل الأراضي السورية وضمناً الحدود.

في المقابل، توضح السياسية والباحثة السورية - الأميركية الدكتورة مرح البقاعي لـ«الشرق الأوسط» أن «الدولة الجديدة في سوريا لا تزال في مرحلة التأسيس؛ إذ لم يتجاوز عمرها ثلاثة أشهر». ومن ثم تتطرق إلى «الكثير من القضايا والمشكلات العالقة في الداخل السوري، خصوصاً بعد سقوط نظام استبدّ بالحكم لمدة خمسين سنة ونصف السنة. لذلك؛ حتى الآن، لم يكتمل المشهد الداخلي السوري بصورته الرسمية والإجرائية».

وترى البقاعي أن «الاشتباكات عبر الحدود هي في منطقة لطالما كانت غير مستقرة لعقود. ثم أنها كانت تحت سيطرة النظام السابق في سوريا، شهدت تفاعلات معقدة، إذ كانت بعض العشائر المحلية على وفاق مع النظام الذي رحل، كما كان لها علاقات مع (حزب الله) في لبنان. هذه العشائر كانت تعمل على طرفي الحدود، وتعتمد بشكل أساسي على التهريب مصدراً للموارد».

وبحسب البقاعي، «تكمن المشكلة الأساسية في هذه المنطقة الحدودية - وتحديداً في المنطقة الشرقية - في غياب الأمن والسيطرة الفعلية، حيث تنتشر عصابات التهريب التي اعتاشت لعقود على هذه الأنشطة في ظل غياب أي تنمية حقيقية. ومع الواقع الجديد في البلدين، أتت الاشتباكات نتيجةً مباشرة لمحاولة الأطراف الجديدة فرض سيطرتها».

أما عن رؤيتها للحل، فتقول الباحثة السورية - الأميركية إنه «من الضروري البدء بوقف عمليات التهريب، لكن الحل الجذري يتطلب العودة إلى مسألة ترسيم الحدود بين البلدين. وهذا أمر معقّد وسيأخذ وقتاً؛ إذ إنه مرتبط بالوضع الإقليمي ككل، وليس فقط بالحدود اللبنانية - السورية، بل يشمل أيضاً الحدود اللبنانية مع إسرائيل».

وللعلم، تعدّ مصادر نيابية لبنانية أن وضع الحدود السورية الراهن مرتبطاً إلى حد كبير بوضع الحدود الجنوبية. وتشير لـ«الشرق الأوسط» إلى «وجود قرار أميركي - إسرائيلي حاسم بتضييق الخناق على (حزب الله)، وقطع كل طرق إمداده بكل الوسائل، ومن هنا تُفهم عمليات القصف الإسرائيلي التي نشهدها للحدود الشرقية بين الحين والآخر».

ولادة متعسّرة

في الحقيقة، بعد سقوط النظام في سوريا، كانت هناك خشية لبنانية كبيرة من تفلّت أمني ينسحب على لبنان. وظلّت السلطات في بيروت تراقب من بعيد التطورات إلى أن قرّر رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي زيارة دمشق للقاء الرئيس السوري أحمد الشرع منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، إلا أن اللقاء بقي دون نتائج. وعملية.

أيضاً، عُقد لقاء بين الشرع وعون على هامش القمة العربية في مارس (آذار) الحالي، شدَّدا خلاله على ضرورة ضبط الحدود بين البلدين. لكن المواجهات المسلحة التي تلت اللقاء أكدت أن الملف يتطلب معالجة أعمق وعلى المستويات كافة.

هنا لا تُنكر مرح البقاعي أن «العلاقات السورية - اللبنانية تشهد ولادة متعسّرة، سواءً في سوريا بعد سقوط النظام، أو في لبنان بعد الفراغ الحكومي الطويل. وكلا البلدين في حاجة ماسة إلى التعاون في مختلف المجالات، وأهمها المجال الأمني».

وهي ترى أيضاً أن «ما يمنح الدولة السورية الجديدة شرعية كبيرة، ويجعل المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية، يثق بها، هو أن بعض المجموعات التي كانت في السلطة سابقاً والمصنّفة على قوائم الإرهاب لم تعُد جزءاً من المشهد». وتتابع أن «الدول الأوروبية بدأت بالتعامل بشكل إيجابي مع الدولة الوليدة في سوريا. والسبب الرئيس لهذا التغير هو قدرة السلطات الجديدة في سوريا على إنهاء وجود حزب الله والميليشيات الإيرانية في البلاد خلال وقت قياسي... وهذا إنجاز يحسب لها، ليس فقط على المستويين الدولي والإقليمي، بل أيضاً بالنسبة للشعب السوري نفسه. إذ تم تحرير سوريا، وحياتها العامة، ومجتمعها من قبضة النفوذ الإيراني، الذي تسبّب في حالة من الفساد وانعدام الاستقرار لعقود طويلة».