بايدن يستعد لتدشين فترته الرئاسية بحزمة من القرارات التنفيذية

إصلاح استراتيجية مكافحة «كورونا» والتغير المناخي في مقدمة أولوياته

شاشة تنقل خطاب نصر بايدن في غرفة المؤتمرات بالبيت الأبيض مساء السبت (إ.ب.أ)
شاشة تنقل خطاب نصر بايدن في غرفة المؤتمرات بالبيت الأبيض مساء السبت (إ.ب.أ)
TT

بايدن يستعد لتدشين فترته الرئاسية بحزمة من القرارات التنفيذية

شاشة تنقل خطاب نصر بايدن في غرفة المؤتمرات بالبيت الأبيض مساء السبت (إ.ب.أ)
شاشة تنقل خطاب نصر بايدن في غرفة المؤتمرات بالبيت الأبيض مساء السبت (إ.ب.أ)

يستعد الرئيس المنتخب جوزيف آر بايدن لإطلاق سلسلة من القرارات التنفيذية في أول يوم له في المكتب البيضاوي، في إطار جهد قد يستمر لسنوات بهدف تغيير أجندة الرئيس دونالد ترمب الداخلية، وإعطاء إشارة إلى تغيّر شامل لمكانة الولايات المتحدة في العالم.
وقال بايدن إنه في الساعات الأولى بعد أن يؤدي اليمين الدستورية أمام الكونغرس ظهر يوم 20 يناير (كانون الثاني)، سيرسل برسالة إلى الأمم المتحدة يشير فيها إلى أن بلاده ستنضم مجدداً إلى الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ، ليعكس قرار ترمب بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ المبرمة مع أكثر من 174 دولة.
كما تعهد بايدن بالتحرك بسرعة لمواجهة جائحة فيروس كورونا من خلال تعيين «قائد لسلسلة التوريد الوطنية» وإنشاء «مجلس اختبارات الوباء» على غرار فريق «فرانكلين دي روزفلت للإنتاج» في زمن الحرب. وقال إنه سيعيد حق العاملين في الحكومة في تكوين نقابات. ووعد بإصدار أمر بمكافحة التشرد وإعادة توطين المزيد من اللاجئين الفارين من الحروب. وتعهد كذلك بالتخلي عن قرار حظر السفر الذي فرضه ترمب على الدول ذات الأغلبية المسلمة، والبدء في الاتصال بالقادة الأجانب في محاولة لاستعادة ثقة أقرب حلفاء الولايات المتحدة.
وقال دان فايفر، الذي شغل منصب كبير مستشاري الرئيس باراك أوباما وساعد في الإعداد لترتيب الأيام الأولى لأوباما في البيت الأبيض: «يريد كل رئيس الانطلاق بقوة والبدء في الوفاء بوعود حملته قبل موعد الغداء في اليوم الأول. الأوامر التنفيذية هي أفضل طريقة للقيام بذلك».
بالنسبة لبايدن، الذي فاز في الانتخابات بفارق ضئيل في دولة منقسمة بشدة، فإن الإشارات المبكرة التي يرسلها كزعيم جديد للبلاد ستكون حاسمة. وفي سبيل ذلك، قال مراراً وتكراراً إنه كان يقوم بحملته الانتخابية كديمقراطي لكنه سيحكم «كأميركي». فالوفاء بهذا الوعد سيتطلب منه إظهار قدر من الاحترام لبعض أجزاء من أجندة ترمب التي حظيت بدعم قوي من أكثر من 70 مليون شخص أدلوا بأصواتهم للرئيس الجمهوري.
لكن ريك سانتوروم، عضو مجلس الشيوخ الجمهوري السابق، أثار سؤالاً على شبكة «سي إن إن» السبت، بعد ساعات من إعلان انتصار بايدن، قائلاً: «إلى أي مدى سيذهب؟ إذا كنت تريد إظهار ذلك، فأنت تريد العمل على أساس الحزبين. حينئذ، عليك بتوقيع جميع الأوامر التنفيذية بشأن الهجرة وتجاوز الكونغرس».
لكن ليس هناك شك في أن بايدن وأعضاء حزبه حريصون بشكل منهجي على محو ما يعتبرونه سياسات مدمرة اتبعها الرئيس بشأن البيئة، والهجرة، والرعاية الصحية، وحقوق المثليين، والتجارة، والتخفيضات الضريبية، والحقوق المدنية، والإجهاض، والعلاقات بين الأعراق، والإنفاق العسكري وغيرها.
