مثقفون مصريون يعارضون منع فيلم «الخروج» رغم {تزييفه التاريخ}

وزير الثقافة المصري أصدر قراره وخبير أثري يدحض ادعاءاته

فاروق حسني
فاروق حسني
TT

مثقفون مصريون يعارضون منع فيلم «الخروج» رغم {تزييفه التاريخ}

فاروق حسني
فاروق حسني

لا تزال حالة الجدل التي أثارها الفيلم الأميركي «الخروج» (Exodus: Gods and Kings)، بعد أن أصدر وزير الثقافة المصري جابر عصفور قرارا بمنع عرضه بسبب ما اعتبره «تزييفا للتاريخ»، في تواتر. واشتعل الجدل أكثر، بعد أن تبين أن وزارة الآثار كانت قد منحت الجهات المعنية تصاريح بتصوير أجزاء من الفيلم داخل معابد في أسوان والأقصر، مما يعطي الفيلم بعض المصداقية، ويظهر تناقضا في موقف وزارة الثقافة من مساندتها لفريق عمل الفيلم أثناء التصوير ومنعه عرضه بعد ذلك.
وعبر عدد كبير من السينمائيين المصريين عن معارضتهم قرار المنع، باعتباره سلاحا غير فعال، فالفيلم بات يعرض في جميع أنحاء العالم، كما أن الإبداع يتطلب، أحيانا، الخروج عن الوقائع التاريخية، حسب فريق منهم، بينما أيد فريق آخر القرار لمحاذير دينية، ولخطورة عرض أفلام قد تزور الحقائق، وتسهم في ترسيخ ادعاءات مغلوطة حول بناء اليهود أهرامات مصر.
وكان الفيلم الذي أخرجه ريدلي سكوت واجه انتقادات على المستوى المهني، لجهة السيناريو الذي حرّف قصة خروج بني إسرائيل من مصر، التي تناقض ما جاء في القرآن وما جاء في سفر الخروج في العهد القديم أيضا. بالإضافة إلى وجود مشاهد في الفيلم تجسّد الذات الإلهية. كما تعرض الفيلم لانتقادات فنية تتعلّق بتصميم الملابس والمؤثرات الصوتية، على الرغم من ميزانيته التي بلغت 140 مليون دولار.
وأوضح فاروق حسني، وزير الثقافة المصري الأسبق، لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأفلام التاريخية دائما ما يكون لها هدفان: هدف تأريخي وآخر سياسي. هذا الفيلم له غرض موجه نحو ادعاء أحقية اليهود في الأهرامات، ومعروف أن إسرائيل تقف وراءه». وقال حسني إن «الأعمال الأدبية والسينمائية دائما ما توضح الأحداث التاريخية بتصور جديد لموضوع حقيقي، مثلا نجيب محفوظ في (كفاح طيبة) اعتمد على أحداث حقيقية لكن في الوقت نفسه هناك شكل إبداعي». ويوضح «الفيلم يقول إن فرعون الخروج هو رعمسيس الثاني، وهو أمر لا يمكن أن يصدق، لأن رعمسيس توفي بعمر 92 سنة، والقصة الدينية تقول إن فرعون غرق في المياه، فكيف يتخيل أن رجلا عنده 92 سنة ولديه تقوس في عظام العمود الفقري، يركب العجلة الحربية ويطارد ويحارب النبي موسى (عليه السلام)؟».
كما يلفت حسني إلى أن «اليهود دخلوا مصر مع الهكسوس، لكنهم هم من استنجدوا بالفرعون رعمسيس الثاني، وهو الذي أبقاهم في أرض جوشن التي بنيت فيها عاصمتهم هواريس، وهي مدينة بنيت بالطوب النيئ، والحضارة المصرية القديمة لم تقم أبدا على هذه الطريقة من البناء. والحقيقة الثابتة التي يعرفها كل المؤرخين حول العالم هي أن الفراعنة لم يكونوا أبدا ليسمحوا بأيد أجنبية في بناء المعابد المقدسة، لأنهم كانوا يعتقدون أنها نجسة، فضلا عن أن اليهود أتوا إلى مصر في وجود الأسرة الـ12، في حين أن الأهرامات بنيت في عهد الأسرة الرابعة والفارق شائع جدا».
ويؤكد حسني «إسرائيل تريد إقحام نفسها في بناء الهرم، وهو ادعاء تكرر كثيرا منذ سنوات، وقد سُئلت ذات مرة في التلفزيون الإيطالي عن دورهم في بناء الهرم، فقلت: إذا كانوا بنوا الهرم في مصر، فمن الغريب جدا ألا يقوموا ببناء مثل هذه المعجزة في إسرائيل حتى الآن؟ وهو سؤال يهدم أي ادعاء على الفور». وقال «من المفروض أن تطّلع وزارة الثقافة على سيناريو أي فيلم يصور في مصر، ما دام الفيلم يمس تاريخ الدولة نفسها، لضمان عدم تحريف وتزييف التاريخ».
ويعترض حسني على منع الفيلم في مصر والعالم العربي، مؤكدا أنه «يجب على الإعلام المهاجمة بالحقائق، وكشف الادعاءات والطمس التاريخي الذي يقدمه الفيلم، أما الجانب الفني فيجب أن نتركه للجمهور والنقاد السينمائيين وهم كفيلون به».
ولم يقف الهجوم على الفيلم عند المصريين فقط، بل تم منعه في الإمارات والمغرب، كما يواجه «الخروج» موجة كبيرة من الانتقادات العالمية حتى في الصحف الإسرائيلية ذاتها، حيث كتب محرر صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، إيلون غلعاد «المصريون على صواب، والفيلم لا يتماشى مع الأسطورة التوراتية»، موضحا أن «جميع الأهرامات البالغ عددها 138 هرما المعروفة، بنيت أثناء الدولة القديمة والدولة الوسطى، والتي كانت بين 2686 و1650 قبل الميلاد».
وشن خبير المصريات بسام الشماع هجوما حادا على المسؤولين في وزارات الآثار والثقافة والسياحة، بسبب تغاضيهم عن قراءة سيناريو فيلم «الخروج» كاملا قبل منح التصاريح، خاصة لتلك الأفلام التي «تمس حضارتنا والديانات السماوية التي لها قدسية خاصة». وقال في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»: «الفيلم استخدم بشكل مثالي للترويج للخطأ التاريخي الذي يسعى الصهاينة ويستميتون في إثباته، وهو وجودهم في مصر في عهد رعمسيس الثاني. ومنحت الحكومة المصرية التصاريح لتصوير ذلك في معبد أبو سمبل الذي شيد في عهده، من دون متابعة لمونتاج الفيلم». ويؤكد «لا يوجد تاريخيا أي دليل على وجود اليهود أثناء بناء الأهرامات، وأيام عهد رعمسيس الثاني. كما أن التوراة أو القرآن لم يذكرا من هو فرعون الخروج.. لكنهم قرروا في الفيلم أنه رعمسيس لكي يثبتوا مزاعمهم، لكن لا يوجد أثر أو بردية أو نص مصري قديم عن ذلك، ولا يزال فرعون الخروج محل دراسة وتنظير، فلا يوجد أي دليل على شخصية هذا الفرعون، ومن الممكن ألا يكون مصريا في الأساس، بل من الممكن أن يكون من الهكسوس، كما أنه ليس كل ملوك الفراعنة أخذوا لقب فرعون (بر - عا)، فهي كلمة كانت تطلق على قصر الحكم، وكانت تعني البيت العظيم أو القصر العظيم».
ويقول الشماع إن «المؤامرة واضحة، ويمكن كشفها من خلال النظر في فريق عمل الفيلم، وعلى رأسه ستيف زيلين، وهو نفسه الذي شارك في كتابة فيلم «قائمة شندلر» (Schindler›s List)، أكثر فيلم يثير الشفقة على اليهود أيام النازيين، مع المخرج اليهودي ستيفن سبيلبيرغ. أما منتج فيلم «الخروج» بيتر شيرنين فوالده يهودي. كما أن المخرج تعمد ظهور أربعة من الممثلين الرئيسيين من ذوي البشرة البيضاء، وهو الشكل القوقازي البعيد تماما عن المصريين القدماء، ناهيك عن تزييف الملابس التي اتخذت الشكل الروماني، واستخدام النبي موسى (عليه السلام) للسيف، وهو أمر غير صحيح، حيث إنه لم يكن يستند سوى على عصاه ولم يكن محاربا أو دمويا كما جسده الفيلم».
ولفت الشماع إلى أن «خطورة مثل هذه الأفلام أنها تصبح وثائق تاريخية وتعتبر مرجعا لعدد من الأجيال في الخارج وحول العالم». وضرب مثالا على ذلك بفيلم «الوصايا العشر» (The Ten Commandments) لسيسل دي ميل، الذي اعتمد فيه على التوراة والعهد القديم، وكتابات جوزيفيوس المؤرخ اليهودي الشهير، قائلا «أثناء عملي في الإرشاد السياحي وجدت عددا من الشباب الأجانب يعتمدون في معرفتهم بالآثار المصرية على فيلم (الوصايا العشر)، ويقولون للمرشدين السياحيين المصريين: نريد مشاهدة الأهرامات التي بناها اليهود».
