انتخابات 2020... مكاسب نسائية تصنع التاريخ

«السيد الثاني» يستعد لمهامه في البيت الأبيض

السيناتور كيلي لوفلر التي ستخوض انتخابات جولة الإعادة في جورجيا تتحدث في واشنطن (أ.ف.ب)
السيناتور كيلي لوفلر التي ستخوض انتخابات جولة الإعادة في جورجيا تتحدث في واشنطن (أ.ف.ب)
TT

انتخابات 2020... مكاسب نسائية تصنع التاريخ

السيناتور كيلي لوفلر التي ستخوض انتخابات جولة الإعادة في جورجيا تتحدث في واشنطن (أ.ف.ب)
السيناتور كيلي لوفلر التي ستخوض انتخابات جولة الإعادة في جورجيا تتحدث في واشنطن (أ.ف.ب)

في خضم التجاذب الذي تشهده الساحة السياسية في واشنطن، والانقسامات العميقة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، يجمع الطرفان على نقطة واحدة: هذا العام هو عام المرأة في واشنطن.
ولا يتعلق الأمر فقط بكسر كامالا هاريس، نائبة الرئيس المنتخب، للسقف الزجاجي، لتكون بذلك أول امرأة تصل إلى البيت الأبيض، وأول امرأة من أصول أفريقية ستجلس في مقعد نائب الرئيس، بل يمتد ذلك إلى الكونغرس حيث حققت المرشحات مكاسب تاريخية حطمت الأرقام القياسية السابقة، من حيث عدد المقاعد التي تشغلها نساء في المجلس التشريعي.
ورغم أن النتائج لم تحسم كلياً بعد، إلا أنه من المؤكد أنه وعند انعقاد الكونغرس بدورته الجديدة الـ117، فإن 138 امرأة على الأقل سيجلسن في المقاعد التي فزن بها، ليتخطى هذا الرقم أرقام العام 2018 والذي شهد فوز 127 امرأة في الانتخابات.
لكن اللافت للنظر هذا العام هو أن الجمهوريين هم من حطموا الأرقام القياسية، إذ فازت 13 مرشحة جديدة عن الحزب بالانتخابات التشريعية، وهو رقم كبير جداً مقارنة بالمقعد اليتيم الجديد الذي فازت به مرشحة جمهورية واحدة في العام 2018، وهي كارول ميلر عن ولاية ويست فرجينيا. ومع الاستمرار بفرز النتائج يبدو أن الجمهوريين تمكنوا من كسر أرقامهم للعام 2006، عندما انتخبوا 25 نائبة في مجلس النواب، إذا أن الأرقام الأولية اليوم تشير إلى أن عددهن وصل إلى 26 في مجلس النواب الجديد (بين الوجوه الجديدة والقديمة) وهذا العدد سيتزايد مع صدور المزيد من النتائج.
ويعد التمثيل النسائي أمراً في غاية الأهمية بالنسبة للحزب الجمهوري، الذي كان ينازع منذ فترة للخروج من قوقعة التمثيل الرجولي في الكونغرس، وتحسين صورته السابقة على أنه حزب «الرجال البيض». وهذا ما تحدثت عنه النائبة الجمهورية أشلي هينسون التي فازت في سباق ولاية أيوا، وقالت: «ما أراه هو أن هناك رجالا كثرا اسمهم جيم في التكتل الجمهوري وليس هناك ما يكفي من النساء. أعتقد أن عدد النساء مهم لأنه يغير من طبيعة الحوار في البلاد حول صورة الحزب».
- صورة الحزب الجمهوري
وقد بدأ هذه الجهد لتغيير صورة الحزب منذ فترة، وخصص لها الجمهوريون ميزانية كبيرة، إذ ترشحت 227 جمهورية لمجلس النواب و23 جمهورية لمجلس الشيوخ في هذه الدورة الانتخابية، ومن هذا العدد الكبير، تمكنت 23 جمهورية من الوصول إلى مجلس النواب. وقد عملت النائبة الجمهورية إليز ستيفاني جاهدة لوصول هؤلاء المرشحات إلى الكونغرس، وتحدثت عن تجربة العام 2018 عندما فازت امرأة جمهورية واحدة فقط في السباق: «قبل عامين، كان من الواضح أن الجمهوريين يواجهون أزمة متعلقة بعدد النساء في الكونغرس».
