نوات السينما

الكاتب والعالِم في «المقتفي»
الكاتب والعالِم في «المقتفي»
TT

نوات السينما

الكاتب والعالِم في «المقتفي»
الكاتب والعالِم في «المقتفي»

- Stalker
- (1979)
- غرفة الأسرار
- ممتاز ★★★★
أستاذ السينما المتأملة في حالات ووجدانيات الشخصيات الماثلة أندريه تاركوفسكي، وضع في «المقتفي» أفضل ما استطاع من فلسفتي الصورة وما تعبّر عنه. رواية أركادي وبوريس ستراغاتسكي المسماة «رحلة إلى جانب الطريق» (نُشرت سنة 1973) تحوّلت إلى متعة بصرية غير متناهية مع موضوع ساخن حول مستقبل العالم إذا ما ساده علم غير مسؤول ومنفصل عن روحانيات الحياة وأولوياتها.
‫3 أنماط اجتماعية تقوم برحلة شاقة إلى منطقة محظورة اسمها «زون» وذلك استكشافا لغرفة غامضة قيل إنه إذا دخلها أحد متمنيا، فإن أمنيته تتحقق. العالم والكاتب لا يؤمنان بها، بينما المقتفي يخاف انتقامها ويجلّها، وينتهي الفيلم بتباعد هذه الأنماط البشرية تعبيرا عن حالة يجدها المخرج ‬حاضرة (منذ ذلك الحين) يعبّر عنها أحد أبطال الفيلم عندما يقول: «إنهم يقولون نحن نعيش مرة واحدة فقط، كيف إذن يستطيعون أن يؤمنوا بأي شيء آخر؟».
خلع ‫أندريه تاركوفسكي عن الرواية إطار المكان المحدد، فالأحداث تدور على الأرض من دون تحديد المكان (هروب الأخوين ستراغاتسكي من الرقابة السوفياتية بجعل الأحداث تقع في الولايات المتحدة)، وفي زمن مستقبلي يبدو وكأنه نوع من الوفاق قد تم بين النظم الاجتماعية. بذلك وضع المخرج الصيغة التشاؤمية المريرة في قالب مطلق، فلم تعد من نتاج نظام اجتماعي دون آخر. رجال البوليس يحملون شارات لا تنم عن قومية أو وطن معين. الأرض غريبة، الشخصيات بلا أسماء تدل على هويتها (عوض ذلك يتنادى أبطال الفيلم بأسماء وظائفهم الاجتماعية: الكاتب، العالم، المقتفي). فقط الحوار هو روسي بحيث لا يخرج الفيلم بكامله عن المصدر الذي جاء منه.‬
‫الأحداث التي نراها في الفيلم مستقبلية، لكن الفيلم ليس عن السفر إلى الفضاء، وليس عن التقدم التكنولوجي العظيم الذي كنا ننتظره، بل عن استمرارية الصراع بين شرائح المجتمع وطبقاته وعن الانسلاخ بين الناس العاديين، من جهة، وبين المثقفين والعلماء من جهة أخرى. وبما أن المثقفين والعلماء هم، في شكل عام، جزء من نظم الحكم، فإن الفيلم يتحدث في نهاية المطاف عن المسافة الشاسعة بين العلم والثقافة المنتمين إلى تلك النظم وبين الناس العاديين الذين هم، عند المخرج، أكثر صدقا مع أحاسيسهم ومداركهم وأكثر إيمانا بالروح وخالقها.‬ هناك الكثير مما يمكن قوله عن فيلم يصوّر الحياة في بيئة وصلت إلى حد فقدان عنصر الحياة. بساط غير جميل من الطبيعة القشيبة وسماء رمادية و3 شخصيات متوجسة في الباطن والظاهر. هذه «المنطقة» التي دخلها الـ3 عنوة مستكشفين يعلوها وضع يوعز بخوف المقتفي (ألكسندر كايدانوفسكي) من المكان ومعانيه. العالم (أناتولي سولونيتسن) والمثقف (نيكولاي غرينكو) لا يشاركان المقتفي الخوف. أحدهما يخفي قنبلة لتدمير الغرفة (لن يستخدمها). وبينما يؤمن المقتفي بتأثير الغرفة على من يدخلها بخشوع واحترام، يسخر رفيقا الرحلة منه وأحدهما (العالم) زوّد نفسه بقنبلة لتفجيرها ولو أنه عدل عن ذلك.
سيعدل الـ3 عن دخول ذلك المكان الرهيب. تحذيرات المقتفي للعالم والكاتب جعلتهما يترددان. وفي النهاية سيجلس الـ3 في صمت وكل منهم يبدو كما لو أنه بدأ الحفر في الذات. هذا قبل أن يعودوا إلى حيث جاءوا محمّلين بذات الأسئلة التي انطلقوا بحثا عن إجابات عليها.
«المقتفي» فيلم لا يمكن اختصار حسناته لمخرج وضع في أفلامه إيمانه الروحي وتأملاته الفلسفية وحبه للطبيعة ثم صوّر كيف يمكن للإنسان أن يعصف بها جميعا لو أراد.

