أرشيف مجلة «الشرق الأدنى» يروي قصة الملك عبد العزيز ودولته الناهضة

مواد تاريخية نادرة عن «مملكة الحجاز ونجد»

الملك فيصل يستقبل أمين سعيد عند قدومه إلى السعودية مقيماً عام 1965 وبدا في الصورة عن يمين الملك فيصل الأمير محمد بن سعود وعلى يسار سعيد الأمير مشعل بن عبد العزيز (أرشيف الصور الخاص لأمين سعيد)
الملك فيصل يستقبل أمين سعيد عند قدومه إلى السعودية مقيماً عام 1965 وبدا في الصورة عن يمين الملك فيصل الأمير محمد بن سعود وعلى يسار سعيد الأمير مشعل بن عبد العزيز (أرشيف الصور الخاص لأمين سعيد)
TT

أرشيف مجلة «الشرق الأدنى» يروي قصة الملك عبد العزيز ودولته الناهضة

الملك فيصل يستقبل أمين سعيد عند قدومه إلى السعودية مقيماً عام 1965 وبدا في الصورة عن يمين الملك فيصل الأمير محمد بن سعود وعلى يسار سعيد الأمير مشعل بن عبد العزيز (أرشيف الصور الخاص لأمين سعيد)
الملك فيصل يستقبل أمين سعيد عند قدومه إلى السعودية مقيماً عام 1965 وبدا في الصورة عن يمين الملك فيصل الأمير محمد بن سعود وعلى يسار سعيد الأمير مشعل بن عبد العزيز (أرشيف الصور الخاص لأمين سعيد)

