حمدان بن محمد: لا يمكن لأي ظرف أن يثني دبي عن خططها التنموية

ولي عهد الإمارة يؤكد لـ«الشرق الأوسط» استئناف العمل في قطاعات مركزية تتصدرها السياحة والسفر

 الشيخ حمدان بن محمد بن راشد (الشرق الأوسط)
الشيخ حمدان بن محمد بن راشد (الشرق الأوسط)
TT

حمدان بن محمد: لا يمكن لأي ظرف أن يثني دبي عن خططها التنموية

 الشيخ حمدان بن محمد بن راشد (الشرق الأوسط)
الشيخ حمدان بن محمد بن راشد (الشرق الأوسط)

تراهن مدينة دبي الإماراتية على نموذجها الاقتصادي في تجاوز الأزمات، وذلك بسبب عدد من العوامل التي أسهمت وتسهم في تحويل التحديات إلى فرص، حيث واجه العالم على مدى عقدين من الزمان، وبالتحديد منذ بداية الألفية وحتى العام الجاري (2020)، أربع أزمات اقتصادية ضربت جميع الدول، وتفاوت مدى تبعاتها بين دولة وأخرى، وقسمت روزنامة الوقت من بعدها إلى سنين عجاف وأخرى سمان.
وتمثلت تلك الأزمات الأربع في التباطؤ الاقتصادي العالمي في عام 2000 وأحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) في 2001، وأزمة الرهن العقاري الأميركي في 2008 (الأزمة المالية)، وانخفاض أسعار النفط في 2014 وصولاً إلى أزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد - 19) في العام الجاري، ما تسبب بالتأثير في قطاعات حيوية عدة كالسياحة والتجارة والنقل والصناعة والتكنولوجيا والطاقة أيضاً، وغيرها من القطاعات الأخرى، كما تسببت في دخول دول أزمات مالية واقتصادية نتيجة تداعياتها.
وبما أن مدينة دبي الإماراتية تعتمد في اقتصادها على عدد كبير من القطاعات المتأثرة بالأزمات، فإنها استطاعت في كل أزمة تجاوز تداعياتها، وزاد من ذلك كان لها في كل أزمة الإعلان عن مشاريع جوهرية في البنية التحتية في الإمارة المطلة على الخليج العربي.
ويتجلى ذلك في إعلان دبي عن مدينة للإعلام في عام 2000، فيما شهد عاما 2009 و2010 وكانا في منتصف أزمة الرهن العقاري الإعلان عن مترو دبي وبرج خليفة، وفي عام 2016 الذي كان يشهد انخفاض أسعار النفط ما تسبب في تباطؤ اقتصادي، دشنت القناة المائية، وخلال العام الجاري أعلنت عن متحف المستقبل إحدى الأيقونات المعمارية في الإمارة.
- التعامل بكفاءة
قال الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي، إن القدرة على تجاوز الأزمات تستلزم التعامل معها بكفاءة عالية ومهارة، واستخلاص الدروس والعِبَر التي تعين على تفادي تداعيات مثل تلك الأزمات مستقبلاً، وكذلك القدرة على وضع السيناريوهات المختلفة وإعداد الخطط التي تتناسب مع كل منها.
وأضاف: «من خلال مقاربات يمكن معها رصد كل الاحتمالات وصياغة الاستراتيجيات التي تتناسب مع كل حالة على حدة، وبما يضمن استمرار تحقيق الأهداف الأساسية لخطط التنمية وإيجاد البدائل التي تكفل تنفيذها في كل الظروف، بما لا يحجب التطلعات التنموية ولا يتسبب في تأخير خطواتها»، مشيراً إلى أن هذا هو النهج الذي تنهجه إمارة دبي في مسيرة التطوير والبناء على مختلف الأصعدة وضمن كل القطاعات.