- لا يستحق ★
- وسط ★★
- جيد ★★★
- ممتاز ★★★★
- تحفة ★★★★★


مقالات ذات صلة

بعد أن عرفه السعوديون في منازلهم... «الخلاص من شاوشانك» يصل إلى السينما

يوميات الشرق تيم روبنز ومورغان فريمان في مشهد من الفيلم (imdb)

بعد أن عرفه السعوديون في منازلهم... «الخلاص من شاوشانك» يصل إلى السينما

قبل أكثر من ثلاثة عقود، خرج فيلم «الخلاص من شاوشانك» إلى دور العرض العالمية، فيما عاش الجمهور السعودي تلك المرحلة في غياب صالات السينما.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق المخرجون الشباب المتقدّمون إلى منصة مهرجان طرابلس لتمويل الأفلام القصيرة (الشرق الأوسط)

الفيلم القصير عملٌ شاقّ... ومهرجان طرابلس يساعد على اختصار الطريق الطويل

مهرجان طرابلس للأفلام يساعد المخرجين الشباب على الانتقال بأفلامهم القصيرة من الورق إلى الشاشة الكبيرة.

كريستين حبيب (طرابلس (شمال لبنان))
يوميات الشرق من «المواطن أسامة» (فيلكام)

في ختام مهرجان تورنتو: 430 فيلماً وعشرة أعمال تستحق المشاهدة

يصل مهرجان تورنتو السينمائي، اليوم (الأحد)، إلى ختام دورته الحادية والخمسين، في نسخة استثنائية يصعب وصفها إلا بأنها أكبر من قدرة حتى أكثر عشاق السينما شغفاً…

محمد رُضا (تورنتو - كندا)
يوميات الشرق نجوم في التمثيل اللبناني حضروا حفل الافتتاح (المهرجان)

«مهرجان طرابلس للأفلام» يضيء على تراث المدينة العمراني الفريد

للمرة الثالثة عشرة على التوالي، يجتمع أهل الفن من أجل الاحتفاء بالسينما في طرابلس. هذه المرة كان الجمع أكبر في افتتاح «مهرجان طرابلس للأفلام».

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق صورة تجمع الفائزين بلجنة التحكيم والقنصل الفرنسي في جدة وفيصل بالطيور (البحر الأحمر السينمائي)

فرنسا تتطلع إلى مشاريع سينمائية مشتركة مع السعودية بعد 6 أعوام من «تحدي 48 ساعة»

يكتسب هذا التوجه الفرنسي أهمية خاصة لأنه يأتي بعد ستة أعوام من الشراكة في «تحدي صناعة فيلم في 48 ساعة»، الذي تنظمه مؤسسة البحر الأحمر السينمائي.

أسماء الغابري (جدة)

فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
TT

فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)

BUNKER

★★★⭐︎

• إخراج: فلوريان زَلر

• فرنسا/ إسبانيا (2026)

• عروض: بمهرجانَي فينسيا وتورنتو

يبدأ «ملجأ» ببطله خافييه باردام وهو جالس إلى طاولة طعام يتحدّث. أتذكّر سريعاً أنها بداية فيلمه ما قبل الأخير «المحبوبة» لرودريغو سوروغويان؛ إذ يبدأ الفيلم بالبطل جالساً إلى طاولة (في مطعم آخر طبعاً) وهو يتحدّث أيضاً. لكن عند هذا الحد ينتهي التشابه بين الفيلمين اللذين ينتميان إلى نوع من الدراما التي تسبر أعماق شخصياتها. في «المحبوبة» هو مخرج يحاول دفع ابنته (فكتوريا لوينغو) لتجاوز موقفها تجاهه، وقبول الفرصة التي يتيحها لها لتصبح ممثلة أفضل. وهنا هو مهندس معماري يواجه أزمة مع زوجته (بينيلوبي كروز) تكاد تؤدي بهما إلى قطيعة.

في فيلمه الجديد يلعب باردام دور المهندس المعماري الإسباني «ميغويل» الذي يعيش مع زوجته «صوفيا» وابنتَيهما في لندن. يتلقّى عرضاً مغرياً لتصميم ملجأ عميق تحت الأرض استعداداً لمستقبل يلفّه الغموض. العارض هو واحد من رجال المؤسسات الملياردية الكبيرة (فكّر أمازون أو يوتيوب)، وهو معجب بفن «ميغويل»، ويرفع الأجر المغري إلى الضعف عندما يصل إليه نبأ تردد المهندس في قبوله. سبب التردد هو أن «صوفيا» لديها سؤال مهم حول هذا المشروع وصاحبه: ما الذي يعرفه هذا الملياردير عن المستقبل لا نعرفه بحيث يصر على بناء ذلك الملجأ المحصّن المزوّد بمؤونة كافية لسنة كاملة؟ يتنامى لدى «ميغويل» شعور بأن مشاعر زوجته نحوه بدأت تتبدد. هي رئيسة تحرير كتبت في دار نشر، وتتعامل حالياً مع مؤلف أميركي شاب وجذّاب اسمه «جيريمي» (باتريك شوازنيغر)، وهناك بوادر بداية علاقة خارج المهنة يحسب الزوج لها حساباً كبيراً.

هناك أيضاً جاره «توبي» (ستيفن غراهام) الذي يهدم جزءاً من جدار بيته، ما يجعله قادراً على رؤية ما يدور في منزل «ميغويل» الذي يستاء من ذلك، ويطالب «توبي» بسد الثغرة. سيلي ذلك تحوّل بسبب أحداث لاحقة تُساهم في تغيّر موقف «ميغويل» من كل شيء.

المعالجة الكلّية لمجمل هذه الأحداث ونتائجها جيّدة. ما زال المخرج في هذا الفيلم (الثالث له) متمكناً من إدارة الممثلين كما ظهر في فيلمَيه السابقين «الأب» (مع أنطوني هوبكنز) و«الابن» (مع زن ماغراث).

بعض ذلك يعود إلى خلفية المخرج المسرحية التي يمكن ملاحظتها جيّداً في هذا الفيلم، ليس فقط على صعيد إدارة الممثلين بفاعلية، بل كذلك باختيار سرد حكايته (أو حكاياته بالأحرى) في مشاهد داخلية غالباً، وعلى نحو لا خلل فيه مع غياب شبه دائم للمشاهد الخارجية.

BEING HEUMANN

★★

• إخراج: شيان هيدر

• الولايات المتحدة (2026)

• عروض: فيلم افتتاح «تورنتو»

«أن تكون هيومان» هو ثاني فيلم للمخرجة هيدر عن شخصيات تعاني من إعاقة. في فيلمها السابق «كودا» (CODA)، تناولت هيدر قصة فتاة شابة تنتمي إلى عائلة من الصم، وتُعدّ الوحيدة القادرة على السمع والنطق بينهم، في حين تحلم بمستقبل مهني في الغناء. هنا تعود هيدر إلى موضوع الإعاقة عبر سيرة جودي هيومان، الناشطة التي قادت في سبعينات القرن الماضي حملة للمطالبة بحقوق ذوي الإعاقة الحركية في الولايات المتحدة. الفيلم مقتبس من مذكراتها، وتؤدي شخصيتها روث ماديلي.

لقطة من «أن تكون هيومان» (آبل فيلمز)

عودة المخرجة لتقديم فيلم عن معاقين لا تخلو من الرغبة في استخدام السلّم الذي أوصلها للفوز بثلاث أوسكارات عن «كودا» سنة 2022. يكشف الفيلم الجديد رغبة هيدر في تكرار نجاح «كودا»، لكن من دون امتلاك المقومات ذاتها. فكما يعود إلى موضوع الإعاقة، يعود أيضاً إلى استثمار القضية سعياً وراء التعاطف والإعجاب، من دون معالجة درامية ناضجة أو مقنعة. ليس هناك من مشهد واحد في كلا الفيلمين بريء من الاستغلال الفوري للفكرة، ومن تنفيذ خفيف لموضوع مهم يتم تقديمه عبر أسلوب هو أقرب لمن ينقر على مفاتيح البيانو من دون تأليف معزوفة.


«الشرق الأوسط» في مهرجان تورونتو (2): مشكلة اسمها «هوليوود الحذرة»

إيزابل أوبير (اليسار) في «كل شيء عن كورين» (أڤنيو ب برودكشنز)
إيزابل أوبير (اليسار) في «كل شيء عن كورين» (أڤنيو ب برودكشنز)
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان تورونتو (2): مشكلة اسمها «هوليوود الحذرة»

إيزابل أوبير (اليسار) في «كل شيء عن كورين» (أڤنيو ب برودكشنز)
إيزابل أوبير (اليسار) في «كل شيء عن كورين» (أڤنيو ب برودكشنز)

شهد مهرجان تورونتو في نصف قرن مضى تحوّلين أساسيين امتد كل منهما لبضعة عقود.

في البداية أراد هذا المهرجان الكندي الكبير منذ إطلاق دورته الأولى سنة 1976، أن يكون حدثاً متواضعاً. أطلق على نفسه اسم «مهرجان المهرجانات» لأنه لم يرغب في المنافسة مع مهرجانات أميركية أو أوروبية ولا حتى استقطاب عروض دولية أولى. ما سعى إليه هو استقطاب أفضل ما عرضته المهرجانات الأخرى من برلين وكان ولوكارنو وفينيسيا وكارلوڤي ڤاري وسان سيباستيان وقليل سواها، وتقديمها لجمهوره.

لم ير داعياً لجوائز ذهبية وفضّية، وبالتالي لم يصرف سنتاً واحداً على دعوة سينمائيين يؤلّفون لجان تحكيم. الغاية كانت توفير الأفضل لسكان مدينة تورونتو والقادمين إليها لا أكثر من ذلك.

هذا القرار أبعده، منذ البداية، عن طرح نفسه منافساً للمهرجانات الكبيرة المذكورة أعلاه وسواها.

كان سبقه إلى هذا المنوال مهرجان لندن الذي افتتح دوراته سنة 1957 متبعاً المبدأ ذاته، ولو أنه في ذلك الحين كان أصغر حجماً من تورونتو، على عكس ما بات عليه اليوم من حيث الحجم والشأن وتعدد الصالات التي تعرضه وكثرة الأفلام التي تقصده. هو بدوره استمتع لحين بعبارة «مهرجان المهرجانات» التي تصف باختصار ما كان عليه.

حضور...

التحوّل الثاني لمهرجان تورونتو حدث في عام 1994 عندما تخلّى عن ذلك التواضع السابق ومحى عبارة «مهرجان المهرجانات» وأضاف لاسمه، ولأول مرّة، كلمة «الدولي» فبات يُعرف من حينها بـ«مهرجان تورونتو السينمائي الدولي».

استمر المهرجان على نهجه بالاستغناء عن لجان التحكيم الرسمية وعدم منح جوائز باستثناء تلك التي لا علاقة للإدارة بها. جائزته الوحيدة باسمه لم تتطلب لجنة تحكيم لأنها نتيجة تصويت المشاهدين، وهؤلاء تزايد عددهم عاماً بعد عام خصوصاً في العقود الثلاث الأخيرة. وحسب مصدر من إدارة المهرجان بلغ عدد حضور دورة 2010 قرابة 286 ألف مشاهد. بعد خمس سنوات ارتفع العدد إلى 384 ألف مشاهد، وفي عام 2020 وصل إلى 480 ألف مشاهد، وهو المعدّل الذي ما زال المهرجان عليه.

هذه السنة شهد المهرجان حضور النجوم بنيلوبي كروز وخافييه باردام لحضور عرض فيلمهما «ملجأ» (Bunker) وحضرت هيلين ميرين عن فيلم «موهبة للجريمة» (A Talent for Murder) وتؤدي فيه دور الكاتبة المتخصصة في أدب الجريمة النفسية باتريشا هايسميث. كما حضر النجم غاري أولدمان (دعوة خاصّة) وكريس روك عن «أخضر ضبابي» (Misty Green) وإيرابل أوبير عن «كل شيء عن كورين» (All About Corinne) ومارك روفالو عن فيلم الافتتاح (Being Heumann). وشهد المهرجان أيضاً حضور النجوم أدام درايڤر وميشيل يوه وأماندا سايفرايد وماهرشالا ألي وآنا كندريك وناوومي ووتس وكريستوفر وولكن، كل بمصاحبة فيلمه الذي خصص له افتتاح دولي في قسم «غالا».

الممثلة البريطانية هيلين ميرين حاضرة (غيتي)

على ذلك، فإن مدى هذا النجاح قياساً بنجاح المهرجانات الأخرى الكبيرة يطرح تساؤلات محقّة.

قبل نحو ست سنوات بدا أن مهرجان تورونتو قد قلب المعادلة ليصبح مستقبل المهرجانات السينمائية. التساؤل حول مصير المهرجانات ذات الجوائز انطلق من النموذج الكندي المتمثّل هنا؛ إذ هو كبير الحجم والشأن معاً ويعتبر بوابة لسينمات العالم الطامحة في دخول السوق الأميركية.

لكن نجاح تورونتو المضطرد لم يؤثر على المهرجانات الأوروبية إلا من حيث أنه بات رسمياً المهرجان الذي تقصده الأفلام الباحثة عن فرصة دخول موسم الجوائز، وصولاً إلى الأوسكار أو العروض التجارية في الولايات المتحدة.

بذلك ما زال تورونتو مقصداً مهمّاً وخاصة في الوقت الذي لا يبدو أن هوليوود مهتمّة كثيراً بالمهرجانات الأوروبية مثل كان وبرلين و- إلى حد - فينيسيا، ولكنها ما زالت تقبل على تورونتو إن لم يكن لشيء فبسبب جمهوره الكبير وابتعاده عن منهج المسابقات التي، بحكم طبيعتها، ترفع شأن بعض الأفلام وتحط شأن بعضها الآخر.

ما يؤخذ على مهرجان تورونتو هذا العام والأعوام القليلة السابقة أن اهتمامه بالبقاء على القمّة عبر حشد الأفلام الأميركية يتمّ على حساب النوعية، خصوصاً بالنسبة للأفلام الآتية من هوليوود.

... وغياب

لا يفتقر تورونتو إلى التمويل، فالحكومة الكندية تدعمه بـ23 مليون دولار كل سنة، ما يسمح له بالمحافظة على مكانته ونجاحه المتواصل. لكن تبقى هناك مشكلة تتمثل في أن نوعية الأفلام الأميركية التي يخصص لها ولنجومها قسم «غالا» ليست بالمستوى المطلوب فنياً.

في الواقع لن نجد في هذه الدورة فيلم أليخاندرو غونزاليز إيناريتو الجديد «حفّار» (Digger) بطولة توم كروز، ولا فيلم ديڤيد فينشر «المزيد من مغامرات كليف بوث المتعثرة» (The Further Mis‪ - Adventures of Cliff Booth) من بطولة براد بت.

وتردد أن «العقل والعاطفة» (Sense and Sensibility) وهو الاقتباس الأحدث عن رواية جين أوستن سيشهد عرضه العالمي في تورونتو هذا العام، لكن هذا لم يحدث كما كان متوقعاً.

فيلمان آخران كانا من المنتظر أن يسعيا إلى شاشات تورونتو هذا العام هما «ويروولف» (Werwulf) لروبرت إيغرز و«المحاسبة المجتمعية» The Social Reckoning لكن هذا لم يحدث.

«المحاسبة المجمعية» (ألكون انترتاينمنت)

بالنسبة لمهرجان بنى نجاحه على أفلام العروض الاحتفائية، فإن غياب مثل هذه الأفلام المهمّة، مع غياب نجومها ومخرجيها، يتبدّى كتحذير لما قد يصبح انحساراً للعروض الأميركية النوعية كحال ما يحدث في المهرجانات الأوروبية حالياً.


أفلام من فلسطين ولبنان تُعزِّز السينما العربية في «فينيسيا»

الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)
الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)
TT

أفلام من فلسطين ولبنان تُعزِّز السينما العربية في «فينيسيا»

الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)
الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)

بات مألوفاً أن نجد في برامج المهرجانات العالمية أفلاماً عربية، سواء أكانت عربية الإنتاج، أم ممولة أجنبياً، أم ثمرة مساهمات إنتاجية مشتركة.

