جواو فيليكس يثبت أن عصر صانع الألعاب التقليدي لم ينته بعد

في وقت يتعرض لاعبون مثل أوزيل وبوغبا ومحرز للتهميش رغم ما يتمتعون به من مهارات

البرتغالي جواو فيليكس لاعب يتمتع بمهارة التهديف وصناعة الفرص مع أتلتيكو ومنتخب بلاده  -  فيليكس تخلص من الأنانية فأصبح نجماً بارعاً (أ.ف.ب)
البرتغالي جواو فيليكس لاعب يتمتع بمهارة التهديف وصناعة الفرص مع أتلتيكو ومنتخب بلاده - فيليكس تخلص من الأنانية فأصبح نجماً بارعاً (أ.ف.ب)
TT

جواو فيليكس يثبت أن عصر صانع الألعاب التقليدي لم ينته بعد

البرتغالي جواو فيليكس لاعب يتمتع بمهارة التهديف وصناعة الفرص مع أتلتيكو ومنتخب بلاده  -  فيليكس تخلص من الأنانية فأصبح نجماً بارعاً (أ.ف.ب)
البرتغالي جواو فيليكس لاعب يتمتع بمهارة التهديف وصناعة الفرص مع أتلتيكو ومنتخب بلاده - فيليكس تخلص من الأنانية فأصبح نجماً بارعاً (أ.ف.ب)