ونوّه في حديث إلى «الشرق الأوسط»، بأن الاستعداد الجيد للمستقبل بكل ما يحمله من فرص وكذلك كل ما قد يأتي به من تحديات هو من أهم ضمانات النجاح في تفادي أي تطورات قد تؤثر على عملية التنمية، وأن الاستثمار في البنية التحتية عالية الجودة والطاقات البشرية من ذوي الكفاءة يُعدُّ من أبرز مقومات الاستعداد للمستقبل؛ وهو ما تنبهت له دبي منذ وقت مبكر، وكانت البدايات مع الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم - رحمه الله - إذ بدأ مشاريع البنية التحتية الضخمة في دبي الحديثة بتأسيس مطارها الدولي وإنشاء ميناء أصبح اليوم أحد أهم موانئ العالم وهو «ميناء جبل علي»، كذلك مشروع توسعة الخور الذي كان بمثابة البداية الحقيقية لانطلاقة دبي الاقتصادية.
- قدرة دبي
أرجع ولي عهد دبي قدرتها على تجاوز الأزمات الاقتصادية، وهو ما أثبتته في مناسبات مختلفة، إلى مجموعة من الأسباب في مقدمتها بنيتها التحتية التي تُصنَّف بين الأفضل في العالم، سواء في مجال التكنولوجيا المتقدمة والاتصالات، وكذلك المرافئ الجوية والبحرية، فضلاً عن امتلاكها شبكة من أفضل شبكات الطرق في العالم، كذلك يعد أسلوب إدارة دبي كمؤسسة كبرى من أهم عوامل نجاحها، إذ تعتمد في عمليات التنمية على ترسيخ الشراكة مع القطاع الخاص وتهيئة المناخ الداعم له والجاذب للاستثمارات والمهارات والعقول والأفكار المبدعة، والممكِّن للشركات الصغيرة لتنمو أعمالها وتزدهر.
وقال: «ذلك يتضح في عدة صفقات مليارية استحوذت فيها شركات عالمية على أخرى صغيرة ومتوسطة نشأت وتأسست في دبي وحققت نجاحات لفتت أنظار مؤسسات عالمية كبرى حرصت على الاستفادة من قدراتها بصفقات استحواذ برهنت مستوى التميز الذي وصلت إليه تلك الشركات في دبي».
وأكد أن حكومة الإمارة تقف بكل قوة إلى جانب القطاع الخاص في كل الأوقات، وتعمل على تطوير الأطر التشريعية والتنظيمية الداعمة لازدهار أنشطته، ولا تتردد في اتخاذ الخطوات التي تمكنه من تجاوز أي صعوبات، وهو ما ظهر جلياً من خلال حزم الدعم الاقتصادي التي قدمتها الحكومة بتوجيهات مباشرة من الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لعدد من القطاعات الاقتصادية المتأثرة بتداعيات جائحة «كوفيد - 19»، التي بلغت في مجملها 6.8 مليار درهم (1.8 مليار دولار)، بهدف تخفيف الأعباء المالية ومعاونة الشركات على تجاوز هذا الوضع الاستثنائي الذي أثر على اقتصادات العالم أجمع.
- الصعوبات في باطنها الفرص
أوضح الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم أن دبي وحكومتها تؤمن أن الأزمات، رغم ما تجلبه من صعوبات، وقال: «إلا أنها وبالإرادة والتفكير الإيجابي المبدع، يمكن أن نكتشف في باطنها الفرص، وربما كانت الأزمة العالمية الأخيرة خير دليل، حيث شهد العالم ازدهاراً كبيراً لأنشطة التجارة الإلكترونية التي صاحبت فترات الإغلاق والتدابير الاحترازية التي فرضتها أغلب دول العالم في ذروة الأزمة، كذلك نجد أن هناك أنشطة إنتاجية كذلك مرّت بطفرات أداء ضخمة غير مسبوقة، ومثال على ذلك شركات إنتاج الكمامات والمعقمات والتجهيزات الطبية والوقائية، وغيرها من الصناعات التي زاد عليها الطلب بصورة لم يكن يتصورها أحد».