من «فينيسيا» إلى «تورنتو»، ومن «كان» و«لندن» و«كارلوفي فاري» و«لوكارنو» و«روتردام» في أوروبا، إلى «صندانس» و«نيويورك» و«شيكاغو و«بالم سبرينغز» في الولايات المتحدة، ثمة زخم سنوي من الأفلام الموقّعة بأسماء مخرجين ومخرجات عرب.

هنا، في الدورة الـ83 من هذا الحدث الكبير، نجد أفلاماً من لبنان ومصر والأردن وفلسطين والعراق، إلى جانب أفلام لمخرجين عرب اعتمدوا على تمويل خارجي، أو على تمويل مختلط بين جهات أجنبية وصناديق دعم عربية.

إنه احتفاء يأتي في وقته بسينما عربية زاد عمرها على 100 عام؛ نشأت في مصر وانتشرت في دول عربية أخرى، من تونس إلى سوريا، ومن لبنان إلى العراق والأردن والمغرب والجزائر، ثم شملت السعودية والكويت والبحرين، من دون أن ننسى السينما الفلسطينية.

لا يمكن اعتبار اعتماد فيلم ما في إنتاجه على تمويل أجنبي ضرباً من اللجوء إلى الغرب، أو استحضاراً لسلبيات علاقته بالشرق العربي أو دوره في شأن أو آخر. فالفيلم لغة عالمية، ولا ضير في أن يبحث صنّاعه عن منفذ تمويلي من أي مكان، خصوصاً أن التمويل العربي الخالص ليس متوفراً في غالبية البلدان العربية، إلا ضمن نطاق إنتاجات تجارية لا تهدف أساساً إلى تحقيق نجاح مهرجاني.

ولا بد من الإشارة كذلك إلى أن الدول العربية ليست متساوية على صعيد الإنتاج السينمائي؛ فهو مرتفع في بعضها ضمن الحدود الممكنة، ومنخفض أو قليل في بعضها الآخر، بينما قلّما ينتج بعضها الثالث فيلماً واحداً خلال 5 سنوات، إما بسبب حرب أهلية وإما نتيجة تجاهل حكوماتها دعم السينما وفنانيها.

الفيلم اللبناني «غضب» (ملف مهرجان فينيسيا)

لم تعد هامشية

يعود إلى زمن بعيد تاريخ توجّه السينما العربية إلى المهرجانات العالمية. وقد تمّت الخطوات الأولى عبر أفلام من مصر ولبنان. فقد قدّم المخرج اللبناني جورج نصر فيلمين في مهرجان «كان»، أواخر الخمسينات ومطلع الستينات، وسبقه إلى الحضور في ذلك المهرجان صلاح أبو سيف ويوسف شاهين وكمال الشيخ، من بين آخرين في تلك الفترة.

وساد غياب شبه كامل في النصف الثاني من الستينات وصولاً إلى الثمانينات قبل أن تعاود السينما العربية فتح نوافذها المطلّة على المهرجانات الكبرى الثلاثة «برلين» و«كان» و«فينيسيا». في التسعينات اتسعت الدائرة لتشمل مهرجانات أخرى، ثم ازدادت اتساعاً مع مطلع القرن الحالي، قبل أن يتحوَّل حضورها اليوم إلى ظاهرة متجددة في العديد من المهرجانات حول العالم.

من بين العوامل التي أخّرت دوران عجلة الأفلام العربية في المهرجانات العالمية أن كثيراً من تلك المهرجانات لم يرغب في زجّ نفسه في القضايا التي عادةً ما تطرحها هذه الأفلام. ولم يكن القائمون عليها يدركون أن هذه القضايا، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية، ستستقطب الاهتمام والحضور.

يضاف إلى ذلك أن شركات الإنتاج والتوزيع الغربية نظرت، حتى منتصف العقد الأول من القرن الحالي، إلى الأفلام العربية بعين متشككة. فقد رأت أنها غير مؤهلة لتحقيق نجاح تسويقي، وتساءلت عن جدوى الاهتمام بها، ما لم تكن ممهورة بتوقيع واحد من عدد محدود من المخرجين العرب، أمثال يوسف شاهين ومحمد لخضر حمينة ورضا الباهي.

أما بالنسبة إلى الأفلام التي تتناول فلسطين، فلم يكن الاهتمام الغربي منصبّاً على «القضية الفلسطينية»، بل على ما يمكن وصفه بـ«القضية الإسرائيلية». لكن سياسات بنيامين نتنياهو أسهمت، من حيث لم يرد، في تحويل الدفة لمصلحة القضية الفلسطينية.

