«يوتيوبر» طبخ عربية تمنحها إيطاليا سحر «التكنيك»

معجنات وحلويات أدخلتها إلى عالم «ألف ليلة وليلة»

«يوتيوبر» طبخ عربية تمنحها إيطاليا سحر «التكنيك»
TT

«يوتيوبر» طبخ عربية تمنحها إيطاليا سحر «التكنيك»

«يوتيوبر» طبخ عربية تمنحها إيطاليا سحر «التكنيك»

«ما بال صابرين توقفت عن نشر وصفات جديدة لمخبوزاتها وحلوياتها»، تساؤل يشوبه القلق راود الكثير من متابعي الطاهية الفلسطينية ممن انهالت رسائلهم على بريدها؛ أرادوا أن يطمئنوا على حالها، متمنين ألا يكون قد أصابها مكروه؛ وذلك بعد أن تفشى فيروس كورونا في أرجاء إيطاليا.
هذا المؤشر لقوة العلاقة معهم أسعدها كثيراً؛ فخرجت عليهم بفيديو تخبرهم أن ظروف الحجر الصحي تقيد حركتها ونشاطها.
تقول «يوتيوبر الطبخ»، إن السادة المتابعين لهم حق عليها بأن تطلعهم بين وقتٍ وآخر على جانب من حياتها الشخصية، كأن تصطحبهم كاميرتها إلى مشوار من يومياتها يبدأ بساعة باكرة تستقلّ فيه دراجتها متجهة إلى العمل.
- صابرين طه تعيش في إيطاليا منذ 16 عاماً؛ وتتعاون مع شركاتٍ غذائية للترويج لمنتجاتها بواسطة تحضير وصفات على طريقتها الخاصة.
- قَدمت إلى بلادٍ بعيدة لدراسة الطهي في معهد إيطالي- ألماني لأربع سنوات؛ واجتهدت كثيراً لتصل إلى مرحلة امتلاك متجرٍ للمعجنات استمرت فيه لأربعة أعوام ونصف العام، لكن أمومتها شكّلت ضغطاً هائلاً في تقسيم وقتها بين إدارة متجر يتطلب ساعات طويلة وبين احتياج أطفالها لها، حيث لا سند لديها إلا زوجها بحكم أن عائلتها لا تعيش بالقرب منها.
- قبل بضعة أشهر اضطرت آسفة إلى اتخاذ قرار بإغلاقه والتفرغ لقناتها على «يوتيوب» ساعية إلى «التركيز على التكنيك»؛ فمن وجهة نظرها أن في الطبخ تكنيكاً دقيقاً؛ تتحقق به الوصفة المثالية؛ ومهما كان المرء هاوياً متمرساً فإنه لن يكتسبه إلا في معاهد الطبخ.
- ومما يلفت الانتباه أن عدداً من «أصحاب القنوات» باتوا يأخذون من وصفاتها، حيث تعمد إلى تنفيذها بطرقٍ مُبسطة تشرحها بصوتها الرخيم.
> عن تأثير نشأتها
سألناها عن سر التنوع في شخصيتها الطهوية؛ فقالت، إنها تشكلّت جرّاء تنقل عائلتها بين الكثير من دول العالم نظراً لطبيعة عمل والدها؛ مما تسنى لها التعرف على تقاليد البلدان في الطبخ؛ إذ تنحدر أصولها من مدينة الناصرة فيما أمها تونسية الجنسية، وهذا وحده أكسبها غِنى؛ بالجمع بين عراقة مطبخ المغرب العربي والمطبخ الشامي بخيرات أرضه- خاصة زيت الزيتون الفلسطيني- وكلاهما لا تتسع لجمالهما السطور، بحسب تعبيرها، ثم بقدومها إلى أوروبا للدراسة تعلمت المطابخ الغربية، لتزخر حصيلتها أكثر.
ابتسامتها تسبق حديثها عندما تقول «في مطبخ بيتي تتوفر البهارات العربية والغربية والمغربية على حدٍ سواء، لأدمج بين الوصفات بما يروق لي؛ كأن أحضّر لازانيا وأدخل فيها (منزّلة الباذنجان).
البنت الوحيدة بين إخوانها الذكور، كانت أحلى أيامها تلك التي شاركت فيها أمها الطبخ وراحت بفضولٍ ومرح تحاول معرفة ما يدور داخل «الطنجرة» فتلسعها وربما تحرق أصابعها، لكن هذه الصغيرة لا تتوب! والذكرى الأجمل التفاف العائلة حول «الطبلية» للفّ ورق العنب ونسج الأحاديث الدافئة فيما بينهم، إذن لا عجب أن الطعام من وجهة نظرها معجونٌ بالذكريات، بدليل «ورق العنب» الذي بقي محطّ مشاعرها الفياضة.
عندما سافرت صابرين طه إلى إيطاليا في عمر باكر «مرحلة الثانوية»؛ انعقد لسانها ذهولاً ما أن دخلت بوابة الأحلام التي فُتحت لها في أحد معاهد الفندقة العالمية... وكأن حكايات «ألف ليلة وليلة» صارت ملء يدها، ففي المعهد تعرفت على مختلف المطابخ العالمية و«البارات»، وتقصد بها فنون تحضير القهوة؛ كان عالماً شاسعاً، هناك أقسام لتعليم الحلويات؛ وأخرى للمخبوزات والمعجنات؛ واللحوم، ولإعداد الشاي والمشروبات أيضاً؛ تبعاً لكلامها.
- وعن فضل إيطاليا في صقل وتطوير موهبتها، تخبرني أنه لولا انتقالها للإقامة فيها لما أخذت من كل بستان وردة، وتقصد بذلك تشربّها أبجديات المطبخ الإيطالي والألماني والفرنسي، مردفة بالقول «المعاهد هنا مجهزة من الألف إلى الياء، والصرح الذي تعلمتُ فيه يتكفل بنفقات الدراسة لكل الطلبة بلا استثناء، وإلا كنت تكبدت مبالغ طائلة لو درست في دولة أخرى حتى أتشبّع بهذا القدر من الخبرة».
- في بلاد الغربة بمفردها؛ عاركت صعوبات اللغة والتأقلم مع مجتمع جديد ونجحت؛ ثم أسسّت أسرة جميلة ومستقبلاً واعداً؛ تصارحني صابرين بما أسرّته في داخلها منذ اللحظة الأولى من وصولها؛ أنها ستكون يوماً في مصاف خبراءٍ صنعوا نجومية الطعام لدولتهم.
- أجول بنظري في قناتها بين خبز النمر العجيب وخبز فلورنسا الذهبي ودانتيل الشوكولاتة؛ ثم أسألها «أي المطابخ تأسرك أيتها السيدة؟»... تقول على الفور «المطبخ الفرنسي (بياخد العقل) بذوقه الفني الرفيع في تقديم الحلويات بطرقٍ لا تخطر على البال، أما المطبخ الإيطالي أمتنّ له بتعدد أنواع معجناته، ناهيك عن الباستا والصلصات، وكذلك المطبخ الياباني المدهش بأسلوبه في تقديم الأطباق البسيطة بحرفية تُرفع لها القبعّات».
> أسرار النجاح
في الحديث الشائق؛ تناولت «الشرق الأوسط» مع صابرين الكثير من المَحاور، نوردها على النحو التالي:
- «لطفاً لا تنسي: المعجنات طفلٌ يحب الدلال»... يا لها من نصيحة مخلصة تفوّه بها أحد الطهاة أثناء دراستها، فالمُنتج الفني البديع من المخبوزات أو الحلويات يتطلب وقتاً وصبراً وعناية أكثر من الجهد نفسه، وكم يبدو «الدلال» متباهياً في وصفاتها.
- العمل في الميدان يختلف كلياً عن الدراسة الأكاديمية أو حتى الطهي في البيت؛ إنه يضع الإنسان في قلب الخبرة؛ ليصبح قادراً على العمل تحت الضغط وحسه في المسؤولية أعلى ومراعياً للدقة الفائقة؛ لأن الطلبيات لا تحتمل التأخير عن موعدها... خلاصة تلمح بها صابرين إلى الهواة ليتذكروا أن عاماً من الحياة العملية يساوي ثلاثة من الدراسة.
- امتلاك متجرٍ خاص للحلويات في شمال إيطاليا؛ لم يحدث بين يوم وليلة، فقد امتثلت للقانون الذي يقضي بضرورة توفر الخبرة بما لا يقل عن عامين في الفنادق أو المطاعم؛ حتى تجيد التعامل مع الأطعمة وطرق حفظها وتخزينها.
- بعد تجربة طويلة؛ تبيّن لها أن المكونات البسيطة الجيدة من طحينٍ وسكر وشوكولاتة وبكينج باودر وخلافه كفيلة بإخراج منتج رائع، بل يمكن إنتاج أكثر من 300 نوع من المعجنات؛ مما يعني أن طاولة فارغة بوسعنا أن نجعلها «سفرة عامرة و«الجود في الموجود»؛ نهجٌ أثبت حقاً نجاعته في قناتها على «يوتيوب».
- في ضوء انتشار قنوات الطبخ العربية، والتي - بحسب رأيها - «كثير منها أرقام ليس إلا»، فإن القناة التي تستحق التقدير؛ تنشر وصفات مضمونة النتائج؛ إلا أن هناك ما هو أهم؛ تواصل الحديث بقولها «لنركز على التكنيك والمعلومات الصحيحة؛ ومن المهم التحذير بشأن الخطوة التي قد تتسبب بفشل الوصفة تماماً؛ في حين أنه من الممكن بخطوة واحدة صحيحة أن نضمن نجاحها، وبالتالي يتوجب أن ننّبه بخصوصها».
كل ما سبق توجزه بسرد أسرار نجاح الوصفة للمتابعين عبر شرحٍ وافٍ وجذاب، لا سيما فيما يتعلق بوضع المكون الأساسي في الوقت الصحيح، مع التنويه لبعض التفاصيل التي قد لا يدرك البعض أثرها «مثل إضافة الحليب البودرة إلى المعجنات لأجل عجينة لينة، وإضافة السكر لإعطاء الخميرة مفعولاً ولوناً مميزاً للعجائن».
> لا مكان لندب الحظ
يحلو للشابة المقبلة على الحياة أن تغنّي أثناء الطهي؛ فالمطبخ بالنسبة لها كنادي يوغا تسترخي فيه وتُهدّئ من عصبيتها، وفي «المختبر» كما تسميه لا مجال لندب الحظ عند فشل وصفة ما؛ ومن دون الصبر وضبط النفس في الأوقات الحرجة يفسد كل شيء... تقول صابرين لـ«الشرق الأوسط».
تشاركنا في موقف حدث معها أثناء عملها في فندق قبل سنوات؛ كانت منهمكة مع الفريق في تحضير كعكة بطوابق عدة لعرس، وبعد جهد جهيد وفي لحظة الاستعداد لإدخال القالب إلى القاعة ليتزامن مع موسيقى دخول العروسين، انقلبت الكعكة رأساً على عقب؛ وعلى مرأى من الناس، تحكي لنا «كنا في وضع لا نحسد عليه؛ بالكاد أخذت نفساً عميقاً وكتمت غضبي؛ لا خيار أمامنا إلا إصلاح ما حدث... مجدداً جهزنا قالباً من طابق واحد أثناء ساعات الفرح وقدمناه هدية للعروسين».
ومن إحدى مهارات الطاهية الصاعدة؛ العثور على طرق عدة للتعامل مع منتج فاشل بابتكار طبقٍ جديد وشهي منه وبأقصى سرعة.
ربات البيوت غالباً ستصغينّ لنصيحتها «طالما أن نعمة الله موجودة بين يديّنا فلماذا لا نُعمل العقل؟! لا أبالغ... ستتدفق أكثر من مائة فكرة تتشعب عن مجرد كيك إسفنجي غير ناجح مثلاً بدلاً من إلقائه في القمامة، وأبسطها (حشوات الشوكولاتة)» أو حلا الكاسات)».
وتذكر أنه بفتات الخبز يمكن مفاجأة عائلتك بأنواع عدة من التيراميسو، وفي الفنادق؛ الفائض من كيك الأعراس يتم حفّه من الأطراف، ومن ثم تجميع الزوائد المتراكمة لإنتاج حلويات للبيع، مثل كرات التمر أو اللوتس، وكذلك الحال في معجنات الكرواسون قد تخفق معنا العجينة المورقة، وعندئذٍ يكون من الجيد أن تخطر لنا «أم علي» أو بودنج الخبز بالزبدة».
أما علم «الشوكولاتة» المتجدد، فلا تكتفي عاشقة مثل صابرين منه، وحتى ترتوي أكثر التحقت مدة عام بدورة تدريبية بمصنع متخصص في سويسرا... تستفيض بقولها «هي وعجينة السكر تحسنّان مزاجي بعد أن أرى مكونات أولية قد تحولت بأناملي إلى لوحة ناطقة»؛ في حين أن حبها وسعادتها يكبران مع الداكنة منها بحسب حديثها.
وبالعودة إلى القناة؛ فإن صاحبتها عادة تولي تعليقات المتابعين اهتماما وتتعاطف إن لزم الأمر، مضيفة «ذات مرة أرسلت لي أم تحدثني عن طفلها المصاب بـ(حساسية الجلوتين)، ورغبته في أن أنشر وصفات حلوى لا تسبب الحساسية حتى يحظى بتناولها كأخوته، لبّى قلبي طلبه وبدأت في تخصيص وصفات للأطفال الذين لديهم مشاكل صحية ولمرضى السكري».
رأسها يبدو مليئاً بالطموحات؛ وأياً كان ما حققته أو ستحققه؛ فإنها لا تبخل على نفسها التي «تنافسها وحسب» بنجمة متألقة كلما حققت هدفا لتشجعها بأعلى صوت «برافّو صابرين»، فتقدير الذات والتصالح معها «قانونها الفعال».


مقالات ذات صلة

سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

مذاقات سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

يتعلّق المرء أحياناً برائحة أو ملمس أو طعمٍ ما، فيجد نفسه يستعيد ذكرياتٍ دفينة تنبشها الذاكرة من طفولةٍ مضت، ويحتلّ الطعام صدارة ما يوقظ هذه الذكريات

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات كيف تحوَّلت عربة «آيس كريم» صغيرة إلى وجهة لزوار الإسكندرية

كيف تحوَّلت عربة «آيس كريم» صغيرة إلى وجهة لزوار الإسكندرية

يكفي أن تقول إنك متجه إلى الإسكندرية، حتى تجد اسم «جيلاتي عزة» يتردد في معظم ترشيحات الطعام والمحال بالمدينة.

منى أبو النصر (الإسكندرية)
مذاقات «تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

«تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

لطالما كان الطعام أكثر من مجرد وسيلة لسدّ الجوع، فهو لغة تتجاوز الحدود، وتحمل في مكوناتها وطرق إعدادها قصص الشعوب وحكايات تواصلها عبر العصور.

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات كيف حافظ المطبخ اليمني على أسرار نكهته بين الحجر والنار؟

كيف حافظ المطبخ اليمني على أسرار نكهته بين الحجر والنار؟

في زمن تتسارع فيه تقنيات الطهي وتتغير فيه أساليب إعداد الطعام، يحتفظ المطبخ اليمني بمكانته بوصفه أحد المطابخ العربية التي لا تزال متمسكة بجذورها وطرق تحضيرها

محمد عجم (القاهرة)
مذاقات لماذا أصبحت بودروم عاصمة المطاعم الفاخرة على بحر المتوسط؟

لماذا أصبحت بودروم عاصمة المطاعم الفاخرة على بحر المتوسط؟

لم تعد بودروم مجرد مدينة ساحلية تركية تشتهر بشواطئها الفيروزية وحياتها الليلية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أبرز الوجهات لعشاق فنون الطهي الفاخرة

جوسلين إيليا (لندن)

أطباق من أجلها يسافر الذواقة حول العالم

سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
TT

أطباق من أجلها يسافر الذواقة حول العالم

سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)

لم تعد خريطة السفر تُرسم فقط حول المعالم التاريخية والشواطئ والمتاحف. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت المطاعم والأطباق الشهيرة وجهات سياحية بحد ذاتها، وأصبح هناك مسافرون يخططون رحلاتهم حول تجربة طبق معين في مطعم لا يوجد إلا في مدينة معينة.

البيتزا هي أشهر طبق في نابولي (أ.ف.ب)

بالنسبة إلى هؤلاء الذواقة، لا تكفي صورة الطبق أو وصفه، ولا يمكن أن تحل نسخة أخرى منه في مطعم مختلف محل التجربة الأصلية. فهناك أطباق ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بمطاعمها وطهاتها ومدنها، حتى أصبح تذوقها جزءاً من برنامج السفر، وأحياناً سبباً رئيسياً وراء الرحلة.

من نيويورك إلى مودينا وبرشلونة وطوكيو وليما، هذه عشرة أطباق وتجارب غذائية أصبحت تستحق، بالنسبة إلى عشاق الطعام، رحلة كاملة.

تونة كارباتشيو: «لو بيرناندين» نيويورك

في نيويورك، يعد «Le Bernardin» من أشهر عناوين المأكولات البحرية الفاخرة. ومن الأطباق التي ارتبطت بالمطعم «تونة كارباتشيو»، حيث تقدم شرائح التونة الرقيقة بطريقة تبرز جودة المكون الأساسي وتوازن النكهات.

بالنسبة إلى عشاق المأكولات البحرية، تمثل زيارة المطعم فرصة لتجربة فلسفة الشيف إريك ريبير التي تقوم على احترام المكونات البحرية وعدم إغراقها بالتعقيد.

حساء توم يام الشهير في بانكوك (بيكسيلز)

وهنا يتحول الطبق إلى جزء من هوية المكان، وليس مجرد عنصر في قائمة طويلة.

لازانيا: «أوستيريا فراتشيسكانا» مودينا (إيطاليا)

في مودينا الإيطالية، أعاد الشيف ماسيمو بوتورا تعريف العلاقة بين الطعام والذاكرة. ومن أشهر أفكاره طبق «الجزء المقرمش من اللازانيا»، الذي يستلهم الجزء الذي يحبه كثيرون من اللازانيا التقليدية: الأطراف المقرمشة.

قد يبدو الطبق بسيطاً، لكنه يعكس فلسفة المطعم في إعادة تفسير الأطباق الإيطالية المعروفة بأسلوب معاصر. ولذلك أصبح من التجارب التي يبحث عنها الزوار الذين يضعون المطعم على قائمة رحلاتهم إلى إيطاليا.

تجربة الطعام في «ديسفروتار» برشلونة

في برشلونة، أصبح مطعم «Disfrutar» من أهم العناوين العالمية لعشاق المطبخ المعاصر. المطعم الذي تصدر قائمة أفضل مطاعم العالم عام 2024 لا يعتمد على طبق واحد فقط، بل على تجربة تذوق متكاملة.

بعض ابتكاراته أصبحت معروفة عالمياً، وتحولت طريقة تقديم الطعام فيه إلى جزء من التجربة السياحية نفسها. الزائر لا يأتي فقط لتناول العشاء، وإنما لخوض تجربة يصعب العثور على نسخة مماثلة لها في مكان آخر.

السوشي في طوكيو

في اليابان، يمكن أن يكون السوشي نفسه سبباً كافياً للسفر. لكن التجربة تختلف جذرياً عندما يكون الهدف تناول السوشي في مطعم عالمي.

بط بيكين الشهير في الصين (غيتي)

في طوكيو، ترتبط قيمة التجربة بالدقة، وجودة الأسماك، ومهارة الشيف، وطريقة التعامل مع الأرز والصلصة ودرجة الحرارة. ولهذا يسافر عشاق السوشي إلى العاصمة اليابانية ليس فقط من أجل الطعام الياباني، وإنما من أجل تجربة طريقة تقديمه في موطنه.

بيتزا نابولي (إيطاليا)

هناك أطعمة لا تحتاج إلى تعريف، والبيتزا النابولية واحدة منها. لكن الذواقة يعرفون أن تناول البيتزا في نابولي يختلف عن تناولها في أي مكان آخر.

فزيارة المدينة الإيطالية تمنح السائح فرصة لتذوق البيتزا في بيئتها الأصلية، حيث أصبحت طريقة إعداد العجين والخبز والمكونات جزءاً من التراث الثقافي للمدينة.

ولهذا تحولت بعض مطاعم البيتزا التاريخية في نابولي إلى محطات ثابتة في برامج عشاق الطعام الذين يزورون المدينة.

«بكين داك» في بكين (الصين)

يُعد بط بكين من أشهر الأطباق الصينية التي ارتبطت بالعاصمة الصينية. ويأتي الزوار إلى مطاعم متخصصة بحثاً عن التجربة التقليدية التي تشمل تحضير البط، وطريقة تقطيعه وتقديمه مع الفطائر الرقيقة والمكونات المصاحبة.

هنا لا يتعلق الأمر بطبق فقط، وإنما بطقس كامل حول الطعام، وهو ما يجعل التجربة جزءاً من اكتشاف ثقافة المدينة.

سيفيتشي في ليما (البيرو)

في ليما، أصبح السيفيتشي رمزاً للمطبخ البيروفي الحديث. السمك الطازج المتبل بالحمضيات والفلفل والمكونات المحلية يقدم تجربة مرتبطة مباشرة بالمحيط الهادئ وثقافة الطعام في بيرو.

ولهذا أصبحت المطاعم البيروفية الراقية وجهة مهمة للزوار الذين يريدون فهم المطبخ المحلي من خلال أطباقه الأساسية، وليس فقط تناول وجبة عابرة.

«نوما» في كوبنهاغن

في كوبنهاغن، قدم مطعم «Noma» مفهوماً مختلفا للسياحة الغذائية، حيث أصبحت المكونات المحلية والموسمية جزءاً من قصة الرحلة.

لم يكن الهدف دائماً تقديم طبق يعرفه الزائر مسبقاً، وإنما اكتشاف النكهات والمكونات التي تعبر عن البيئة الاسكندنافية. وهكذا أصبحت زيارة المطعم بالنسبة إلى كثير من الذواقة تجربة ثقافية بقدر ما هي تجربة غذائية.

حساء «توم يام» في بانكوك

في بانكوك، تمثل أطباق المطبخ التايلاندي عامل جذب للسياح من جميع أنحاء العالم، ومن بينها حساء «Tom Yum» الشهير، الذي يجمع بين الحموضة والحرارة والأعشاب العطرية.

وتزداد قيمة التجربة عندما يتناول الزائر الطبق في مطعم محلي معروف، حيث ترتبط النكهات بالمكونات والتقاليد الغذائية التي يصعب فصلها عن البيئة التايلاندية نفسها.

«تاكوس» في مكسيكو سيتي

أما في مكسيكو سيتي، فأصبح التاكو أحد رموز ثقافة الطعام في المدينة. وبين المطاعم الراقية وأكشاك الشوارع، يبحث المسافرون عن أماكن بعينها لتجربة أنواع محددة من التاكو. واللافت أن السياحة الغذائية هنا لا ترتبط بالمطاعم الفاخرة فقط. فقد يكون كشك صغير في شارع مزدحم مقصداً لآلاف الزوار لأنه يقدم طعاماً ارتبط بالمدينة وتناقل الناس شهرته عبر الأجيال ووسائل التواصل الاجتماعي.

القاسم المشترك بين هذه التجارب هو أن الطعام لم يعد مجرد خدمة تقدم للسائح بعد وصوله إلى وجهته. بل أصبح في بعض الحالات دافعاً للوصول إلى الوجهة نفسها. ويؤدي تصنيف المطاعم والجوائز العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في هذا التحول. فصورة طبق مميز أو مراجعة من مسافر معروف يمكن أن تجعل مطعماً صغيرا على خريطة مدينة ما مقصداً لزوار من قارات مختلفة.


مطاعم ترتقي بمفهوم «صفر نفايات» إلى مستويات جديدة

حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
TT

مطاعم ترتقي بمفهوم «صفر نفايات» إلى مستويات جديدة

حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)

من ابتكار حلوى «كانيليه» بالكافيار، مروراً بتحويل عظام السمك إلى شمعدانات للطاولة، وصولاً إلى إعادة استغلال العظام في صناعة مستحضرات التجميل، يتجسد هنا المعنى الحقيقي للاقتصاد الدائري.

في الوقت الراهن، يتجه الطهاة إلى استخدام الموارد بشكل أكثر ذكاءً وكفاءة، بهدف تحسين تجربة الضيوف، بدلاً من الانتقاص منها. وتستعرض «رابطة المطاعم المستدامة»، خمسة مطاعم مميزة جعلت من مفهوم الدائرية مكوناً أساسياً في قوائمها.

سانت بيتر - سيدني

من خلال افتتاح «متجر تقطيع الأسماك» عام 2018 ليعمل جنباً إلى جنب مع مطعمه في سيدني، أعاد الطاهي ورجل الأعمال جوش نيلاند تعريف التعامل مع الأسماك، باعتبارها كائناً يُقطّع بالكامل، لا مجرد شرائح. ويجري نقل كل سمكة إلى هذا المكان المبتكر لتقسيمها إلى ما بين 20 و40 جزءاً مختلفاً، من الأعناق إلى الأضلاع والكبد والبيض والمعدة والدهون وحتى العظام، ولكل منها استخدام محدد.

ويُظهر هذا النهج كيف يمكن للتقطيع الواعي أن يحوّل ما كان يُعد سابقاً مجرد نفايات، إلى أطباق لذيذة ومبتكرة، مع تعزيز الإبداع عبر الاستخدام المدروس للموارد.

أما الأجزاء المتبقية فيجري تحويلها إلى برغر السمك ولازانيا وفطائر تُباع في المتجر. وحال عدم استخدامها لصنع مرق غني بالنكهة في أطباق مثل حساء المرجان الصافي، تُجفف العظام وتُرسل إلى خزّاف محلي، لاستخدامها في صنع طلاء لأطباق يدوية الصنع. كما تُحفظ الدهون بعناية لتُستخدم، في وقت لاحق، في صناعة شموع من دهن السمك تُباع عبر المطعم.

وتتضمن القائمة أطباقاً مبتكرة، مثل لحوم الأسماك المعالجة، ونقانق التونة الحارة، ولحم بطن سمك أبو سيف المدخن. وحتى الحلويات لا تخرج عن هذا النهج؛ إذ يمكن للضيوف إنهاء وجبتهم بحلوى مصنوعة من نخاع عظام التونة، أو «كانيليه» بالكافيار، أو كعكة محشوة بكريمة مستخلصة من السمك مع مربى التين والشوكولاته البيضاء.

أتولييه كرين - سان فرانسيسكو

في حي «كاو هولو» بمدينة سان فرانسيسكو، صُممت قائمة التذوق متعددة الأطباق لدى الشيف دومينيك كرين لتجسيد مفهوم التدوير، حيث تتحول المنتجات الثانوية من كل طبق إلى مكونات جديدة في طبق آخر. كما تُستخدم قشور الروبيان وسرطان البحر لصنع المرق، ويُضاف سائل المحار لتعزيز النكهة، ويُعاد توظيف الخبز القديم في إعداد الحساء أو المثلجات، بينما تُستخدم قشور الجبن لإضفاء نكهة على أطباق الحساء.

وقد مكّن برنامج التخمير الذكي في المطبخ من إطالة عمر المكونات الموسمية، وضمان الاستفادة القصوى منها، مع إضافة نكهات قوية في الوقت نفسه. ومن خلال تحويل الفائض من المنتجات وبقايا الخضراوات إلى خلّات وخضراوات مخمرة وصلصات، يحافظ المطبخ على مرونته وإبداعه. أما ما يتبقى من نفايات غذائية، فيجري تحويله إلى سماد في مزرعة محلية تُزرع فيها منتجات المطعم.

كما يتعاون المطعم مع مشروع بيئي لإعادة تدوير أصداف المحار، وإعادتها إلى خليج سان فرانسيسكو، ما يحد من النفايات ويُسهم في تحسين جودة المياه والتنوع الحيوي، فضلاً عن دعم استعادة قاع البحر والشعاب.

بان تيبا - بانكوكفي مطعم «بان تيبا»، تُعاد تدوير جميع النفايات العضوية أو تُحوّل إلى سماد، بدلاً من إرسالها إلى مكبّات النفايات.

يُقدّم مطعم «بان تيبا»، في بانكوك، مثالاً رائعاً على كيفية تصميم أنظمة خالية من النفايات، حتى في أرقى المطابخ. فقد أُعيد تصميم سير العمل في المطبخ بوعي تامّ للتعامل مع المنتجات الثانوية باعتبارها مكونات أساسية، لا باعتبارها نفايات.

من خلال دمج مبدأ الاقتصاد الدائري في صميم العمليات اليومية، نجح المطعم في التخلص نهائياً من النفايات العضوية، التي تُرسل إلى مكبّات النفايات. أما المواد التي لا يُمكن إعادة تدويرها، فيجري تحويلها إلى سماد وتُعاد إلى تربة حديقة المطعم، مُغلقةً بذلك حلقة التغذية.

وتضمن تصميم هذا النظام الغذائي، استحداث وظيفتين داخليتين مُتخصصتين لتمكين الاستخدام الأمثل لكل مُكوّن: يتولى أحد أعضاء الفريق عملية التخمير، بينما يُجري آخر أبحاثاً وتطويراً لإيجاد طرق جديدة لاستخدام فائض الطعام. واليوم، تُخمّر بقايا الفاكهة لتُصنع منها أنواع من الخل والكومبوتشا. كما تُعالج سيقان الأعشاب لتُصنع منها زيوت وصلصات ومساحيق؛ وتُستخدم بقايا الثوم والبصل في صناعة التوابل. وحتى زيت الطهي المُستعمل يُمكن تحويله إلى وقود حيوي.

بالنظر إلى بطء تحللها، انطوت أصداف المأكولات البحرية على تحد خاص، لكن الفريق رأى في ذلك فرصةً لابتكار شيء فريد. وبالتعاون مع فنانين محليين، حوّلوا هذه المواد إلى شمعدانات رائعة تُستخدم الآن باعتبارها قطعاً مركزية على المائدة، تعكس بجمال ما يُقدّم في الطبق وتُذكّرنا بأصول طعامنا الثمينة.دون خوليو - بوينس آيرس

يُقدّم مطعم «دون خوليو»، الذي تُديره عائلة، أطباقاً تحتفي بالمطبخ الأرجنتيني، حيث يُقدّم لحم بقر مُربّى بطرق مستدامة، مقترناً بنبيذ محلي ومنتجات من مزرعة المطعم خارج بوينس آيرس. حصل «دون خوليو»، إلى جانب مطعمه الشقيق «إل بريفيريدو»، على شهادة الختم الأخضر عام 2021، ليصبح المطعم الوحيد في المدينة الذي يحصل عليها. وجرى تصميم شهادة «الختم الأخضر» لتدريب ودعم وتنظيم وتكريم من يُحققون ممارسات متميزة في إدارة النفايات. وعلى هذا الصعيد، حصل «دون خوليو» على أعلى تصنيف ممكن.

مع إحضار كل حيوان كاملاً ليجري ذبحه بالكامل داخل المطعم، يحرص فريق العمل على عدم إهدار أي جزء منه. تُصنع من بقايا اللحم «إمباناداس»، أو نقانق طازجة ومُعتّقة في أغلفة طبيعية، ويُستخدم أي دهن مُزال في صنع خبز غني بالنكهة. يُعاد استخدام الخبز غير المُستعمل كفتات خبز لتغطية الميلانيساس في مطعم إل بريفيريدو، أو في حلويات الموظفين مثل بودنغ الخبز.

ميرازور - مينتون

منذ افتتاح مطعم «ميرازور» عام 2006، دافع الشيف ماورو كولاجريكو عن نهج دائري في فن الطهي. ويعدُّ البحث والتطوير ركيزة أساسية في فلسفته، مع تكريس فريقه جهوده لتحسين نهج المطعم واستخدام الموارد بأساليب أكثر كفاءة.

يزرع مطعم «ميرازور» معظم منتجاته بنفسه، ويتبع ممارسات زراعية تتناغم مع النظم البيئية الطبيعية. كما يعكف حالياً على تطوير مشروع زراعي بيئي واسع النطاق، يمتد على مساحة 42 فداناً، مخصصاً ليصبح مزرعة دائرية تُعنى بتجديد التربة والإنتاج والبحث والتدريب.


سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
TT

سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)

يتعلّق المرء أحياناً برائحة أو ملمس أو طعمٍ ما، فيجد نفسه يستعيد ذكرياتٍ دفينة تنبشها الذاكرة من طفولةٍ مضت، ويحتلّ الطعام صدارة ما يوقظ هذه الذكريات، سواء عبر نكهته أو رائحته أو شكله. تصبح كل قضمة، أو «كدشة» كما يسمّيها اللبنانيون، بمثابة رحلة خاطفة إلى زمنٍ يحنّ إليه المرء، ويتمنّى لو يعود به إلى الوراء.

ورغم أنّ بعض الأشخاص يربطون أكلةً أو سندويشاً معيّناً بمرحلة حربٍ أو جوع، فإنها تبقى بالنسبة إليهم حاملةً للحظة البهجة التي عاشوها وهم يتناولونها، فتنتصر الذكرى الجميلة على قسوة الظروف.

الجبن الأبيض مع البطيخ (إنستغرام)

ويرى علماء النفس أن علاقة وثيقة تربط بين حاستَي الشمّ والتذوّق والذاكرة، إذ تُعدّ الروائح والنكهات من أكثر المحفّزات على استعادة تفاصيل ظنّ الإنسان أنّها اندثرت. فما إن يتذوّق المرء لقمة اعتادها في طفولته أو يشمّ رائحة خبز خرج للتوّ من الفرن، حتى يجد نفسه يعود إلى بيت العائلة، أو إلى ساحة المدرسة، أو إلى جلسة جمعت أفراد الأسرة حول مائدة بسيطة. وكأنّ الطعام يتحوّل إلى أرشيف حيّ يحتفظ بالمشاعر أكثر مما يحتفظ بالمذاقات.

ولا ترتبط هذه الذكريات دائماً بالأطباق الفاخرة أو الوصفات المعقّدة، بل غالباً ما تكون لأطعمة شديدة البساطة. فسندويش أعدّته الأم على عجل، أو قطعة خبز غُمست بزيت الزيتون والزعتر، أو رغيف خرج ساخناً من فرن القرية، قد يترك في الذاكرة أثراً لا تمحوه السنوات. فالقيمة هنا لا تكمن في المكوّنات، بل في الأشخاص الذين شاركونا تلك اللحظات، وفي الشعور بالأمان والدفء الذي رافقها.