وتابع: «في إطار طرح الأفكار المبتكرة، أطلقت دبي في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي (برنامج العمل الافتراضي) لتمكين المهنيين الأجانب الذين يعملون عن بُعد، للإقامة فيها مع الاستمرار في القيام بمهام عملهم مع الشركات التي ينتمون إليها وتقع مقارها خارج البلاد».
وقال ولي عهد دبي إن أسلوب عمل حكومة الإمارة، بعيداً عن الأزمات وفي كل الأوقات، يتميز بالمراجعة المستمرة لمشاريعها وتوفيق أوضاعها بما يتناسب مع متطلبات كل مرحلة، إلا أن كل المشاريع التنموية تسير وفق المخطط لها، حيث اطلع الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي نهاية شهر أكتوبر (تشرين الثاني) الماضي، على جملة من المشاريع تنفذها بلدية دبي بإجمالي 6.6 مليارات درهم (1.7 مليار دولار)، ومن أهمها تشييد أحد أكبر مراكز معالجة النفايات في العالم وإنتاج الطاقة الكهربائية بتكلفة تناهز 4 مليارات درهم، ومن المتوقع الانتهاء من المشروع بالكامل في عام 2024 بطاقة تصل إلى 200 غيغاواط من الكهرباء سنوياً، وذلك ضمن المشاريع الداعمة للتنمية المستدامة في دبي، فضلاً عن مواصلة تنفيذ مشاريع البنية التحتية في دبي ضمن مختلف القطاعات الحيوية مثل الطرق والمواصلات والكهرباء والطاقة النظيفة والمتجددة والمياه، إذ يستحوذ قطاع البنية التحتية وتطويرها المستمر على نسبة قدرها 46 في المائة من الإنفاق الإجمالي للإمارة، ما يدلل على حرص حكومة الإمارة على التعامل بكل جدية مع متطلبات الاستعداد للمستقبل».
وأضاف: «تمضي الإمارة في استكمال تنفيذ (استراتيجية دبي للمعاملات اللاورقية) للتحول الرقمي بالكامل إلى البيئة الذكية التي قطعت فيها دبي شوطاً كبيراً، ما مكّنها من مواصلة العمل دون تأثر خلال فترة تحديد الحركة في دبي إبان بدايات أزمة (كوفيد - 19) حيث لم تتأثر الخدمات والأعمال جراء الإجراءات الوقائية، وذلك بفضل البنية التحتية التكنولوجية القوية التي ساعدت في استمرارية الأعمال من خارج مقار العمل في كل أنحاء دبي».
- طموح المستقبل
شدد الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم على أنه لا يمكن لأي تحديات مهما كان حجمها أن تحول دون تحقيق دبي رؤيتها وطموحاتها للمستقبل، ولا يمكن لأي ظروف أن تثنيها عن خططها التنموية وما تنفذه من مشروعات تهدف من خلالها الإمارة أولاً وأخيراً لخدمة مجتمعها وضمان سعادة أفراده وتعزيز مكانتها كوجهة مفضلة للمال والأعمال والسياحة ومركز محوري للتجارة العالمية، ونقطة وصل رئيسية تربط أطراف العالم بعضها ببعض.
وأكد أن الظرف الذي يمر به العالم رغم تعقيده يظل استثنائياً، فيما بدأت دبي بالفعل استئناف العمل ضمن قطاعات مركزية بالغة الأهمية وفي مقدمتها قطاع السفر والسياحة، وباتخاذ كل التدابير الوقائية التي تكفل حماية الجميع؛ سواء أهل الإمارة أو الضيوف القادمين إليها من الخارج، مشيراً إلى أن الإمارات بصورة عامة تتخذ إجراءات سريعة للتعامل مع الموقف العالمي بكل كفاءة، وكان أقربها قرار تشكيل «اللجنة الوطنية لإدارة وحوكمة مرحلة التعافي من أزمة جائحة (كوفيد - 19)».



حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
TT

حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)

تسببت حرب إيران في تهديد للمزارعين وأسعار الغذاء في أنحاء العالم؛ حيث ارتفعت أسعار الأسمدة المعدنية في الأسواق العالمية منذ بداية العام بنحو 40 في المائة، حسب خبراء ألمان في القطاع.

وأوقفت ​شركة «قطر للطاقة» الإنتاج في أكبر مصنع لليوريا في العالم، بعد تعليق إنتاج الغاز إثر الهجمات التي استهدفت منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لها.

وقال محللو «سكوشا بنك» و«رابوبنك» إن مصر التي ‌توفر 8 في المائة من اليوريا المتداولة عالمياً، ربما تواجه صعوبات في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، بعدما أعلنت إسرائيل حالة «القوة القاهرة» على صادرات الغاز إلى البلاد.

وخفضت الهند التي تُعد أحد أكبر أسواق اليوريا عالمياً، إنتاجها في 3 مصانع لليوريا، مع تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر.

وقال فيليب شبينه، المدير التنفيذي للاتحاد الألماني لشركات الزراعة والأغذية، إن وضعاً مشابهاً لما حدث في فبراير (شباط) 2022 يتكرر، وأضاف: «أسعار الأسمدة النيتروجينية في السوق العالمية تقترب بشكل متزايد من أعلى مستوى بلغته في بداية الحرب الروسية الأوكرانية».

ولا يشعر المستهلكون في أوروبا -حتى الآن- بتداعيات مباشرة؛ لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب، حسب متحدث باسم اتحاد المزارعين في ولاية بافاريا. ولكن في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، من المرجح أن ترتفع تكاليف الإنتاج لدى المزارعين الألمان، وبالتالي أسعار المنتجين. وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وإنتاج الأسمدة عملية تستهلك كثيراً من الطاقة، وتعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام. وتشكل الطاقة ما يصل إلى 70 في المائة من تكاليف الإنتاج. ونتيجة ‌لذلك، يتركز جزء كبير من صناعة الأسمدة في الشرق الأوسط؛ حيث يمر ثلث التجارة العالمية في هذا القطاع عبر مضيق هرمز الذي تعرض لإغلاق شبه كامل منذ بدء الحرب.

ويعبر نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية من المضيق، وأدى إغلاقه شبه الكامل إلى إجبار منشآت الطاقة في منطقة الشرق الأوسط على وقف الإنتاج.

وأدى ذلك إلى إغلاق مصانع الأسمدة في المنطقة وخارجها، في وقت يستعد فيه مزارعون في الدول الواقعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية للزراعة الربيعية، وهو توقيت لا يترك مجالاً يُذكر للتأخير.

أوروبا بين حربين

وقبل 4 أعوام، لم تتحقق المخاطر التي كان يخشاها بعض الخبراء بشأن الأمن الغذائي العالمي. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن روسيا التي تعد من أهم منتجي الأسمدة في العالم، استفادت من حرب أوكرانيا وزادت من صادراتها من الأسمدة. وفي الوقت الراهن، أقرت أوروبا بشكل تدريجي زيادات جمركية على الأسمدة النيتروجينية الروسية.

وقال متحدث باسم الرابطة الألمانية للصناعات الزراعية: «تحدد أسعار الغاز ما بين 80 و90 في المائة من تكاليف إنتاج الأمونيا والنيتروجين».

نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة (رويترز)

وعندما ترتفع أسعار الغاز، ترتفع تلقائياً أسعار الأسمدة، وإذا استخدم المزارعون كميات أقل من الأسمدة، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع المحاصيل.

وفي دراسة نُشرت عام 2008، قدَّر عالم البيئة الهولندي يان فيليم إيريسمان، وزملاء له، أن الهكتار الواحد من الأراضي الزراعية ينتج حالياً محاصيل تعادل ضعف ما كان ينتجه في بداية القرن العشرين، وأن 48 في المائة من سكان العالم يعتمدون في غذائهم على استخدام الأسمدة المعدنية عالمياً.

ويمر نحو ثلث اليوريا المتداولة عالمياً ونحو 20 في المائة من الأمونيا عبر مضيق هرمز. أما التأثيرات المباشرة على أوروبا فهي محدودة؛ حيث قال الاتحاد الألماني للصناعات الزراعية: «أوروبا لا تستورد منذ سنوات تقريباً أي أسمدة من منطقة الصراع».

وحسب الاتحاد، يمكن تغطية نحو 75 في المائة من احتياجات الأسمدة النيتروجينية في ألمانيا من الإنتاج المحلي، وأكثر قليلاً في حالة أسمدة البوتاس. ولكن التأثيرات غير المباشرة لارتفاع أسعار الغاز والغاز الطبيعي المسال تبقى ملموسة؛ إذ تؤثر على صناعة الكيماويات والأسمدة الأوروبية.

وكان الارتفاع الكبير في أسعار الغاز في غرب أوروبا خلال حرب أوكرانيا قد تسبب بالفعل في إضعاف صناعة الكيماويات في المنطقة. ولذلك تطالب الصناعات الزراعية في ألمانيا بتعزيز الإنتاج المحلي، وتدعو من بين أمور أخرى إلى فرض رسوم جمركية أعلى أيضاً على البوتاس الروسي.

ويرى الاتحاد الألماني للشركات الزراعية والأغذية الأمر بشكل مماثل؛ إذ تعتبر الرسوم الجمركية أداة مناسبة لجعل الواردات الروسية إلى أوروبا أكثر صعوبة وتقليلها.

وقال شبينه: «في الوقت نفسه، يجب أن يكون ذلك إشارة لتعزيز القدرة الذاتية». وخلال هذا الأسبوع، قامت روسيا بدورها بتقييد صادرات الأسمدة مؤقتاً لحماية مزارعيها.

وفي الوقت الراهن، تظل تأثيرات حرب إيران على غالبية المزارعين الألمان محدودة؛ حيث قال شبينه: «نحو 80 في المائة من الكميات المطلوبة لفصل الربيع بأكمله موجودة بالفعل في مخازن التعاونيات، ونحو 50 في المائة موجودة بالفعل لدى المزارعين». ولكن المزارعين الذين يضطرون إلى الشراء الآن يواجهون تكاليف مرتفعة.

وقال متحدث باسم اتحاد المزارعين في بافاريا: «يكمن التحدي حالياً في توفر الكميات بقدر ما يكمن في تطور الأسعار. وبالنسبة للمَزارع التي لم تؤمِّن احتياجاتها مبكراً، فإن ذلك يؤدي إلى عبء تكاليف ملحوظ».

كما يواجه المزارعون صعوبات إضافية بسبب انخفاض أسعار المنتجين؛ خصوصاً بالنسبة للحبوب. وقال المتحدث باسم الاتحاد: «ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج بالتزامن مع ضعف العوائد يزيد من حدة الوضع الاقتصادي، ويضغط على سيولة المزارع».

نصف غذاء العالم

وقالت مارينا سيمونوفا، محللة أسواق السلع في «أرغوس»، إن نحو نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات ستكون له تداعيات ​واسعة على توفر الغذاء في أنحاء العالم.

وفي بعض البلدان، تمثل الأسمدة ما يصل إلى 50 في المائة من تكلفة إنتاج الحبوب. وحذَّرت وكالة الأغذية التابعة للأمم المتحدة من أن عدداً من الدول ​منخفضة الدخل كان يعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل اندلاع الحرب.

وتكتسب الأسمدة القائمة على النيتروجين -مثل اليوريا- أهمية خاصة على المدى القريب؛ لأن المحاصيل يمكن أن تتأثر إذا لم يستخدمها المزارع موسماً واحداً. ويقل هذا التأثير عادة في حالة الأسمدة الأخرى، مثل المنتجات المعتمدة على الفوسفات والبوتاسيوم.

وتعاني السوق العالمية لليوريا فعلاً من نقص في الإمدادات قبل الصراع الحالي، بعدما اضطرت أوروبا إلى خفض ​الإنتاج بسبب توقف الغاز الروسي الرخيص، وفرضت الصين قيوداً على صادرات الأسمدة، بما فيها اليوريا، لضمان الإمدادات المحلية.


استقرار الديون الخارجية للصين في عام 2025

سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)
سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)
TT

استقرار الديون الخارجية للصين في عام 2025

سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)
سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)

أظهرت بيانات رسمية استقرار الديون الخارجية للصين، خلال العام الماضي، مع وصولها إلى نحو 2.33 تريليون دولار.

وأفادت الهيئة الوطنية للنقد الأجنبي في الصين، السبت، بأن هذا الرقم يقل بنحو 15.5 مليار دولار، أو 0.7 في المائة، مقارنة مع نهاية عام 2024، وفقاً للبيانات التي أوردتها وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا).

وقال لي بين، نائب رئيس الهيئة والمتحدث باسمها، إن هيكل عملات الديون الخارجية للصين شهد تحسناً في عام 2025، بينما بقي هيكل الاستحقاق مستقراً على شكل أساسي.

وبنهاية عام 2025، شكَّلت الديون الخارجية غير المسددة المقومة باليوان الصيني 55.5 في المائة من الإجمالي، بزيادة 1.4 نقطة مئوية قياساً بنهاية 2024.

وبالنسبة لهيكل الاستحقاق، شكَّلت الديون المتوسطة والطويلة الأجل 43.5 في المائة من الإجمالي بنهاية 2025، بانخفاض قدره 0.6 نقطة مئوية عن نهاية 2024، حسبما أظهرت بيانات الهيئة.

وكشفت البيانات أيضاً أن نسبة الديون الخارجية غير المسددة للصين إلى إجمالي الناتج المحلي بنهاية العام الماضي بلغت 11.9 في المائة، في حين بلغت نسبة الديون الخارجية غير المسددة إلى عائدات التصدير 56.3 في المائة.

وأوضح نائب رئيس الهيئة الوطنية للنقد الأجنبي، أن هذه المؤشرات بقيت ضمن عتبات الأمان المعترف بها دولياً، مضيفاً أن مخاطر الديون الخارجية للصين يمكن السيطرة عليها بشكل عام.

على صعيد آخر، أوضحت الهيئة الوطنية للنقد الأجنبي، أن قيمة التجارة الخارجية للصين من السلع والخدمات تجاوزت 3.93 تريليون يوان في فبراير (شباط) الماضي.

وأوضحت الهيئة أن صادرات السلع والخدمات وصلت إلى نحو 2.15 تريليون يوان، بينما تجاوزت قيمة الواردات 1.79 تريليون يوان، ما أدى إلى فائض قدره 360.3 مليار يوان.

وفيما يتعلق بأعمال تجارة الخدمات الرئيسية؛ بلغت قيمة خدمات السفر 159.6 مليار يوان، بينما بلغت قيمة الخدمات التجارية الأخرى 128.5 مليار يوان، وبلغت قيمة خدمات النقل 103.3 مليار يوان، في حين بلغت قيمة خدمات الاتصالات والكومبيوتر والمعلومات 62.8 مليار يوان في الشهر الماضي، وفقاً للبيانات.

ومن حيث القيمة الدولارية؛ بلغت قيمة صادرات الصين من السلع والخدمات 309.2 مليار دولار خلال فبراير الماضي، بينما وصلت قيمة وارداتها إلى 257.3 مليار دولار، ما أدى إلى فائض قدره 51.9 مليار دولار، وفقاً للهيئة.


بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

بعد مرور عام على حزمة القرارات التاريخية التي أصدرها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في 29 مارس (آذار) من عام 2025 لإعادة التوازن إلى سوق الرياض العقارية، بدأت ملامح خريطة طريق جديدة تترسخ في أزقة العاصمة ومخططاتها الشمالية. لغة الأرقام الصادرة عن البورصة العقارية لم تكن مجرد إحصاءات، بل إعلان صريح عن انحسار موجة المضاربات التي استنزفت السوق لسنوات، حيث سجَّلت قيم الصفقات تراجعاً دراماتيكياً بنسبة 64 في المائة، لتبدأ الرياض مرحلة «التصحيح الكبير» نحو نموذج عقاري مستدام يضع احتياجات المواطن والمطور الحقيقي في قلب المشهد.

وقد رسمت توجهات ولي العهد مساراً جديداً للسوق، عبر حزمة قرارات تنفيذية مفصلية، شملت فك الحظر عن ملايين الأمتار المربعة في شمال العاصمة، وتفعيل الرسوم على الأراضي الشاغرة لضمان تدفق المعروض السكني، جنباً إلى جنب مع تجميد زيادات الإيجارات وضبط العلاقة التعاقدية بين المؤجِّر والمستأجر. هذه الإجراءات ساهمت بشكل مباشر في استقرار تكاليف السكن والحد من القفزات السعرية غير المبررة التي شهدتها السنوات الماضية.

وانعكست آثار هذه الإصلاحات الهيكلية بوضوح في بيانات البورصة العقارية التابعة لوزارة العدل؛ حيث سجَّلت قيم الصفقات تراجعاً دراماتيكياً بنسبة 64 في المائة. إذ استقرت تداولات السوق عند نحو 53 ألف صفقة بقيمة تجاوزت 17.3 مليار دولار (65 مليار ريال)، مقارنة بنحو 48.3 مليار دولار (181 مليار ريال) في العام الذي سبق صدور القرارات. كما أظهرت البيانات تراجعاً في مساحات الصفقات الإجمالية لتسجِّل 153 ألف متر مربع، نزولاً من 228 ألف متر مربع، وهو ما يفسره الخبراء بانتقال السيولة من المضاربة في الأراضي الخام الكبيرة إلى مشروعات التطوير السكني المنظم.

إعادة تشكيل السوق العقارية

يرى مختصون ومهتمون بالشأن العقاري في تصريحات لهم إلى «الشرق الأوسط»، أن هذه الإجراءات التاريخية أعادت تشكيل السوق العقارية بمدينة الرياض، نحو نموذج أكثر استدامة، قائم على التطوير العقاري والطلب السكني الحقيقي، وقادته نحو مراحل جديدة من التوازن والنضج والتوجه للاستقرار السعري وتوافق المنتجات العقارية مع الاحتياجات الفعلية للسوق، مضيفين أن هذا التحول يمثل خطوة مهمة نحو بناء سوق عقارية أكثر استدامة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وقال الخبير والمسوِّق العقاري، صقر الزهراني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن أثر هذه القرارات أحدث ملامح تحول واضح في بنية السوق، مضيفاً أن التراجع المسجل في قيمة الصفقات لا يعكس ضعفاً في النشاط بقدر ما يعكس انحسار المضاربات التي كانت تدفع الأسعار إلى مستويات لا ترتبط بالطلب السكني الحقيقي.

وأوضح أن قرارات التوازن العقاري، أسهمت في وضع مرجعية سعرية جديدة للأراضي السكنية، خصوصاً مع طرح الأراضي المدعومة بسعر يقارب 1500 ريال للمتر المربع، وهو ما أعاد ضبط التوقعات السعرية في عدد من الأحياء، وحدَّ من الارتفاعات غير المبررة التي شهدتها السوق في السنوات الماضية.

وأشار إلى أن الأراضي الخام في شمال الرياض سجَّلت ما يشبه «السقوط الحر» في الأسعار، بحسب ما نشرته تقارير السوق العقارية، حيث تراجعت أسعار بعض المواقع بنسب لافتة بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة التي غذّتها المضاربات وتوقعات النمو السريع، مضيفاً إلى أنه يُنظر إلى هذا التراجع بوصفه جزءاً من عملية تصحيح طبيعية تعيد تسعير الأراضي وفق معايير أكثر واقعية ترتبط بقيمة التطوير والطلب السكني الفعلي.

خريطة لمخططات الأراضي التي تم رصدها في الرياض (واس)

من المضاربة إلى التطوير العقاري

وأوضح الزهراني أنه خلال عام من قرارات التوازن العقاري، برزت عدة سمات مهمة، من أبرزها انتقال جزء من السيولة من المضاربة إلى التطوير العقاري، مع توجَّه أكبر نحو مشروعات التطوير المنظم بدلاً من تداول الأراضي الخام، كما برز المشتري السكني الحقيقي كمحرك رئيس للسوق بعد تراجع دور المستثمرين قصيري الأجل.

وأضاف أنه بدأت تظهر باكورة مشروعات البيع على الخريطة سواء في الوحدات السكنية أو الأراضي المطورة، وهو نموذج يُتوقع أن يتوسَّع خلال المرحلة المقبلة لما يوفره من حلول لزيادة المعروض السكني وخفض تكلفة التملُّك، كما تعيش السوق حالة ترقب للتنظيمات المرتقبة، وعلى رأسها رسوم العقارات الشاغرة التي يُنتظر أن تسهم في تشغيل الأصول غير المستغلة داخل المدن ورفع كفاءة استخدام المخزون العقاري.

وتوقع الزهراني أن تتجه السوق العقارية في الرياض في الفترة القادمة إلى مرحلة أكثر نضجاً واستدامة، مع توسع متوقع في مشروعات البيع على الخريطة وزيادة المعروض داخل المدن نتيجة استمرار الإصلاحات التنظيمية، مرجحاً أن يقود ذلك إلى استقرار الأسعار وتحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب.