ويعود التحوّل التدريجي أيضاً إلى أن الأحداث التي يمر بها العالم العربي، والوضع الفلسطيني على وجه الخصوص، لم تعد شؤوناً محلية. فالعالم يريد الاطلاع على إنتاجات روائية أو وثائقية تساعده على الاقتراب أكثر مما يجري. والأخبار الصحافية، مقروءة كانت أم مصوّرة، تنقل الحدث غالباً، لكن أسبابه وخلفياته تبقى مغلّفة بالمشهد الآني، مما يدفع الجمهور إلى البحث عن عمق في المضامين وصدق في الحكايات.

والسينما العربية الجديدة تؤمّن ذلك غالباً؛ فقد أسهمت أفلام ميشيل خليفي ومي مصري وكوثر بن هنية ورشيد مشهراوي في توسيع دائرة المعرفة، ومنحت مشاهديها رؤى جديدة.

امتلاء القاعات في عروض 7 أفلام عربية يؤكد تنامي اهتمام الجمهور

أصوات جديدة

لا يخفى تأثير الأحداث السياسية في توجّه المهرجانات نحو السينما الناطقة بالعربية. ولم يعد ممكناً تجاهل هذه السينما، نظراً إلى الإقبال الجماهيري على أفلامها. وقد امتلأت القاعات خلال عروض الأفلام العربية السبعة هنا.

وفي أحد تلك العروض، وهو فيلم «المواطن أسامة»، وقف الجمهور مصفقاً بحرارة لفيلم لم يتمكن مخرجه أحمد حسّونة من الحضور، بسبب الكم الكبير من العراقيل التي تضعها إسرائيل أمام الفلسطينيين؛ فهي تطالبهم بالرحيل، وإذا رفضوا كان الحصار، فضلاً عن القصف، هو الرد الظالم عليهم.

الفيلم من إنتاج رشيد مشهراوي، صاحب الباع الطويل في ترسيخ حضور السينما الفلسطينية مخرجاً ومنتجاً على مدى عقود.

يتابع «المواطن أسامة» (رسمياً خارج المسابقة) حياة المصوِّر الصحافي أسامة العشّي، الذي يتحرك يومياً لتوثيق الأحداث على الأرض تحت لهيب القذائف، وما تخلّفه من دمار يطول الإنسان ووطنه، بالتوازي مع سعيه إلى رعاية عائلته. لا يسعى الفيلم إلى رفع شعارات مباشرة، بل إلى نقل صورة واقعية، كتلك التي قدمتها كوثر بن هنية في فيلمها المدوي «صوت هند رجب».

وعُرض فيلم فلسطيني ثانٍ لصوت سينمائي جديد ضمن قسم «سبوتلايت»، هو «حوار مع البحر» لمؤيد عليان. لا يتناول الفيلم الحرب نفسها، بل تكمن أهمية الفيلم في تناوله حالةً ممتدة عبر أجيال من الفلسطينيين، يختصرها رجل يبحث عن الحقيقة.

وسبق للمخرج اللبناني رامي قديح أن خاض تجارب سينمائية متعددة، قبل أن يقدّم، بنجاح لافت في القسم نفسه، فيلمه «غضب»؛ عن شقيقتين تثوران على امتناع المصارف عن رد أموال المودعين، ما يدفعهما لسرقة المصرف في سلسلة من الأحداث التشويقية المتلاحقة.

أما الوضع اللبناني خلال الحرب الأهلية، فيتناوله فيلم «لحظات قليلة من السعادة»، من خلال امرأة تعيش في باريس وتتابع أخبار الحرب الدائرة بكثير من الشجن والقلق. والفيلم قصير، من إخراج شادن صفي الدين، وهو إنتاج بريطاني - فرنسي مشترك.

من «لا جنة لمن تقتله امرأة» (ملف مهرجان فينيسيا)

وعلى صعيد الإنتاجات المشتركة أيضاً، عُرض فيلم «لا جنة لمن تقتله امرأة» للمخرج هلكوت مصطفى، وهو كردي عراقي، يتناول قصة قنّاصة كردية تبحث عن شقيقتها التي اختفت خلال الحرب ضد تنظيم «داعش» في العراق، في منتصف العقد الماضي.