شكلت وحدة إقليمي الحجاز ونجد حدثاً تاريخياً لافتاً على المستوى الإقليمي والدولي، إذ عُدّ هذا الحدث أهم فترات بناء الدولة السعودية الحديثة. فقد ساهم مشروع وحدة الحجاز بنجد من خلال «مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها»، في بناء أرضية الدولة بوحدتها الكاملة، والانفتاح على العالم الخارجي، والإسراع في اعتراف الدول، خصوصاً الغربية، بدولة الملك عبد العزيز، والبدء في بناء العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء والقناصل مع الدول التي اعترفت بها، إضافة إلى إقرار الأنظمة الداخلية والخارجية وبناء الدولة الحديثة... وفوق ذلك كله نشر الأمن والأمان في ربوع المملكة، وخدمة الحجاج وتأمين الخدمات التي يحتاجون إليها في ظل إمكانيات متواضعة، وحمايتهم من النوازل التي كانت تلازمهم في الفترات السابقة لقيام هذه المملكة. كل هذا حدث في ظروف إقليمية ودولية بالغة الصعوبة، حيث كانت مشاريع كل من فرنسا وبريطانيا الاستعمارية مستمرة لصناعة حدود الدول العربية وطمس معالم وحدتها وفرض الهيمنة عليها وفق مصالحها، ورسم خريطة جديدة للمنطقة.
في هذه الأجواء، كان الصوت العربي غائباً لرصد ما يجري، وكانت الأحداث متسارعة ويصعب تسجيلها، ما أفقد الذاكرة العربية حتى اليوم تاريخاً وأحداثاً مهمة وقعت في تلك الفترة قبل 95 سنة وشكلت هذه الأحداث الواقع الجديد. غير أن صوتاً وحيداً لم يكن غائباً هو صوت المؤرخ والإعلامي الكبير أمين سعيد، الذي رصد كل هذه الأحداث في مجلته «الشرق الأدنى»، التي أصدرها في القاهرة عام 1927م، الموافق 1346هـ، جاعلاً منها صوتاً لنصرة قضايا الأمة العربية. ولقد احتلت أخبار الحجاز ونجد وملحقاتها مكانة الصدارة فيها، ونجحت المجلة في تحقيق الغرض المطلوب في رسالتها الإعلامية تجاه مملكة الحجاز ونجد خاصة، والدول العربية عامة، علماً بأن أمين سعيد كان فتح صفحات مجلة «المقطّم» المصرية ليستقل بوسيلة أخرى، وهي مجلة «الشرق الأدنى».
وبخلاف عادة نظر الباحثين والمؤرخين إلى المجلات والصحف من زاوية العين، لا من العين كلها - لاعتقادهم بأن المجلات والصحف آخر ما يفكرون فيها لجعلها وسيلة لتوثيق أحداث تاريخية - أتت مجلة «الشرق الأدنى» لتقدم صورة مصدرية وذات مصداقية عن تاريخ المملكة العربية السعودية في مرحلة مهمة من نشأتها.
المؤرخ السوري عبد الكريم إبراهيم السمك، المقيم في السعودية منذ نصف قرن والحاصل على الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر، قدّم رصداً لكل ما احتوته «الشرق الأدنى» وعرضه صاحبها أمين سعيد من نفائس الأخبار والأحداث والاتفاقيات التي عاشتها «مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها» في فترة تُعد من أهم فترات بناء الدولة السعودية في محيطها الإقليمي والدولي. وجمع الحصيلة في كتاب من جزأين، مضيفاً بذلك إلى مكتبة التاريخ السعودي عملاً نفيساً ونادراً في الدولة الحديثة.
في لقاء مع «الشرق الأوسط» قال السمك: «تأتي أهمية هذا العمل النفيس والنادر بسبب معاصرته للحدث، ومشاهدة صاحبة لعطاء سياسة الملك عبد العزيز في هذه العملية العظيمة، فكان هذا العمل بحكم المفقود في بطن مجلة (الشرق الأدنى) لأمين سعيد. وبنشره اليوم كان بمثابة الحلقة المفقودة في هذا التاريخ الكريم، وها هو يرى النور بعد 95 سنة مضت عليه. وأمين سعيد سبق له أن كتب كتابات متفرقة في جريدة (المقطّم) ومجلة (المقتطف) عن الملك عبد العزيز، ضمن ضوابط أصحاب هاتين الوسيلتين الإعلاميتين، بسبب ولاء أصحابها للسياسة البريطانية». وأردف: «كذلك تأتي أهمية هذه المواد التي جاءت في المجلة من عدة جوانب، منها أنها كتابة معاصرة لهذه المرحلة في بناء الدولة على يد الملك المؤسس. ولقد سمت المجلة في الساحة الإعلامية المصرية، لكونها أول مجلة عربية تناصر قضايا العرب جميعها، وخاصة منها ما يخدم التاريخ السعودي».
وأشار السمك إلى أن «أهمية هذا العمل تظهر أيضاً في جوانب أخرى منها: ندرة المجلة غير الموجودة إلا في موروث أمين سعيد، والكتابة فيها من قبل أمين سعيد كانت كتابة موالاة ووفاء ومصداقية. أيضاً استطاعة أمين سعيد استقطاب الرأي العام في مصر لتأييد سياسة الملك عبد العزيز في توحيده للحجاز بنجد، وتغيير موقف هذا الرأي العام من المعارضة إلى الموالاة للملك. ثم إن الميزة الأهم أن المجلة كانت الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي تحملت عبء نصرة سياسة الملك عبد العزيز خارجياً، وخاصة في القاهرة عاصمة الإعلام في العالم العربي ذلك التاريخ»، وهنا يلفت السمك إلى أن أمين سعيد لم يكن يعلم بأن حرص المجلة على تأييد سياسية الملك عبد العزيز سيدفع بريطانيا لتعطيلها، مبرزاً أن المجلة لم تقتصر في توزيعها في مصر فقط، بل كانت تصل إلى معظم الأقطار العربية.
من ناحية أخرى، أبرز المؤرخ عبد الكريم السمك القضايا التي تناولتها المجلة في سياسة البناء التي انتهجها الملك عبد العزيز من خلال الانفتاح على العالم الغربي ودوله، بعد ما قررت عشر دول غربية الاعتراف بمملكة الحجاز ونجد، وخاصة بعد الذي لمسه قناصل هذه الدول المقيمون في جدة من استقرار الحجاز. وبالفعل، قدموا تقاريرهم لدولهم بذلك، الأمر الذي دفع الملك عبد العزيز إلى تكليف ابنه الفيصل زيارة هذه الدول وتقديم الشكر لها على الاعتراف الرسمي بالدولة. وترتب على ذلك تبادل السفراء والقناصل مع هذه الدول. وأيضاً، مضى الملك عبد العزيز في بناء الدولة بأنظمة حديثة متطورة، واكب فيها أنظمة الدول الغربية الحرة على المستويين الداخلي والخارجي، منضماً إلى «عصبة الأمم» عام 1928م. ويضاف إلى ذلك تأسيس «مجلس شورى» أشرك فيه أبناء الحجاز للنهوض بالدولة وبنائها والارتقاء بنهضته في الإعمار وتوفير المياه والخدمات الصحية والتعليم وإصلاح الطرق وبنائها، مع تقديم أسمى الخدمات للحرمين الشريفين. وبجانب هذا كله، أحسن الملك صنعاً بتعيين ابنه الأمير فيصل نائباً له على الحجاز، فقام الأمير بإدارته وتنظيم أموره على أحسن وجه.
ويتابع السمك قائلاً: «وتوج الملك عبد العزيز هذه الأعمال بسياسة الأمن والأمان، وكان من نتائج هذه السياسة توفير الأمن للحاج من ساعة وصوله حتى سفره إلى بلده، وهكذا لمس المسلمون الفارق بين الحاضر والماضي. ولما لمسه المسلمون من الحال الذي ارتقى فيه الحجاز، وجّه الملك عبد العزيز الدعوة لعلماء المسلمين في العالم لحضور أول حج بعد وحدة الحجاز بنجد. ولما وقعت عليه عيون هؤلاء العلماء من نهضة الملك بالحرمين الشريفين، وراحة حجاج بيت الله وزوار الحرمين وطيب الرعاية، ما كان منهم إلا مباركة الملك في حكمه للحجاز وسدانته للحرمين الشريفين. ومع هذه المباركة من العلماء المسلمين للملك، ازداد عدد الحجيج في الأعوام التالية، بعدما تخطت سمعة نجاحات الملك عبد العزيز في إدارة شؤون الحرمين وتنظيم أموره، الحدود لتصل إلى عموم المسلمين في العالم.