وستيفاني هي من الوجوه البارزة التي لمع نجمها خلال مساعي عزل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وظهرت كمدافعة شرسة له خلال جلسات العزل. وقد اعتمد عليها الجمهوريون بشكل أساسي لأنها مثلت بالنسبة لهم الصوت النسائي الجمهوري في مجلس النواب. وهي تريد ضم المزيد من الأصوات النسائية لها. ويعتمد الجمهوريون بشكل كبير على أصوات «نساء الضواحي» للفوز، لهذا فهم يعتقدون أن العنصر النسائي سيساعدهم في الانتخابات المستقبلية. وهذا ما تتحدث عنه النائبة هينسون التي فازت في ولاية أيوا، وتقول هينسون: «الكثير من حملتي الانتخابية تمحور حول أنني أنا أيضاً لدي عائلة. أنا امرأة عاملة، وأم، وزوجي يملك شركة صغيرة، إذا نحن نشعر بالتحديات التي تشعر بها الكثير من العائلات». وتابعت هينسون: «أعتقد أن الأميركيين يريدون أحد يشبههم لتمثيلهم في الكونغرس».
وتتزامن هذه المكاسب النسائية مع الذكرى المئوية للسماح للنساء بالتصويت في الولايات المتحدة، وتقول مديرة مركز النساء الأميركيات والسياسة ديبي والش: «العام 2018 حكى قصة النجاح الديمقراطي. هذا العام نرى مكاسب كبيرة من قبل الجمهوريين. إن مكاسب النساء يجب أن تأتي من الحزبين لتحقيق تمثيل عادل في الكونغرس».
كلمات تعكس الواقع في الكونغرس، فرغم كل هذه المكاسب النسائية من الجانبين الديمقراطي والجمهوري، إلا أن تمثيل النساء في الكونغرس المؤلف من 535 مقعداً لا يزال أقل من الربع، وتمثل الجمهوريات 13 في المائة فقط من نسبة التمثيل الجمهوري هناك، فيما أن النساء الديمقراطيات يتمتعن بـ104 مقاعد في المجلسين. وتعكس هذه الأرقام الفارق الكبير في تمثيل النساء في الحزبين.
وقد كان هذا الفارق واضحاً عندما تسلمت نانسي بيلوسي مقعد رئاسة مجلس النواب في العام 2006 لتكون بذلك المرأة الأولى التي تتسلم هذا المنصب.
وفي حال تمكنت بيلوسي من الحفاظ على مقعدها في رئاسة المجلس في دورة الكونغرس الجديدة، فإن الضوء سيسلط بشكل كبير على إنجازات الحزب الديمقراطي في التمثيل النسائي، خاصة في خطابات حال الاتحاد. إذ أنه ولأول مرة في التاريخ ستجلس امرأتان وراء الرئيس، الأولى كامالا هاريس في مقعد رئيس مجلس الشيوخ، وإلى جانبها ستجلس بيلوسي في مقعد رئيس مجلس النواب.
- «السيد الثاني»
لأول مرة في التاريخ الأميركي، سيشغل رجل منصب «السيد الثاني». زوج نائبة الرئيس المنتخبة كامالا هاريس، دوغلاس ايمهوف البالغ من العمر 56 عاماً سيكون الرجل الأول في هذا المنصب في البيت الأبيض الذي تشغله حالياً كارين بنس، زوجة نائب الرئيس الأميركي مايك بنس. ايمهوف هو محام سابق وقد أعلن عن استقالته من منصبه في شركة المحاماة التي يعمل بها «ليتفرغ لدوره في البيت الأبيض». وقال ايمهوف عن دوره الجديد: «إنه لشرف عظيم… آمل أن أبدأ بالعمل على ملفات العدالة والفرص لتحقيق الحلم الأميركي». وقال بايدن لايمهوف عن دوره الجديد: «دوغ، اعلم أنك أنت أيضاً قد صنعت التاريخ في العمل الذي ستبدأ به».



مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
TT

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم، العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

وأضافت اللجنة، في تقريرها السنوي، أن 2025 كان العام الثاني على التوالي الذي يشهد عدداً قياسياً مرتفعاً من القتلى الصحافيين، والثاني على التوالي أيضاً الذي تتحمل فيه إسرائيل مسؤولية مقتل ثلثيهم. واللجنة منظمة مستقلة، مقرها نيويورك، توثق الهجمات على الصحافيين، حسبما أفادت به وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت اللجنة إن نيران إسرائيل أودت بحياة 86 صحافياً في 2025، معظمهم من الفلسطينيين في قطاع غزة. وأضافت أن 31 آخرين من العاملين قُتلوا في هجوم على مركز إعلامي لجماعة الحوثيين في اليمن، فيما مثل ثاني أكثر الهجمات إزهاقاً للأرواح التي سجّلتها اللجنة على الإطلاق.

وكانت إسرائيل أيضاً مسؤولة عن 81 في المائة من 47 حالة قتل صنّفتها لجنة حماية الصحافيين على أنها استهداف متعمّد أو «قتل». وأضافت اللجنة أن الرقم الفعلي ربما يكون أعلى من ذلك، بسبب قيود الوصول التي جعلت التحقق صعباً في غزة.

ولم يرد الجيش الإسرائيلي على طلب للتعليق. وسبق له القول إن قواته في غزة تستهدف المسلحين فقط، لكن العمل في مناطق القتال ينطوي على مخاطر كامنة. واعترفت إسرائيل باستهداف المركز الإعلامي باليمن، في سبتمبر (أيلول)، واصفة إياه في ذلك الوقت بأنه ذراع دعائية للحوثيين.


أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
TT

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأسترالية، اليوم الأربعاء، إنها طلبت من أسر الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، قالت «الخارجية الأسترالية» إن «الحكومة توصي مواطنيها في لبنان وإسرائيل بدراسة المغادرة في ظل الخيارات التجارية المتاحة»، مشيرة إلى أن الحكومة عرضت أيضاً «مغادرة طوعية لأفراد عائلات مسؤوليها العاملين في الأردن وقطر والإمارات».

وتلقّى لبنان تحذيرات من أن تشنّ إسرائيل الحليفة للولايات المتحدة، ضربات تستهدف بنيته التحتية في حال التصعيد بين طهران وواشنطن وتدخل «حزب الله» لمساندة داعمته إيران، بحسب ما قال وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الثلاثاء.

وصعّدت الدولة العبرية أخيراً من وتيرة ضرباتها التي تستهدف «حزب الله» في لبنان، رغم وقف إطلاق النار الذي يسري بينهما منذ أكثر من عام، وأعقب حرباً مدمّرة تكبّد فيها الحزب خسائر باهظة على صعيد الترسانة والهيكلية القيادية.

وفي وقت تعزز الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، حذّرت إيران من أنها ستردّ «بقوة» على أي هجوم عليها، وأن اعتداء من هذا النوع قد يؤدي إلى «حرب إقليمية».

وقال رجّي، الثلاثاء، لوسائل إعلام في جنيف: «هناك مؤشرات على أن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية استراتيجية مثل المطار».

وجدد رجي موقف السلطات اللبنانية الذي أعرب عنه رئيس الوزراء نواف سلام بأن «هذه الحرب لا تعنينا»، في إشارة لمواجهة أميركية إيرانية محتملة.


الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended