جنة المرئيات الغائرة في ليل المكفوفين

العمى الحقيقي وفق ساراماغو هو أن نرى الأشياء بلون واحد

بورخيس  -  طه حسين  -  ساراماغو  -  عبد الله البرودني
بورخيس - طه حسين - ساراماغو - عبد الله البرودني
TT

جنة المرئيات الغائرة في ليل المكفوفين

بورخيس  -  طه حسين  -  ساراماغو  -  عبد الله البرودني
بورخيس - طه حسين - ساراماغو - عبد الله البرودني

لطالما كان الليل هو الملهم الدائم للكتاب والشعراء، في مختلف العصور. ذلك أن أصفى الكلمات وأكثرها دلالة، هي تلك التي ينتشلها الشعراء من عتمة الداخل وقيعانها المترامية. وليس من المستغرب تبعاً ذلك أن يكون الكتاب والمبدعون المكفوفون هم الأكثر قرباً إلى المناجم الحقيقية لاستعارات الكتابة ورموزها المتوارية. ولا بد للقارئ تبعاً لذلك أن يقف مشدوهاً إزاء المخيلة الهائلة للشاعر الإغريقي الأشهر هوميروس، ويعني اسمه الأعمى باليونانية، الذي لم يقف عماه البصري حائلاً دون تفتح بصيرته، وهو الذي قدم للبشرية اثنتين من أفضل الملاحم وأكثرهاً رسوخاً مع الزمن، أعني بهما «الإلياذة» التي أرخت لحرب طروادة، و«الأوديسة» التي تحكي قصة الرحلة المأهولة بالمشقات التي قام بها عوليس إلى مدينته الأم إيثاكا، التي استغرقت عشر سنوات من الزمن. وفي كلتا الملحمتين يستوقفنا البعد المشهدي للوقائع، والوصف الدقيق للمعارك، وللأهوال التي واجهها أبطال خارقون، ومنشطرون بشكلٍ نصفي بين البشر والآلهة.
وإذا كان البعض لا يرون أي غرابة فيما قدمه هوميروس من لوحات شعرية ذات طابع مشهدي، باعتبار أنه أصيب بالعمى في فترة متأخرة، وأن ذاكرته البصرية ما زالت مترعة بالألوان، فإن الأمر يختلف تماماً مع الشاعر العباسي بشار بن برد، الذي حمل عماه مع الولادة، كما يروي المؤرخون. إلا أن من يقرأ نتاج الشاعر لن يستطيع اقتفاء أثر العمى في كتابته، لا بل سيجد نفسه إزاء سبيكة مركبة من الصور الحسية، التي تحتل حاسة البصر موقعاً متقدماً بينها. ونحن لا نعدم الشواهد الكثيرة التي تدل على البعد البصري في شعر بشار، فهو رغم قوله «يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة\ والأذن تعشق قبل العين أحيانا»، يعود رغم فقدانه البصر ليتحدث عن حور العيون الأنثوية القاتل، في بيته الشهير:
إن العيون التي في طرْفها حورٌ
قتلْننا، ثم لم يحيين قتلانا
إلا أن الشاعر لا ينجح بشكل دائم في إخفاء عقدة العمى تلك، بل إن هذه العقدة ما تلبث أن تظهر في صور مختلفة، كاشفة عن المتاهة الكبرى التي تلف حياته برمتها، وتتركه بلا دليل على طريق الوجود المعتم. وهو ما نستشفه بوضوح من خلال قوله الفريد في وصف الشمس:
والشمس في كبد السماء كأنها أعمى تَحَير، ما لديه قائدُ
كما لا نستطيع في الوقت نفسه أن نغض النظر عن العلاقة بين عمى بشار وبين نزوعه إلى التمرد ورفض الواقع السياسي والاجتماعي القائم في عصره، خصوصاً أنه جعل من الهجاء السياسي والسخرية اللاذعة، طريقته الأثيرة للنيل من خصومه، سواء كانوا في رأس السلطة أو في أسفل الهرم. وإذا كانت الزندقة هي التهمة الأساس التي رُمي بها الشاعر تسويغاً لقتله، فإن السبب الفعلي لمأساته كان سياسياً بامتياز. وفيما عالج بشار بن برد معضلة عماه بالاندفاع نحو الحياة والنهل ما أمكنه من ملذاتها، عن طريق الحواس الأربع الأخرى، انكفأ أبو العلاء المعري بالمقابل إلى داخل نفسه ملازماً بيته في المعرة، حتى أطلق عليه البعض لقب «رهين المحبسين»، وهم يعنون بذلك محبس العمى ومحبس الإقامة. ومع ذلك فإن العطل البصري الذي حرم أبا العلاء من الابتهاج بجمال العالم الخارجي والتلذذ بسحر الألوان، لم ينعكس بالطريقة نفسها على عالمه الداخلي، بل إنه سمح لهذا العالم بالتوهج الكامل، فانقلب إلى حفر عميق في باطن النفس، وإلى اتساع في الأفق المعرفي، وإلى اكتناه حدسي لحقائق الوجود وأسراره.
أما الشاعر اليمني عبد الله البردوني، الذي فقد بصره في الخامسة من عمره، والذي لُقب بمعري اليمن، فهو وإن امتلك بعضاً من حكمة أبي العلاء ونزوعه التأملي، يظل أقرب إلى طرافة بشار وتمرده على الواقع وسخريته الكاريكاتورية والمؤلمة في آن واحد. فالعمى عند البردوني هو الذي جعله يرهف السمع إلى سوس الفساد والاهتراء الذي ينخر عروق اليمن الحديث، كما نخرت الفئران سد مأرب وتسببت بخراب البلاد قبل آلاف الأعوام. واللافت أن صاحب «مدينة الغد»، على غزارة نتاجه، لم يفرد لموضوع عماه أي قصيدة مستقلة، ولم يتعامل مع حرمانه من حاسة البصر بوصفها الخسارة التي يتعذر تعويضها، بل نقل المأساة إلى مكانها الأعم المتعلق بأوضاع بلاده وأمته المزرية، في ظل عمى الحكام، أو تعاميهم المقصود عن رؤية الحقيقة. لا بل يبدو فقدان البصر في قصيدته «الأخضر المغمور» شكلاً من أشكال النعمة، لأن الظلمة بمعناها الرمزي العميق هي الشرط الضروري لتيقظ البصيرة عند البشر، ولانبثاق الحياة في باطن التراب. وهو ما يتمثل في أبياته:
لكي يستهل الصبح من آخر السرى
يحن إلى الأسنى ويعمى لكي يرى
لكي يُنبت الأشجار، يمتد تربة
لكي يصبح الأشجار والخصب والثرى
لكي يستهل المستحيلُ كتابهُ
يمد له عينيهِ حبراً ودفترا
على أن الحرمان من حاسة البصر لم ينعكس بالطريقة نفسها عند الكتاب والمبدعين. فإذا كان بشار والبردوني قد واجهاه بالسخرية والإقبال على الحياة والتمرد على السلطة، وواجهه المعري بالنزوع الفلسفي والانكفاء إلى الداخل، فإن طه حسين لم يعتمد أياً من الخيارين، بل عمل على تجاوز محنته عن طريق تحصيله الأكاديمي، وتعميق ثقافته، وتفاعله مع روح العصر ونزوعه إلى التجديد. وإذا كان صاحب «الأيام» يفترق عن أبي العلاء في رؤيته التشاؤمية إلى الحياة وإيثاره العزلة عن البشر، كطريقة وحيدة للتأمل، أو الفرار من مواجهة الشرور، فهو يلتقي معه في إعلاء العقل وعدم الركون إلى المسلمات واعتماد الشك سبيلاً لا بد منه إلى تلمس اليقين.
من الصعب بالطبع أن نتحدث عن المبدعين العميان دون أن نتوقف قليلاً عند الكاتب الأرجنتيني خورخي بورخيس الذي ورث عن أبيه مشكلة شح البصر، وصولاً إلى إصابته بالعمى الكامل بعيْد منتصف العمر بقليل. إلا أن ذلك لم يمنعه من التحول إلى واحد من العلامات الأدبية والفكرية الفارقة في القرن العشرين. وإذا كان صاحب «كتاب الرمل»، الذي تخيل الفردوس المرتقب على شكل مكتبة كبرى، قد التهم في شبابه كل ما وقعت عليه عيناه من كتب، فهو لم يتوان عن الاستعانة بعدد من الذين تولوا مهمة القراءة له بعد فقدانه البصر، وبين هؤلاء من أصبح بدوره كاتباً مرموقاً، مثل ألبيرتو مانغويل. ومن يتابع كتابات مانغويل اللاحقة، بخاصة عمله اللافت «المكتبة في الليل»، لا بد أن يقف على تأثره الواضح بعوالم بورخيس، الذي نقل عنه مانغويل قوله: «إن من المفارقات الغريبة للقدر، أن يمنحني الله الكتب والليل في آن واحد».
ولعل الليل الذي أشار إليه بورخيس هو بيت القصيد في الكتابة والفن. فالكتابة في جوهرها هي طقس ليلي، لا بالمعنى المباشر لليل الذي يعقب النهار، بل بالمعنى الرمزي الذي يجعل من الإبداع مرادفاً للحب، حيث تُطفأ الأضواء في الحالتين وتُسدَل الستائر، وحيث الإغماض هو السبيل الأمثل إلى الرؤية وانكشاف الحجب. هكذا نقرأ قول البردوني «ويعمى لكي يرى»، أو قول جورج جرداق المماثل «ثم أغمض عينيك حتى تراني». وحين يطلق الشاعر اللبناني صلاح ستيتية على أحد كتبه عنوان «ليل المعنى»، فهو لا يجافي الحقيقة بشيء، حيث كل إبداع حقيقي هو ثمرة تلك العلاقة الجدلية الخاصة بين عتمة المعنى وضوء الشكل. هكذا يصبح العميان من الزاوية الإبداعية أكثر قدرة من المبصرين على التواصل مع المجرى السري للموجودات، حيث اللامرئي هو سيد اللعبة والممسك بزمامها. فالكتاب العميان لا يحتاجون إلى عكاكيز من أي نوع لكي تساعدهم على اجتياز الممر الفاصل بين نثرية الواقع وشعرية التخييل، وهو ما عبر عنه نزار قباني بشكل جلي في رثائه لطه حسين، إذ يخاطبه قائلاً:
ضوءُ عينيكَ أم هما نجمتانِ
كلهمْ لا يَرى، وأنت تراني
ضوءُ عينيكَ أم حوارُ المرايا
أم هما طائران يحترقانِ
إرمِ نظارتيك، ما أنت أعمى
إنما نحن جوقة العميانِ
إلا أن هذا النوع من العمى الحسي الناجم عن فقدان البصر، يختلف تمام الاختلاف عن عمى البصيرة، بشقيه العقلي والروحي. فإذا كان الأول رغم قسوته، يمنح المصاب به فرصة التجول في أكثر مناطق النفس البشرية صلة بالحرية، عبر تحويل العتمة إلى قوس قزح واسع من الرؤى والألوان والكشوف، فإن الثاني يحول الوجود إلى صحراء، والحياة إلى زنزانة ضيقة لا تتسع لغير الظلام المحض والأنا المنكفئة على نفسها، ولغير الخوف من الآخر المختلف. وقد يكون الفارق بينهما شبيهاً إلى حد بعيد بالفارق بين الفن والآيديولوجيا، بخاصة الشمولية منها. وقد يكون جوزيه ساراماغو في روايته «العمى» أحد أفضل الكتاب الذين عبروا عن النوع الثاني والأكثر خطورة. فمدينة العميان المتصارعين في روايته، ليست سوى عالم العصور الحديثة، والعمى الذي يتحول إلى عدوى ليس سوى عمى الآيديولوجيا التمامية التي تحول البشر إلى نوع من «الروبوتات» الفكرية المتشابهة، حيث يتساوى السواد مع البياض في صناعة الكابوس. وحين يعلن ساراماغو بأن العمى هو أن تعيش في عالم انعدم فيه كل أثر للأمل، فهو يجسد مآل هذه الكرة التعيسة في حاضرها الراهن، بقدر ما يجسد هذا المآل قوله في مكان آخر «إن عالم ملاجئ العميان الخيرة والرائعة، قد ولى إلى غير رجعة. ونحن الآن في مملكة العميان القاسية، والوحشية والمليئة بالأحقاد».



وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
TT

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)

في تطور جديد يحيط بالأزمة المتصاعدة التي يواجهها الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، طُلب منه التوقف عن ركوب الخيل، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتفادي أي ظهور علني قد يُفسَّر على أنه استخفاف بالتحقيقات الجارية بحقه.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «التلغراف»، حذّر مساعدو العائلة المالكة دوق يورك السابق من الظهور ممتطياً حصانه، خشية أن يُفهم ذلك على أنه استمتاع بالحياة في وقت يخضع فيه لتدقيق رسمي وتحقيقات حساسة.

وكان ماونتباتن ويندسور قد أُلقي القبض عليه للاشتباه في ارتكابه مخالفات تتعلق بمنصبه العام، وخضع لاستجواب استمر نحو 12 ساعة، وسط اتهامات بتسريب معلومات حكومية سرية إلى جيفري إبستين، المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال. ويُعدّ أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في التاريخ الحديث.

وقبل إجباره على مغادرة «رويال لودج» في وندسور، كان الأمير يُشاهد كثيراً وهو يمتطي حصانه في أرجاء المكان. بل إن أول ظهور علني له بعد تجريده من ألقابه الملكية جاء وهو على صهوة جواد، برفقة سيدة.

وقال مصدر مطّلع: «منذ اعتقاله الأسبوع الماضي، مُنع من ركوب الخيل. يُعتبر ذلك تصرفاً غير لائق. لا يرون أنه من المناسب أن يُشاهد مبتسماً على حصانه كما كان يفعل في وندسور. لكنها كانت من الأشياء القليلة التي يستمتع بها، فماذا سيفعل بوقته إذاً؟».

ويُزعم أن ماونتباتن ويندسور أثار استياء مساعديه بعدما التُقطت له صور وهو يبتسم ويُلوّح للمارة في وندسور، رغم تزايد الدعوات لإجراء تحقيق أوسع في طبيعة تعاملاته مع إبستين.

في السياق ذاته، تُجري شرطة وادي التايمز تقييماً للادعاءات الواردة فيما يُعرف بملفات إبستين، والتي تشير إلى أن الأمير السابق أرسل إلى المموّل الأميركي رسائل بريد إلكتروني حكومية حساسة خلال الفترة بين عامي 2001 و2011، عندما كان يشغل منصب مبعوث تجاري. وكان الضباط قد أنهوا بالفعل عملية تفتيش «رويال لودج».

وعلى الصعيد السياسي، خالف عدد من أعضاء البرلمان، يوم الثلاثاء، التقاليد البرلمانية المعمول بها، وانتقدوا ماونتباتن ويندسور علناً، واصفين إياه بأنه «رجل وقح، متغطرس، متعجرف»، ومتهمين إياه بالتغاضي عن جرائم إبستين، التي شملت استدراج قاصرات. وحسب الأعراف، يمتنع النواب عادةً عن توجيه انتقادات مباشرة لأفراد العائلة المالكة.

في المقابل، لطالما نفى ماونتباتن ويندسور ارتكاب أي مخالفات تتعلق بعلاقته بإبستين. وعقب اعتقاله، صدر بيان عن شقيقه الملك تشارلز جاء فيه: «يجب أن يأخذ القانون مجراه».


أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
TT

أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)

عقب إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن «الصيانة الدورية»، سلّطت جهود إنقاذ بردية نادرة من التلف الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر، وآليات المتابعة الدورية للقطع المعروضة بالمتاحف.

وانتهى المتحف المصري بالتحرير من تنفيذ أعمال ترميم وصيانة بردية الكاتب (أوسر-حات-مس)، التي تعود إلى العصر المتأخر، وذلك في إطار جهوده المستمرة للحفاظ على كنوزه الأثرية وصونها وفق أعلى المعايير العلمية الدولية، بعدما تعرضت للتلف خلال عرضها.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، في إفادة رسمية الثلاثاء، أنه جرى «نقل البردية من مكان عرضها بالمتحف إلى معمل ترميم البردي، حيث باشر فريق العمل أعمال الترميم باستخدام أحدث الأساليب العلمية المتبعة، ووفقاً للمواثيق والمعايير الدولية الموصى بها في مجال صون البردي وترميمه، حتى تم الانتهاء من جميع أعمال التنظيف والمعالجة وإعادتها إلى مكان عرضها الأصلي»، موضحاً أنه «تمت إحالة المسؤول عن عدم تنفيذ أعمال الصيانة الدورية للبردية في موعدها، وفقاً للخطة المعتمدة مسبقاً، إلى التحقيق».

وحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، أكد الليثي أن «البردية كانت تعاني من ظهور بعض الفطريات التي تسببت في تبقعات لونية مؤقتة ظهرت في صورة نقاط سوداء، وهي من الحالات الشائعة التي يتم التعامل معها بسهولة من خلال فرق الترميم المتخصصة». وأضاف أن «هذه الفطريات لا تؤثر على التركيب التشريحي أو الكيميائي للمادة الأثرية، إذ لا تُعد من الإصابات الميكروبولوجية المُحلّلة».

إنقاذ البردية النادرة سلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر والتحديات التي تواجهها، وآليات المتابعة الدورية للمعروضات بالمتاحف. أكّدت الدكتورة رشا شاهين، اختصاصية الترميم المتخصصة في المخطوطات والبرديات بالمتحف المصري في التحرير، أنه تجري متابعة المعروضات بالمتحف بشكل يومي. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «قاعات العرض في المتحف تقسَّم إلى أجزاء، وتُوزّع على العاملين بقسم الترميم، حيث يتولى كل واحد الإشراف والمتابعة اليومية للجزء المسؤول عنه. فإذا وجدنا، على سبيل المثال، قطعة عليها ذرات تراب، ننظّفها بالطرق العلمية في مكان عرضها، كما نراقب تأثيرات التغيرات المناخية والرطوبة على المعروضات. وإذا وجدنا قطعة تحتاج إلى صيانة، تُنقل إلى المعمل».

إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن الصيانة الدورية (وزارة السياحة والآثار)

وتوضح رشا شاهين أن «أهم تحدٍّ يواجه عمليات ترميم الآثار في مصر هو الميزانية اللازمة لتوفير الأجهزة الحديثة وتطوير المعامل، بالإضافة إلى الإنفاق على تطوير العنصر البشري. لدينا في مصر خبراء ترميم يتمتعون بكفاءة عالية، لكن يجب أن يشاركوا في التدريب في دول أخرى على أحدث تكنولوجيا الأجهزة الحديثة لمواكبة تطورات علوم الترميم».

وحسب بيان وزارة السياحة، أكد مدير المتحف المصري بالتحرير الدكتور علي عبد الحليم أنه «لا تزال هناك بعض الأجزاء من البردية تميل ألوانها إلى الدرجة الداكنة أو السواد، وذلك لا يُعد عفناً أو إصابة فطرية، وإنما هو جزء أصيل من طبيعة البردية منذ الكشف عنها، نتيجة لعوامل الزمن ودفنها في التربة لفترات طويلة قبل اكتشافها».

المتحف المصري بالتحرير يضم قسماً لترميم الآثار (المتحف المصري)

ويرى باحث الدكتوراه في جامعة «سيرجي باريس» بفرنسا الأستاذ المساعد في كلية الآثار بجامعة عين شمس إسلام عزت أن «ترميم المقتنيات الأثرية في مصر يواجه تحديات متنوعة يجب العمل على حلها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز هذه التحديات هو عدم توافر الأجهزة العلمية الحديثة اللازمة للكشف عن أسباب التلف في القطعة الأثرية، أو الأجهزة اللازمة لمتابعة تأثيرات العوامل الجوية والرطوبة وغيرها». وأشار أيضاً إلى «محدودية مواد الترميم التي تستخدم في مصر ونوعيتها، حيث يجب أن تتوافر اختيارات متنوعة لتمكين المرمم من اختيار المادة التي تناسب حالة القطعة».

ويرى عزت أن «المتحف المصري يمتلك مدرسة متميزة في الترميم وخبرات بشرية كبيرة، لكنه يواجه تحديات مضاعفة للحفاظ على مقتنياته، حيث يقع وسط العاصمة ذات التلوث المرتفع، وهو ما يعرض المعروضات لمشكلات كبرى».

من جانبه، يرى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود أن «المتحف المصري يحتاج إلى إعادة صياغة نظام الصيانة الدورية والترميم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المتاحف التي افتُتحت حديثاً، مثل المتحف الكبير ومتحف الحضارة، تضم معامل ترميم تحتوي على أحدث الأجهزة التكنولوجية، وهو ما يحتاج إليه المتحف المصري». وأضاف أن «التمويل المالي ضروري لتحقيق ذلك، كي تُغيَّر وسائل الصيانة والترميم في المتحف». وحسب عبد المقصود، فإن «مصر تمتلك خبراء واختصاصيين في الترميم بكفاءة عالية، لكن أي خبير لا يمكنه إنجاز عمله بشكل جيد من دون أجهزة علمية متطورة».


مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
TT

مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

على غرار «روبن هود» الذي كان يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء ويساعد المحتاجين ويناصر المظلومين، يكشف المسلسل المصري «عين سحرية» كواليس عالم الكاميرات السرية التي تخترق الأنظمة وتراقب الفاسدين لتقتص منهم نيابة عن المجتمع.

وأثار المسلسل اهتماماً لافتاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحاز إشادات من فنانين ونقاد، إذ وصفوه بأنه «من أفضل أعمال النصف الأول من رمضان»، لما يتمتع به من قوة الحبكة الدرامية، والسيناريو المميز، وتميز الحوار والصورة البصرية، وبراعة عناصره الفنية. علاوة على الأداء اللافت لبطليه عصام عمر، وباسم سمرة اللذين يشكلان ثنائياً ناجحاً ويقطعان رحلة محفوفة بالمخاطر لكشف رموز الفساد في المجتمع، مُزيحين الستار عن عالم خفي من الأسرار والفضائح.

المسلسل من قصة الكاتبة السورية والإعلامية لانا الجندي، في حين كتب المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار هشام هلال. يضم بين أبطاله محمد علاء، وولاء شريف، وفاتن سعيد، وجنا الأشقر، وعمر شريف، وهو من إخراج السدير مسعود، والإنتاج لمحمد مشيش. يُعرض عبر قناة «أون» ومنصة «يانغو بلاي».

عصام عمر وباسم سمرة في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

تدور أحداث المسلسل في أجواء من الإثارة والتشويق من خلال شخصية «عادل» (عصام عمر)، وهو فني ماهر في تركيب كاميرات المراقبة ويعمل في توصيل الطلبات باستخدام «الموتوسيكل».

يتورط «عادل» في تركيب كاميرات لشقة سيدة ثرية، وعندما يعود إليها لاستعادة شيء نسيه، يكتشف جريمة قتل مروعة لرجل وعشيقته، تقف وراءها زوجته التي سجلت الكاميرات خيانته لها. يضبطه المحامي «زكي غالب» (باسم سمرة) داخل الشقة، ويطلب منه أن يشاركه في كشف الفاسدين عبر تركيب كاميرات سرية لهم، وابتزازهم، وإبلاغ الشرطة عنهم. يرفض عادل في البداية، ولكن مع تهديده لعائلته وحاجته الماسة للمال، يُجبر على خوض رحلة صعبة مليئة بالمخاطر.

يعيش «عادل» مع والدته وشقيقه الأصغر، ويعاني من ماضٍ يؤرقه ويفسد خطوبته، بسبب وفاة والده في السجن بعد اتهامه في قضية سرقة. وفي الوقت نفسه، يعاني من إدمان شقيقه الأصغر «حسن» (عمر شريف) على السرقة. أما «زكي غالب»، فيواجه ماضياً غامضاً ويزور طبيبة نفسية بسبب فقدان ابنته. تتطور علاقة «عادل» و«زكي» من الخوف إلى الثقة، بعدما يكتشف كل منهما الجوانب الإنسانية في الآخر.

