«زمن كورونا»... مشكلات بالجملة والفيروس واحد

في ظل المرحلة الراهنة يعاني كثيرون من مشاكل مادية وهذا سبب كافٍ للشعور بالإحباط والكآبة لا سيما لدى الرجال
في ظل المرحلة الراهنة يعاني كثيرون من مشاكل مادية وهذا سبب كافٍ للشعور بالإحباط والكآبة لا سيما لدى الرجال
TT

«زمن كورونا»... مشكلات بالجملة والفيروس واحد

في ظل المرحلة الراهنة يعاني كثيرون من مشاكل مادية وهذا سبب كافٍ للشعور بالإحباط والكآبة لا سيما لدى الرجال
في ظل المرحلة الراهنة يعاني كثيرون من مشاكل مادية وهذا سبب كافٍ للشعور بالإحباط والكآبة لا سيما لدى الرجال

فيروس كورونا قد يكون خطيراً وقد يكون مميتاً في بعض الحالات، ولكن الأخطر اليوم هي الأمراض النفسية والعقلية الناتجة عن تداعيات هذه الجائحة.
بريطانيا تعيش اليوم الحجر المنزلي الثاني، وأثبت الإغلاق التام الذي بدأ في المرة الأولى في الثالث والعشرين من مارس (آذار) الماضي بأنه وضع ثقلاً غير معهود على الصحة العقلية للبريطانيين، لا سيما المسنين والذين يعيشون بمفردهم في المنازل والصغار في السن الذين ترسخت في أذهانهم صورة مرعبة للمرض.
أكثر ما نسمع عنه في بريطانيا اليوم، ونحن في انتظار اللقاح المخلص من هذا الوباء، هو زيادة المشاكل النفسية والتفكير في الانتحار الناتجة عن الوحدة والمشاكل المادية والعزلة وعن عدم الخروج من المنزل والمخالطة.
قامت جامعة «غلاسكو» دراسة على أكثر من 3 آلاف بريطاني وتبين بأن واحداً من بين كل عشرة أشخاص راودته فكرة الانتحار ما بين شهري مارس (آذار) ومايو (أيار) الماضي، وبحسب وحدة الإسعاف في لندن، تم استدعاء المسعفين أكثر من 800 ألف مرة لإسعاف أشخاص يعانون من مشاكل عقلية ونفسية في الفترة المرافقة لانتشار فيروس كورونا والإعلان عن الحالات المصابة به الآخذة في الارتفاع.
الأمراض النفسية والتفكير أو الإقدام على الانتحار لا يقتصر على شريحة أو جنس واحد من الناس أو سن محددة، وهذا ما جاء في البيان الذي أصدرته الجامعة المذكورة، فالرجال والنساء والأطفال يعانون من مشاكل نفسية قد تودي بهم لإنهاء حياتهم ولكن لأسباب مختلفة نتيجة الخوف من الفيروس والقلق الزائد والوحدة التي تؤدي إلى الكآبة وفي حال لم تعالج فتكون عواقبها وخيمة.
للاستطلاع عن الأمر والغوص في عالم علم النفس وتبعاته، قامت «الشرق الأوسط» بمقابلة الدكتورة اللبنانية ميراي نعمة الاختصاصية في علم النفس والتوحد والمقيمة في لندن، والسؤال الأول كان عن السبب الذي يجعل المرء يفكر في وضع حد لحياته، فأجابت د. نعمة بأن الانتحار يأتي بعد معاناة الشخص من مشاكل نفسية عميقة لا يجد لها حلاً. وفي الوضع الحالي والإقفال التام والحجر المنزلي زادت نسبة الكآبة والتعاسة والشعور بالوحدة، وأدى الخوف إلى تفاقم المشاكل النفسية ليس فقط بالنسبة للأشخاص الذين يعانون أصلاً من مشاكل نفسية، إنما بالنسبة لغالبية الناس الذين يعيشون في ظل ظروف معيشية صعبة لا تشبه حياتهم السابقة، إن كان من حيث العمل من المنزل، إلى حالة فقدان العمل، وحالة الوحدة وعدم السماح بالتفاعل ولقاء الأصدقاء. وتابعت د. نعمة بأن هناك إشارات يجب على الشخص التنبه إليها التي تنذر بمشكلة كبيرة قد تكون نهايتها صعبة جداً.
الاقتصاد يلعب دوراً مهماً في الصحة العقلية والتأثير عليها، ففي ظل المرحلة الراهنة يعاني كثيرون من مشاكل مادية، وهذا سبب كافٍ للشعور بالإحباط والكآبة، لا سيما لدى الرجل الذي يشعر بالمسؤولية تجاه عائلته وأطفاله، وبحسب د. نعمة يتم تسمية هؤلاء في علم النفس العيادي بالـtriggers وهذا يعني أن المشاكل النفسية تكون موجودة أصلاً، ولكن طارئاً يؤججها ويجعلها تتفاقم، وفي حال لم يلجأ الشخص لطبيب مختص فقد يصل الأمر لحد الانتحار، وهذا ما يحصل حالياً وما يراه الفريق الطبي المتخصص بالأمراض النفسية من حالات تجعل الطبيب مسؤولاً عن الوضع في حال التماس خطورة ما.
وشددت د. نعمة على أهمية التكلم والإفصاح عن خوالجنا وما يدور في أذهاننا، وقالت إن الانتحار حالة مأساوية تشبه الحلم يقدم عليه شخص وقع تحت واجس القلق الزائد والاكتئاب، ويكفي أن يغط في نوم عميق في ثوانٍ من ذلك الحلم لكي يأخذ حياته ويضع لها حداً برضاه.
ومن المهم أيضاً عدم تغليف المشاكل النفسية فتكون هناك لاحقاً مشاكل أفظع مثل الاعتماد على الكحول الذي قد يتحول إلى إدمان، وأهمية مقاومة الأفكار السلبية بممارسة نشاطات بدنية، كما يجب أن نكون واقعيين بالنسبة للوضع الاقتصادي، ففي بريطانيا على سبيل المثال من الممكن الحصول على مساعدات مالية من الحكومة أو طلب المعونة من الغير، ولا عيب في ذلك في ظل الظروف الراهنة.
وتقول د. نعمة بأن نسبة الذين يقبلون على الانتحار هم من الرجال، والسبب هو أن المرأة مبرمجة بطريقة مختلفة وتستطيع التنفيس والتكلم إلى شخص آخر، في حين يجد الرجل نفسه وحيداً وأسيراً في زنزانة أفكاره السوداوية، كما أن الأطباء معرضون أيضاً للانتحار خاصة أطباء علم النفس والجراحون.
في الماضي كان يخجل المرضى من التكلم في مشاكلهم الخاصة، ولكن في زمن «كورونا» انفتح الناس على التكلم ومشاركة الغير لأن الجائحة تطال الجميع، وعمل الاختصاصي النفسي صعب ولا يجوز التقليل منه، فمهمته تقييم حالة المريض والغوص في أفكاره التي لا يفهم إشاراتها إلا الاختصاصي، ومن بعدها يمكن تحويل المريض لطبيب آخر متخصص بحالته، فالعمل في طبق الصحة العقلية لا يعتمد على طبيب واحد إنما على فريق عمل كامل. وبحسب د. نعمة، نسبة الانتحار في بريطانيا زادت عن فترة ما قبل «كورونا»، والمشكلة هي أنه في ظل الأوضاع الراهنة هناك عدد كبير من مرضى السرطان لا يستطيعون إجراء علاجاتهم، بالإضافة إلى ارتفاع عدد الذين يكتشفون وجود السرطان في وقت متأخر بسبب «كورونا» وتعثر رؤية الأطباء وإجراء التشخيصات اللازمة في المستشفيات.
في البلدان العربية توجد نسبة انتحار عالية، ولكن الوضع يختلف لأن وسائل الإعلام لا تتكلم كثيراً في الموضوع ولا توجد شفافية في نشر الأرقام الحقيقية، ولو أن نسب الانتحار أقل بالمقارنة مع تلك التي نجدها في الغرب والسبب هو الروادع الاجتماعية والدينية في البلدان العربية التي تحول دون الإقبال على الانتحار.
وبرأي د. نعمة، المشاكل النفسية تبدأ من سن مبكرة من 8 سنوات إلى 14 عاماً، علاقة الطفل مع أهله تتأثر علاقة الطفل مع المعلمين تتأثر وتبدو المشكلة في عمر متأخرة في بعض الأحيان في سن السابعة والعشرين، وهذا ما يجب التنبه إليه، وأضافت: «حتى الطلاق فقد يكون أسهل وأقل وقعاً على الأطفال عندما يكونون في سن صغيرة على عكس ما يظنه البعض».
وختمت حديثها بالقول: «من المهم جداً أن يقوم الطبيب المعالج بإجراء تحاليل تبين سبب المشاكل التي تلعب الهرمونات المختلة مشكلة كبيرة فيها».
كما يجب التمييز ما بين LIFE COACHES والطبيب النفسي، وقالت: «لا أقلل من شأن وأهمية عملهم، ولكن المقارنة تكون أشبه بطبيب التجميل الذي يحقن الوجه بمواد خطرة مع اختصاصية تجميل تقوم بنفس العمل ولكن بمهارات أقل».


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended