رئيس الجمعية الأميركية ـ التونسية: هناك ثقة أقل في الإسلاميين الآن

د. ويليام لورانس يقول لـ («الشرق الأوسط») إن «ربيع العرب» لم يحقق نجاحات ثورات شرق أوروبا

د. ويليام لورانس
د. ويليام لورانس
TT

رئيس الجمعية الأميركية ـ التونسية: هناك ثقة أقل في الإسلاميين الآن

د. ويليام لورانس
د. ويليام لورانس

أصبح د. ويليام لورانس، في الآونة الأخيرة، رئيسا للجمعية الأميركية - التونسية (إيه تي إيه). وهو أستاذ زائر في العلوم السياسية في مدرسة إليوت للدراسات الدولية، التابعة لجامعة جورج واشنطن، في العاصمة الأميركية. وصار أخيرا زميلا في «مشروع ديمقراطية الشرق الأوسط» (بوميد)، في واشنطن.
قبل نحو ثلاثة عقود، ولثلاث سنوات، تطوع مع «بيس كوربز» (فيالق السلام) الأميركية في المغرب، ثم قضى تسع سنوات في تونس وليبيا ومصر والجزائر وموريتانيا، وعمل في شمال أفريقيا نحو 30 سنة، بما في ذلك عدة سنوات مع وزارة الخارجية الأميركية وفي السفارة الأميركية لدى ليبيا، والضابط المسؤول في واشنطن عن ليبيا وتونس. وخلال السنتين الماضيتين، شغل مدير قسم شمال أفريقيا في مجموعة «إنترناشيونال كرايسيز» (الأزمات الدولية).
«الشرق الأوسط» التقته وأجرت معه حوارا عبر فيه عن آراء شخصية لا تعبر بالضرورة عن آراء الجمعية الأميركية - التونسية، ولا «بوميد». وفيما يلي نص الحوار:

* ما تقييمك للثورة في تونس مع مرور الذكرى الثالثة لها يوم 14 يناير (كانون الثاني) الحالي؟
- صارت الثورة التونسية، حتى الآن، أكثر الديمقراطيات نجاحا من بين الدول التي انتفضت خلال ربيع العرب. شهد اليمن وليبيا أيضا تغييرات في نظام كل واحدة منهما. وشهدت مصر ما شهدته. وانحدرت سوريا في حرب أهلية. لكن تونس شهدت ليس فقط انتخابات ناجحة، وصفقة سياسية حاسمة أدت إلى التصويت على جزء كبير من الدستور، ولكن أيضا حققت تقدما من حيث التطبيق العملي للديمقراطية. ويرجع هذا النجاح جزئيا إلى البراغماتية والدهاء السياسي للتونسيين. وأيضا بسبب رغبة الكثير من عناصر المجتمع التونسي في تقديم تنازلات. ولا تزال توجد تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية هائلة، لكن التحول الديمقراطي الهش في تونس يمضي إلى الأمام.
* هل هذا دستور إسلامي أم لا؟
- حسب مواد الدستور التي أجيزت، لم يكن الاقتراح الذي سقط عن إعلان الإسلام مصدرا للقوانين، ولكن كان عن إعلان الشريعة مصدرا للقوانين.
توجد أسباب كثيرة لسقوط هذا الاقتراح، منها وجود صفقة سياسية بين الإسلاميين والليبراليين واليساريين.
والسبب الذي قاله أناس كانوا قريبين من المفاوضات، وهناك صدق في قولهم، هو أن الشريعة تعني أشياء مختلفة لناس مختلفين.
توجد تفسيرات محافظة جدا للشريعة، ليست مناسبة للسياسة والمجتمع في تونس.
بالإضافة إلى ذلك، حاولت بعض العناصر تحقيق هذه التفسيرات المحافظة، وفرضها على الشعب التونسي. وكان هذا واحدا من الأسباب التي أدت إلى الأزمة السياسية في أواخر يوليو (تموز) الماضي، بعد اغتيال عضو يساري ثان في البرلمان. ورغم ذلك، توجد كثير من الإشارات إلى الإسلام في الدستور. مثل المادة التي تنص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للبلاد.
* هل يفصل الدستور التونسي بين الدين والدولة؟
- يوجد تونسيون في الجانب الليبرالي واليساري، وأيضا في جانب الإسلاميين وخاصة السلفيين، يسعون لفصل الدين عن السياسة؛ إذ يركز البعض على الآثار المدمرة لدخول الدين في السياسة. ويركز آخرون على إفساد السياسة للدين.
واضح أن الفصل التام بين الدين والسياسة ليس ممكنا أبدا. ولا حتى في دول مثل فرنسا، حيث الدين جزء من القانون العام. ولا حتى في الولايات المتحدة.
هنا، في الولايات المتحدة، ليس الفصل فصلا تاما، لكن الدستور يدعو إلى عدم تأسيس دين للدولة. وتوجد حماية دستورية قوية لممارسة الشعائر الدينية، بما في ذلك حرية الرأي، مثلا حماية حق المواطن في تغيير دينه.
لكن، في تناقض صارخ مع دستور الولايات المتحدة، ينص الدستور التونسي على أن الإسلام هو دين الدولة، في الوقت نفسه، ينص الدستور ذاته على حرية الدين. غير أن هذا الحل الوسط أغضب بعض السياسيين الإسلاميين الأكثر تحفظا. وأدى إلى تهديدات بالقتل، أثرت على المناقشات الدستورية.
* هل تنفصل المساجد عن السياسة حسب دستور تونس؟
- ليست المساجد أبدا بعيدة عن السياسة، لكن توجد بالتأكيد حاجة لجدران مؤسساتية بين المساجد والبرلمان. يجب ألا يملي الأئمة أي شيء عن السياسة، ويجب ألا يملي السياسيون أي شيء عن الممارسات الدينية.
لكن لم تكن هذه الجدران أبدا عالية جدا خاصة في الدول التي فيها التدين كثيرا. وتونس واحدة من هذه الدول.
بالإضافة إلى هذا، يحتمل أن يستمر الحظر على أي خطاب عداء إجرامي في المساجد مثل حض الحاضرين على قتل شخص ما. تماما كما توجد معايير دينية في القوانين الوضعية، مثل تحريم القتل.
أعتقد أن الدين والدولة سيستمران في التأثير بعضهما على بعض، لكن من دون تأثير لا مبرر له. وأعتقد أن هناك إمكانيات لتوازن بينهما خلال مفاوضات جادة وحرة عبر طبقات المجتمع، وعبر وسائل كثيرة وليس فقط في نطاق البرلمان والقوانين التي يضعها البرلمان.
* ما الخطوة التالية؟
- وفقا لتنازلات وحلول وسطى في وقت سابق، استقال رئيس الوزراء علي العريض، وجاء رئيس وزراء جديد، المهدي جمعة، مع حلول يوم 14 يناير الحالي، في الذكرى السنوية الثالثة للثورة. وما دامت الجمعية الدستورية في طريقها لأن تقر الدستور، لن تكون هناك حاجة لإجراء الاستفتاء الذي كان مقررا بديلا.
* هل توجد خلفية، أو صفة، ينفرد بها التونسيون وراء نجاح ثورتهم، حتى الآن؟