سيتطلب إنجاز ذلك التعاون مع الكونغرس، الذي قد يظل منقسماً العام المقبل. إذا حافظ الجمهوريون على سيطرتهم على مجلس الشيوخ، فمن شبه المؤكد أن تعهدات بايدن بالتراجع عن التخفيضات الضريبية لترمب ستواجه معارضة شرسة من الكونغرس. قد تتعثر الجهود الرامية إلى تعزيز أجندة أكثر ليبرالية بشأن الحقوق المدنية والعلاقات العرقية، وهي المحاور الرئيسية في خطاب بايدن خلال حملته. وقد تتقيد جهوده لتشكيل الحكومة الجديدة بالحاجة إلى الحصول على موافقة مجلس الشيوخ الجمهوري.
لكن بايدن قد يكون قادراً على تحقيق بعض أهدافه بما لا يزيد عن جرة قلم. فقد فشل ترمب إلى حد كبير في التفاوض بنجاح مع أعضاء مجلس النواب الديمقراطيين خلال السنوات الأربع التي قضاها في المنصب، ولم يترك له أي خيار سوى استخدام القرارات التنفيذية لتعزيز أجندته. ويمكن لبايدن استخدام الأدوات نفسها لعكس اتجاهها.
لقد حاول الرؤساء السابقون فعل ذلك بالضبط، لكن جهودهم لم تكلل بالنجاح في جميع الأحوال.
ففي أول يوم له في البيت الأبيض في عام 2009، أصدر أوباما أمراً تنفيذياً بشأن السجلات الرئاسية، وأمراً ثانياً بشأن الأخلاقيات حاول من خلاله منع أعضاء إدارته من ممارسة حملات ضغط على الحكومة الفيدرالية لمدة عامين بعد مغادرتهم مناصبهم. واشتكى مراقبو الأخلاقيات والمبادئ في وقت لاحق من أن بعض المسؤولين قد وجدوا طرقاً للالتفاف حول القيود.
في اليوم التالي، أمر أوباما بوضع حد لممارسات التعذيب من قبل الحكومة، رداً على الاحتجاج على استخدام إجراءات استجواب قاسية من قبل سلفه. كما أمر بإغلاق مرفق اعتقال الإرهابيين في خليج غوانتانامو بكوبا الذي كان أعضاء الكونغرس يواصلون الضغط لإغلاقه بحلول الوقت الذي ترك فيه منصبه بعد 8 سنوات.
ترمب أيضاً تحرك بسرعة، ففي الساعات الأولى بعد أداء اليمين، أصدر أمراً تنفيذياً يتعهد فيه بإلغاء قانون الرعاية الصحية الذي مرره سلفه، وتوجيه الحكومة إلى «اتخاذ جميع الإجراءات المتوافقة مع القانون لتقليل الأعباء الاقتصادية والتنظيمية غير المبررة لهذا للقانون».
في الأسبوع الذي تلاه، أصدر ترمب أوامر تنفيذية بشأن الهجرة، وطلب تغييرات في إجراءات اللجوء على الحدود، وزيادة عمليات ترحيل المهاجرين غير الشرعيين، وحظر السفر من العديد من البلدان ذات الغالبية المسلمة - وهو أمر أثار الفوضى في العديد من المطارات، حيث كافح مسؤولو الحدود لفهم من تنطبق عليه تلك القوانين.
أصبحت بعض الأوامر التنفيذية شبه تلقائية في بداية الإدارة الجديدة. فربما يكون من المؤكد أن بايدن سيتحرك على الفور لإلغاء قرار حظر تمويل الحكومة الفيدرالية للمنظمات الأجنبية التي تبيح الإجهاض أو حتى تتحدث عنه. لكن بايدن أشار إلى أن أولويته القصوى ستكون إظهار نهج فيدرالي أكثر قوة في مواجهة الوباء من استراتيجية ترمب، الذي ترك الأمر لكي «تحدده كل ولاية على حدة».
وقال مساعدوه إنه سيستخدم قوة مكتبه لاستدعاء قانون الإنتاج الدفاعي، وهو قانون حقبة الحرب الكورية الذي يسمح للرئيس بأن يأمر الشركات بتصنيع المنتجات اللازمة للدفاع الوطني، لبناء الإمدادات بشكل أكثر قوة مما فعله ترمب. فرغم أن بايدن يرغب في استصدار «تفويض وطني بفرض قناع الوجه للوقاية من الفيروس»، فقد خلص مستشاروه إلى أنه لا يملك السلطة القانونية لفرضه.
لذلك، سيحاول زيادة ارتداء القناع بطرق أخرى. فقد قال بالفعل إنه كرئيس سيطالب بارتداء أقنعة داخل جميع الممتلكات الفيدرالية، وهو أمر تنفيذي يمكن أن يكون واسع النطاق، ومن المرجح أن يأتي في الساعات أو الأيام الأولى من رئاسته.
بالإضافة إلى فرض الأقنعة في المباني الفيدرالية، قال بايدن إنه سيطلبها في «جميع وسائل النقل بين الولايات». كما سخر الرئيس المنتخب مراراً وتكراراً من افتقار ترمب المعايير الأخلاقية، واتهمه بشن هجوم واسع على أعراف وتقاليد واشنطن. ومن المحتمل أن يأخذ رد بايدن على ذلك شكل تعهد أخلاقي بفرض متطلبات جديدة صارمة على الأشخاص الذين يخدمون في حكومته.
وكتبت حملة بايدن على موقعه على الإنترنت إن «إدارة ترمب خالفت تلك المعايير»، مضيفاً: «في اليوم الأول، سيصدر بايدن تعهداً بالأخلاقيات يبني ويحسن من تعهد إدارة أوباما - بايدن لضمان أن يركز كل عضو في إدارته يوماً بعد يوم على أفضل النتائج للشعب الأميركي».
بالإضافة إلى إعادة الانضمام إلى اتفاقية المناخ، أوضح بايدن أيضاً أنه سيبدأ على الفور في استخدام أدوات السلطة التنفيذية لإعادة تأسيس نظام أوباما للوائح البيئية التي مزقها ترمب بشكل منهجي خلال فترة ولايته.
من المحتمل أن يشمل ذلك إلغاءً سريعاً لأمر تنفيذي أصدره ترمب في وقت مبكر من إدارته الذي دعا هو نفسه إلى إلغاء جميع اللوائح التي تتناول تغير المناخ، وبدلاً من ذلك تعزيز تطوير الوقود الأحفوري، واستبداله بأمر يعلن نية إدارة بايدن في خفض الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
في سياق متصل، قال مايكل برغر، المدير التنفيذي لمركز سابين لقانون تغير المناخ في جامعة كولومبيا، الذي درس الشكل الذي قد تبدو عليه سياسات تنظيم المناخ في إدارة بايدن: «يمكن إلغاء الأوامر التنفيذية على الفور. هذه مشكلة كبيرة لأن الأوامر التنفيذية تعطي توجيهات للوكالات الإدارية بشأن كيفية ممارسة سلطتها التقديرية وتحديد أولويات الإدارة».
إلى ذلك، قد يتحرك بايدن بسرعة لترميم الآثار الوطنية التي قلص ترمب من حجمها بعد وقت قصير من توليه مهام منصبه، وكذلك وقف المراجعات العاجلة لإدارة ترمب لمشاريع الوقود الأحفوري مثل خطوط أنابيب النفط، ووقف الأمر الصادر عام 2017 بشأن «تشجيع استكشاف وإنتاج النفط» في البحر، بما في ذلك الجرف القاري الخارجي.
يمكن أيضاً بذل جهود لمساعدة المجتمعات الفقيرة، التي تقع غالباً بالقرب من المواقع الملوثة السامة وتتحمل العبء الأكبر من عواقب تغير المناخ، وهو ما يمكن للبيت الأبيض أن يتعهد به. وقد يشمل ذلك إصدار أوامر تنفيذية بإنشاء مجلس استشاري للإصحاح البيئي يمكنه تنسيق السياسات، وإنشاء أدوات فحص لفهم التباينات البيئية في جميع أنحاء البلاد بشكل أفضل، وزيادة مراقبة التلوث في المجتمعات الأكثر عرضة لها.
- خدمة «نيويورك تايمز»



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.