ينقلنا المسلسل في رحلته إلى شوارع وسط القاهرة، التي تعكس مزيجاً بين المباني العتيقة والتطوير العمراني، لتكون شاهدة على رحلة البطل. ويصور المسلسل القاهرة ليلاً بشكل بديع، ليكشف عن سحرها وجمالها.

حاز المسلسل إعجاب عدد من الفنانين عبر حساباتهم على «فيسبوك»، حيث أشادت الفنانة سلوى محمد علي بأداء بطلي العمل، قائلة: «باسم سمرة وضع اسمه بين كبار (الجرندات) في تاريخنا، وعصام عمر أثبت أنه ممثل موهوب ومجتهد. وهذا لم يكن ليتحقق إلا بوجود (سكريبت) قوي ومخرج متميز»، مؤكدة أن «(عين سحرية) دراما جيدة الصنع ومكتملة».

الملصق الدعائي للعمل (الشركة المنتجة)

كتبت المخرجة هالة خليل على «فيسبوك»: «لتحكم على حجم موهبة ممثل، شاهد المشهد من دون صوت وركز في عين الممثل أولاً ثم تعبيرات وجهه. ولو تأثرت أو جذبك دون معرفة الحوار الذي تقوله الشخصية، فذلك يعني أنك أمام ممثل موهوب بالفعل»، مشيرة إلى أن «المشاهد الصامتة باتت شحيحة جداً في الدراما، وأصبح الحوار هو الذي يقود. رغم ذلك، لا يزال لدينا ممثلون لا يتركون الحوار يقودهم لأنهم أصحاب موهبة حقيقية»، مستعينة بصورتي عصام عمر وباسم سمرة.

ونشر صبري فواز صورة لباسم سمرة من العمل، وكتب مُشيداً بأدائه: «على الهادي خالص، وفي الحلو منه، ألماظ حر».

في ثالث عمل درامي له بمصر بعد «منعطف خطر» و«موعد مع الماضي»، تنطق لمسات المخرج السوري السدير مسعود الفنية بالتفرد عبر الكادرات والإضاءة والمونتاج. أما موسيقى خالد الكمار الموحية، فقد وصفها الناقد خالد عشري بأنها «الموسيقى الأجمل في دراما رمضان، وتتفوق في إبداعها على الموسيقيين العالميين».

ووصف الناقد المصري محمود عبد الشكور المسلسل بأنه من «أفضل ما شاهده حتى الآن من مسلسلات شكلاً ومضموناً وفكرة وبناء وتشويقاً»، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «إن (عين سحرية) حقّق هذه المكانة بفكرته الجيدة، ومعالجته الذكية، ورسم شخصياته، وحبكته العامة المشوقة والمُحكمة، بل وعلى مستوى حبكات فرعية متعددة، وبتكامل لافت لعناصره الفنية والتقنية».

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

رأى الناقد طارق الشناوي أن مسلسل «عين سحرية» لفت الانتباه بداية من الفكرة التي كتبتها لانا الجندي، والسيناريو والحوار لهشام هلال، ثم الإخراج للسدير مسعود، وهو مخرج يتعامل بإحساس إبداعي، ويحيل الحالة الدرامية إلى صورة على الشاشة من خلال حركة الكاميرا، والإضاءة، والموسيقى، وتتر المطرب «ويجز» الذي يعبر عن حالة المسلسل.

مُشيراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تسكين الأدوار مناسب للغاية، وأن عصام عمر هو النجم الجماهيري في جيله، وممثل لا يمكن تصنيفه (كوميديان) ولا (جان) ولا (كاركتر)، بل مزيج من كل هذا. كما أن دور باسم سمرة يحتوي على ملامح كثيرة تتجاوز التنميط»، لافتاً إلى «وجود كيمياء في الأداء بين باسم وعصام، وكذلك الأدوار النسائية التي تقدمها سما إبراهيم بشكل جيد، وجنا الأشقر التي يراها (موهوبة ووجهاً طازجاً على الشاشة)».