سندويشات تحاكي الطفولة (إنستغرام)

ولكلّ فئة من اللبنانيين محطّاتها الخاصة مع هذه الذكريات. فالمغترب قد تثير فيه رائحة الزعتر شوقاً جارفاً إلى الوطن، بينما يحتفظ أبناء جيل السبعينات، الذين عايشوا سنوات الحرب، بنكهات أكلات بسيطة، كان معظمها عبارة عن سندويشات متواضعة المكوّنات، لكنها تركت أثراً عميقاً في الذاكرة. أما الذين أمضوا طفولتهم في القرى، فيكفي أن تفوح رائحة خبز الصاج حتى يعودوا إلى أيام لا تزال تسكن وجدانهم.

وإذا سألت أحد أبناء جيل السبعينات عن الأكلة التي تختصر مرحلة الحرب اللبنانية، فسيردّ على الأرجح بأنها «عروس الجبنة المبسترة (بيكون) مع البندورة». ففي ظل انقطاع لبنان عن الخارج، وغياب التيار الكهربائي، وتنقّل اللبنانيين من منطقة إلى أخرى بحثاً عن الأمان، تحوّل هذا السندويش إلى رفيق دائم في رحلة النزوح.

ويأتي سندويش البطاطا والبيض المسلوق في طليعة النكهات التي لا تزال تستحضرها الذاكرة اللبنانية. وتقول منى بريدي: «هذا السندويش الذي كانت والدتي تحضّره لي على الغداء أو العشاء لا أزال أتلذّذ به حتى اليوم، وأعدّه جزءاً لا يتجزأ من طفولتي». بينما ترى صديقتها نايلة حلو أنّ أكثر ما تفتقده من حلويات الماضي هو «عروس الطحينة بالسكر». وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «كان هذا السندويش بديلاً عن الحلاوة التي لم تكن متوفرة دائماً، فكنا نلتهمه أنا وإخوتي بشهية، ولا أزال حتى اليوم أعود إليه بين حين وآخر».

أما المغتربون اللبنانيون، فيجمعهم حنين واحد يتمثّل برائحة المناقيش، ولا سيما منقوشة الزعتر. فكثير منهم، ما إن تطأ أقدامهم أرض الوطن، حتى يتوجّهون مباشرة إلى أقرب مخبز لتناول منقوشة ساخنة. بينما يفضّل آخرون أن تحضّر لهم والدتهم «عروس الزعتر وزيت الزيتون» كما كانت تفعل في طفولتهم، فيكون طعمها مزيجاً من الحنين والدفء العائلي.

ومن السندويشات التي ارتبطت بذكريات الطفولة «عروس الجبن الرومي مع المربّى» و«عروس البندورة والنعناع» و«عروس الجبنة البلغارية مع البطيخ» وكلمة عروس في لبنان تُطلق على السندويش. وقد أعاد مطعم «أم شريف ديلي» إحياء هذه الوصفات البسيطة، فخصّص لها حيّزاً في لائحة طعامه، ووصل سعر بعضها إلى نحو 15 دولاراً، رغم مكوّناتها المتواضعة. وبينما انتقد كثيرون هذا الارتفاع في الأسعار، رأى آخرون أنّ استعادة نكهة تختزن ذكريات الطفولة تستحق أن تُدفع في سبيلها كلفة أكبر.

وتطول لائحة «سندويشات الذكريات» لتشمل أصنافاً ارتبطت بمناطق لبنانية معيّنة، حتى باتت جزءاً من هويتها الشعبية. فأبناء مدينة طرابلس يستحضرون بحنين «سندويش المغربية»، الذي شكّل لسنوات وجبةً لا تغيب عن طفولتهم. بينما يحتفظ كثيرون بذكرى «عروس اللبنة والنعناع اليابس»، التي كانت محطةً شبه إلزامية للعائلات في طريقها إلى شتورا، قبل أن تتابع رحلتها نحو البقاع أو زحلة.

وللبحر أيضاً سندويشاته الخاصة. فكثير من اللبنانيين لا يزالون يربطون رحلات الصيف العائلية إلى الشاطئ بـ«سندويش البطاطا المقلية مع الكاتشاب»، الذي كان يُحضَّر في المنزل ويوزَّع على الأولاد بعد ساعات من السباحة واللعب. كما يحضر في الذاكرة «عروس المرتديلا»، أو سندويش «الكشك» في مواسمه، وسندويش الجبنة البيضاء مع البندورة، وهي وجبات لم تكن تحتاج إلى مكوّنات كثيرة بقدر ما كانت تحتاج إلى لمّة العائلة ونزهة بسيطة لتصبح ذكرى لا تُنسى.

ولعلّ ما يجمع هذه السندويشات جميعها أنّها لم تكن مجرّد وجبات تسدّ الجوع، بل تحوّلت مع مرور الزمن إلى جزء من الذاكرة الجماعية للبنانيين. فهي تختزن رائحة البيت، ودفءَ الأم، وضحكات الإخوة، ورحلات المدرسة، والنزهات العائلية. ومع مرور السنين، لم يعد مذاقها مجرّد نكهة، بل صار يستحضر زمناً جميلاً يحنّ إليه كثيرون، ويصفونه بـ«زمن البركة»، حين كانت البساطة كافية لصناعة أجمل الذكريات.