- منذ منتصف القرن التاسع عشر، للتونسيين تاريخ طويل من السياسات التقدمية والدستورية. في عام 1861 وضعوا أول دستور في العالم العربي. وظلوا يمارسون مناقشات دستورية مستمرة منذ ذلك الوقت. وظل «الدستوريون» بمختلف اتجاهاتهم يلعبون دورا رئيسيا في السياسة التونسية.
بصورة عامة، ظل التونسيون، تاريخيا، يميلون إلى التوافق الوطني، ويحرصون على حماية تلك التقاليد التقدمية. لكن، هذه المرة، يلعب الإسلاميون دورا مهيمنا جديدا.
* بصورة عامة، يبدو أن «ربيع العرب» لم يحقق نجاحات ثورات شرق أوروبا التي قضت على الأنظمة الشيوعية والديكتاتورية. لماذا؟
- أولا، في الجانبين التاريخي والمؤسساتي، كانت دول شرق أوروبا، من قبل سقوط الشيوعية، أكثر تقدما: صناعيا، واقتصاديا، ومؤسساتيا، مقارنة بدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ثانيا، سارعت دول غرب أوروبا، وبشكل فعال، لمساعدة جيرانها في الشرق. مثل ألمانيا الغربية التي استثمرت بكثافة في ألمانيا الشرقية السابقة.
ثالثا، كانت القوى الديمقراطية في شرق أوروبا أكثر نضجا من تلك الموجودة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وكانت، أيضا، أطول عمرا.
ويمكن القول إن الثوار الشباب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يواجهون عقبات أكبر، وطرقا أطول. لكن، في الوقت نفسه، ظهرت عوامل جديدة تساعدهم، مثل ثورة الاتصالات؛ لهذا، في المدى الطويل، أنا متفائل بأن هؤلاء الثوار الشباب سينجحون.
* هل يشكل الإسلاميون عائقا أمام هذه التغييرات الثورية؟
- الإسلام هو، بطبيعة الحال، قاعدة الحياة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
والصحوة الإسلامية في القرنين الماضيين تقريبا ظاهرة تاريخية، ولا بد أن تستمر. ولا بد أن تكون لها انعكاسات في المستقبل، لكني لاحظت أنه بينما يطمح الكثير من المسلمين في المنطقة إلى حياة إسلامية، يوجد عدد أقل بكثير يطمح نحو حكم إسلامي.
إضافة إلى ذلك، وفي ضوء الأحداث في بعض الدول الإسلامية خلال العقود القليلة الماضية، ينظر كثير من الناس إلى الإسلاميين على أنهم غير قادرين على الحكم؛ إذ تقول ذلك أغلبية النخب، وجزء كبير من أعضاء الطبقات المتوسطة. وهذا لا يعني أن الإسلاميين مدمرون، وذلك لأنهم نجحوا إلى حد كبير في النشاطات الاجتماعية والخيرية، وأثبتوا قدراتهم وإمكانياتهم في أنواع مختلفة من المجالات. أعتقد أنه، في حالات كثيرة، يساء فهم الإسلاميين، أو يظلمون في الحكم عليهم؛ وذلك لسببين هما نفاد صبر الناس عندما يحكمهم نظام إسلامي ولا يحقق طموحاته، وقوة الآيديولوجيات المعارضة للإسلاميين.
وبالتالي أقول نعم توجد ثقة أقل في الإسلاميين الآن، لكني أعتقد أنهم سيبقون، وبقوة، في المستقبل المنظور.
* عرفت كبار قادة النهضة لسنوات كثيرة. ماذا يقولون لك؟
- يقولون لي إنهم يريدون الديمقراطية في تونس، ويريدون لحزب النهضة أن يلعب دورا مهما على المدى الطويل، ويريدون أن يكون حزبهم مقبولا في الحياة السياسية التونسية في المستقبل المنظور.
* هل تمكن المقارنة بين الإسلاميين في تونس والإسلاميين في مصر؟
- أول تشابه هو التردد، من كلا الفريقين، في خوض الانتخابات بعد الثورة.
في تونس، قبل انتخابات 2011، كان هناك نقاش داخل حزب النهضة حول المشاركة فيها، وكيفية تقديم الحزب للمواطنين. كان الشباب متحمسين لخوض الانتخابات، لكن شيوخ الحزب كانوا مترددين وحذرين. لا تنس أنه، في أول مراحل الثورة، كان الوضع غير مستقر، وكانت هناك مخاوف من عودة النظام القديم. وطبعا، كان الإسلاميون في مقدمة الذين عارضوا النظام القديم. لهذا، كانوا يخشون من تطورات مثل التي حدثت في الجزائر عام 1992.
أما في مصر، فقد كان هناك تردد مماثل. في البداية، أعلن «الإخوان المسلمون» أنهم لن يترشحوا لرئاسة الجمهورية. لكن، في وقت لاحق، تراجعوا عن هذا التعهد.
* إذا أجريت انتخابات في تونس الآن، هل تعتقد أن حركة النهضة ستظل الحزب الرئيس؟
- حسب استطلاعات الرأي، ستكون المنافسة شديدة بين النهضة والإسلاميين، في جانب، وبين نداء تونس والليبراليين واليساريين في جانب آخر، لكن استطلاعات الرأي يمكن أن تخطئ، مثلما حدث في انتخابات عام 2011.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.