محتويات المجلة
الكتاب أبرز محتويات المجلة في أعدادها الـ67، على صعيد المواد التي تخص التاريخ السعودي لعل أبرزها الإصلاح والتجديد في الحجاز، و«معاهدة جدة» التي وصفتها المجلة بأنها «أعظم فوز سياسي أدركه ابن سعود حتى الآن»، وسياسة إيطاليا في البحر الأحمر وعلاقتها مع جميع الدول المطلة عليه بمن فيهم ابن سعود. كذلك احتوى أحد الأعداد على حوادث وأخبار، بجانب نص «معاهدة جدة» ونشر الاتفاقية في الصحافة البريطانية ومباركة ملك بريطانيا للاتفاق. وفيها أخبار عن الأوامر الملكية للملك عبد العزيز بإصلاح الطرق بين مكة وعرفات، ومنى والطائف، مع أخبار أخرى، منها تكليف الشيخ كامل القصاب النهوض بالتعليم.
على صعيد متصل، احتوت المجلة على مواد عن العلاقات الإيرانية الحجازية النجدية، والعلاقات الحجازية النجدية مع اليمن، وملحقات «معاهدة جدة»، ونص قرار الإبرام وتبادل قرارات الإبرام. وأيضاً، حملت أعداد المجلة مسألة توتر العلاقات النجدية مع العراق، بسبب هجوم «الإخوان» على حدود العراق، الأمر الذي دفع الملك عبد العزيز إلى العمل على الحد من هجماتهم، إضافة لتسويات الحدود مع اليمن، كما تناولت المجلة نظام النقد في الحجاز ووضعه موضع التطبيق. كذلك صاغ أمين سعيد موضوعا عنوانه «نظام الحكم في بلاد العرب، كيف يحكم الحجاز»، وهو دراسة مقارنة بين حال الحكم الجديد (السعودي) والحكم الذي سلف (الهاشمي). وتضمن بحثاً مستفيضاً، سواء في القضاء أم الزكاة أم الإدارة أم التعليم أم الأمن والصحة والبناء.
في الحقيقة، من الصعوبة الإحاطة بكل ما نشرته مجلة «الشرق الأدنى» عن حالة «مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها»، وأبرزه المؤرخ السمك. ولكن مما يلفت الصور المهمة التي نقلها أمين سعيد من خلال رحلته إلى الحج ولقائه الملك عبد العزيز. ولقد تحدث فيها سعيد عن النهضة بكل أطيافها التي شهدها الحجاز على يد الملك المؤسس، معتبراً أن «الحجاز (كان) لا يزال على الفطرة»... وأن يد الإصلاح والتعمير لم تمتد إليه شأن معظم الأقطار العربية التي كانت خاضعة للحكم التركي. وشدد على أن الحكومة العثمانية لم تترك في هذه البلاد الشاسعة الواسعة ما يدل على أنها قد حكمتها إلا في بعض أبنية أنشأها أحد القادة في القرن الماضي «ولولاها ما كان هناك ما يذكّر الناس بها وبعهدها»، مضيفاً أن «أول ما فعله ابن سعود هو أنه قد دك النظام البالي القديم دكّاً، وأقام على أنقاضه نظاماً جديداً يختلف من جهات كثيرة عن النظام الذي كان متبعاً في العهد التركي». وزاد أمين سعيد بالقول إن النظام الذي أنشأه ابن سعود للحجاز، هو مزيج من أنظمة شتى فقد أخذ من كل نظام ما اعتقد أنه الأصلح للبلاد.
المجلة كُتِبت أيضاً عن وفاة الإمام عبد الرحمن بن فيصل، والد ملك الحجاز ونجد، ووصفته بأنه «من أعاظم رجال العرب في السياسة والعلم، وقد اشتهر بالعدل بين رعيته، والأخذ بناصر الضعيف إلى القوي»، مضيفة أنه «لما استتب الأمر في نجد لآل سعود وعادت الإمارة إليهم، كانت الإمامة فيها للمرحوم الإمام عبد الرحمن، ولكنه لكبر سنه وعدم قدرته على الاضطلاع بأعباء الحكم، قلدها لنجله عبد العزيز جلالة الملك الحالي، الذي افتتح الحجاز بعد ذلك».

أخبار متفرقة
كذلك، حملت أعداد المجلة على صعيد ما يتعلق بالحج وراحة الحجيج، أن الملك عبد العزيز شهد بناء أول دار لكسوة الكعبة. ومن الأخبار العامة الأخرى نشرت أخباراً عامة في قضايا العلاقات الدولية، عربية كانت أم غربية، إذ حمل أحد أعداد المجلة خبراً بعنوان «بين الحجاز والسوفيات»، جاء فيه «وصلت في الأسبوع الماضي إلى جدة من أوديسا الباخرة (يانتوميس) من بواخر الحكومة السوفياتية تحمل 9054 طرداً من البضائع المختلفة لبيعها في أسواق الحجاز، لأن حكومة موسكو تنوي كما يظهر إنشاء صلات تجارية مع بلاد العرب». وتابع الخبر أنه وصل على هذه الباخرة ستة ركاب من روسيا، فنزلوا إلى جدة بلا معارضة ومن دون أن يبرزوا جوازات سفرهم. ولكن عندما وصل الأمر إلى الحكومة المحلية، فحصت جوازاتهم، فرأت أنها غير مستكملة الشروط التي تتيح لهم الإقامة في الحجاز، وعندها دعتهم إلى الرجوع من حيث أتوا.
وتابع الخبر أنه على أثر ذلك تدخلت دار الاعتماد السوفياتية، وأبلغت أن من بين هؤلاء الركاب اثنين جاءا للعمل في دارها؛ أحدهما طبيب والثاني كاتب، فسمحت لهما الحكومة بالبقاء وأصرت على إعادة الآخرين وهكذا كان. ومن ثم، ذكرت المجلة أن نائب الملك أصدر أمراً بفصل مأمور جوازات جدة من وظيفته، لأنه قصّر في فحص جوازات هؤلاء القادمين، وتسامح معهم، وأثبتت الحكومة الحجازية بعملها هذا أنها لا تسمح بتسرب الشيوعية إلى بلادها.



«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
TT

«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)

اثنتان من كبريات الصحف الأوروبية، «إلباييس» الإسبانية و«لا ريبوبليكا» الإيطالية، تحتفلان هذه الأيام بمرور خمسين سنة على انطلاقتيهما في ظروف متباينة في الظاهر، لكن متشابهة من حيث الدور الذي لعبته كل منهما على الصعيدين الإعلامي والصحافي. وبالتحديد، في إسبانيا بُعيد سقوط نظام الجنرال فرنشيسكو فرنكو وعودة الديمقراطية، وفي إيطاليا مع بداية انهيار المنظومة السياسية التقليدية التي حكمت البلاد منذ نهاية الحرب العالمية ونشوء التشكيلات السياسية الجديدة على أنقاض الحزبين الكبيرين؛ أي «الحزب الديمقراطي المسيحي» و«الحزب الشيوعي الإيطالي».

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه بجانب «اللوموند» الفرنسية و«الغارديان» البريطانية، تشكل هاتان الصحيفتان ما اصطلحت الأوساط الإعلامية على تسميته بـ«المربّع الذهبي» للصحافة الأوروبية المكتوبة، والمعروفة برصانتها وتأثيرها العميق في النخب السياسية والفكرية.

«إلباييس»... ودورها في ترسيخ الديمقراطية

في الاحتفالات التي أطلقتها صحيفة «إلباييس» - ويعني اسمها بالإسبانية «البلد» - منذ مطالع الشهر الحالي بمناسبة يوبيلها الذهبي برعاية العاهل الإسباني، نوّه فيليبي السادس، بالدور الذي لعبته الصحافة المكتوبة في الدفاع عن المؤسسات وترسيخه إبان محاولة الانقلاب العسكري يوم 23 فبراير (شباط) 1981.

وحقاً، صدرت الصحيفة فجر اليوم التالي تحت عنوان «إلباييس مع الدستور»، بينما كان البرلمان مجتمعاً في جلسة محاسبة للحكومة، وهو لا يزال تحت سيطرة ضبّاط الحرس المدني الانقلابيين. وحينذاك، كانت الدلائل تشير إلى أن الانقلاب في طريقه إلى النجاح، قبل أن يدلي الملك (السابق) خوان كارلوس الأول بخطابه الشهير الذي دعا فيه القوات المسلحة إلى الالتزام بأحكام الدستور، ورفض السير وراء محاولة إجهاض النظام الديمقراطي اليانع.

يومذاك، لم تكن إسبانيا قد انضمت بعد إلى «السوق المشتركة» - «الاتحاد الأوروبي» حالياً، كونها أصبحت عضواً مطلع عام 1986 -. وكان رهان «إلباييس» الأساسي منذ صدورها الانخراط الكامل في المشروع الأوروبي الذي أصبحت اليوم أحد محركاته الرئيسة. وبالفعل، لعب موقف الصحيفة المتقدّم على الصحف الإسبانية الأخرى في معارضة الانقلاب دوراً أساسياً في نجاحها السريع. ومنذ ذلك الحين أصبحت مرجعاً لإسبانيا الديمقراطية، التي كانت تحاصرها وتتربص بها المكائد للعودة إلى النظام الديكتاتوري السابق. ولقد بيّنت معلومات كشفت لاحقاً عن أن الصحافي خوان لويس ثيبريبان، مدير «إلباييس» في تلك الحقبة، سعى إلى إقناع بعض زملائه بإصدار عدد مشترك يؤيد الدستور ويرفض المحاولة الانقلابية، لكنه لم يلق تجاوباً؛ لأن الصحف الأخرى كانت تفضّل التريّث للتأكد من نتيجة المحاولة.

الفكرة وراء التأسيس

صاحب فكرة تأسيس «إلباييس» هو الناشر والكاتب الإسباني خوسيه أورتيغا سبوتورنو، نجل الفيلسوف والمفكر الليبرالي الشهير خوسيه أورتيغا غاسيت، الذي جمع حوله عدداً من كبار الموظفين في الدولة، والمهنيين الأحرار، والأساتذة الجامعيين، الذين كانوا ينتمون جميعاً إلى المعارضة المعتدلة لنظام الجنرال فرنكو، أو الجناح المؤيد للتغيير في النظام. ولقد تقدّم في مطلع عام 1972 بطلب إلى وزارة الإعلام لإصدار جريدة يومية تحمل الاسم نفسه الذي حملته صحيفة أخرى ليبرالية مغارب القرن التاسع عشر ومطالع القرن التالي.

غير أن الحكومة الإسبانية ماطلت في منح الترخيص المطلوب حتى ربيع عام 1976، ليصدر يوم 4 مايو (أيار) العدد الأول من الصحيفة، التي سرعان ما تحولت إلى رائد للصحافة الإسبانية المكتوبة، وإحدى أهم الصحف الناطقة بالإسبانية في العالم.

لصحيفة «إلباييس» مكاتب تحرير منتشرة عالمياً في مكسيكو سيتي وبوغوتا وواشنطن وسانتياغو وبوينوس آيريس، فضلاً عن مكاتب العواصم الإقليمية الإسبانية التي تصدر عنها طبعات محلية في مدن برشلونة وبلنسية وإشبيلية ولا كورونيا ولاس بالماس وبورغوس ومايوركا. كذلك تصدر عنها طبعتان مختصرتان باللغتين الإنجليزية والبرتغالية، إلى جانب ملحق أسبوعي في شكل مجلة يتجاوز مبيعها المليون نسخة أسبوعياً.

من جهة ثانية، يبلغ عدد قراء النسخة الورقية من «إلباييس» حالياً 758 ألفاً، بينما يبلغ عدد قراء النسخة الإلكترونية 14.5 مليون وفق الإحصاءات الأخيرة. ثم إن الصحيفة هي عماد شركة قابضة تملك أوسع شبكة إذاعية في إسبانيا، وصحيفة اقتصادية يومية، وصحيفة رياضية، وداراً للنشر.

الصفحة الأولى من أحد أعداد "إلباييس" (إلباييس)

أقلام لامعة

ولجهة كبار الكتّاب، تتناوب على صفحات «إلباييس» نخبة من كبار الكتّاب والمفكّرين الإسبان والأميركيين اللاتينيين، كان أبرزهم غابرييل غارسيا ماركيز، الحائز جائزة نوبل للآداب، والذي بدأ ينشر مقالات دورية فيها منذ صدورها حتى قبيل وفاته عام 2014. وأيضاً ماريو فارغاس يوسا، الحائز الآخر على نوبل للآداب، الذي نشر فيها مقالات أسبوعية طيلة 33 سنة، واستضافته «الشرق الأوسط» على صفحاتها حتى وفاته ربيع العام الفائت.

على صعيد آخر، تعزَّز موقع «إلباييس» في المشهد الإعلامي الإسباني بعد الفوز الساحق الذي حقّقه الحزب الاشتراكي بزعامة فيليبي غونزاليس (تولى الحكم بين عامي 1982 و1996) في الانتخابات العامة، وكانت الصحيفة قد دعمته بقوة، بالتعاون مع عدد من الصحف والحكومات «التقدمية» في أوروبا. بل كانت «إلباييس» أول صحيفة إسبانية تستحدث شخصية «المدافع عن القارئ» التي يلجأ إليها القراء لطرح تظلّماتهم، كما وضعت مجموعة من القواعد والمعايير لضمان جودة وصدقية المعلومات التي تنشرها، وأصدرت «كتاب الأسلوب» الذي غدا مرجعاً للصحافيين الناطقين بالإسبانية.

في المقابل، خلال السنوات الأخيرة بدأ يتردد في أوساط قراء الصحيفة أنها «لم تعد كما عرفوها في الماضي»؛ إذ باتوا يفتقدون موقعها المتقدم في الدفاع عن العديد من القضايا السياسية والاجتماعية، ويأخذون عليها ترجيح الكفة الليبرالية على الهوية «التقدمية» التي كانت علامتها الفارقة.

في هذا السياق، يقول جوزيف أوغورليان، الرئيس التنفيذي للشركة القابضة المالكة للصحيفة: «(إلباييس) صحيفة تقدمية، تلتزم بعمق أحكام الدستور الإسباني والنظام الملكي البرلماني. وأميركا اللاتينية جوهرية بالنسبة إلينا، إعلامياً وعاطفياً وثقافياً وسياسياً». ويضيف: «صحيح أن إلباييس قد تغيّرت... ولكن لأن إسبانيا تغيّرت، والعالم تغيّر، ولأن الصحافة لم تعد كما عرفناها. هاجسنا الأول، كان ولا يزال، هو القارئ. ونحن نراهن على ذكائه وفطنته، ونؤمن بحقه في الحصول على معلومات موثوقة، وبقدرته على استخلاص العبر منها». بقي أن نشير إلى أن «إلباييس» تمنح جوائز سنوية للصحافيين والمدافعين عن حرية الرأي تحمل اسم خوسيه أورتيغا غاسيت «البوصلة الفكرية» للصحيفة. وكانت جائزة هذه السنة من نصيب الكاتبة والصحافية سفيتلانا ألكسيفيتش من بيلاروسيا، الحائزة جائزة نوبل للآداب.

«لا ريبوبليكا» الإيطالية

أما عن «لا ريبوبليكا» - أي «الجمهورية» - فإنها أُسست عام 1976 على يد الصحافي والكاتب المعروف أوجينيو سكالفاري، بدعم من الناشر أرنولدو موندادوري، بوصفها صحيفة يسارية أطلقت على نفسها مسمى «الصحيفة الحزب»، وكانت في بداياتها منبراً لمجموعة واسعة من الكتاب والصحافيين والمفكّرين الذين تتراوح مواقفهم بين اليسار الإصلاحي واليسار المتطرف. ولكن على مغارب القرن الماضي ومطالع هذا القرن، بدأت تجنح نحو معسكر «وسط اليسار» السياسي، وهي اشتهرت بمواقفها المعارضة لرئيس الوزراء الإيطالي الأسبق اليميني الملياردير سيلفيو برلوسكوني، الذي كان يعرف عنه أيضاً تذمّره منها، ومحاولاته العديدة الفاشلة لامتلاكها وضمّها إلى إمبراطوريته الإعلامية التي كانت المنصة الأساسية لنشاطه السياسي، والتي تضمّ ثلاث قنوات تلفزيونية وعدة صحف يومية ومجلات أسبوعية وداراً كبرى للنشر ومؤسسة للتسويق الإعلاني.

وفي هذا المجال، يذكر رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق جوليو أندريوتي في مذكراته أنه أجهض «في اللحظات الأخيرة» صفقة كان وراءها برلوسكوني للاستحواذ على الصحيفة، التي كانت قد تحوّلت إلى خصمه السياسي الألدّ. وبالتالي، حال أندريوتي - وهو يميني أيضاً - دون سيطرة برلوسكوني شبه الكاملة على المشهد الإعلامي الإيطالي. مع هذا، خاض برلوسكوني عدة معارك قضائية ضد الصحيفة، مطالباً بتعويضات مليونية لكنها باءت جميعاً بالفشل.

فضيحة دي بيلّا... وملكية عائلة آنييلي

عام 1981، عصفت بـ«لا ريبوبليكا» فضيحة كبيرة عندما تبيّن أن رئيس تحريرها فرنكو دي بيلّا كان عضواً في تنظيم ماسوني سرّي محاط بفضائح كبرى. وهو ما أدى إلى إقالته من منصبه، واتجاه الإدارة إلى التعاقد مع كتّاب مشهورين ومستقلين لاستعادة ثقة القراء.

وعام 2020، انتقلت ملكية «لا ريبوبليكا» إلى عائلة آنييلي الثرية المعروفة، صاحبة مجموعة «فيات» والمؤسّسات المتفرّعة عنها، ومالكة صحيفة «لا ستامبا» الصادرة في ميلانو. وقررت العائلة تعيين الصحافي ماوريزيو موليناري مديراً لها، وهو المعروف بعلاقاته الوطيدة مع إسرائيل ورئيس وزرائها الحالي بنيامين نتنياهو.

تعيين موليناري أثار احتجاجات في أوساط المحرّرين الذين استقال بعضهم من الصحيفة. ومع موليناري جنحت الصحيفة نحو الوسط، خارج المعسكرين اليساري واليميني. لكنها ركّزت أيضاً على معارضة التيْار الشعبوي الذي كان يتمدد بقوة في إيطاليا مع حزب «النجوم الخمس». وفي عام 2024، أقيل موليناري من منصبه الذي تولاه المدير الحالي ماريو أورفيو.

أخيراً، مع أن سياسة عائلة آنييلي، التي رسمها المؤسس جياني آنييلي، والتي تقوم على دعم الخط الحاكم بغض النظر عن ميوله واتجاهاته السياسية، تشكّل «لا ريبوبليكا» حالياً رأس حربة الوسائل الإعلامية المناهضة لحكومة جورجيا ميلوني، وبخاصة، حليفها الشعبوي ماتّيو سالفيني زعيم حزب «الرابطة»، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.


هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟

هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟
TT

هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟

هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟

أطلقت منصة «ثريدز» المملوكة لـ«ميتا» مزايا بصرية جديدة تهدف إلى «تحفيز سلوك النشر لدى المستخدمين»، في خطوة يرى خبراء أنها محاولة لاستعادة الزخم إلى المنصة التي صعدت بوتيرة متسارعة في البدايات ثم عانت من خفوت.

وتشمل تحديثات «ثريدز» التي أُطلقت في مايو (أيار) الجاري «إدراج ميزة آلية تُمكن المستخدم من تقسيم الكتل النصية الطويلة إلى منشورات متعددة ومتسلسلة»، بينما ركزت الخطوة الثانية على اختبار ملصقات متحركة مصممة لإبراز المنشورات وجعلها أكثر جاذبية بصرية داخل تجربة المستخدم.

لقد كانت بدايات «ثريدز» لافتة إلى حد أنها سجلت رقماً قياسياً في تاريخ الإعلام الرقمي عند إطلاقها في يوليو (تموز) 2023 كأسرع التطبيقات نمواً واكتساباً للمستخدمين.

وحسب بيانات أدلى بها الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، مارك زوكربيرغ، عقب إطلاق التطبيق مباشرةً فإن «المنصة نجحت في جذب مليون مستخدم في الساعة الأولى من إطلاقها، ثم تجاوز حاجز مائة مليون مستخدم في غضون أربعة أيام وست ساعات فقط، وسط معدلات تفاعل استثنائية بلغت 95 مليون منشور في اليوم الأول». غير أن هذه الوتيرة لم تستمر طويلاً، بينما بدأت المنصة -التي أطلقتها «ميتا» بالأساس لمنافسة «إكس» مستغلةً عثراته- في التراجع الفوري عقب التدشين، وفق مراقبين.

وذكرت بيانات سابقة لمؤسسة «سنسور تاور» للأبحاث الرقمية أنه «بعدما سجلت المنصة ذروة تفاعل تاريخية بلغت نحو 44 مليون مستخدم نشط يومياً في يوليو (تموز) 2023 انخفض هذا الرقم بنسبة تجاوزت 70 في المائة، ليستقر عند حدود 13 مليون مستخدم نشط يومياً بحلول أغسطس (آب) من العام نفسه».

ولم يقتصر التراجع على أعداد الزوار؛ بل امتد أيضاً، وفقاً لتقارير شركة «سيميلار ويب» المتخصصة في تحليل البيانات الرقمية، خلال أغسطس 2023، إلى البقاء الزمني للمستخدم، إذ «انخفض متوسط الوقت الذي يقضيه المستخدم النشط يومياً من 21 دقيقة إلى ما يتراوح بين 4 و6 دقائق فقط بعد ثلاثة أسابيع من التدشين، ويمثل هذا الانخفاض تراجعاً يقارب 79 في المائة في قدرة التطبيق على الاحتفاظ بالجمهور».

عبد الكريم الزياني، أستاذ الإعلام الرقمي بجامعة العين في أبوظبي، يرى أن الميزات البصرية وحدها لن تكفي لإنعاش «ثريدز». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «المشكلة الأساسية ليست في شكل المنشورات؛ بل في غياب هوية واضحة تجعل المستخدم يشعر بأن المنصة تقدم له قيمة يومية مختلفة عن باقي التطبيقات».

ويضيف أن «ميتا» تحاول جعل «ثريدز» أكثر جاذبية من الناحية البصرية، وهذا يعني أنها تقترب تدريجياً من روح «إنستغرام»، وهذا قد يساعد على جذب المستخدمين المعتادين على المحتوى المرئي، لكنه قد يُضعف تميّزها كمنصة للنقاشات النصية السريعة التي تنافس «إكس».

وعن جدوى تحديثات «ثريدز» في استعادة الزخم، يقول الزياني: «قد تزيد التحديثات من التفاعل على المدى القصير، لأنها تمنح المستخدمين أدوات تعبير أكثر تنوعاً؛ لكن نجاح المنصة يبقى مرتبطاً بجودة الخوارزمية وقدرتها على عرض محتوى مهم وتحفيز النقاش الحقيقي بين المستخدمين». ويتابع: «المستخدم لن يعود يومياً بسبب الملصقات المتحركة فقط، بل لأنه يجد أخباراً سريعة ونقاشات مؤثرة ومحتوى يهمه».

ومن ثم «إذا لم توفر (ثريدز) هذه العناصر، فلن تكون الإضافات البصرية وحدها كافية للإقناع باستخدام المنصة باستمرار».

وعلى الرغم من إعلان زوكربيرغ في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 استعادة التطبيق لمسار النمو التدريجي ووصوله إلى نحو 275 مليون مستخدم نشط شهرياً، فإن مراقبين لا يرون نمو الحسابات النشطة شهرياً دليلاً على الوصول للمستخدم.

وهنا، في لقاء مع «الشرق الأوسط» قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن تراجع «ثريدز» لا يعود إلى ضعف الإبهار البصري حتى تؤتي هذه التحديثات جدواها، بينما تكمن الأزمة في أن المنصة لم تأتِ للمستخدم بجديد، إذ اعتمدت على تكرار تجربة «إكس» فحسب.

وأردف رمزي أن «مواجهة الخفوت على المنصة يحتاج إلى الابتكار والتجديد، والخروج بجديد يختلف حتى عن منصات (ميتا) نفسها». وعدّ تحديثات المنصة سطحية ولم تأتِ بجديد للمستخدم، إذ قال: «جميع التحديثات تركز على تجربة المستخدم، وهو أمر غير كافٍ لاستعادة الصعود بعد خفوت مدوٍّ، لا سيما وسط منافسة محتدمة مع منصات مخضرمة في السوق».

ثم تطرق رمزي إلى تحديثات «ثريدز» وما إذا كانت تمثل فرصة للأخبار، فذكر أن السياسة الأوسع لشركة «ميتا» فيما يتعلق بالأخبار باتت واضحة؛ «إذ إن (ميتا) تتَّبع سياسة ممنهجة مفادها الابتعاد عن المحتوى الجاد مثل الأخبار والتحليلات، ظناً أنها تورطها في مشكلات سياسية وقانونية».

واستطرد: «ظهر هذا التوجه منذ ألغت الشركة خاصية المقالات الفورية، وصولاً إلى تقليص مشروع (فيسبوك) للصحافة والحد من وظائفه وتمويله». ومن ثم استبعد أن تتحول «ثريدز» إلى منصة للأخبار الجادة أو النقاشات الرصينة، مشيراً إلى أن «المحاولات الراهنة لجذب انتباه الجمهور مجدداً تفتقر إلى الفاعلية المطلوبة، فقد توفر تجربة جيدة للمستخدم، غير أنها لن تحقق الصعود المستدام للمنصة».


وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
TT

وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)

وليد عبود، صاحب خبراتٍ متراكمة في عالم الإعلام اللبناني، ويمثّل نموذجاً للمهني المتمرّس. ولقد تنقّل بين صروحٍ عديدة، منذ كان طالباً في كليات الإعلام والأدب والحقوق، حيث كان شغفه الأول الثقافة، إلا أن عالم السياسة سرعان ما جذبه، ليصبح أحد أبرز المحاورين التلفزيونيين في لبنان. وعبود راهناً يشغل منصب رئيس تحرير نشرات الأخبار في قناة «إم تي في» المحلية، ويقدّم 3 برامج حوارية هي: «أبيض وأسود» على منصة «هلا أرابيا»، و«الحكي يوصل» على منصة «صوت كل لبنان»، و«مع وليد عبود» على شاشة «تلفزيون لبنان».

بالنسبة لمسيرته، فإنه استقى خبراته الأولى من عمله في «دار الصياد» عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، ويومذاك تولّى مهام التحرير في نشرة دورية كانت تُرسل إلى أصحاب القرار في لبنان والعالم العربي. بعدها تنقّل بين عدد من الصحف اللبنانية والعربية، من بينها «المسيرة» و«الحياة» و«نداء الوطن» و«النهار»، حيث كتب مقالات ثقافية.

وفي «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (إل بي سي آي)، شارك في إعداد برامج ثقافية مثل «كبارنا». أما تجاربه السياسية الأولى فانطلقت عبر برنامج «ع صوت عالي» على شاشة «تلفزيون لبنان» خلال مرحلة إدارتها من قِبل فؤاد نعيم.

ومع الراحل جبران تويني، خاض تجربة تلفزيونية جديدة من خلال إعداد برنامج «فخامة الرئيس» على شاشة «إل بي سي آي»، ليتولى بعدها برنامج «رئاسيات». ويعلقّ وليد عبود على تلك الحقبة بالقول: «تعاوني مع الراحل جبران تويني ترك أثره الإيجابي في مشواري المهني. كان قامة سياسية وإعلامية لا يمكن أن تمر مرور الكرام».

في انتقاله إلى «إم تي في» عام 1989، بدأ إعداد برنامج «سجّل موقف». وبقي فيها حتى عام 2001، حين استدعته «إل بي سي آي» للعمل في إدارة تحرير نشرات الأخبار، وهي مرحلة أكسبته خبرة واسعة. ثم عاد مجدداً إلى «إم تي في» لتولّي رئاسة تحرير نشرات الأخبار حتى اليوم، إلى جانب تقديمه برنامج «بموضوعية» حتى عام 2018. ويؤكد أن مجمل هذه المحطات صقل تجربته المهنية، التي تجاوزت اليوم 46 عاماً من العمل الإعلامي.

«تلفزيون لبنان» وعوْدٌ على بدء

على الرغم من التجارب الكثيرة واللامعة التي خاضها عبود في صروح إعلامية عدّة، فإنه لفت متابعيه أخيراً بانضمامه إلى عائلة «تلفزيون لبنان». كانت عودة إلى واحدة من أقدم تجاربه الإعلامية في عام 1994، حيث يقدّم عبره مساء كل أربعاء برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال عن هذه الخطوة: «لا شك أن هذه المحطة تسمها العراقة والتاريخ المضيء، وقد تربّينا على شاشتها. ومجرّد أن يُوضع اسمي إلى جانب الرعيل الأول من الإعلاميين أمثال عادل مالك وكميل منسّى وجان خوري، فهذا يشكل حافزاً وفخراً كبيرين لي». وأضاف مستعيداً لحظة دخوله إلى مبنى التلفزيون: «ممرّ طويل يقود إلى الاستوديوهات، وعلى جدرانه صور هؤلاء الإعلاميين، إلى جانب صورة الرئيس الراحل كميل شمعون وهو يضع حجر الأساس لتلفزيون لبنان. هناك اجتاحتني مشاعر الحنين إلى زمن الإعلام اللبناني الذهبي والرائد، حين كان لبنان بين أوائل الدول العربية التي تخطو هذه الخطوة الكبرى في المنطقة. وكذلك استعدت ذكرياتي مع هذه الشاشة المرتبطة بوجداني».

من ناحية ثانية، خيار العودة إلى «تلفزيون لبنان» لم يكن مجرد محطة عابرة في مسيرة عبود، بل جاء نتيجة مجموعة اعتبارات مهنية وواقعية. وهو يوضح أن تعذّر تقديم برنامج تلفزيوني على محطة محلية منافسة دفعه إلى اختيار هذه العودة، بوصفه الخيار الأنسب والأكثر انسجاماً مع المرحلة.

ومن خلال هذا المنبر، قدّم برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود»، الذي يُعرض مساء كل أربعاء، ويستضيف شخصيات سياسية بارزة. وقد استهلها مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. وأشار إلى أنها كانت أولى إطلالاتهما الإعلامية فشكّلت نقطة تحوّل في مسار البرنامج، إذ أسهمت المقابلتان في تثبيت حضوره وتعزيز انتشاره. وهو يرى أن «تلفزيون لبنان»، في ظل إدارته الجديدة، بدأ يخطو باتجاه رؤية مستقبلية أكثر تنظيماً ووضوحاً، ما انعكس إيجاباً على موقع البرنامج داخل المشهد الإعلامي.

إعلامي متميز... وخبرات متراكمة (إم تي في)

الذاكرة الإعلامية

قال عبود إن تجربة العودة إلى تلفزيون لبنان «أعادت إليَّ شيئاً من الذاكرة الإعلامية الأولى، لكنها في الوقت نفسه أتاحت لي مساحة عمل مختلفة، تجمع بين الخبرة المتراكمة والفرصة المتجددة لإعادة تقديم نفسي ضمن سياق وطني جامع».

وفي سياق كلامه عن تجربته الطويلة مع قناة «إم تي في»، استعاد عبود محطات من إدارة نشرات الأخبار، معتبراً أن العلاقة بين الإعلامي والمحطة تقوم أساساً على الانسجام في الرؤية والخط التحريري. وأردف: «نحن مَن نشبه المحطة وليس العكس»، موضحاً أن نجاح التجربة الإعلامية «يرتبط بمدى التقاطع بين قناعة الإعلامي ونهج المؤسسة، وإلا فإن الخلافات تصبح نتيجة طبيعية».

وعلى الصعيد الشخصي، قال إن «الحروب الإعلامية» ليست من طبعه، فهو يميل إلى تجنّب المواجهات المباشرة. ويفضّل التركيز على العمل والمضمون. ويرى أن بيئة التفاهم داخل أي مؤسسة إعلامية تُسهّل تجاوز التحديات، وتُقلّل من حدّة الإشكالات، في حين أن غياب التفاهم هو ما يخلق الأزمات، ويؤدي إلى المغادرة أو الاختلاف.

النقد ضرورة من أجل التطور

أما في ما يتعلق بالنقد، فيشدّد وليد عبود على أنه «عنصر أساسي في المهنة وليس تهديداً لها، بل لعله أداة تطوير حقيقية». ويضيف أن «كل إعلامي، سواء كان في موقع التحرير أو التقديم، يتعرّض للنقد بشكل دائم، سواء من سياسيين أو جمهور أو زملاء في المهنة، والمهم هو كيفية التعامل معه». وبالنسبة له، النقد لا يُقابل بالانزعاج، بل بالاستفادة؛ لأنه يكشف نقاط الضعف التي قد لا تكون واضحة خلال عمل يومي يستمر 18 ساعة متتالية. ويؤكد أنه بعد كل حلقة من برنامجه يطلب آراء المشاهدين بصدق؛ لأن المديح لا يهمّه بقدر ما يهمّه النقد البنّاء الذي يساعده على التطوير.

ويشرح من ثم أن مسيرته الإعلامية الطويلة علّمته أن كل يوم يحمل تجربة جديدة، وأن العمل المتواصل لساعات قد يرافقه بعض الهفوات، لكن التحدي الحقيقي هو في تقليل الأخطاء وتحاشي تكرارها. ومن ثم، يرى أن المعيار ليس في غياب الخطأ، بل في القدرة على ضبط نسبته مقارنة بمحطات أخرى.

الإعلامي يبقى في الذاكرة

واختتم عبود اللقاء معه بالتأكيد على أن «الإعلام مهنة متعبة»، ولا يعرف كيف انخرط فيها بهذا الشغف الكبير، ثم إنه كان يخطط لمسار أكاديمي في الأدب والفلسفة، لكن الإعلام جذبه بشكل غير متوقع. وتابع أنه يؤمن بأن «الإعلامي الحقيقي يبقى حاضراً في ذاكرة الناس إذا استطاع أن يترك بصمة واضحة، وأن هذه المهنة، رغم صعوبتها، تبقى وفية لصاحبها بقدر وفائه لها». ويعود ليصف الإعلام بأنه «عالم ساحر وجميل، لكن الأهم ألا ينقلب السحر على ساحره في اللحظات المفصلية».