اتهامات إسرائيلية لجميل مردم بيك بأنه كان «عميلاً مزدوجاً»

مؤرخون في دمشق يشككون في الرواية عن رئيس وزراء سوريا الأسبق

جميل مردم بيك
جميل مردم بيك
TT

اتهامات إسرائيلية لجميل مردم بيك بأنه كان «عميلاً مزدوجاً»

جميل مردم بيك
جميل مردم بيك

يصف كتاب سيصدر في تل أبيب قريباً، جميل مردم بيك، رئيس الوزراء السوري في سنة 1948، بـ«العميل المزدوج» لكل من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، وقام بتزويد أول رئيس حكومة ديفيد بن غوريون، بـ«معلومات» وحذّره من أن «بريطانيا هي التي تخطط لمنع قيام دولة عبرية في فلسطين».
في المقابل، استغرب مؤرخون سوريون في دمشق من توقيت صدور الكتاب والحديث عن استناده إلى «وثائق سورية»، إلى انطلاقه من «فهم خاطئ للموقف الذي كان يتخذه جميل مردم بيك في التحالفات الإقليمية في بدايات القرن الماضي».
والكتاب المذكور يُصدره البروفسور مئير زمير، المؤرخ المتخصص في شؤون المخابرات وتاريخ سوريا، واشتهر بنظرية جديدة لبحث العلاقات الدولية من خلال كشف دور المخابرات. ومنذ سنة 2010 وهو ينشر أبحاثاً تقول إن المخابرات الفرنسية نجحت ابتداءً من شهر يوليو (تموز) سنة 1944 في إدخال جواسيس لهم إلى الحكومة السورية، وأن بريطانيا نجحت في تجنيد عدد كبير من قادة الحركة القومية السورية واللبنانية للتعاون معها، منذ سنة 1941 تحت يافطة الاستعمار الفرنسي، معظمهم -يقول زمير- تم تخليد ذكراهم في الشام وأُطلقت أسماؤهم على الكثير من الميادين والساحات والشوارع، حتى اليوم. وذكر منهم شكري القوتلي الذي أصبح رئيساً للجمهورية، وجميل مردم الذي شغل منصب رئيس الوزراء مرتين بين نهاية عام 1936 ومطلع عام 1939 ثم من نهاية 1946 حتى نهاية عام 1948، ورياض الصلح الذي أصبح رئيساً لوزراء لبنان. وقد تم ذلك بعدة أساليب، بينها الرِّشى المالية بمبالغ طائلة أو الابتزاز. ويقول إن موافقتهم على هذا التعاون جاءت لرهانهم على انتصار الغرب في الحرب العالمية الثانية، وقدرة بريطانيا على دعمهم بشكل شخصي للوصول إلى الحكم.
ويقول زمير إن «الشرط البريطاني لدعم هؤلاء هو أن يوافقوا على أن تكون بلادهم تحت الهيمنة البريطانية والحكم الهاشمي، ولو بشكل سرِّي، وترفض الانتداب الفرنسي. بريطانيا أوفت بوعدها ودفعت إلى انتخابهم ولكنهم نكثوا الوعد معها وتراجعوا عن موافقتهم على هذه الهيمنة». ويرى أن القضية الفلسطينية كانت في ذلك الوقت قضية ثانوية، وتغلب عليها من حيث الاهتمام التنافس العربي الداخلي من جهة والتنافس البريطاني الفرنسي من جهة أخرى.
لكن الكتاب يركز في عدة فصول منه على دخول الحركة الصهيونية على هذا الخط، منذ سنة 1945. ويتضح أن جميل مردم كان قد وقع أيضاً في حبائل الفرنسيين، عندما اكتشفوا أنه متعاون مع بريطانيا فهددوه بنشر أمر تعاونه. وقد طلبوا منه التعاون مع الحركة الصهيونية، على اعتبار أنه يمس ببريطانيا.
ويقول زمير في كتابه، الذي سيصدر بالعبرية العام المقبل لكنّ صحيفة «هآرتس» نشرت بعض فصوله، أمس (الجمعة)، إن المخابرات البريطانية الخارجية (إم آي )) جنّدت مردم، ليؤيد خطة «سوريا الكبرى» البريطانية، التي قضت بتوحيد سوريا والعراق والأردن، تحت قيادة الهاشميين، مقابل أن تحصل بريطانيا على هيمنة في دمشق، التي كانت تابعة للانتداب الفرنسي. ومقابل موافقته، تلقى مردم أموالاً من بريطانيا، التي وعدته بأن يحكم سوريا، تحت قيادة الملك الأردني، طلال ابن الشريف حسين. ولكن المخابرات الفرنسية، علمت بأمره وراحت تهدده بنشر الوثائق التي حصلوا عليها بشأن الخطة البريطانية، وتسريبها إلى خصومه السياسيين. وإثر ذلك استقال مردم، بعد مشاورات مع المخابرات البريطانية، التي لم تكن تعلم بأن مردم استسلم لابتزاز فرنسي، وتحول إلى «عميل مزدوج»، وزوّد فرنسا بمعلومات بالغة الأهمية حول نيات بريطانيا.
ثم قرر الفرنسيون التقرب إلى الحركة الصهيونية عن طريق إطلاعها على المخططات البريطانية، مؤكدة أن هناك قراراً في لندن يقضي بمنع إقامة دولة لليهود في فلسطين في تلك المرحلة، لأن القيادة الصهيونية كانت مستقلة أكثر من اللازم. وقد وصلت بين ابن غوريون وبين مردم. وعندما أدرك القيادي الإسرائيلي أنّ لديه كنزاً من المعلومات، عُيِّن ضابط مخابرات كبيراً مسؤولاً عن الصلة الدائمة بالزعيم السوري، هو رئيس الشعبة العربية في الدائرة السياسية للوكالة اليهودية، إلياهو ساسون.
وساسون هو سوري الأصل، تولى منصب منسق للتعاون مع المخابرات الفرنسية في عام 1945، واتضح أن ساسون ومردم متعارفان من زمان، والتقيا في عام 1937 عندما كان الأخير يتولى رئاسة الحكومة. فقد كان ساسون يُعرف في دمشق باسم إلياس ساسون، وبرز في العمل السياسي هناك على أنه زعيم في الحركة العربية الوطنية وحارب ضد سياسة التتريك التي فرضتها الدولة العثمانية على العرب. وقد أصبحت علاقاتهما وثيقة. والتقيا عدة مرات، بينها عندما جاء مردم إلى القدس على رأس وفد من الجامعة العربية. ويشير الكتاب إلى أن ابن غوريون التقى مع ساسون، ودوّن في مذكراته تفاصيل حول مضمون محادثات ساسون مع مردم. وهذه كانت واحدة من المرات القليلة التي تسلط الضوء على مردم كمصدر استخباري لابن غوريون.
وجاء في الكتاب أن من بين أهم المعلومات التي أوصلها مردم لابن غوريون، عن طريق ساسون، أن عليه ألا يخاف من حرب يشنها العرب. وقال: «في يوليو 1945، كان ابن غوريون قد أمر قواته بالاستعداد لمواجهة هجوم من الجيوش العربية، حالما يعلن عن إقامة دولة إسرائيل، لكن المعلومات التي نقلها مردم إليه تبيّن أن (التهديد المباشر) لم يكن من جانب الجيوش العربية، وإنما يكمن في خطة ضباط الجيش والمخابرات البريطانييّن في الشرق الأوسط، وأن بريطانيا تنوي منع قيام إسرائيل والإعلان عن ميليشيا (الهاغانا) الصهيونية أنها تنظيم إرهابي ونزع سلاحه، وأيضاً من خلال تطبيق خطة (سوريا الكبرى)، التي بموجبها سيقام كيان يهودي في فلسطين ولكن ليس دولة مستقلة».
ونقل مردم بيك إلى الوكالة اليهودية أن القادة العرب قرروا الوقوف إلى جانب بريطانيا في حال نشوب حرب، تخوفاً من التغلغل السوفييتي، وأنه خلال المداولات في جامعة الدول العربية، جرى التعبير عن التخوف من استمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين، الأمر الذي سيمد «الهاغانا» بثمانين ألف جندي. وأضاف مردم أن الدول العربية «لن تتمكن أبداً من تحصيلكم بالتأهيل والتنظيم، حتى لو ساعدَنا الإنجليز».
ويقول الكتاب إن أحداثاً خلال عام 1946 أثبتت أن المعلومات التي نقلها مردم إلى الوكالة اليهودية حول الخطط البريطانية بشأن فلسطين كانت دقيقة. فقد نقل مردم بيك إلى الوكالة اليهودية معلومات من مؤتمرٍ بادر البريطانيون إلى عقده في مصر، في مايو (أيار)، وتقرر فيه لأول مرة أن الصهيونية تشكِّل خطراً على الدول العربية وليس على الفلسطينيين فقط. كذلك تبين أن ساسون كان حاضراً في مؤتمر آخر عقدته جامعة الدول العربية قرب دمشق، في يونيو (حزيران). واتخذ هذا المؤتمر قراراً سرياً حول احتمال مواجهة عسكرية مع الحركة الصهيونية، وأنه في هذه الحالة على الدول العربية مساعدة أشقائهم الفلسطينيين بالمال والسلاح والقوة العسكرية. وتبين أن المعلومات التي نقلها مردم إلى الوكالة اليهودية حول خطط بريطانيا تجاه «الهاغانا» كانت دقيقة أيضاً. فقد نفّذت القوات البريطانية في فلسطين، في ذلك الشهر، عمليات ضد قادة الحركة الصهيونية وأعلنت حظر تجول في العديد من المدن، واعتُقل خلالها أحد زعمائها، موشيه شاريت. وأفلت ابن غوريون من الاعتقال بسبب وجوده في باريس.
وجاء عن دور الرئيس السوري شكري القوتلي، أيضاً أنه قدم خدمات للبريطانيين. وفي ديسمبر (كانون الأول) عام 1946، أقال بطلب منهم رئيس حكومته سعد الله الجابري، وعيّن مكانه جميل مردم بيك.
وفوجئ مختصون سوريون بالتاريخ السوري بتوقيت الحديث عن تاريخ مردم بيك. وقال أحدهم إنه كان متحالفاً تماماً مع المحور الآخر في العالم العربي، وكان على عَداء مع العراق والأردن وقتذاك، بل إنه اتُّهم بأنه وراء اغتيال عبد الرحمن الشهبندر في عام 1940 الذي كان مؤيداً للمحور بين بغداد وعمان و«صديقاً للهاشميين». كما أن جميل مردم بيك كان أساسياً مع شكري القوتلي وفخري البارودي ولطفي الحفار في «الكتلة الوطنية».
غير أن أحد الخبراء أشار إلى أن جميل مردم بيك التقى كغيره من المسؤولين العرب وقتذاك مبعوثين من الوكالة اليهودية، موضحاً: «التقى وفد من الوكالة مع الكتلة الوطنية لإقناعهم بدعم الاستقلال مقابل تقديم دعم لليهود. وقتذاك كان جميل مردم بيك في باريس في 1936، حيث التقى وفداً من الوكالة وحاول استغلال نفوذ الوكالة اليهودية في فرنسا وخصوصاً مع رئيس الوزراء الفرنسي ليون بلوم الذي كان يهودياً، لدعم استقلال سوريا وجلاء فرنسا».
وقال باحث آخر: «النقطة الوحيدة غير المفهومة: لماذا اعتزل العمل السياسي لدى قيام دولة إسرائيل في 1948 مع أن عمره كان 54 سنة؟». وزاد: «باعتبار أنه كان متعلماً ومثقفاً، أدرك أن المنطقة ذاهبة إلى الخراب مع قدوم العسكر إلى الحكم. قرر الذهاب إلى مصر وعاش فيها ورفض عروضاً عدة للعودة للعمل السياسي بما في ذلك الترشح للرئاسة مع شكري القوتلي وخالد العظم في عام 1955، إلى أن توفي في القاهرة».



«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.


«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.