في ظل تهميش لاعبين مثل أوزيل وبوغبا، يُثبت النجم البرتغالي جواو فيليكس الذي ضمه أتلتيكو مدريد مقابل 110 ملايين جنيه إسترليني أن صانع الألعاب التقليدي لا يزال مهماً في كرة القدم الحديثة.
في الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، كانت هناك شخصية تُعرف باسم «الرجل غير الضروري أو الذي لا لزوم له». وكان هذا الرجل الزائد عن الحاجة موهوباً ثرياً، لكنه يعيش بلا هدف ولا يلعب أي دور في المجتمع، ويكتب الشعر ويرتدي ملابس يتم إعدادها بدقة، ويتسكع على مقاعد حريرية، ولم يكن يجيد سوى الأشياء التي لا طائل من ورائها. وبعدما كان العالم يقوم بتدليله في وقت ما، لم يعد بحاجة إليه على الإطلاق.
في الحقيقة، من السهل أن تجد كثيراً من هؤلاء الأشخاص الذين لا يقومون بأي دور على الإطلاق في كرة القدم الحديثة. وقد كانت هذه ملاحظة واضحة للغاية خلال العام الماضي، حيث رأينا عدداً من اللاعبين الذين يملكون مهارات جيدة مهمشين، ولا يلعبون أي دور مع أنديتهم.
ولا يتم تهميش هؤلاء اللاعبين فحسب، بل يتم شيطنتهم وتصويرهم على أنهم منحلون. وبالتالي، لم يكن غريباً أن نسمع أن اللاعب الفرنسي بول بوغبا كسول، أو أن النجم الجزائري رياض محرز ضعيف هش، أو أن اللاعب الألماني مسعود أوزيل لا يريد اللعب، لكنه بدلاً من ذلك عازم على إفلاس نادي آرسنال، من خلال الحصول على مبالغ مالية طائلة من دون أن يلعب أي دقيقة!
لكن الواقع مختلف تماماً بالطبع، فالمشكلة التي يواجهها بوغبا -على سبيل المثال- هي مشكلة خططية تكتيكية في المقام الأول، لأن الطريقة التي يلعب بها مانشستر يونايتد قد عفا عليها الزمن، ولم تعد مناسبة للضغط الشرس على حامل الكرة، وعدم التوقف عن الركض طوال المباراة. فلاعب مثل نجم خط وسط ليفربول جيني فينالدوم -على سبيل المثال- يقطع 15 خطوة، ويلعب بطريقة سريعة للغاية، ويغلق 3 مساحات أمام خط هجوم الفريق المنافس، في الوقت نفسه الذي يقوم فيه بوغبا بتمرير الكرة لمرة واحدة، أو التحرك في مساحة غير متوقعة داخل الملعب.
وينطبق الأمر نفسه أيضاً على محرز وأوزيل، فهما لاعبان من الطراز الرفيع، ويمتلكان قدرات هائلة فيما يتعلق بالمراوغة والتمرير، لكن قدراتهما لا تناسب الطريقة التي تلعب بها أنديتهما!
وهؤلاء هم «الرجال غير الضروريين» في كرة القدم الحديثة. فعلى الرغم من أنهم يملكون مواهب عظيمة، فإن قدراتهم لا تتماشى مع العصر، ويكافحون لإيجاد حل وسط بين طريقة لعبهم وطريقة لعب الفرق التي يدافعون عن ألوانها، وهذا أمر محزن في حد ذاته لأن هؤلاء اللاعبين المبدعين كانوا دائماً هم من يمتعوننا بمهاراتهم وإمكانياتهم الهائلة داخل الملعب. والأسوأ من ذلك هناك بعض الأحاديث عن أن صانع الألعاب التقليدي قد أصبح شيئاً من الماضي بسبب متطلبات كرة القدم الحديثة التي تعتمد على القوة والضغط الشديد على المنافس.
لكن لحسن الحظ أن كرة القدم لعبة تتسم بالمرونة، وتستوعب أشكالاً وخططاً جديدة. لقد كانت هذه مقدمة طويلة ملتوية بعض الشيء للوصول إلى الحديث عن النجم البرتغالي الشاب جواو فيليكس الذي ضمه أتلتيكو مدريد مقابل 110 ملايين جنيه إسترليني، والذي يعد أفضل لاعب صاعد في كرة القدم الأوروبية في الوقت الحالي. وسجل فيليكس الذي يكمل عامه الحادي والعشرين خلال الأسبوع الحالي هدفه السابع في 5 مباريات، وبدا من الواضح أنه يتجه نحو مستوى آخر تماماً.
في الحقيقة، حدثت طفرة هائلة في مستوى النجم البرتغالي الشاب في الآونة الأخيرة. لقد انتقل فيليكس إلى أتلتيكو مدريد قادماً من بنفيكا البرتغالي مقابل مبلغ ضخم من المال الصيف الماضي، لكنه عانى في البداية من أجل التأقلم والتكيف مع اللعب بقميص قطب مدريد الثاني. لقد كان لاعباً مراهقاً مغروراً يعتمد بشكل كامل على موهبته الفطرية، كما أن صفقة انتقاله قد توسط فيها وكيل أعمال اللاعبين المثير للجدل خورخي مينديز، وكلها عوامل وضعت ضغوطاً هائلة على اللاعب الشاب. وبالتالي، بدأ كثيرون يشككون في قدرة اللاعب على تقديم المستويات المتوقعة منه.
وفي مارس (آذار) الماضي، شارك فيليكس في مباراة فريقه أمام ليفربول على ملعب «آنفيلد» وظل لمدة 110 دقائق وهو يبدو تائهاً. ورغم كل ذلك، قتل فيليكس المباراة تماماً بتمريرة سحرية -كانت التمريرة رقم 23 فقط له في اللقاء- من دون حتى أن ينظر إلى اللاعب الذي يمرر له الكرة، ليصنع الهدف الحاسم الذي أطاح بليفربول، وصعد بفريقه للدور التالي من دوري أبطال أوروبا. لقد أظهر النجم البرتغالي الشاب في تلك الليلة لمحات بسيطة من الإمكانيات والقدرات الهائلة التي يمتلكها.
لكن فيليكس يقدم مستويات رائعة للغاية خلال الموسم الحالي، ويقود أتلتيكو مدريد بشكله الجديد الذي تم بناؤه على أنقاض الفريق الذي رأيناه في صيف 2019، والذي أنهى الدوري الإسباني الممتاز في المركز الثالث، لكنه تعادل في 16 مباراة، وكان يجد صعوبة كبيرة في تسجيل الأهداف. وقد قرر المدير الفني الأرجنتيني، دييغو سيميوني، الاعتماد على نجم برشلونة السابق لويس سواريز في الخط الأمامي، ومن خلفه اللاعب البرتغالي الموهوب جواو فيليكس. وقد أثبت سيميوني أنه كان محقاً تماماً في الاعتماد على فيليكس الذي أظهر براعة فائقة للغاية، ليس فقط في إحراز الأهداف، ولكن أيضاً في قيادة خط وسط الفريق ككل.
وعلاوة على ذلك، يجيد فيليكس صناعة اللعب تحت الضغط أيضاً. ورغم أنه قد يبدو ضعيفاً من الناحية البدنية، فإنه أصبح لاعباً جماعياً بشكل رائع. ولكي ندرك الدور البارز الذي يقوم فيه فيليكس، يتعين علينا أن نشاهد المباراة التي لعبها أمام غرناطة، والتي لم يكن يتوقف خلالها عن الركض ونقل الكرات ومساعدة زملائه داخل المستطيل الأخضر، كما كان هو اللاعب الذي يتحكم تماماً في إيقاع المباراة، بينما كان يلعب صانع ألعاب متقدماً. وقدم فيليكس مستويات مماثلة في مباراة فريقه أمام لوكوموتيف موسكو التي انتهت بالتعادل بهدف لكل فريق. وفي الآونة الأخيرة، قدم أداءً مميزاً أيضاً في المباراة التي سحق فيها أتلتيكو مدريد نظيره قادش برباعية نظيفة، والتي كانت المباراة الثالثة على التوالي التي لم تهتز فيها شباك أتلتيكو مدريد.
ومن بين المميزات الأخرى للاعب البرتغالي الشاب أنه يقوم بأشياء لا يمكن لغيره من اللاعبين القيام بها، نظراً لأنه يمتلك فنيات ومهارات رائعة وسرعة هائلة، بالشكل الذي يذكرنا بمهارات النجم البرازيلي رونالدينيو وهو يتلاعب بأشلي كول في مدينة شيزوكا اليابانية في عام 2002، وهو الأمر الذي لم نرَ لاعباً يقوم به منذ ذلك الحين.
وكما هو الحال مع كل لاعبي خط الوسط الرائعين، يمتاز فيليكس بقدرته على رؤية مساحات الملعب كافة بدقة شديدة، ولكي ندرك ذلك يتعين علينا إعادة مشاهدة هدفه الثاني في مرمى قادش بالصورة البطيئة، حيث سندرك على الفور أنه يرى كل شبر من الملعب حتى وهو يتسلم الكرة على صدره وينطلق بسرعة فائقة؛ إنه لأمر رائع بالطبع أن يكون هناك لاعب كرة قدم مبتكر جديد من الطراز الرفيع لكي يمتعنا بمهاراته وإمكانياته. عفواً ليونيل ميسي، فأنت تتألق في الملاعب العالمية منذ 16 عاماً كاملة، لكن الدور ربما يكون قد حان الآن لكي ينافس جواو فيليكس على الكرة الذهبية لأفضل لاعب في العالم!
وفي الوقت الراهن، ربما يكون أكثر شيء مثير للاهتمام هو الطريقة التي يلعب بها، والطريقة التي يحقق من خلالها التوازن بين مهاراته بصفته لاعباً مبدعاً واحتياجات الفريق ككل. وهذه هي الطريقة التي يجب أن يلعب بها كل صناع اللعب الموهوبين في الوقت الحالي، لكي يوظفوا مهاراتهم من أجل خدمة الفريق في نهاية المطاف.
وعلاوة على ذلك، لا يتوقف فيليكس عن الحركة أبداً، لكنه في الوقت نفسه لاعب ممتع جذاب غير مألوف، ولاعب يثبت أن صناع اللعب التقليدين ما زالوا قادرين على التألق وقيادة أنديتهم ببراعة، على عكس اللاعبين الآخرين «غير الضروريين» الذين لا يفيدون فرقهم!


مقالات ذات صلة

«البريمرليغ»: كوفنتري سيتي يكتسح نيوكاسل برباعية

رياضة عالمية ستيفن مفوني يحتفل برابع أهداف كوفنتري في مرمى نيوكاسل (رويترز)

«البريمرليغ»: كوفنتري سيتي يكتسح نيوكاسل برباعية

فاز كوفنتري سيتي على ضيفه نيوكاسل يونايتد 4-1، الاثنين، ضمن منافسات الجولة السادسة من الدوري الإنجليزي لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (كوفنتري (إنجلترا))
رياضة عالمية ساندرو كولينوفيتش فرحاً بهدف فوز تورينو على أودينيزي (إ.ب.أ)

«الدوري الإيطالي»: أودينيزي يخسر للمرة الرابعة توالياً

واصل فريق أودينيزي السقوط في فخ الخسارة للمباراة الرابعة على التوالي بالسقوط بنتيجة 1-2 أمام مضيّفه تورينو في ختام منافسات الجولة السادسة من الدوري الإيطالي.

«الشرق الأوسط» (تورينو (إيطاليا))
رياضة عالمية تعادل مثير حسم موقعة ليفانتي وإشبيلية بمدينة فالنسيا (إ.ب.أ)

«لا ليغا»: بهدف في الدقيقة «100»... ليفانتي يخطف تعادلاً مثيراً من إشبيلية

فرط فريق إشبيلية في فوز ثمين كان بمتناوله بالتعادل 3-3 مع مضيّفه ليفانتي ضمن منافسات الجولة الثامنة من الدوري الإسباني لكرة القدم، مساء الاثنين.

«الشرق الأوسط» (فالنسيا (إسبانيا))
رياضة عالمية الأسترالي غراهام أرنولد مدرب منتخب العراق (رويترز)

الاتحاد العراقي يجدد الثقة بالمدرب الأسترالي أرنولد

جدّد الاتحاد العراقي لكرة القدم الثقة بالمدرب الأسترالي غراهام أرنولد المشرف على المنتخب الوطني «لضمان التحضير الأمثل لنهائيات كأس آسيا 2027».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
رياضة عربية الاستقلال الإيراني هزم الغرافة القطري بالدوحة (الاتحاد الآسيوي)

«النخبة الآسيوي»: الغرافة القطري يخسر على ملعبه أمام الاستقلال الإيراني

خسر فريق الغرافة القطري على ملعبه ووسط جماهيره أمام الاستقلال الإيراني بنتيجة 1 - 2 ضمن منافسات الجولة الثانية من مجموعة الغرب بدوري أبطال آسيا للنخبة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.


إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
TT

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)

جدد إيقاف برنامج «البلدوزر» الذي يقدمه الكابتن مجدي عبد الغني على شاشة قناة «الشمس» المصرية عقب مشادة كلامية بين ضيفيه الرياضيين ربيع ياسين وأسامة حسن الجدل حول «التعصب الكروي» إعلامياً.

وقرر «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إيقاف برنامج «البلدوزر» بناءً على توصيات من لجنة الشكاوى مع استدعاء الممثل القانوني للقناة، وإلزام جميع وسائل الإعلام بمنع ظهور ضيفي البرنامج ربيع ياسين وأسامة حسن لحين انتهاء التحقيقات بشأن «المخالفات التي حدثت بحلقة، السبت.

وجاء قرار الإيقاف بالتزامن مع استدعاء «نقابة الإعلاميين» فريق عمل البرنامج، الذي يضم مقدم الحلقة ومعدها ومخرجها، إلى جانب الضيفين اللذين يتكرر استضافتهما في البرنامج، مساء كل سبت. ووصف نقيب الإعلاميين طارق سعدة، في بيان صدر، الأحد، ما حدث خلال الحلقة بأنه «لا يليق بالإعلام الرياضي المصري».

«الأعلى للإعلام» يوقف برنامج مجدي عبد الغني على قناة «الشمس» الفضائية (الهيئة الوطنية للإعلام)

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف برنامج رياضي بسبب تصريحات حدثت على الهواء، فسبق أن أوقف المجلس برنامج «كورة كل يوم» الذي يقدمه كريم حسن شحاتة على خلفية «مخالفة الأكواد والمعايير الإعلامية»، كما مُنع نجم النادي الأهلي أحمد بلال من الظهور لمدة 3 أسابيع مع تغريم القناة 50 ألف جنيه (الدولار يساوي 52 جنيهاً في البنوك) لمخالفة «الأكواد الإعلامية».

وشهدت حلقة مجدي عبد الغني المُلقب بـ«البلدوزر» مشادة كلامية خلال نقاش رياضي بشأن حظوظ الأهلي في المنافسة على لقب الدوري، بعدما أعلن ربيع ياسين توقعه تتويج الفريق بالبطولة، وهو ما دفع أسامة حسن للرد عليه بعبارة «ابقى قابلني»، ومع استمرار الحوار، وجه ياسين سؤالاً حاداً إلى حسن حول موقفه إذا حصد الأهلي اللقب، لتتصاعد حدة النقاش، وتتبادل الأطراف عبارات غاضبة.

وحاول مجدي عبد الغني احتواء الموقف وتهدئة الطرفين، لكن ياسين غادر الاستوديو على نحو مفاجئ، ليضطر البرنامج إلى قطع الحلقة، والذهاب إلى فاصل إعلاني. وبحسب المقاطع التي نشرتها القناة عبر حسابها على «يوتيوب»، عاد ياسين إلى الاستوديو بعد انتهاء الفاصل، واستؤنفت الحلقة.

وقال نقيب الإعلاميين طارق سعدة لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة قررت استدعاء فريق العمل بسبب ما صدر من تجاوزات في الحلقة، مؤكداً أن موقف النقابة مرتبط بالعاملين في المجال الإعلامي بشكل مباشر وفق الاختصاصات التي حددها القانون.

ربيع ياسين (حسابه على «فيسبوك»)

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» فإن لجنة الشكاوى بـ«الأعلى للإعلام» ستتخذ قراراً نهائياً خلال الأيام القليلة المقبلة بعد استكمال التحقيقات فيما حدث من «تجاوزات على الهواء» بعد الاستماع لجميع الأطراف على أن يصدر بيان رسمي في وقت لاحق.

وترى ليلى عبد المجيد العميد أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة أن «ظاهرة التوتر والمشادات في البرامج التلفزيونية لا تقتصر على البرامج الرياضية، لكنها تأخذ حيزاً أكبر في هذا النوع من البرامج بسبب حالة التعصب المرتبطة بالمجال الرياضي، سواء بين الإعلاميين أو الجمهور.

وأوضحت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الخلاف في الرأي يجب أن يظل داخل إطار الحوار، من دون رفع الصوت أو الدخول في مشادات»، مشيرة إلى أن «بعض البرامج شهدت في فترات سابقة اشتباكات بين الضيوف وصلت إلى حد التعدي الجسدي، وهو أمر تراه مرفوضاً تماماً».

وأضافت أن «خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الحلقة، وإنما تمتد إلى الجمهور والأجيال الجديدة التي تشاهدها؛ لأنها تقدم نموذجاً سلبياً للتعامل مع الاختلاف، وتحول الحوار من تبادل للأفكار إلى صراع ومواجهة»، لافتة إلى أن «ذلك قد يسهم في زيادة حالات التعصب والتطرف التي تظهر في الملاعب، خصوصاً في كرة القدم؛ ما يجعل ظهور هذه النماذج على شاشة التلفزيون يرسخها بدلاً من مواجهتها».

أسامة حسن (حسابه على «فيسبوك»)

وأشارت عبد المجيد إلى «أهمية تدخل الجهات المعنية بعد التحقيق في مثل هذه الوقائع، وفرض عقوبات تتناسب مع طبيعة المخالفة»، موضحة أن «عقوبات الإيقاف أو المنع لفترات محددة لم تنجح حتى الآن في القضاء على الظاهرة؛ ما يستدعي عقوبات أكثر حدة، وقد يصل الأمر، في الحالات المتكررة، إلى المنع النهائي»، معتبرة أن «تطبيق عقوبة صارمة على حالة أو حالتين قد يسهم في الحد من هذه الظواهر السلبية».