وأضاف أن ما تشهده السوق العقارية في الرياض اليوم لا يمثل حالة تباطؤ بقدر ما هو مرحلة إعادة تشكيل للسوق نحو نموذج أكثر استدامة، قائم على التطوير العقاري والطلب السكني الحقيقي، بما يدعم مستهدفات التنمية العمرانية ويعزز جودة الحياة في العاصمة.

سلوك السوق

من جانبه، قال الخبير والمسوِّق العقاري، عبد الله الموسى، لـ«الشرق الأوسط»، إن السوق العقارية بمدينة الرياض دخلت مرحلة مفصلية في دورتها الاقتصادية، فالتحولات التي شهدتها خلال هذا العام لا يمكن تفسيرها فقط من خلال الأرقام المتعلقة بعدد الصفقات أو قيمتها، بل ينبغي النظر إليها ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل سلوك السوق وإعادة ضبط العلاقة بين العرض والطلب.

أضاف أنه خلال السنوات التي سبقت هذه القرارات، شهدت السوق العقارية في الرياض ارتفاعات متسارعة في الأسعار مدفوعة بعدة عوامل، من بينها زيادة الطلب والنمو العمراني المتسارع، إضافة إلى دخول فئات استثمارية متعددة إلى السوق. ومع مرور الوقت، أصبح من الضروري إعادة التوازن بما يضمن استدامة السوق ويحد من الارتفاعات غير المبررة في الأسعار.

وزاد بأن التراجع الذي شهدته الصفقات خلال العام الأخير يمكن اعتباره انعكاساً طبيعياً لمرحلة إعادة ضبط إيقاع السوق، ففي هذه المرحلة يميل المشترون إلى التريث وإعادة تقييم قراراتهم الاستثمارية، بينما يقوم المطورون والمالكون بمراجعة استراتيجيات التسعير والتسويق بما يتوافق مع المعطيات الجديدة.

وأشار الموسى إلى أن أبرز السمات التي ظهرت خلال هذه الفترة، تمثَّل في ارتفاع مستوى الوعي لدى المتعاملين في السوق، حيث أصبح القرار الشرائي أكثر ارتباطاً بعوامل القيمة والجدوى الاقتصادية بدلاً من الاعتماد على توقُّعات ارتفاع الأسعار في المدى القصير، كما بدأت بعض الشركات العقارية في إعادة هيكلة نماذج البيع والتسويق، سواء من خلال تقديم خطط سداد أطول أو إعادة تصميم المنتجات العقارية بما يتناسب مع احتياجات السوق.

وأوضح أن هذه المرحلة أسهمت في تقليص حجم المضاربات العقارية التي كانت تؤثر في حركة الأسعار في بعض المناطق، وهو ما شجَّع في المقابل على توجه أكبر نحو التطوير الفعلي للأراضي وإدخالها في مشروعات تطويرية بدلاً من الاحتفاظ بها كأصول خام بانتظار ارتفاع الأسعار.

وأضاف أن ما يحدث اليوم في السوق العقارية في الرياض لا يمثل حالة ركود بقدر ما يمثل مرحلة انتقالية تعيد صياغة قواعد السوق، بحيث تنتقل من سوق تقودها المضاربات السعرية إلى سوق أكثر نضجاً واستقراراً يعتمد على القيمة الحقيقية للأصول العقارية وكفاءة التطوير طويل الأجل، مما يجعل هذا التحول خطوة مهمة نحو بناء سوق عقارية أكثر استدامة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وختم متوقعاً أن تستمر السوق العقارية في الرياض خلال المرحلة المقبلة في مسار أكثر توازناً ونضجاً، حيث ستصبح المنافسة بين المشروعات العقارية مرتبطة بشكل أكبر بجودة المنتج العقاري وكفاءة التطوير ومدى توافقه مع احتياجات السوق الفعلية، مع استمرار المشروعات الكبرى التي تشهدها المدينة، مما سيبقي القطاع العقاري أحد أهم القطاعات الاقتصادية المحفزة للنمو.