وقد أثارت تصريحات محمد البغدادي، المستشار الإعلامي لوزير الثقافة المصري، بأن الشركة التي تقوم بالخدمات السينمائية الخاصة بفيلم «الخروج» زورت الأوراق والعقود المقدمة للرقابة، وزعمت أن الفيلم تسجيلي سياحي عن الحضارة المصرية، مزيدا من الجدل.
حول ذلك، يقول الناقد السينمائي المخضرم يوسف شريف رزق الله «دائما ما يكون هناك مندوب من الرقابة لمتابعة التصوير وتوافقه مع أوراق الفيلم المقدمة إلينا، خاصة أنه يصور في مناطق تاريخية. لكن يبدو أن هذا لم يحدث، لأن الرقابة لم يكن عندها علم بما تم تصويره. كما أن المشاهد التي تم تصويرها هنا لم يتم تصديرها إلى الخارج من دون أن تمر على الرقابة، وللأسف هذا الخلل في الإجراءات سوف يؤدي لنفور المنتجين الأجانب وخشيتهم من التصوير في مصر، وهذا شيء سيئ، خاصة أننا في العام الماضي شهدنا عودة هوليوود للتصوير في مصر مرة أخرى، ومنها فيلم توم هانكس وفيلم ريدلي سكوت». ويقول «ريدلي سكوت مخرج عالمي كبير، وقدم فيلم (Kingdom of Heaven)، وقدم شخصية صلاح الدين بشكل رائع لم نره من قبل في فيلم أجنبي. وأعتقد أنه كان يريد تقديم رؤية بعيدا عن الالتزام بالحقائق التاريخية والثوابت الدينية».
«قرار المنع جانبه الصواب»، كما يرى رزق الله، الذي يقول «كان لا بد من عرض الفيلم، وأن تعقد ندوات وبرامج تلفزيونية تناقشه وتفند المغالطات التاريخية به، بالعربية وبالإنجليزية، حتى لا يقع المشاهدون فريسة سهلة لتصديق ما جاء فيه. وكما سمعت أن الفيلم موجود على الأرصفة ويباع بـ10 جنيهات، وأصبح الفيلم مرغوبا للمشاهد، لكن إذا عرض دون ضجة كان سيمر مرور الكرام».
كما يرى الناقد السينمائي أمير العمري أن الأفلام لا تلتزم بالضرورة بالحقائق التاريخية. وقال «نحن نشاهد فيلما هو أساسا نتاج كاتب سيناريو ثم مخرج، وليس كتاب تاريخ كتبه مؤرخون». ويؤكد العمري أن أي فيلم من تلك التي يطلق عليها «أفلام دينية» فيه الكثير من التعديلات والاجتهادات والتفسيرات التي أجراها صناعها، وهذا أمر طبيعي. ويرى أن مواجهة الأفلام التي يقال إنها «تشوه» أو «تخدم أجندات معينة» لا تتم بالمنع، مشيرا إلى أن «المنع أصبح اليوم سلاحا غير فعال، بل إنه يؤدي دورا في الاتجاه العكسي، أي في اتجاه الترويج للفيلم بشكل أكبر، لأن معظم الشباب يشاهدون الأفلام عبر الإنترنت ويمكنهم الوصول إلى كل ما هو ممنوع رسميا في الداخل».
ولفت العمري إلى نقطة غاية في الأهمية ألا وهي «أن تكون الدول العربية والإسلامية هي الوحيدة على ظهر الأرض اليوم التي تحظر وتمنع أمر يسيء إلينا كثيرا ويشوه صورتنا في العالم أكثر من أي فيلم». وحول منع الفيلم في مصر، قال «المنع جاء خوفا من رد فعل الأزهر الذي يحظر ظهور الأنبياء على الشاشة، على الرغم من أن قرار المنع يقول إن الفيلم يصور سيدنا موسى (عليه السلام) باعتباره جنرالا محاربا وليس كنبي، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا المنع إذن؟!».
وأكد أن «تأثير فيلم مثل (الخروج) سيكون في الخارج أكثر منه في الداخل، فماذا سنفعل؟ هل سنسعى لمنع عرضه في أميركا وروسيا وبريطانيا وإيطاليا مثلا؟». ويرى العمري الحل لمواجهة تزييف التاريخ في الأفلام ليس منعها «بل بعمل أفلام جيدة أخرى تظهر وجهة نظر أخرى».



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.